سينما المهرجانات العربية تعكس الطموحات المحقّة

الحدث الأهم سعودي

«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
TT

سينما المهرجانات العربية تعكس الطموحات المحقّة

«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)
«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)

ندلف في هذه الأيام من عام لآخر. الفاصل ربما كان واهياً لمن يعتقد أنّ الأمور تمضي كعادتها من دون جدول زمني معين. الكورونا ومتحوّراته مثال واضح. كم يتمنى المرء لو أنّ الوباء يتوقف في الحادي والثلاثين من هذا الشهر، فجأة، كما وُلد فجأة، لكنّه لا يعرف شيئاً عن أيام الأسبوع ولا جداول الشهر أو السنين.
على ذلك، هناك من يصر على اعتبار أنّ كل سنة تبدأ وتنتهي في حدودها الزمنية وعلى ذلك، لا بدّ لنا من الامتثال لهذا الوضع فنستفيد من أخطائنا، ونخطط لأهدافنا، من ثمّ نراجع ما حققناه منها أو لم نحقق ولماذا.
في نطاق واسع كالسينما، لا بد من هذه الوقفات ومن مراجعة ما حُقّق وما لم يُحقّق. ما نجح وما فشل. كيف تصرّفت السينما حيال طموحاتها وما الذي أنجزته من أحداث ومشاريع وتوجّهات. وعلى حلقتين متواليتين سنقوم بهذه المراجعة على أدق نحو نستطيعه، متوقفين عند النجاحات والإخفاقات والتيارات والأفلام معاً.
الحلقة الأولى هنا، هي عن السينما العربية التي ما زالت تتنفس الآمال والأحلام والإنجازات.
تبعاً لذلك، فإنّ الحدث الأهم في السينما العربية خلال سنة 2021، هو إطلاق الدورة الأولى من مهرجان «البحر المتوسط»، أول نافذة سعودية - عالمية على السينما الحدثية والتعبير الأوفى عن رغبة المملكة في خوض غمار الصناعة السينمائية، وتمكين صانعي الأفلام السعوديين والعرب من تحقيق طموحاتهم بإمكانيات مادية لم يسبق لدعم عربي أن حققه من قبل على هذا المستوى.
بعد ثلاث سنوات فقط من نقطة التحوّل التي أقرها ولي العهد محمد بن سلمان والحكومة السعودية، التي وضعت حجر الأساس لانتقال المملكة حثيثاً صوب مجالات الفن السابع عروضاً وإنتاجاً ومهرجانات وصناديق دعم، ارتفع منسوب الإنتاجات السينمائية فيها إلى معدل غير مسبوق، وشهدت صالات السينما التي تسارع إنشاؤها لتلبية حاجة المواطن إقبالاً كبيراً (أكثر من مليون بطاقة بيعت خلال هذه الفترة).
أمّا المهرجان ذاته فقد أنجز حضوراً كبيراً على صعيد المنطقة، وتمتع بحديث الصحافة والإعلام المتلفز الغربي والآسيوي، الذي رأى فيه لا المبادرة وحدها (على أهميّتها) بل الإنجاز الذي أصر القائمون على المهرجان تأكيد نوعيته وأهميّته.

على نحو رتيب
مهرجان «البحر الأحمر» ليس المهرجان السينمائي الوحيد في المملكة، بل هناك مهرجان «أفلام من السعودية»، وهو بانوراما تشمل كل ما حُقّق خلال السنة من أفلام سعودية قصيرة وطويلة، روائية أو تسجيلية. في دورته السابعة أكّد على أهميّته، وشهد التفاف صانعي الأفلام السعوديين حوله. رئيسه التنفيذي أحمد الملا كان صادقاً حين كرر في أحاديثه أنّه يرى المهرجان حدثاً ضرورياً وحافزاً للمخرجين والسينمائيين السعوديين لتقديم أعمالهم في ربوعه.
بمقارنة كل هذا الحجم من الحضور والمثابرة التي شهدتها المملكة (وهو جزء من جهود اقتصادية واجتماعية وإعلامية شاملة) بما شهدته الدول العربية من أحداث على صعيد الإنتاجات، والصناعات ذاتها، يتبلور الحدث السعودي والتقدم الذي تحقق من خلاله أفضل وأهم إنجاز سينمائي بين الدول العربية.
في أكثر من دولة عربية أخرى، سارت الأمور على نحو رتيب وتلقائي وبلا حرارة في بعض الأحيان. المهرجانات التي شهدتها تباينت. مهرجان مثل الجونة في مصر أكّد نجاحه السابق وأضاف إليه. مهرجانات أخرى مثل «أيام قرطاج السينمائي» و«مهرجان القاهرة» ومهرجانات مصرية أخرى ومغربية راوحت مكانها على الرغم مما نجحت في رصفه من أعمال جديدة.
الدول الأخرى التي شهدت إقامة مهرجانات في السابق، مثل سوريا ولبنان والعراق والجزائر فإنّ العدّاد فيها توقف، كلياً أو عملياً، أو استمر في التوقف تبعاً لمشاكل تختلف من بلد لآخر. إمّا أنّ الحالة الاقتصادية لا تسمح، وإمّا لأنّ التمويل غير كافٍ، أو لأنّ صالات السينما قليلة والاهتمام بتغيير وضعها ووضع الصناعة برمّته مفقود.
كانت هناك تظاهرات سُمّيت بالمهرجانات، لكنّها مرّت إما من تحت الرادار أو بالكاد فوقه، وفي الحالتين لم تترك تلك التظاهرات الأثر الذي صبت إليه. استغل جمهور محدود ما أتيح له من تظاهرات ومهرجانات وأقبل بنسبة تتراوح من مهرجان لآخر حسب حجم المهرجان وطاقته وأهمية ما عرضه.

