سينما المهرجانات العربية تعكس الطموحات المحقّة

الحدث الأهم سعودي

«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
TT

سينما المهرجانات العربية تعكس الطموحات المحقّة

«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)

ندلف في هذه الأيام من عام لآخر. الفاصل ربما كان واهياً لمن يعتقد أنّ الأمور تمضي كعادتها من دون جدول زمني معين. الكورونا ومتحوّراته مثال واضح. كم يتمنى المرء لو أنّ الوباء يتوقف في الحادي والثلاثين من هذا الشهر، فجأة، كما وُلد فجأة، لكنّه لا يعرف شيئاً عن أيام الأسبوع ولا جداول الشهر أو السنين.
على ذلك، هناك من يصر على اعتبار أنّ كل سنة تبدأ وتنتهي في حدودها الزمنية وعلى ذلك، لا بدّ لنا من الامتثال لهذا الوضع فنستفيد من أخطائنا، ونخطط لأهدافنا، من ثمّ نراجع ما حققناه منها أو لم نحقق ولماذا.
في نطاق واسع كالسينما، لا بد من هذه الوقفات ومن مراجعة ما حُقّق وما لم يُحقّق. ما نجح وما فشل. كيف تصرّفت السينما حيال طموحاتها وما الذي أنجزته من أحداث ومشاريع وتوجّهات. وعلى حلقتين متواليتين سنقوم بهذه المراجعة على أدق نحو نستطيعه، متوقفين عند النجاحات والإخفاقات والتيارات والأفلام معاً.
الحلقة الأولى هنا، هي عن السينما العربية التي ما زالت تتنفس الآمال والأحلام والإنجازات.
تبعاً لذلك، فإنّ الحدث الأهم في السينما العربية خلال سنة 2021، هو إطلاق الدورة الأولى من مهرجان «البحر المتوسط»، أول نافذة سعودية - عالمية على السينما الحدثية والتعبير الأوفى عن رغبة المملكة في خوض غمار الصناعة السينمائية، وتمكين صانعي الأفلام السعوديين والعرب من تحقيق طموحاتهم بإمكانيات مادية لم يسبق لدعم عربي أن حققه من قبل على هذا المستوى.
بعد ثلاث سنوات فقط من نقطة التحوّل التي أقرها ولي العهد محمد بن سلمان والحكومة السعودية، التي وضعت حجر الأساس لانتقال المملكة حثيثاً صوب مجالات الفن السابع عروضاً وإنتاجاً ومهرجانات وصناديق دعم، ارتفع منسوب الإنتاجات السينمائية فيها إلى معدل غير مسبوق، وشهدت صالات السينما التي تسارع إنشاؤها لتلبية حاجة المواطن إقبالاً كبيراً (أكثر من مليون بطاقة بيعت خلال هذه الفترة).
أمّا المهرجان ذاته فقد أنجز حضوراً كبيراً على صعيد المنطقة، وتمتع بحديث الصحافة والإعلام المتلفز الغربي والآسيوي، الذي رأى فيه لا المبادرة وحدها (على أهميّتها) بل الإنجاز الذي أصر القائمون على المهرجان تأكيد نوعيته وأهميّته.

على نحو رتيب
مهرجان «البحر الأحمر» ليس المهرجان السينمائي الوحيد في المملكة، بل هناك مهرجان «أفلام من السعودية»، وهو بانوراما تشمل كل ما حُقّق خلال السنة من أفلام سعودية قصيرة وطويلة، روائية أو تسجيلية. في دورته السابعة أكّد على أهميّته، وشهد التفاف صانعي الأفلام السعوديين حوله. رئيسه التنفيذي أحمد الملا كان صادقاً حين كرر في أحاديثه أنّه يرى المهرجان حدثاً ضرورياً وحافزاً للمخرجين والسينمائيين السعوديين لتقديم أعمالهم في ربوعه.
بمقارنة كل هذا الحجم من الحضور والمثابرة التي شهدتها المملكة (وهو جزء من جهود اقتصادية واجتماعية وإعلامية شاملة) بما شهدته الدول العربية من أحداث على صعيد الإنتاجات، والصناعات ذاتها، يتبلور الحدث السعودي والتقدم الذي تحقق من خلاله أفضل وأهم إنجاز سينمائي بين الدول العربية.
في أكثر من دولة عربية أخرى، سارت الأمور على نحو رتيب وتلقائي وبلا حرارة في بعض الأحيان. المهرجانات التي شهدتها تباينت. مهرجان مثل الجونة في مصر أكّد نجاحه السابق وأضاف إليه. مهرجانات أخرى مثل «أيام قرطاج السينمائي» و«مهرجان القاهرة» ومهرجانات مصرية أخرى ومغربية راوحت مكانها على الرغم مما نجحت في رصفه من أعمال جديدة.
الدول الأخرى التي شهدت إقامة مهرجانات في السابق، مثل سوريا ولبنان والعراق والجزائر فإنّ العدّاد فيها توقف، كلياً أو عملياً، أو استمر في التوقف تبعاً لمشاكل تختلف من بلد لآخر. إمّا أنّ الحالة الاقتصادية لا تسمح، وإمّا لأنّ التمويل غير كافٍ، أو لأنّ صالات السينما قليلة والاهتمام بتغيير وضعها ووضع الصناعة برمّته مفقود.
كانت هناك تظاهرات سُمّيت بالمهرجانات، لكنّها مرّت إما من تحت الرادار أو بالكاد فوقه، وفي الحالتين لم تترك تلك التظاهرات الأثر الذي صبت إليه. استغل جمهور محدود ما أتيح له من تظاهرات ومهرجانات وأقبل بنسبة تتراوح من مهرجان لآخر حسب حجم المهرجان وطاقته وأهمية ما عرضه.