عربي بتمويل غربي؟
والجمهور العربي، في عمومه، ما يزال بعيداً عن توفير الحماية الكاملة لإنتاجات الدول العربية. هو جمهور المهتمّين والهواة وطالبي الترفيه معاً. هؤلاء يشكلون نسبة محدودة إذا ما قيست بالجمهور الذي يمضي الساعات الطويلة أمام أجهزة التلفزيون والكومبيوتر يشاهد من عليها كل ما يستطيع الوصول إليه.
لا توجد إحصائية حديثة في هذا المجال، لكن الدول التي قادت الإقبال على صالات السينما خلال العام المنتهي قريباً، تشمل السعودية والإمارات والبحرين من ثمّ المغرب ومصر. بعض الدول الأخرى لديها أسواق أصغر وجمهور أقل لكن الباحث لن يجد ما يؤيد ذلك من إحصائيات حديثة بأرقام محددة.
رغم المعيقات، فإنّ عجلة الإنتاجات السينمائية في العالم العربي ما زالت تدور. ليس بالطموح الذي يمكن معه الحديث عن تقدم عددي، وبالتالي نوعي، إنّما بالقدر الكافي لأن يتم رصدها والحديث عنها من زاوية البحث عن الأكثر تميّزاً بينها في عداد 2021.
في الأساس، ما زالت السينما العربية تتكل، على نحو عام، على التمويل الغربي. والكثير من الحديث يدور في كل سنة حول الشروط التي يخضع لها منتجون ومخرجون عرب للفوز بتمويل أفلامهم عبر شركات فرنسية وألمانية وهولندية ودنماركية وبريطانية وسواها.
هذا الحديث الذي استرسل خلال السنة الحالية، كذلك مفاده أنّ الشركات الأجنبية توافق على السيناريوهات التي تعرض الجوانب السلبية من الحياة العربية، التي تدور حول المجتمعات والتقاليد وتنتقدها. أيضاً تلك التي تتحدث عن حقوق مهضومة للأقليات أو للنساء أو للأطفال. حسب قول أحد المخرجين: «إذا كان لديك سيناريو لفيلم تسجيلي أو روائي يعرض الصور السلبية وحدها، فإن لديك حظاً وافرا في نيل الموافقة على مشروعك».
آخر الأفلام العربية التي أدرجها هذا القول من قبيل التأكيد فيلم «ريش» لعمر الزهيري (مصر).
بعض آخر (أغلبهم ممن نال تمويلاً أجنبياً) ينفي هذا الوضع برمّته. يقولون إنّ الغرب لا يضع شروطاً ولا يفرض قيوداً أو ضغوطاً. ما يجدونه في مكاتب الشركات الأجنبية هو الدعم لقاء استحواذ حقوق العرض كما حال كل الإنتاجات الغربية ذاتها.
على ذلك، تجدر ملاحظة أنّ التوجه إلى الغرب طمعاً في التمويل بالنسبة لعدد لا بأس به من الأفلام العربية، ناتج عن فقر المؤسسات التي تستطيع أن ترعى سينمائيي الدول العربية. لا توجد شركات كبيرة تتموضع بحيث يمكن اللجوء إليها لتأمين ميزانيات أفلام مختلفة عن السائد (المُنتج غالبه في مصر)، وذلك لسبب جوهري: لا يوجد توزيع جيد من قبل شركات تؤمن عروض الفيلم في كل الدول العربية أو - على الأقل - في نصفها. وبعض هذا السبب يكشف عن سبب أعمق: العديد من الدول تفتقر إلى صالات السينما التي تؤمن ما هو ليس مصرياً أو هندياً أو أميركياً.
مرة ثانية، تبرز قيمة لا مثيل لها بإطلاق صناديق الدعم السعودية عبر مهرجان «البحر الأحمر الدولي» للأفلام المحلية في المملكة ولكل صاحب طموح عربي خارجها. المساهمات هنا تتم لقاء طلب وحيد، هو أن يُعرض الفيلم في الدورة المقبلة (أو التي تليها) من المهرجان. طلب عادي يمنح المهرجان السعودي معيناً من الأفلام علماً بأنه سيوالي كذلك سعيه لاستحواذ أفلام عربية أخرى لم يدعمها.

شدّت الرحال
هذا ما يدلف بنا إلى ما شهدته سنة 2021، من أفلام عربية تستحق التوقف عندها في هذا الاستعراض بصرف النظر عن نقاط نجاح أو فشل.
من هذا المنظور، فإنّ عام 2021 بدأ بدخول فيلم «الرجل الذي باع ظهره» لكوثر بن هنية، المربّع الأخير في ترشيحات الأوسكار السينمائية في مطلع السنة. كان هذا الفيلم التونسي الأول الذي ينجح في دخول الترشيحات الأخيرة فاز أو لم يفز. هو أيضاً واحد من تلك الأفلام التي انتُقد للجوئه إلى الشركات الغربية (فرنسية وألمانية وتركية وسويدية وبلجيكية)، وكذلك، رُفض هذا الانتقاد على أساس أنّ المشروع، بحجم مساحته ومتطلباته، لم يكن ليتم لو أنّ التمويل لم يحصل من قِبل تلك الجهات الإنتاجية.
النقد والرد عليه لا يفيدا كثيراً طالما أنّ وضع الصناعة السينمائية في غالبية البلاد العربية ليس مستقرّاً. ما هو أهم، هو أنّ المزيد من الأفلام العربية شهدت عروضها في مهرجانات دولية هذه السنة ولفتت انتباه (وأحياناً ثناء) الإعلام العالمي.
‫من بين هذه الأفلام خمسة شدّت رحالها إلى مهرجان «كان» السينمائي هي «ريش» لعمر الزهيري (الذي نال جائزة جمعية اتحاد النقاد والصحافيين العالميين - فبريسكي) و«لينغوي» لمحمد صالح هارون (الصومال) و«زوجة حفّار القبور» لعيدروس خضر أحمد (الصومال) و«البحر أمامكم» لإيلي داغر (لبنان) و«علي صوتك» لنبيل عيّوش الذي عُرض داخل المسابقة الرسمية. كما عرض «أوروبا» لحيدر رشيد في تظاهرة «نصف شهر المخرجين» الموازية لأعمال المهرجان الفرنسي.‬
بدوره عرض مهرجان برلين في مسابقته الرسمية «دفاتر مايا» لجوانا حاجي توما وخليل جريج بينما عرض مهرجان فنيسيا «أميرة» لمحمد دياب (وهو إنتاج مصري - أردني - الإمارات العربية المتحدة) في قسم «آفاق». كذلك شوهد فيلم «الغريب» لأمير فخر الدين في تظاهرة منفصلة انطلق من بعدها، كما «أميرة» صوب مهرجانات أخرى.
كل من «الغريب» و«أوروبا» و«زوجة حفّار القبور» و«أميرة» و«البحر أمامكم» و«علي صوتك» تمثّل بلدانها بين الأفلام التي تمر إرسالها لدخول مسابقة أوسكار «أفضل فيلم عالمي». الأفلام العربية الأخرى التي دخلت ذلك السباق: «حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي (السعودية)، «سعاد» لأيتن أمين (مصر)، «هيليوبوليس» لجعفر قاسم (الجزائر)، «كوستابرافا» لمنية عقل (لبنان)، و«فرططو الذهب» لعبد الحميد بوشناق (تونس).
الأكثر حظّاً في الانتقال من خانة تمثيل بلدانها إلى المرحلة الرسمية الأولي (انتخاب نحو إحدى عشر فيلماً لدخول الجولة الرسمية الثانية) هو «حد الطار» السعودي و«الغريب» هذا الأخير يداخله تمويل ألماني وسوري وقطري ولو أنه مقدّم باسم فلسطين.

نهضة أفلام سعودية
«حد الطار» هو أحد الأفلام السعودية المتعددة التي أفصح مهرجانا «البحر الأحمر» و«أفلام من السعودية» عن وجودها لتؤكد نهضة محلية تستفيد من دعم الدولة ومن موهبة واندفاع الجيل الجديد من صانعي السينما السعوديين. في إطار مهرجان «البحر الأحمر» وحده عرض ثمانية أفلام سعودية الإنتاج على نحو كامل لمخرجين سعوديين وما يماثلها تقريباً من أفلام شهدت دعماً سعودياً لمشاريع ومخرجين غير سعوديين.
من بين الأفلام السعودية المحلية «جنون» لمعن وياسر بن عمد الرحمن و«دولاب في» لأنس باطهف و«قوارير» لرغيد النهدي ونور الأمير ورُبى خفاجي من بين مخرجات أخريات. هذا هو حال فيلم آخر بعنوان «بُلوغ» شاركت في إخراجه خمس مواهب نسائية بينهن هند الفهّاد وفاطمة البنوي وجواهر العامري ونور الأمير.
من ناحيته عرض مهرجان أفلام السعودية ما بين الأول والسابع من يوليو (تموز) هذه السنة، 36 فيلماً ضمن برنامج سينما سعودية من بينها 14 فيلما تنافست على الجوائز، بينما توزعت الأفلام الباقية (22 فيلماً) في العروض الموازية.
العديد من الأفلام العربية المختلفة عُرضت في مهرجانات ثلاث هي «مالمو»، و«أيام قرطاج السينمائية»، و«مهرجان آسيا الدولي» في لوس أنجليس. كذلك خص «مهرجان القاهرة السينمائي» تظاهرته المعتادة تحت عنوان «آفاق السينما العربية» لعرض تلك التي اختارها للغاية.
على صعيد آخر، فالمهرجانات العربية أو ذات الإدارة العربية التي شهدت تقدّماً مهنياً واحترافياً أكثر من سواها هي: «مهرجان البحر الأحمر» و«مهرجان الجونة» و«مهرجان مالمو» و«مهرجان أفلام السعودية» و«مهرجان آسيا الدولي».
وفي حين باتت هذه المهرجانات المعين الأول لاستكشاف تيارات السينما العربية ومشاغلها، تتبدّى حقيقة أنّ السينما العربية حافظت على ما تعاملت به، خلال السنوات الماضية، من قضايا وطروحات. لا يمكن لومها في تداول مسائل اجتماعية أساسية تعيشها المجتمعات العربية أو أحداثاً تمر بها، لكنّ العديد منها برهن على أنّه يرفع قضاياه إلى الخط الأول من الاهتمام ويخفق في دفع الشروط الفنية إلى المصاف ذاته.
السينما اللبنانية، في هذا النطاق، ما زالت تتعامل مع الحرب الأهلية اللبنانية أو تبعاتها الحاصلة إلى اليوم. في عام 2021 شاهدنا ذلك مترجماً إلى عدد لا بأس به من الأفلام من بينها «دفاتر مايا» لجوانا حاجي توما وخليل جريج (عن فتح ملفات وذكريات تلك الحرب بعد سنوات من انتهائها)، و«يوسف» لكاظم فياض (عن تجارة السلاح في لبنان اليوم)، و«أعنف حب» لإيليان الراهب (مساءلة شخص عن دوره في تلك الحرب).
لكن هذا لا يعني أنّ الحرب ومداولاتها هي كل ما عرفته هذه السينما المصرّة على الاستمرار رغم الظروف الصعبة. إلى جانبها كانت هناك أفلام بديعة بمواضيع مختلفة من بينها «قلتلك خلص» لإيلي خليفي، و«تحت السماوات والأرض» لروي عريضة، و«النزلاء الزرق» لزينة دكّاش.
بلد آخر قريب يرزح تحت تلك الظروف المعاكسة، هو سوريا، والمشكلة هنا أنّ الأفلام المعادية للحكم هناك، لا تحاول أن تطرح سياسيا ما يجب طرحه حتى وإن أُنتج وصُوّر في مأمن. هذه المشكلة برزت في فيلمين هذه السنة، هما «نحن من هناك» لوسام طانيوس (الذي ينتمي كذلك إلى ازدهار أفلام يتناول فيها المخرجون شخصيات عائلية)، و«فلسطين الصغرى» لعبد الله الخطيب.
على نحو مخالف شوهد فيلمان سوريان جيدان هما، «المترجم» لرنا كزكز وأنس خلف ويدور حول ويلات الحرب الدائرة، و«الظهر إلى الجدار» لأوس محمد الذي بدوره يتعامل مع الوضع الحالي وكلاهما يمرّرا رسالتيهما من دون خطابة أو مباشرة.