عربي بتمويل غربي؟
والجمهور العربي، في عمومه، ما يزال بعيداً عن توفير الحماية الكاملة لإنتاجات الدول العربية. هو جمهور المهتمّين والهواة وطالبي الترفيه معاً. هؤلاء يشكلون نسبة محدودة إذا ما قيست بالجمهور الذي يمضي الساعات الطويلة أمام أجهزة التلفزيون والكومبيوتر يشاهد من عليها كل ما يستطيع الوصول إليه.
لا توجد إحصائية حديثة في هذا المجال، لكن الدول التي قادت الإقبال على صالات السينما خلال العام المنتهي قريباً، تشمل السعودية والإمارات والبحرين من ثمّ المغرب ومصر. بعض الدول الأخرى لديها أسواق أصغر وجمهور أقل لكن الباحث لن يجد ما يؤيد ذلك من إحصائيات حديثة بأرقام محددة.
رغم المعيقات، فإنّ عجلة الإنتاجات السينمائية في العالم العربي ما زالت تدور. ليس بالطموح الذي يمكن معه الحديث عن تقدم عددي، وبالتالي نوعي، إنّما بالقدر الكافي لأن يتم رصدها والحديث عنها من زاوية البحث عن الأكثر تميّزاً بينها في عداد 2021.
في الأساس، ما زالت السينما العربية تتكل، على نحو عام، على التمويل الغربي. والكثير من الحديث يدور في كل سنة حول الشروط التي يخضع لها منتجون ومخرجون عرب للفوز بتمويل أفلامهم عبر شركات فرنسية وألمانية وهولندية ودنماركية وبريطانية وسواها.
هذا الحديث الذي استرسل خلال السنة الحالية، كذلك مفاده أنّ الشركات الأجنبية توافق على السيناريوهات التي تعرض الجوانب السلبية من الحياة العربية، التي تدور حول المجتمعات والتقاليد وتنتقدها. أيضاً تلك التي تتحدث عن حقوق مهضومة للأقليات أو للنساء أو للأطفال. حسب قول أحد المخرجين: «إذا كان لديك سيناريو لفيلم تسجيلي أو روائي يعرض الصور السلبية وحدها، فإن لديك حظاً وافرا في نيل الموافقة على مشروعك».
آخر الأفلام العربية التي أدرجها هذا القول من قبيل التأكيد فيلم «ريش» لعمر الزهيري (مصر).
بعض آخر (أغلبهم ممن نال تمويلاً أجنبياً) ينفي هذا الوضع برمّته. يقولون إنّ الغرب لا يضع شروطاً ولا يفرض قيوداً أو ضغوطاً. ما يجدونه في مكاتب الشركات الأجنبية هو الدعم لقاء استحواذ حقوق العرض كما حال كل الإنتاجات الغربية ذاتها.
على ذلك، تجدر ملاحظة أنّ التوجه إلى الغرب طمعاً في التمويل بالنسبة لعدد لا بأس به من الأفلام العربية، ناتج عن فقر المؤسسات التي تستطيع أن ترعى سينمائيي الدول العربية. لا توجد شركات كبيرة تتموضع بحيث يمكن اللجوء إليها لتأمين ميزانيات أفلام مختلفة عن السائد (المُنتج غالبه في مصر)، وذلك لسبب جوهري: لا يوجد توزيع جيد من قبل شركات تؤمن عروض الفيلم في كل الدول العربية أو - على الأقل - في نصفها. وبعض هذا السبب يكشف عن سبب أعمق: العديد من الدول تفتقر إلى صالات السينما التي تؤمن ما هو ليس مصرياً أو هندياً أو أميركياً.
مرة ثانية، تبرز قيمة لا مثيل لها بإطلاق صناديق الدعم السعودية عبر مهرجان «البحر الأحمر الدولي» للأفلام المحلية في المملكة ولكل صاحب طموح عربي خارجها. المساهمات هنا تتم لقاء طلب وحيد، هو أن يُعرض الفيلم في الدورة المقبلة (أو التي تليها) من المهرجان. طلب عادي يمنح المهرجان السعودي معيناً من الأفلام علماً بأنه سيوالي كذلك سعيه لاستحواذ أفلام عربية أخرى لم يدعمها.

شدّت الرحال
هذا ما يدلف بنا إلى ما شهدته سنة 2021، من أفلام عربية تستحق التوقف عندها في هذا الاستعراض بصرف النظر عن نقاط نجاح أو فشل.
من هذا المنظور، فإنّ عام 2021 بدأ بدخول فيلم «الرجل الذي باع ظهره» لكوثر بن هنية، المربّع الأخير في ترشيحات الأوسكار السينمائية في مطلع السنة. كان هذا الفيلم التونسي الأول الذي ينجح في دخول الترشيحات الأخيرة فاز أو لم يفز. هو أيضاً واحد من تلك الأفلام التي انتُقد للجوئه إلى الشركات الغربية (فرنسية وألمانية وتركية وسويدية وبلجيكية)، وكذلك، رُفض هذا الانتقاد على أساس أنّ المشروع، بحجم مساحته ومتطلباته، لم يكن ليتم لو أنّ التمويل لم يحصل من قِبل تلك الجهات الإنتاجية.
النقد والرد عليه لا يفيدا كثيراً طالما أنّ وضع الصناعة السينمائية في غالبية البلاد العربية ليس مستقرّاً. ما هو أهم، هو أنّ المزيد من الأفلام العربية شهدت عروضها في مهرجانات دولية هذه السنة ولفتت انتباه (وأحياناً ثناء) الإعلام العالمي.
‫من بين هذه الأفلام خمسة شدّت رحالها إلى مهرجان «كان» السينمائي هي «ريش» لعمر الزهيري (الذي نال جائزة جمعية اتحاد النقاد والصحافيين العالميين - فبريسكي) و«لينغوي» لمحمد صالح هارون (الصومال) و«زوجة حفّار القبور» لعيدروس خضر أحمد (الصومال) و«البحر أمامكم» لإيلي داغر (لبنان) و«علي صوتك» لنبيل عيّوش الذي عُرض داخل المسابقة الرسمية. كما عرض «أوروبا» لحيدر رشيد في تظاهرة «نصف شهر المخرجين» الموازية لأعمال المهرجان الفرنسي.‬
بدوره عرض مهرجان برلين في مسابقته الرسمية «دفاتر مايا» لجوانا حاجي توما وخليل جريج بينما عرض مهرجان فنيسيا «أميرة» لمحمد دياب (وهو إنتاج مصري - أردني - الإمارات العربية المتحدة) في قسم «آفاق». كذلك شوهد فيلم «الغريب» لأمير فخر الدين في تظاهرة منفصلة انطلق من بعدها، كما «أميرة» صوب مهرجانات أخرى.
كل من «الغريب» و«أوروبا» و«زوجة حفّار القبور» و«أميرة» و«البحر أمامكم» و«علي صوتك» تمثّل بلدانها بين الأفلام التي تمر إرسالها لدخول مسابقة أوسكار «أفضل فيلم عالمي». الأفلام العربية الأخرى التي دخلت ذلك السباق: «حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)، «سعاد» لأيتن أمين (مصر)، «هيليوبوليس» لجعفر قاسم (الجزائر)، «كوستابرافا» لمنية عقل (لبنان)، و«فرططو الذهب» لعبد الحميد بوشناق (تونس).
الأكثر حظّاً في الانتقال من خانة تمثيل بلدانها إلى المرحلة الرسمية الأولي (انتخاب نحو إحدى عشر فيلماً لدخول الجولة الرسمية الثانية) هو «حد الطار» السعودي و«الغريب» هذا الأخير يداخله تمويل ألماني وسوري وقطري ولو أنه مقدّم باسم فلسطين.

نهضة أفلام سعودية
«حد الطار» هو أحد الأفلام السعودية المتعددة التي أفصح مهرجانا «البحر الأحمر» و«أفلام من السعودية» عن وجودها لتؤكد نهضة محلية تستفيد من دعم الدولة ومن موهبة واندفاع الجيل الجديد من صانعي السينما السعوديين. في إطار مهرجان «البحر الأحمر» وحده عرض ثمانية أفلام سعودية الإنتاج على نحو كامل لمخرجين سعوديين وما يماثلها تقريباً من أفلام شهدت دعماً سعودياً لمشاريع ومخرجين غير سعوديين.
من بين الأفلام السعودية المحلية «جنون» لمعن وياسر بن عمد الرحمن و«دولاب في» لأنس باطهف و«قوارير» لرغيد النهدي ونور الأمير ورُبى خفاجي من بين مخرجات أخريات. هذا هو حال فيلم آخر بعنوان «بُلوغ» شاركت في إخراجه خمس مواهب نسائية بينهن هند الفهّاد وفاطمة البنوي وجواهر العامري ونور الأمير.
من ناحيته عرض مهرجان أفلام السعودية ما بين الأول والسابع من يوليو (تموز) هذه السنة، 36 فيلماً ضمن برنامج سينما سعودية من بينها 14 فيلما تنافست على الجوائز، بينما توزعت الأفلام الباقية (22 فيلماً) في العروض الموازية.
العديد من الأفلام العربية المختلفة عُرضت في مهرجانات ثلاث هي «مالمو»، و«أيام قرطاج السينمائية»، و«مهرجان آسيا الدولي» في لوس أنجليس. كذلك خص «مهرجان القاهرة السينمائي» تظاهرته المعتادة تحت عنوان «آفاق السينما العربية» لعرض تلك التي اختارها للغاية.
على صعيد آخر، فالمهرجانات العربية أو ذات الإدارة العربية التي شهدت تقدّماً مهنياً واحترافياً أكثر من سواها هي: «مهرجان البحر الأحمر» و«مهرجان الجونة» و«مهرجان مالمو» و«مهرجان أفلام السعودية» و«مهرجان آسيا الدولي».
وفي حين باتت هذه المهرجانات المعين الأول لاستكشاف تيارات السينما العربية ومشاغلها، تتبدّى حقيقة أنّ السينما العربية حافظت على ما تعاملت به، خلال السنوات الماضية، من قضايا وطروحات. لا يمكن لومها في تداول مسائل اجتماعية أساسية تعيشها المجتمعات العربية أو أحداثاً تمر بها، لكنّ العديد منها برهن على أنّه يرفع قضاياه إلى الخط الأول من الاهتمام ويخفق في دفع الشروط الفنية إلى المصاف ذاته.
السينما اللبنانية، في هذا النطاق، ما زالت تتعامل مع الحرب الأهلية اللبنانية أو تبعاتها الحاصلة إلى اليوم. في عام 2021 شاهدنا ذلك مترجماً إلى عدد لا بأس به من الأفلام من بينها «دفاتر مايا» لجوانا حاجي توما وخليل جريج (عن فتح ملفات وذكريات تلك الحرب بعد سنوات من انتهائها)، و«يوسف» لكاظم فياض (عن تجارة السلاح في لبنان اليوم)، و«أعنف حب» لإيليان الراهب (مساءلة شخص عن دوره في تلك الحرب).
لكن هذا لا يعني أنّ الحرب ومداولاتها هي كل ما عرفته هذه السينما المصرّة على الاستمرار رغم الظروف الصعبة. إلى جانبها كانت هناك أفلام بديعة بمواضيع مختلفة من بينها «قلتلك خلص» لإيلي خليفي، و«تحت السماوات والأرض» لروي عريضة، و«النزلاء الزرق» لزينة دكّاش.
بلد آخر قريب يرزح تحت تلك الظروف المعاكسة، هو سوريا، والمشكلة هنا أنّ الأفلام المعادية للحكم هناك، لا تحاول أن تطرح سياسيا ما يجب طرحه حتى وإن أُنتج وصُوّر في مأمن. هذه المشكلة برزت في فيلمين هذه السنة، هما «نحن من هناك» لوسام طانيوس (الذي ينتمي كذلك إلى ازدهار أفلام يتناول فيها المخرجون شخصيات عائلية)، و«فلسطين الصغرى» لعبد الله الخطيب.
على نحو مخالف شوهد فيلمان سوريان جيدان هما، «المترجم» لرنا كزكز وأنس خلف ويدور حول ويلات الحرب الدائرة، و«الظهر إلى الجدار» لأوس محمد الذي بدوره يتعامل مع الوضع الحالي وكلاهما يمرّرا رسالتيهما من دون خطابة أو مباشرة.