أحداث مصوّرة وتحفة
وهناك تيار نسائي يحمل في ثناياه حسنات وسيئات الانفصال عن السينما ككيان جامع. على سبيل المثال يعكس فيلم «سعاد» لأيتن أمين (مصر)، وضع الفتاة التي تحمل وجهين متلازمين في حياتها؛ واحد ملتزم دينياً والآخر متحرر. في «كما أريد» لسماهر القاضي (مصر)، دور المرأة في مظاهرات 2013، وما عانته من المتظاهرين أنفسهم تدخل تحت بند التحرّش.
أفضل فيلم مصري شوهد خلال 2021، لن يكون سوى «صندوق الدنيا» لأحمد بهات، يليه مجموعة تعبت لإنجاز الفيلم المختلف عن السائد وحققت نجاحات أقل من المطلوب من بينها «ريش» لعمر الزهيري (شهد انقساماً شديداً حوله)، و«قابل للكسر» لأحمد رشوان (تسجيلي)، و«حظر تجوّل» لأمير رمسيس، و- مؤخراً - «أبو صدّام» لنادين خان، و«من القاهرة» لهالة جلال.
موضوع الهجرة من البلاد العربية إلى الغرب تراجع عما كان عليه في العامين الماضيين، لكنه ما يزال حاضراً. في «أوروبا» لحيدر رشيد، حكاية الشاب الذي يركض في غابات بلغاريا هرباً من مطارديه وبحثاً عن لجوء من أي نوع. ويستخدم «رجل خشب» لقتيبة الجنابي الرمز لإيصال غايته. المهاجر هنا رجل من خشب تشدّه الذكريات إلى وطنه والأمل في إيجاد بيت يحميه في الغربة معاً.
في آخر مطاف هذه السنة، سُحب فيلم «أميرة» لمحمد دياب من تمثيل الأردن في سباق الأوسكار، وتحوّل إلى مشكلة سياسية بين أطرافه وصانعيه.
آخر ما شوهد من أفلام عربية في سبيل رصد نشاطاتها فيلم «لو انهارت الجدران» للمغربي حكيم بلعبّاس: 17 قصة في فيلم من ساعتين وربع كل منها تصلح لتكون فيلماً منفصلاً. تجربة فريدة من نوعها. هذا الفيلم و«استعادة» لرشيد مشهراوي الذي عُرض في مهرجان البحر الأحمر (وتمّت مشاهدته في عرض خاص) كما «صندوق الدنيا» لأحمد البهات، و«حد الطار» لعبد العزيز الشلاحي، و«قلتلك خلص» لإيلي خليفي، و«الظهر إلى الجدار» لأوس محمد، و«دفاتر مايا» للزوجين جومانا حاجي توما وخليل جريج، هي أفضل ما شوهد من أفلام عربية هذا العام.


مقالات ذات صلة

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )
سينما مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» مهرجانات عديدة، حصد فيها، ما يزيد على 35 جائزة.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
سينما شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية.

محمد رُضا (بالم سبرينغز - كاليفورنيا)
يوميات الشرق ناقش الفيلم علاقة بين أختين تجتمعان بعد وفاة الأم (الشركة المنتجة)

«الفراشة»... رحلة لتتبع ميراث الأم تعيد اكتشاف معنى الحياة

في فيلمها الروائي الطويل الثاني «الفراشة» تواصل المخرجة النرويجية إيتونجي سويمر غوتورمسن تفكيك العلاقات الإنسانية من الداخل، بوصفها مساحات مشوشة من المشاعر.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أجرى الأطباء تدخلات طارئة للمصابين (الشركة المنتجة)

«أميركان دكتور» يوثق معاناة الأطباء خلال حرب غزة

يرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» American Doctor الحرب على غزة من داخل واحدة من أكثر مساحاتها هشاشة وخطورة، وهي المستشفيات.