أحداث مصوّرة وتحفة
وهناك تيار نسائي يحمل في ثناياه حسنات وسيئات الانفصال عن السينما ككيان جامع. على سبيل المثال يعكس فيلم «سعاد» لأيتن أمين (مصر)، وضع الفتاة التي تحمل وجهين متلازمين في حياتها؛ واحد ملتزم دينياً والآخر متحرر. في «كما أريد» لسماهر القاضي (مصر)، دور المرأة في مظاهرات 2013، وما عانته من المتظاهرين أنفسهم تدخل تحت بند التحرّش.
أفضل فيلم مصري شوهد خلال 2021، لن يكون سوى «صندوق الدنيا» لأحمد بهات، يليه مجموعة تعبت لإنجاز الفيلم المختلف عن السائد وحققت نجاحات أقل من المطلوب من بينها «ريش» لعمر الزهيري (شهد انقساماً شديداً حوله)، و«قابل للكسر» لأحمد رشوان (تسجيلي)، و«حظر تجوّل» لأمير رمسيس، و- مؤخراً - «أبو صدّام» لنادين خان، و«من القاهرة» لهالة جلال.
موضوع الهجرة من البلاد العربية إلى الغرب تراجع عما كان عليه في العامين الماضيين، لكنه ما يزال حاضراً. في «أوروبا» لحيدر رشيد، حكاية الشاب الذي يركض في غابات بلغاريا هرباً من مطارديه وبحثاً عن لجوء من أي نوع. ويستخدم «رجل خشب» لقتيبة الجنابي الرمز لإيصال غايته. المهاجر هنا رجل من خشب تشدّه الذكريات إلى وطنه والأمل في إيجاد بيت يحميه في الغربة معاً.
في آخر مطاف هذه السنة، سُحب فيلم «أميرة» لمحمد دياب من تمثيل الأردن في سباق الأوسكار، وتحوّل إلى مشكلة سياسية بين أطرافه وصانعيه.
آخر ما شوهد من أفلام عربية في سبيل رصد نشاطاتها فيلم «لو انهارت الجدران» للمغربي حكيم بلعبّاس: 17 قصة في فيلم من ساعتين وربع كل منها تصلح لتكون فيلماً منفصلاً. تجربة فريدة من نوعها. هذا الفيلم و«استعادة» لرشيد مشهراوي الذي عُرض في مهرجان البحر الأحمر (وتمّت مشاهدته في عرض خاص) كما «صندوق الدنيا» لأحمد البهات، و«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي، و«قلتلك خلص» لإيلي خليفي، و«الظهر إلى الجدار» لأوس محمد، و«دفاتر مايا» للزوجين جومانا حاجي توما وخليل جريج، هي أفضل ما شوهد من أفلام عربية هذا العام.


مقالات ذات صلة

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان روتردام السينمائي (الشركة المنتجة)

شهريار سوميت: «ماستر» يرصد التحولات الاقتصادية في بنغلاديش

قال المخرج البنغالي رضوان شهريار سوميت، إن فيلمه «ماستر» جاء نتيجة مراقبة طويلة للتحولات الاقتصادية التي تشهدها بلاده.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق محمد القس في دور «صقر القفوف» العقل المدبر لكل مصائب الحي (شاهد)

خيوط الشك تمزّق «حي الجرادية»... وتثير جدل الجمهور

تشهد الدراما السعودية في موسم رمضان هذا العام تنوعاً متزايداً في الموضوعات والبيئات الاجتماعية، ويأتي مسلسل «حي الجرادية» ضمن هذه الأعمال.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق صور المخرج مع رفاقه ومعارفه في الإقليم (الشركة المنتجة)

إليزي سواسوا: «طفح الكيل» يوثق شهادة جيل وُلد تحت النار في بلدي

في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية حيث تتقاطع الثروات المعدنية الهائلة مع أطول الحروب المنسية في أفريقيا، يقدَّم فيلم «طفح الكيل» بوصفه أكثر من عمل وثائقي.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق من فيلم «هامنت» (فوكاس بيكتشرز - AP)

«الشرق الأوسط» في جوائز الأوسكار (2)... في سباق أفضل سيناريو فيلم «خاطئون» في المقدمة

في سباق أفضل سيناريوهين، أصلي ومقتبس، للفوز بجائزة الأوسكار يكمن الفارق الأول بين سيناريو مكتوب خصيصاً للسينما، وسيناريو مقتبس عن مسرحية أو كتاب أو أي مصدر آخر.

محمد رُضا (لندن)
خاص الفنان اللبناني جورج خبّاز بشخصية «منير» في فيلم «يونان» (صور خباز)

خاص جورج ومنير وأمير... ثلاثيّة صنعت الدهشة في فيلم «يونان»

في حوار خاص مع «الشرق الأوسط»، يتحدّث الفنان اللبناني جورج خبّاز عن تجربته الاستثنائية في فيلم «يونان» ونقاط التلاقي بينه وبين البطل «منير».

كريستين حبيب (بيروت)

«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
TT

«مارتي سوبريم» و«سيرات»… مرشحا الأوسكار يفتتحان موسم أفلام العيد

«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)
«مارتي سوبريم» من أهم أفلام عام 2025 وحصل على 9 ترشيحات لجوائز الأوسكار (imdb)

مطلع الأسبوع المقبل تعلن جوائز الأوسكار التي يترقبها عشاق السينما، وبعدها بأربعة أيام تبدأ صالات السينما السعودية في عرض أفلام رُشحت للفوز بالأوسكار، إذ يصل فيلما «مارتي سوبريم» Marty Supreme و«سيرات» Sirāt إلى دور السينما ليلة العيد، وتحديداً في 19 مارس (آذار)، ليأتي عرضهما في توقيت لافت، حيث يُتوقع أن ينعشا صالات السينما المحلية التي دخلت في حالة ركود نسبي خلال شهر رمضان.

وينتقل هذان الفيلمان سريعاً من دائرة ترشيحات الأوسكار إلى شباك التذاكر، في انعكاس للتحولات التي شهدتها سوق السينما في المملكة خلال السنوات الماضية، فبعد أن كانت أفلام المهرجانات تصل إلى الجمهور المحلي بفارق زمني طويل عن طرحها العالمي، باتت اليوم تُعرض في توقيت متقارب مع عرضها الدولي، ما يجعل الجمهور السعودي جزءاً من دورة المشاهدة العالمية للأفلام المرتبطة بموسم الجوائز.

تيموثي شالاميه في مشهد من الفيلم (imdb)

تيموثي شالاميه في سباق أفضل ممثل

يأتي فيلم «مارتي سوبريم» في مقدمة الأفلام المنتظرة، والتي لفتت الأنظار خلال موسم جوائز هذا العام، خصوصاً مع الأداء الاستثنائي الذي قدمه النجم الأميركي تيموثي شالاميه في دور لاعب تنس الطاولة مارتي ماوزر، وهي شخصية مستوحاة من اللاعب الأميركي الشهير مارتي ريسمان الذي كان أحد أبرز نجوم اللعبة في خمسينات القرن الماضي.

الفيلم من إخراج جوش سافدي، ودخل سباق جوائز الأوسكار بعدة ترشيحات، أبرزها أفضل فيلم وأفضل ممثل لتيموثي شالاميه، إضافة إلى ترشيحات في عدد من الفئات الفنية الأخرى. ويعد هذا الترشيح محطة مهمة في مسيرة شالاميه، الذي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد أبرز نجوم جيله في هوليوود، خصوصاً بعد أدواره في أفلام مثل «Dune» و«Call Me by Your Name».

وجاء العرض الأول للفيلم في مهرجان نيويورك السينمائي 2025 قبل أن يُطرح تجارياً في دور العرض الأميركية نهاية العام نفسه عبر شركة «A24» التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز شركات الإنتاج والتوزيع المرتبطة بالأفلام المرشحة للجوائز. ومع طرحه التجاري، تحول «مارتي سوبريم» إلى أحد أبرز عناوين موسم الجوائز، مدعوماً بإشادات واسعة بأداء شالاميه.

فيلم «سيرات» مرشح الأوسكار عن فئة أفضل فيلم دولي (imdb)

«سيرات»... رحلة إنسانية معقدة

في المقابل، يقدم فيلم «سيرات» تجربة سينمائية مختلفة تنتمي إلى السينما الأوروبية ذات الطابع التأملي، وهو فيلم من إخراج المخرج الفرنسي الإسباني أوليفر لاكس المعروف بأسلوبه البصري الهادئ، واعتماده على الطبيعة بوصفها عنصراً أساسياً في بناء الصورة السينمائية.

وتدور أحداثه حول أب يُدعى لويس، يؤدي دوره الممثل الإسباني سيرجي لوبيز، ينطلق في رحلة عبر صحراء جنوب المغرب بحثاً عن ابنته التي اختفت خلال حفلة موسيقية في منطقة صحراوية نائية، ويرافقه في الرحلة ابنه الصغير، لتتحول هذه المغامرة تدريجياً إلى حالة إنسانية تتجاوز مجرد البحث عن شخص مفقود. وخلال الطريق، يلتقي الأب بمجموعة من الشباب الرحّل الذين يتنقلون بين حفلات موسيقى إلكترونية تُقام في الصحراء، حيث تختلط الأسئلة العائلية بالبحث عن المعنى والهوية، في عمل يعتمد على الإيقاع البصري وبناء الأجواء أكثر من اعتماده على التسلسل المباشر للأحداث.

ولفت الفيلم الأنظار منذ عرضه الأول في مهرجان كان السينمائي 2025، حيث شارك في المسابقة الرسمية، وتمكن من الفوز بجائزة لجنة التحكيم، وهي إحدى الجوائز الرئيسة في المهرجان، كما اختير «سيرات» لتمثيل إسبانيا في فئة أفضل فيلم دولي في جوائز الأوسكار، ليكون أحد الأفلام الأوروبية المنافسة في هذه الفئة خلال الدورة الحالية من الجائزة.