أحمد عدلي (القاهرة)

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
TT

جعفر بناهي في «مجرد حادثة»... الحال بلا حل

مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)
مواجهة في «مجرد حادثة» (MK2 بيكتشرز)

منذ عروضه في الدورة الـ78 لمهرجان «كان» في العام الماضي، لفّ فيلم جعفر بناهي «مجرد حادثة» (It Was Just an Accident) مهرجانات عديدة (39 مهرجاناً بالتحديد)، حصد فيها، وفي مناسبات احتفائية أخرى، ما يزيد على 35 جائزة. ما هو بالقدر نفسه من الأهمية أن الفيلم (الذي دخل مسابقتي بافتا والأوسكار أيضاً) تربَّع في قوائم عشرات النقاد حول العالم بوصفه واحداً من أفضل أفلام السنة الماضية.

حين شاهد الناقد كاتب هذه السطور الفيلم خلال عرضه في ذلك المهرجان، تبلور لديه تأثير سلبي مردُّه تكرار مشاهد أكثر من التقدّم بها فعلياً، ما جعل الفيلم يبدو حوارياً أكثر منه حدثياً. كذلك لم يكن بإمكان بناهي (على الأرجح) أن ينبري لتحقيق فيلم يقطع المسافة كاملة ما بين الإيحاء والاتهام، بانياً نهاية فيلمه على أساس أن المجموعة التي اختطفت رجلاً لاعتقادها بأنه هو من كال لهم التعذيب في أحد سجون طهران بناءً على مواقفهم السياسية عادت عن اعتقادها في النهاية وتركت الرجل وشأنه.

المخرج جعفر بناهي (MK2 بيكتشرز)‬

مخرج وحيد

أبقى المخرج الدراما دون مستوى التفعيل. هذا القرار يلتقي تلقائياً مع أفلامه السابقة مثل «تاكسي» و«هذا ليس فيلماً» و«دائرة»، ومع أسلوب عمله. من هذه الزاوية يلتقي وأسلوب الراحل عبّاس كياروستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن هذا الالتقاء لا يتجاوز الهامش العريض لأن لكل واحد من هؤلاء أسلوبه الخاص ضمن ذلك الأسلوب العام.

في حين أن تقتير الدراما في أفلام بناهي قد لا يلتقي وحب كثيرين (بينهم هذا الناقد) لسينما تجمع حسنات العناصر الفنية كاملة (سيناريو وتصوير وتمثيل وتوليف وموسيقى وإخراج شامل مع تصميم فني ملتحم وفاعل)، غير أنه تعبير ذاتي ليس فقط في المضمون، بل في طريقة توظيف اللغة السينمائية المستخدمة أيضاً.

بناهي هو المخرج الوحيد عالمياً الذي خرج من المهرجانات الرئيسية الأربعة، كان و«برلين» و«ڤينيسيا» و«كارلوڤي ڤاري»، بجائزة أولى من كل واحد منها: «البالون الأبيض» نال جائزة «الكاميرا الذهبية» في 1995، و«الفهد الذهبي» في «لوكارنو» عن «المرآة» 1997، و«الأسد الذهبي» في مهرجان «ڤينيسيا» عن «الدائرة» سنة 2000، و«الدب الذهبي» في مهرجان «برلين» عن «تاكسي» (2015).

ألا يُنظر إلى هذا الإنجاز بتقدير كبير هو نوع من الجهل أو التجاهل، لكن حقيقة أن كل واحد من هذه الأفلام (لجانب «مجرد حادثة») ارتبط بموقف سياسي ضد السلطة الإيرانية تساهم في طرح سؤال حول ما إذا كانت الجوائز سياسية أكثر منها فنية، خصوصاً حين النظر إلى ما عرضه كل مهرجان من أفلام في السنة التي شهدت عرض أحد أفلام بناهي. القول إنه لم يكن هناك أفلام أفضل صُنعاً هو بدوره غير صحيح.

كمثال لا بدّ منه، هل كان «تاكسي» فعلاً أهلاً للجائزة؟ فيلم عن بناهي يقود سيارة تاكسي يصعد إليها ويخرج منها زبائن، كلّ يحكي شيئاً عن نفسه؟ هل يبرر الموقف السياسي الغربي (إليه ينتمي معظم أفراد لجان التحكيم) منح هذه الأفلام الجائزة الكبرى، أم أن هناك بنوداً غير معلنة تتبعها بعض هذه المهرجانات؟

«ذهب قرمزي» (جعفر بناهي برودكشنز)

جوانب شخصية

كثيراً ما وصف بناهي أفلامه بأنها «مجتمعية وليس سياسية» رغم أن الخيط رفيع بين هذين الجانبين، طالما أن ما طرحه في تلك الأفلام، وفي أخرى من بينها «ذهب قرمزي» (2003)، لا يعرض لما تفضّل السلطة أن تراه، بل لما يريد هو عرضه عن حالات الناس في بلده.

«ذهب قرمزي» (Crimson Gold) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم في قسم «نظرة ما» في «كان» في سنة إنتاجه، هو الوحيد بين أفلامه الذي يختلف في طريقة سرده مقترباً من تفعيل الأحداث حسب وقائع درامية وليس وصفية. فيلم ممتاز من حيث حبكته (شاب في مواجهة فساد شائع ما يدفع به لارتكاب جريمة) وينتمي إلى السنوات الأولى من مهنة المخرج، تلك التي كان يعمل فيها على ملاحقة قضايا إنسانية. لاحقاً، ومنذ «هذا ليس فيلماً» (2011)، وهو ينتقي أن يتكلم ذاتياً حتى عندما يضع في البطولة ممثلين آخرين كما الحال مع «ستارة مسدلة» (Closed Curtain) في 2013.

الفيلم المحتفى به حالياً حُقِّق بعد السماح لبناهي بالإخراج والسفر، لكن بناهي صوّر الفيلم بلا إذن رقابي، مدركاً أنه لن يحصل عليه لو تقدّم بالسيناريو إلى الجهات المعنية. هذا ما أعاده إلى دائرة المواجهة مع السلطة التي تنتظر عودته إلى البلاد لمحاكمته (حالياً متنقّلاً ما بين أوروبا والولايات المتحدة، منتظراً نتائج جوائز بافتا والأوسكار).

يتكلم «مجرد حادثة» عن سنوات التعذيب في السجن. ليس حكاية ذاتية كون بناهي لم يدخل بنفسه هذه التجربة، بل عبر شخصيات خرجت بذاكرة موجوعة مما حدث لها، وعندما يُتاح لها خطف من اعتقدت أنه هو الذي كان يعذّبها تبحث في أمر تعذيبه أو قتله. لكنها في النهاية ليست موقنة بأنه الفاعل، والفيلم يترك شخصياته من دون يقين، وكذلك جمهوره.

ما لم يدخل في اعتبار السلطة والرقابة الإيرانية حين توعَّدت بمعاقبة المخرج (وألقت القبض مؤخراً على محمد محموديان، أحد المشاركين في كتابة السيناريو) حقيقة أن الفيلم يصوّر شخصياته التي تريد الانتقام في ضوءٍ اتهاميٍ مماثل. ليس فقط على أساس أنهم في النهاية ليسوا واثقين من الرجل الذي كاد أن يموت بين أيديهم، بل أيضاً لأنهم شخصيات ذات عواطف هشّة وبلا خصال يمكن الإعجاب بها. يحملون قضية، لكنهم أقل قدرة على الدفاع عنها. من ناحية يضع بناهي أبطاله في موقع الضحية، وفي ناحية أخرى لا يرفعهم إلى درجة منحهم حق الانتقام، ويتركهم في النهاية بعيدين عن قرار بعدما دخلوا التجربة بثقة وخرجوا منها ملتبسين.


شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
TT

شاشة الناقد: فيلمان عن النزوح الواقعي والخيالي

من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)
من «الذين بقوا أحياءً» (عكّا فيلمز)

WHO IS STILL ALIVE

★★★1/2

إخراج:‫ نيكولاس واديموف‬

سويسرا | تسجيلي غربي بقلب فلسطيني

خلال زيارة للقاهرة في مطلع سنة 2025، وجد المخرج السويسري نيكولاس واديموف نفسه في واجهة المأساة الفلسطينية. سمع وشاهد كل ذلك الدمار الذي لحق بغزّة والضحايا التي كانت قد بدأت تتساقط منذ ذلك الحين. فكّر مع صديق فلسطيني له نزح إلى القاهرة في تحقيق فيلم عن الموضوع، وارتأى أن يكون فيلماً يجمع في أحد الاستوديوهات مجموعة من النازحين الفلسطينيين ليتحدّث كل منهم عن آلامه وما حدث له أو لعائلته.

بعض هؤلاء خرج بثيابه التي كان يرتديها، والبعض كان ناجياً وحيداً أو برفقة فرد واحد من عائلته. يقول واديموف إن شريكه الفلسطيني في الفيلم (جودت خضري)، الذي كان يعرفه منذ سنوات، بدا شخصاً مختلفاً: «للمرّة الأولى كنت أمام شخص يعكس الإبادة الجماعية».

جمع هؤلاء لم يكن سهلاً، والمخرج رغب في نقلهم إلى بلد آخر لضمان عمل مستقل. تبعاً لحقيقة أن معظم دول الأرض لا تمنح تأشيرات دخول للفلسطينيين، توجَّه المخرج بمجموعته إلى دولة جنوب أفريقيا، التي هي شبه الوحيدة التي يمكن للفلسطيني دخولها من دون «فيزا» مسبقة.

نتيجة اللقاء هي تحقيق فيلم يقوم على 9 أشخاص فلسطينيين نازحين يتحدّثون، لنحو ساعة و10 دقائق، عن كيف استيقظوا يوماً من دون مأوى نتيجة القصف، وكيف كان وقع ذلك على حياتهم وما بعد نزوحهم. خسروا البيت كما الحياة الآمنة (نسبياً)، ليجدوا أنفسهم في العراء.

الفيلم ليس عبارة عن مقابلات منفردة مزوّدة بمشاهد من غزّة كما قد يتوقّع البعض، بل عمد المخرج إلى مقابلات جماعية، حيث يقوم كل من هؤلاء برسم مربّعات ودوائر وخطوط ليشرح ما حدث له.

بساطة هذا اللجوء إلى هذا الحل تبدو دخيلة في البداية، قبل أن تبدأ بتأسيس رابط بين الذاكرة المروية كلاماً والمرسومة تنفيذاً.

الطباشير والأقلام المستخدمة هي اللون الأبيض الوحيد في الفيلم، إلى جانب ألوان الملابس الداكنة، لأن كل شيء آخر (الخلفية والأرض والصورة نفسها) أسود. هذا فيلم ليس مهتماً بأصوات الطائرات والقذائف وصراخ الضحايا، بل بالمضيّ عميقاً في التجربة الإنسانية لمن استطاع البقاء حياً محمّلاً بتلك الذكريات وآلامها. الأسلوب المعتمد لا ينجو من التبسيط بصرياً، لكن البساطة في الشكل هي التي تمضي عميقاً في البال من كلمات شخصياته الأولى وحتى النهاية.

:GREENLAND2

MIGRATION ★★★ إخراج:‫ رِك رومان ووف‬

الولايات المتحدة | عن الأرض

والمجتمعات بعد هجوم النيازك

على عكس المتوقَّع، لن تنتهي الحياة على الأرض بسبب حرب نووية ولا بسبب وباء يحوّل البشر إلى وحوش، بل لأن أمطاراً من النيازك ستهاجم كوكبنا الصغير وتفتك به. بعض ذلك شوهد في الجزء الأول Greenland، حيث بدأ هطول النيازك الآتية من عمق السماء. ذلك الجزء كان بداية تصوير الخراب الذي ستسبّبه النيازك بأحجامها المختلفة. كل واحد منها سيدمّر جسراً أو مدينة أو أكثر

«غرينلاند 2: هجرة» (ليونز غايت)

الجزء الجديد يُكمل من حيث انتهى الأول. الناجون مختبئون في ملاجئ يعدّونها محصّنة، إلى أن يقرّر السيناريو أن ذلك ليس صحيحاً. جون غاريتي (جيرالد بتلر) وعائلته (زوجته بكارين وابنهما الشاب ناتان) وقلّة آخرون يفرّون عندما يُصيب الدمار ذلك الملجأ إلى مركب كبير لقطع المسافة بين القارتين الأميركية والأوروبية. لا مانع إذا ما نفد الوقود في عرض البحر، فلربما أدَّت النيازك إلى تقريب القارّتين من بعضهما. المهم أنهم تركوا أرضاً مدمّرة إلى أخرى.

بعد ذلك سيحصر الفيلم اهتمامه في تلك العائلة بعد أن قدّم شخصيات أخرى تعيش التراجيديا نفسها. سيقود جون عائلته الصغيرة صوب مدينة نموذجية آمنة (لسبب يتعلّق بوجودها وسط مرتفعات فرنسية) من خلال رحلة خطرة تنطوي، مثلاً، على المشي فوق جسر من الحبال فوق ما كان يُعرف ببحر المانش ما بين إنجلترا وفرنسا، الذي أصبح الآن مجرّد وادٍ عميق.

رغم سذاجة المواقف وثغرات الكتابة، يوفِّر الفيلم دراما حول وحدة العائلة وصلابتها رغم المخاطر، إلى جانب أن مؤثّراته البصرية جيّدة في غالبيّتها. ترفيه يشترط القبول به مع ثغراته غير العلمية وغير المنطقية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
TT

«ذا شاينينغ» في صالات السينما السعودية.. أيقونة الرعب النفسي

لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)
لقطة من الفيلم تحوّلت إلى أيقونة في سينما الرعب يُخرج فيها الممثل جاك نيكلسون رأسه من الباب المكسور (المصدر: IMDb)

بعد أكثر من 4 عقود على عرضه الأول، يصل فيلم «ذا شاينينغ» (The Shining) إلى دور السينما السعودية في إطار عرض محدودة، يبدأ يوم الخميس المقبل؛ ما يمنح الجمهور المحلي فرصة التفاعل مع أحد أكثر أفلام الرعب النفسي تأثيراً، بتقنية «آيماكس (IMAX)»، وذلك ضمن تجربة مشاهدة كاملة على الشاشة الكبيرة، حيث تتجلى قوته البصرية والفكرية كما صُممت في الأصل.

وربما حتى الذين لم يشاهدوا الفيلم، مرُّوا بلقطات أيقونية منه، حيث يترسخ حضور «ذا شاينينغ» من خلال مشاهد عدة، يتقدمها المشهد الشهير الذي يُعد من أكثر اللقطات تداولاً في تاريخ السينما، ويظهر فيه الممثل جاك نيكلسون وهو يكسر باب الحمام بفأسه، قبل أن يُدخل رأسه من الفتحة الخشبية مبتسماً بجنون. وتحوَّلت هذه اللقطة إلى رمز بصري يُستعاد باستمرار في وسائل التواصل الاجتماعي، مع حضور الفيلم الدائم في قوائم أفضل الأفلام، وفي الكتابات النقدية؛ ما يعكس قدرته على التجدّد والتفاعل مع تحولات الذائقة السينمائية.

كذلك أصبح الرقم 237 خالداً في ذاكرة عشاق السينما، وهو رقم أهم غرفة في الفيلم، وواحدة من أكثر عناصره رسوخاً في الأذهان، لارتباط هذا الرقم بمشهد بالغ الكثافة النفسية، واستمر تداول الرقم في النقاشات والتحليلات السينمائية، ليصبح علامة على قدرة الفيلم على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز ذات دلالات مفتوحة.

ويمثل عرض «ذا شاينينغ» في السعودية جزءاً من حركة أوسع لإعادة قراءة السينما الكلاسيكية بعيداً عن الحنين العاطفي، وبمنظور نقدي معاصر يضع الفيلم في سياقه التاريخي والجمالي، حيث يفتح حضور هذا العمل المجال أمام جيل جديد لاكتشافه، وأمام جمهور أقدم لإعادة تأمله ضمن شروط مشاهدة مختلفة، تُبرز تفاصيله الدقيقة وإيقاعه المتأمل.

الممثلة شيلي دوفال في مشهد من الفيلم (المصدر: IMDb)

ستانلي كوبريك.. سينما التفاصيل

الفيلم الذي أُنتج عام 1980، من إخراج المخرج الأميركي ستانلي كوبريك، أحد أبرز صُناع السينما في القرن العشرين، وصاحب مسيرة اتسمت بالتنوع والصرامة الفنية؛ إذ عُرف كوبريك الذي توفي عام 1999 باهتمامه الشديد بكل تفصيلة في العمل السينمائي، من حركة الكاميرا إلى تصميم الديكور، ومن الإيقاع السردي إلى اختيار الموسيقى، وفي «ذا شاينينغ»، بلغ هذا الهوس بالكمال ذروته، حيث تحولت كل لقطة إلى جزء من بناء نفسي متكامل.

واستند كوبريك في عمله إلى رواية الكاتب «ستيفن كينغ» التي تحمل العنوان نفسه، لكنه قدّم معالجة سينمائية مستقلة ركزت على الأبعاد الذهنية للشخصيات أكثر من التزامها بحبكة رعب تقليدية، وهذه المقاربة جعلت الفيلم عملاً قابلاً لإعادة القراءة عبر أزمنة مختلفة.

قصة العزلة والانهيار النفسي

تدور أحداث الفيلم حول الكاتب جاك تورانس، الذي ينتقل مع زوجته ويندي وابنهما داني إلى فندق معزول في جبال كولورادو، لتولي مهمة الإشراف عليه خلال فترة الإغلاق الشتوي، والعزلة الطويلة، والطقس القاسي، والتاريخ الغامض للفندق، بيئة نفسية ضاغطة تتكثف فيها الهواجس والمخاوف، ليتحوّل الكاتب فيها إلى شخص مختلف عن صورة الزوج والأب الذي اعتادت عليه أسرته.

في حين يمتلك الطفل داني قدرات نفسية تتيح له رؤية أحداث من الماضي واستشراف ما سيقع، لتتحول إقامته في الفندق إلى تجربة قاسية تضع الأسرة أمام اختبارات متتالية، وهذه القصة، رغم بساطتها، تُستخدم مدخلاً لتفكيك مفاهيم الجنون، والذاكرة، والعنف الكامن في العلاقات الإنسانية.

يتناول الفيلم الانهيار النفسي الذي يعيشه كاتب يُدعى جاك تورانس، في مكان معزول (المصدر: IMDb)

أداء صنع أيقونة سينمائية

وجسّد دور البطولة الممثل جاك نيكلسون، في أداء أصبح علامة فارقة في مسيرته الفنية، مقدّماً شخصية الكاتب جاك تورانس بتدرج نفسي حاد، ينتقل من الاتزان الظاهري إلى الانفجار الداخلي، وأسهم هذا الأداء في ترسيخ الشخصية كإحدى أكثر الشخصيات حضوراً في تاريخ السينما.

كما شاركت شيلي دوفال، في دور زوجته ويندي، في أداء ركّز على الهشاشة والقلق والخوف، وقدّم الطفل داني لويد شخصية ابنهما داني بأداء هادئ وغامض، جعل منه عنصراً محورياً في بناء التوتر النفسي للفيلم، حيث منح تكامل هذه الأداءات العمل عمقاً إنسانياً تجاوز حدود الرعب التقليدي.

أصداء العرض الأول

عند عرضه الأول مطلع الثمانينات، أثار «ذا شايننغ» نقاشاً واسعاً بين النقاد والجمهور، ولفت الانتباه بأسلوبه المختلف وإيقاعه المتأني. ومع مرور السنوات، تزايد حضوره في الدراسات النقدية والجامعية، وظهرت قراءات متعددة تناولته من زوايا نفسية واجتماعية وثقافية وتاريخية. وهذا التحول في الاستقبال النقدي أسهم في ترسيخ مكانته كعمل سينمائي متجدد، يُعاد اكتشافه مع كل جيل، ويُقرأ وفق سياقات فكرية مختلفة، ما جعله أحد أكثر الأفلام تحليلاً في تاريخ السينما الحديثة.

الأم وطفلها يحاولون النجاة من الأمور الغريبة التي تحدث في فندق أوفرلوك داخل الفيلم (المصدر: IMDb)

الفندق... قلب القصة

ويحتل «فندق أوفرلوك» في «ذا شاينينغ» موقعاً مركزياً في السرد، حيث تعامل معه كوبريك بوصفه كياناً حياً، لا مجرد فضاء للأحداث، بما يشمله من الممرات الطويلة، والهندسة المتناظرة، وحركة الكاميرا الانسيابية، حيث بدت كلها عناصر صُممت بعناية لتعزيز الإحساس بالضياع والاختناق النفسي.

ولعبت الموسيقى التصويرية دوراً محورياً في بناء التوتر، عبر نغمات تجريبية حادة تتناغم مع التحولات النفسية للشخصيات، وهذا التوظيف الصوتي والبصري جعل من الفيلم تجربة حسية كاملة، تتضاعف قوتها عند مشاهدته على الشاشة الكبيرة.

الأفلام الكلاسيكية

يأتي عرض «ذا شاينينغ» في دور السينما السعودية ضمن توجُّه متصاعد لبرمجة الأفلام الكلاسيكية وأعمال الرعب النفسي ذات القيمة الفنية العالية، إلى جانب الإنتاجات الجديدة. ويعكس هذا التوجه تطور ذائقة الجمهور المحلي، واتساع مساحة الخيارات السينمائية، حيث باتت الصالات تستضيف عروضاً خاصة لأعمال مفصلية في تاريخ السينما العالمية، وحضور فيلم من وزن «ذا شايننغ» على الشاشة الكبيرة في السعودية يضع الجمهور أمام تجربة سينمائية جديرة بالتوقف والتذكّر.