«شباب البومب3»... الكوميديا السعودية

وبينما تحضر أفلام موسم الجوائز في موسم العيد، لا يغيب الإنتاج المحلي عن صالات السينما، إذ ينضم إليها الفيلم الكوميدي «شباب البومب3»، الذي يبدأ عرضه أيضاً في 19 مارس، وهو امتداد لسلسلة الأفلام المقتبسة من المسلسل التلفزيوني الشهير «شباب البومب» الذي حقق شعبية واسعة في السعودية على مدى سنوات، واستطاعت السلسلة أن تنقل هذا النجاح إلى السينما، حيث حقق الجزآن السابقان حضوراً قوياً في شباك التذاكر المحلي.

يقود بطولة الفيلم الممثل السعودي فيصل العيسى إلى جانب محمد الحربي وعبد العزيز الفريحي وسلمان المقيطيب، في عمل يواصل تقديم مغامرات مجموعة من الأصدقاء التي اعتاد الجمهور على متابعتها في المسلسل الرمضاني. كما تدور أحداث الجزء الجديد حول عامر (فيصل العيسى) الذي يخطط لقضاء عطلة صيفية مع أصدقائه، غير أن خطته تصطدم بإصرار عائلته على مرافقته في الرحلة.

أفلام عالمية منتظرة

وإلى جانب أفلام موسم الجوائز، تشهد صالات السينما في موسم العيد عروضاً لأفلام عالمية أخرى بدأت بالفعل رحلتها في دور العرض الدولية خلال الأسابيع الماضية. من بينها فيلم الرعب «الغرباء: الفصل الثالث» The Strangers: Chapter 3، وهو أحدث أجزاء سلسلة الرعب الشهيرة التي تعود جذورها إلى فيلم The Strangers الصادر عام 2008. ويأتي الفيلم من إخراج ريني هارلن ويضم في بطولته مادلين بيتش وغابرييل باسو وإيما هورفاث، ويتابع قصة الناجية الوحيدة من هجمات الغرباء المقنّعين، والتي تجد نفسها مجدداً في مواجهة قاتليها أثناء محاولتها الهروب من المدينة.

كما ينضم إلى العروض فيلم «ذا برايد» The Bride!، وهو عمل درامي ذو طابع قوطي مستلهم من أسطورة فرانكنشتاين، ومن إخراج وكتابة ماغي جيلنهال ويضم طاقماً لافتاً من النجوم يتقدمه كريستيان بيل وجيسي باكلي، في حين تدور أحداث الفيلم في ثلاثينات القرن الماضي حول امرأة تُعاد إلى الحياة لتصبح «عروس الوحش»، في إعادة تخيّل معاصرة لفيلم Bride of Frankenstein الكلاسيكي.

موسم سينمائي ساخن

ويمكن القول إن موسم أفلام العيد في السعودية هذا العام يحمل قدراً كبيراً من التنوع والإثارة، إذ يجمع بين أعمال قادمة من قلب موسم الجوائز العالمية، وأخرى تنتمي إلى السينما السعودية الجماهيرية. وبين فيلم أميركي يتتبع صعود لاعب رياضي في عالم تنافسي، وفيلم أوروبي يقدم رحلة إنسانية في الصحراء، وفيلم سعودي كوميدي يعتمد على نجومية مسلسل تلفزيوني ناجح، يجد الجمهور نفسه أمام خيارات سينمائية متعددة في موسم واحد.

ومع استمرار توسع سوق السينما في المملكة، وازدياد عدد دور العرض، يبدو أن هذا التنوع سيصبح سمة أكثر وضوحاً في السنوات المقبلة، حيث تتقاطع الإنتاجات المحلية مع الأفلام العالمية في برامج العرض، لتمنح الجمهور فرصة متابعة أحدث التجارب السينمائية في وقت واحد.


محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
TT

محمد حمَّاد لـ«الشرق الأوسط»: في «خروج آمن» أطرح قضايا وأسئلة لا أجوبة عليها

لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)
لقطة من «خروج آمن» (ماد سوليوشن)

بعد 10 سنوات على تحقيقه فيلمه الأول «أخضر يابس»، يعود المخرج محمد حمَّاد ومنتجته خلود سعد للعمل معاً في فيلم آخر بعنوان «خروج آمن»، عُرض في «مهرجان برلين» حيث أُجريت هذه المقابلة. الفيلم عن شاب تسكنه مخاوف من الآخرين، وحيد في عالم متشابك. لكن هذا ليس سوى جزء مما يشيّده المخرج، وواحد من أهداف فيلم درامي يسعى إلى تقديم نماذج واقعية لشخصيات من السهل التعرّف إليها درامياً وعلى صعيد وجداني أيضاً.

إنجاز مستقل

* بوصفك منتجة هل دخلت هذا المشروع من دون تمويل مسبق؟

- خلود: صحيح. لم نُقدم على طلب أي دعم من أي طرف قبل انتهاء التصوير والحصول على نسخة أولى من الفيلم صالحة للعرض. بعد ذلك تقدَّمنا بالفيلم إلى مؤسسات الدوحة و«آفاق» و«أطلس». هذا، بالمناسبة عكس ما قمنا به في الفيلم السابق «أخضر يابس» إذ حققناه بمعزل عن أي تمويل خارجي.

محمد حمّاد (أرشيف المخرج)

* كيف وصل هذا المشروع إليك؟

- خلود: عملتُ مع حمّاد عليه منذ البداية. بعد فيلمنا الأول كتب حمّاد فيلماً آخر لم يُحقق، ثم كتب هذا الفيلم. خلال هذه المدّة تناقشنا كثيراً، وكنا متفقين على أهمية الموضوع المطروح والخطوات التي اعتمدناها لتحقيقه.

* قرأت اسم المنتجة التونسية درة بو شوشة والمخرج المصري إبراهيم البطوط. كيف كان التعامل معهما؟

- خلود: درّة بو شوشة شاركت منذ البداية وساعدتنا كثيراً. أما إبراهيم البطوط فكان إضافة رائعة إلى المشروع. شخصية ملائكية وخلاّقة.

ثلاث طبقات

* بالنسبة إليك مخرجاً، لفتني التشكيل البصري للمشاهد، خصوصاً من حيث التأطير والزوايا والأحجام. هل كان ذلك نتيجة تخطيط مسبق؟

- حمَّاد: ليس نتيجة تخطيط أساساً، بل تشكيلاً لكيف يمكن للمشهد أن يروي أكثر مما تستطيع اللقطة الواحدة توفيره بحد ذاتها. منذ البداية كنت أرغب في تحقيق فيلم ذي طبقات متعددة. هناك حالة اجتماعية لشاب قبطي يعمل رجل أمن في بناية ويسعى إلى كتابة رواية تعكس وضعه، وعنوان الرواية «أنا مين؟»، وهو عنوان استقاه من حياته. وهناك أيضاً الطرح السياسي، فوالد عصام قُتل في ليبيا في حادثة وقعت فعلاً وراح ضحيتها كثيرٌ من المصريين الأقباط. ثم هناك الجانب الوجودي من خلال أسئلة يطرحها الشاب على نفسه، ومن خلال علاقة إنسانية مع فاطمة التي تماثله في وضعها الاجتماعي.

مروان وليد ونهى فؤاد في لقطة (ماد سوليوشن)

* هناك لحظات يبدو فيها الفيلم كما لو كان متجهاً إلى تشييد علاقة حب بين عصام وفاطمة، لكنك توقفت عند مفهوم وجداني لتلك العلاقة.

- حمّاد: صحيح. فاطمة شخصية ضرورية في الفيلم كحالة اجتماعية أخرى. عصام يفتقد الشعور بالأمان، وهي كذلك، إذ لا تملك أوراقاً شخصية ولا تأميناً صحياً. كلاهما شخصيتان تعيشان حالة اضطراب واحدة.

فيلم مستقل يعتمد على شخصيات واقعية وبناء بصري دقيق

مخاوف

* الفيلم مقسّم إلى 3 أجزاء: الأول «أبي قال لي»، والثاني «فاطمة قالت لي»، والثالث «عبد الله قال لي». لماذا؟

- حمّاد: أنا معجب بأشعار محمود درويش، ولديه قصيدة عنوانها «أبي قال لي ذات مرّة». طبعاً لا يذكر الجزء الثاني قولاً محدداً من فاطمة، لكنه نوع من الاستنتاج. كذلك لا يوجد في «عبد الله قال لي» أي شيء محدد. الفيلم اشتغال على حالات وجدانية لا تُقال بل تُشاهد.

* أحد المشاهد المهمة هو المشهد الذي يطلب فيه عصام مالاً من أم عبد الله. ويبدو الطلب صعباً عليه، لأن ابنها عبد الله ينتمي إلى جماعة إرهابية ويرمقه بنظرات عدائية.

- حمّاد: نعم. هذا نوع من المشاهد التي كانت تتطلّب تشكيلاً خاصاً. أم عبد الله وابنها يستغلان عصام. نراها في مشاهد سابقة تطلب منه شراء حاجياتها على الرغم من أن عمله حارس أمن فقط. ابنها يكرهه لأنه قبطي. كان عليَّ اختيار موضع الكاميرا والتشكيل العام لكي تحكي الصورة الدراما الموزعة بين هذه الشخصيات الثلاثة في المشهد الواحد.

* أعتقد أن ما يجمع بين فيلمك السابق «أخضر يابس» و«خروج آمن» هو أن بطلة الأول وبطل الثاني يبحثان عن هوية. هل توافق؟

- حمّاد: سمعان لا يبحث عن هويته. هو مدرك تماماً لوضعه. إنه شاب يعرف ما هو الخوف ويعرف أنه من الأقلية. يخاف من عبد الله، ثم لا يجد بداً من قتل هذا الخوف بالتخلّص من سببه. يتحوّل إلى قاتل.

* كيف اخترت ممثليك مروان وليد ونهى فؤاد، لدوري عصام وفاطمة؟

- حمّاد: مروان جاء من خلال «الكاستينغ». قابلت عدداً من المرشحين قبل التصوير، لكنه لفت اهتمامي لأنه قريب في الشكل من الشخصية التي كتبتها. المفارقة أنه جاء من وضع اجتماعي مريح. سألته: «سعر الطماطم كام؟» فوجئ بسؤالي. قلت له: «أريدك أن تعيش بمبلغ 100 جنيه في الأسبوع لمدة أسبوعين». كنت أريده أن يلتحم مع شخصية عصام وأن يعايشها فعلاً.

أما الممثلة نهى فؤاد فهي صديقة منذ سنوات عدة. كنت أعلم أنها تطمح إلى التمثيل، وكنت أعرف كذلك أنها موهوبة. كدت أن أختارها للدور الرئيسي في فيلمي السابق «أخضر يابس».

* الدور الذي لعبته هبة علي؟

- حمَّاد: نعم، لكنها كانت صغيرة على ذلك الدور.


شاشة الناقد: ثلاث قراءات نقدية لأفلام حديثة

نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)
نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)
TT

شاشة الناقد: ثلاث قراءات نقدية لأفلام حديثة

نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)
نيڤ كامبل في مشهد من «صراخ 7» (باراماونت)

SCREEAM 7

★★

* إخراج:‫ كَڤن وليامسن.‬

* النوع: رعب | الولايات المتحدة (2026)

* عروض تجارية.

الجزء السابع من سلسلة لا معنى لها

مرت 30 سنة على قيام المخرج الراحل (والجيد في تحقيق هذا النوع) وِس كراڤن بابتداع هذه السلسلة، و4 سنوات على آخر حلقة منها في عام 2022 (أخرجها مات بتينللي - أولبن وتايلر جيليت). كَڤن وليامسن هو كاتب السيناريو للأفلام الثلاثة الأولى، وقد آل إليه إخراج هذا العمل الذي يشكو من التخمة في القتل والنحافة الزائدة في كل شيء آخر.

يبدأ الفيلم بضحيّتين تدخلان منزلاً كبيراً. الرجل مبتهج بذلك، مدركاً أن هذا المكان شهد قتل أبرياء سابقاً. صديقته أقل بهجة وأكثر حذراً بقليل، لكن لا بهجة الأول ولا حذر الثانية سيدومان. القاتل (بزي أسود ورسم لفم مفتوح باعوجاج مضحك) يتكفل بقتلهما.

كل ما يحاول الفيلم توفيره هو عرض الكيفية التي سيقوم بها القاتل المعروف باسم غوستفايس بقتل الضحية التالية. يبتدع المخرج بعض المواقف العنيفة، لكن القليل منها خالٍ من التوقعات المسبقة.

هذا ما يذكرني بأن الغاية المشتركة بين هذه السلسلة وسلسلة «Nightmare on Elm Street»، وشيخ هذه المسلسلات «Halloween» لا تختلف كثيراً في المبدأ: قاتل بسلاح أبيض لا يمكن قتله، بل يمكن فقط إدخاله «البراد» حفظاً له لجزء لاحق. الفارق أن جون كاربنتر (مخرج الفيلم الأول من سلسلة «هالووين») عرف كيف يربط القاتل بهدف، في حين تفتقد السلسلة الحالية (وسواها) إلى هذا المضمون، إلى جانب افتقادها لعناصر أخرى.

SOUND OF FALLING

★★★

* إخراج: ماشا شلينسكي

* النوع: دراما تاريخية | ألمانيا (2025)

* الجائزة الأولى في مهرجان بافاريا هذا العام

نظرة داكنة على 4 فتيات من 4 أجيال

نظرة المخرجة ماشا شلينسكي إلى معاناة المرأة عبر التاريخ لا تحيط بالمسببات، بل تلتزم بتوفير الحالة بوصفها جزءاً من حكاية استغلال جنسي وعاطفي للإناث (من سن مبكرة) ما بين القرنين العشرين والحادي والعشرين.

إنه فيلم صادق في محاولته الحديث عن أوضاع المرأة عبر 4 عقود تبدأ من العقد الأول من القرن الماضي وتنتهي في القرن الحادي والعشرين. ليس هناك، من حسن الحظ، سرد مباشر لكل هذا التاريخ، لكن الغائب أيضاً وضعه في إطار تعليق اجتماعي.

«صوت السقوط» (ستديو سنترال)

كذلك هو فيلم يحتوي على لمسات فنية مؤكدة واستخدام مجازي للحالات العاطفية، إلى جانب أخرى مباشرة. تقع أحداثه في منزل واحد عند ضفاف نهر إلبي في شمال ألمانيا. تدخل شخصيات الفيلم، بما تحمله من عواطف مختلفة، هذا البيت وتخرج منه وفق موقعها من الزمن.

ما توفره المخرجة هو نظرة داكنة لكل شيء، كما لو أن الشمس لا تشرق أبداً على شخصياتها. هناك بعض المشاهد التي ربما كان القصد منها ترطيب الأجواء، لكنها لا تنجح في ذلك لأنها تعكس دواخل سوداوية.

كل أنثى هنا تعاني من السيطرة والاستغلال، رغم أن بعضهن يحاول مجاراة الوضع مدفوعات بالرغبة في استحواذ الاهتمام أو تفعيل العاطفة وتوجيهها. الفيلم جيد في مزج الفترات المتباعدة (ولو على نحو مفاجئ في البداية)، وفي إدارته الشاملة كما في تصويره وبعض تمثيله، لكن تركيزه على سوداوية الوضع يستمر حتى نهايته، ويثير في النهاية سؤالاً: كيف تغاضت مخرجته، عند وصول السرد إلى القرن الحالي، عن التقدم الكبير الذي حققته المرأة منذ مطلع القرن الماضي وحتى الآن؟

TRIAL OF HEIN

★★

* إخراج: كاي شتاينك

* النوع: دراما | ألمانيا

* عروض مهرجان برلين (2026)

عودة شاب لوطن مفقود

يصل بطل هذا الفيلم الشاب إلى جزيرة نائية تضم بلدة بعيدة عن المحيط الخارجي، وذلك في زمن بعيد قبل طغيان عصر الصناعات. وصوله يجذب إليه السكان القلائل الذين يعيشون في هذا المكان. يسألونه من هو، فيجيبهم بأنه «هاين» العائد إلى بلدته بعد غياب 14 سنة.

«محاكمة هاين» (مهرجان برلين)

لا أحد يتذكره، ومن يتذكره لا يعترف بذلك. لكن «هاين» باقٍ، وسيسعى إلى الانخراط في هذا المجتمع لأنه، كما يقول لسواه: «أنا واحد منكم».

هل يمكن أن تكون له غايات أخرى؟ نعم. هناك علاقات صداقة منذ الصغر، لكن هذه تبدو مدعاة للتساؤل. كيف يعود فرد إلى حيث وُلد من أجل استعادة صداقة؟ هل هذا دافع كافٍ؟

هذا التساؤل لا جواب عليه في الفيلم، بل هناك محاولة لتفاديه. من ناحية أخرى، لا شيء يحدث هنا سوى سرد حكاية يمكن أن تمر أمام ناظري المشاهد كما لو كان راكب قطار يتطلع من النافذة إلى مناظر خارجية. ليس لأن الفيلم سريع السرد، بل لأنه معالج بتكرار المواقف والمشاهد ورتابة الإيقاع.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز