ما بعد الانتخابات العراقية... دماءٌ على بوابات «المنطقة الخضراء»

المسيّرات المفخّخة أخطأت مصطفى الكاظمي

مظاهرات أنصار القوى الخاسرة على أطراف المنطقة الخضراء
مظاهرات أنصار القوى الخاسرة على أطراف المنطقة الخضراء
TT

ما بعد الانتخابات العراقية... دماءٌ على بوابات «المنطقة الخضراء»

مظاهرات أنصار القوى الخاسرة على أطراف المنطقة الخضراء
مظاهرات أنصار القوى الخاسرة على أطراف المنطقة الخضراء

بينما كان الجميع في العراق يعوّل على الانتخابات المبكرة التي حددها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، في العاشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2021، فإن النتائج التي انتهت إليها عقّدت المشهد السياسي تماماً.
لقد كان الهدف من إجرائها في وقت يسبق موعدها الدستوري بنحو 6 أشهر (الانتخابات الدورية في العراق في الشهر الخامس من عام 2022)، هو بدء مسار جديد في الحياة السياسية في البلاد في ظل ما ترتب على انتفاضة أكتوبر 2019 من نتائج غير متوقعة. فالمظاهرات التي اندلعت في ذلك العام والتي قدمت مئات القتلى وعشرات آلاف الجرحى، حاولت تغيير قواعد العمل السياسي في العراق عبر سلسلة من المتغيرات بدءاً من إقالة حكومة عادل عبد المهدي، وتغيير قانون الانتخابات وتغيير مفوضية الانتخابات.
وعلى أثر تلك التغييرات اتُّفق على تشكيل حكومة انتقالية برئاسة مدير جهاز المخابرات مصطفى الكاظمي، كان الهدف من تشكيلها إجراء انتخابات مبكرة. وبالفعل، اتُّفق على تحديد موعد الانتخابات المبكرة واستعدت جميع القوى السياسية المؤسسة للنظام السياسي لمرحلة ما بعد عام 2003 لخوضها. ومن ثم، خاض الجميع الانتخابات عبر قانون جديد يعتمد الدوائر المتعددة والفوز بأعلى الأصوات. بيد أن ترتيبات القوى الفائزة والخاسرة كانت هي المفاجأة التي لم يستوعبها الخاسرون، وكذلك لم يستوعبها بعض الفائزين أنفسهم ممن لم يكونوا يتوقعون حصولهم على المقاعد التي حصدوها.
احتلت الكتلة الصدرية بزعامة رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر المرتبة الأولى في الانتخابات العراقية بواقع 73 مقعداً، تلاها حزب «تقدم» بزعامة محمد الحلبوسي الذي حصد 43 مقعداً في المحافظات الغربية ذات الأغلبية السنية، وجاء الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني في المرتبة الثالثة حيث حصل على 32 صوتاً.
ومع أن ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي حل في المرتبة الثانية بين القوى الشيعية، بحصوله على 37 مقعداً، فإن تحالف الفتح بزعامة هادي العامري -الذي يضم عدداً من الفصائل المسلحة- يعد الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات. وهذا بعدما كان قد احتل المرتبة الثانية بعد كتلة الصدر في انتخابات 2018 التي كانت قد حصلت على 54 مقعداً، بينما حصل «الفتح» على 47 مقعداً. ولكن هذه المرة فاز الصدر خلال انتخابات 2021 بـ73 مقعداً بينما لم يحصل «الفتح» إلا على 16 مقعداً.

الكاظمي يفوز قبل العد والفرز
على الرغم من أن حادث استهداف رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بثلاث طائرات مسيّرة مفخخة استهدفت منزله فجر الأحد الماضي كادت تودي بحياته، طبقاً لما هو مصمّم، فإن نجاته منها صبت في صالحه تماماً. فقبل ساعات من محاولة اغتياله بثلاث طائرات مسيّرة مفخخة كانت حظوظه قد تراجعت كثيراً على صعيد إمكانية الظفر بولاية ثانية.
ذلك أن التداعيات التي ترتبت على المواجهات بين المتظاهرين قرب بوابة «المنطقة الخضراء» من جهة بوابة وزارة التخطيط القريبة من جسر الجمهورية والقوات الأمنية وسقوط عدد من القتلى والجرحى، ما كانت في مصلحة الكاظمي كرئيس وزراء وقائد عام للقوات المسلحة، بل ترافق ذلك مع تهديدات واضحة من بعض قادة «الفتح» بمحاكمة الكاظمي، فضلاً عن قولهم إن «النجوم» أصبحت أقرب للكاظمي من الولاية الثانية.
غير أن مخرجات ما حصل جاءت لصالح الكاظمي، ومطابقة للمثل الشعبي العراقي الشهير «الضربة التي لا تقضي عليك تقوّيك». فالكاظمي الذي نجا من الحادثة بدا في أول تسجيل تلفزيوني له بعد أقل من ساعة من نجاته مسيطراً وهادئاً. ولم يوجه أي اتهام لجهة أو طرف بل دعا إلى الهدوء، وكل ما قاله شاجباً أسلوب المفخخات هو أن هذا الأسلوب لن «يبني الأوطان».
وطبقاً لردود الفعل السريعة، إن كان على المستوى السياسي أم الشعبي، بات واضحاً الآن للشارع العراقي أن استهداف الكاظمي يأتي في سياق خلط الأوراق من أجل تسهيل عملية تقاسم السلطة والنفوذ من جديد في محاولة لتخطي نتائج الانتخابات.
وبالتالي، فإنه وفقاً لكل هذه المعطيات، فإن الكاظمي يبدو الآن هو الفائز الأول في الانتخابات، رغم أنه لم يرشح نفسها فيها، وليست لديه كتلة برلمانية... لكن مع هذا فاسمه بات الآن الأكثر تداولاً في الأوساط السياسية على صعيد إمكانية التجديد له لولاية جديدة.


مناصرون للفصائل الخاسرة يتظاهرون في بغداد الجمعة (أ.ف.ب)

رابح وخاسر وما بينهما
وفي حين لم يكن تحالف الفتح هو الخاسر الأكبر شيعياً، فإنه أعلن رفضه الاعتراف بالنتائج غير النهائية التي أعلنتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. ولكن من ناحية ثانية، كان هناك خاسرون آخرون ما كان متوقعاً خسارتهم (التي كانت قاسية) مثل تحالف قوى الدولة بزعامة عمار الحكيم... الذي يضم ائتلاف النصر بزعامة رئيس الوزراء الأسبق الدكتور حيدر العبادي. فالحكيم، الذي كان لديه 22 مقعداً خلال انتخابات 2018 وكان يأمل في مضاعفتها خلال هذه الانتخابات لم يحز إلا مقعدين.
أيضاً العبادي، الذي حصل خلال انتخابات 2018 على 42 مقعداً، قبل انشقاق فالح الفياض، رئيس هيئة الحشد الشعبي، عنه -وبالتالي أصبح لديه 12 مقعداً- لم يحصل خلال هذه الانتخابات إلا على مقعدين أيضاً.
الجبهتان الكردية والسنية حصل فيهما اختلال على مستوى النتائج أيضاً بين رابح وخاسر. فبينما حصل الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني على 32 مقعداً فإن شريكه وخصمه معاً الاتحاد الوطني الكردستاني -المنقسم على نفسه على مستوى القيادات- حصل فقط على 17 مقعداً. وطبقاً لهذا التفاوت فإن فرص الحزب الديمقراطي تعززت على صعيد التفاوض مع بغداد... بدءاً من منصب رئاسة الجمهورية، الذي يشغله حالياً الدكتور برهم صالح القيادي البارز في الاتحاد الوطني، وصولاً إلى باقي المناصب الأخرى. غير أن المشكلة التي تواجه الحزب الديمقراطي، الفائز الأول في كردستان، أن شركاءه من الأحزاب الكردية في إقليم كردستان -الذي يتمتع بشبه استقلال عن بغداد- لا يمكن أن يقاس فقط على مستوى المقاعد، بل طبقاً لمجموعة أسس ومعايير قد يختل معها التوازن داخل الإقليم.
وعلى صعيد العرب السنة قد لا يختلف الأمر كثيراً. فحزب تقدم بزعامة رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي حلّ بالمرتبة الأولى في المحافظات الغربية بواقع 43 مقعداً مقابل حصول خصمه في المناطق السنية نفسها (تحالف عزم بزعامة رجل الأعمال خميس الخنجر) على 14 مقعداً.

المفوضية وسط النيران
لم تواجه كل مفوضيات الانتخابات في العراق، منذ أول دورة انتخابية أُجريت عام 2005 وإلى آخر دورة أُجريت عام 2018، هذا الكم من النيران الصديقة وغير الصديقة بدءاً من لحظة إعلانها النتائج وحتى اليوم.
الحقيقة أن هذه المفوضية تختلف عن المفوضيات السابقة كونها مكونة من قضاة مستقلين ولم تكن نتيجة لترشيح الأحزاب والقوى السياسية. ومع أن هذه هي التجربة الأولى لها ولكادرها سواء كان المتقدم وحتى المتوسط، حيث جرى تغيير الجميع باتفاق سياسي على صعيد إجراء الانتخابات، فإنه طبقاً للقانون الجديد فإن الطبقة السياسية هي الأخرى تخوض الانتخابات لأول مرة طبقاً لهذا القانون. وطبقاً لذلك فإن الفائزين عدوا إجراءات المفوضية أنها الأفضل والأكفأ والأنزه، بينما عدّها الخاسرون أسوأ مفوضية... وبالتالي، حمّلوها كامل المسؤولية عن خسارتهم.
ولذا تصاعدت حدة الاحتجاجات من القوى الخاسرة، لا سيما تحالف الفتح بزعامة هادي العامري إلى حد انطلاق مظاهرات قرب بوابة «المنطقة الخضراء» من جهة الجسر المعلق. ومن ثم تحولت المظاهرات إلى اعتصامات مفتوحة حيث تم نصب الخيام وقطع الجسر المعلق بالكامل. وعلى الأثر وجدت المفوضية نفسها تحت «مرمى النيران» وسط مطالبات المطالبين بإعادة العد والفرز اليدوي، بينما هي تطالب بأدلة واقعية موثقة لكي تبتّ بالطعون... وفي هذه الأثناء، لا تزال النتائج معلقة بانتظار الحسم من الهيئة القضائية داخل المفوضية، قبل رفعها إلى المحكمة الاتحادية العليا لغرض المصادقة عليها.
ومن ناحية ثانية، يحاول المتظاهرون التصعيد. وكان آخره ما جرى الأسبوع الماضي عبر ما سموها «جمعة الفرصة» الأخيرة حين سعوا إلى اقتحام «المنطقة الخضراء»، الأمر الذي أدى إلى حصول مواجهات راح ضحيتها قتلى وجرحى بين الطرفين المتظاهرين والقوات الأمنية.

شغل تحت الطاولة
مع كل التصعيد الذي جرى، والذي بلغ مرحلة متقدمة من المواجهة الشيعية - الشيعية على بوابات المنطقة الخضراء فإن جميع القوى السياسية «تشتغل سياسة»، بعضها فوق الطاولة مثلما يعمل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي فاجأ الجميع بزيارته المفاجئة للعاصمة بغداد، وبعضها الآخر تحت الطاولة.
وبين ما هو فوق الطاولة وما تحتها، فإنه في الوقت الذي عدّ الجميع أن التصعيد يوم الجمعة الماضي كان مقصوداً به تحركات الصدر في بغداد. فالصدر الذي تزامن وصوله إلى بغداد مع وصول وفد كردي برئاسة هوشيار زيباري، القيادي البارز في الحزب الديمقراطي الكردستاني... الفائز الأول كردياً. كذلك فإن الصدر ابتدأ لقاءاته في بغداد بلقاء الحلبوسي، زعيم حزب تقدم، الفائز الأول سنياً. وكان الصدر قد أعلن أنه سيعمل على تشكيل حكومة «غالبية وطنية» وهو ما استفز خصومه في البيت الشيعي.
خصوم الصدر في البيت الشيعي نوعان ينتظمهما الآن فيما يسمى «الإطار التنسيقي»:
الأول يمثله نوري المالكي، زعيم دولة القانون الفائز الثاني شيعياً بعد الصدر، لكنه بسبب خصومته الدائمة مع الصدر فإنه لا يمكن أن يلتقي به على مستوى التحالف. أما الآخر فهم القوى الخاسرة، وفي مقدمتهم تحالف الفتح فضلاً عن تحالف قوى الدولة بزعامة عمار الحكيم ومعه حيدر العبادي رئيس الوزراء الأسبق. وبينما يحاول «الفتح» الحصول على ما يعتقدها مقاعده التي أخذت منه بسبب التزوير، فإن المالكي يحاول الانسجام معهم لأنه لا يريد أن يخسر أصواتهم لأنه يعمل أيضاً على تشكيل كتلة أكبر توازي إن لم تتفوق على كتلة الصدر. كلا الفريقين الشيعيين حاول الزجّ باسم المرجعية الشيعية العليا في النجف بأمر التحالفات وتشكيل الحكومة. لكن رد المرجعية لم يتأخر حين رفضت زجّها كطرف في المباحثات الخاصة بتشكيل الحكومة القادمة.
إذ قال حامد الخفاف، مدير مكتب السيستاني، في بيان له إن «المرجعية الدينية العليا ليست طرفاً في أي اجتماعات أو مباحثات أو اتصالات أو استشارات بشأن عقد التحالفات السياسية وتشكيل الحكومة القادمة». وأضاف البيان: «لا أساس من الصحة بتاتاً لأيٍّ من الأخبار التي تروّج لخلاف ذلك من بعض الأطراف والجهات في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي».
وبشأن مفهوم حكومة الغالبية السياسية أو الوطنية الذي يتبناه الصدر، يقول السياسي العراقي عزت الشابندر، في بيان أرسل نسخة منه لـ«الشرق الأوسط»، إن «مشروع الغالبية السياسية أو الوطنية أو الكتلة الأكبر هو النتاج الطبيعي لأي نظام ديمقراطي في العالم، ومن دونه ليست هناك حاجة للانتخابات وتكاليفها أصلاً». وأضاف الشابندر أنه «ينبغي ألا يفوتنا أن هذا المشروع (الغالبية الحاكمة والأخرى المعارضة) مرتبط بشكل وثيق بالواقع الانتخابي ونتائجه التي تحدد الكتلة الأكبر من غيرها. بمعنى أن الانتخابات الشفّافة والخالية من الطعون الكبيرة في إدارتها أو نزاهتها هي المدخل الطبيعي لأحقيّة الكتلة في تشكيل الحكومة وإدارتها».
وحسب الشابندر فإن «الحل للخروج من المأزق الراهن يتمثل في التوافق بين القوتين الشيعيتين الرئيستين، الكتلة الصدرية والإطار التنسيقي لاختيار رئيس وزراء مستقل، بينما تتوزع المناصب الوزارية وفقاً للاستحقاق الانتخابي بحيث تكون الوزارة منصباً قيادياً وسياسياً، بعيداً عن قضية الوزير المستقل أو التكنوقراط».
وبشأن تحركات الصدر، الذي سرعان ما عاد إلى النجف غاضباً بعد محاولة اقتحام «المنطقة الخضراء»، يقول أستاذ الإعلام في الجامعة العراقية الدكتور فاضل البدراني، لـ«الشرق الأوسط» إنه «من الواضح أن الصدر بتحركه السياسي ولقاءاته الشخصية مع الحلبوسي والحكيم، ووفد يمثله بدأ يتفاوض مع وفد من الحزب الديمقراطي الكردستاني، إنما أراد أن يعلن الشروع ببدء مرحلة الحوارات الجدية لتشكيل الحكومة وإسدال الستار على مرحلة الركود والتشكيك بنتائج الانتخابات».
وأضاف البدراني أن «الصدر سيذهب إلى خيار حكومة وحدة وطنية لتجاوز معضلة المعترضين على الانتخابات وترضيتهم بحقائب وزارية، مقابل أن يكون له الرأي الفاعل في اختيار رئيس حكومة لن يكون صدرياً، لكنه مخلص لهم، وأقرب لهم من الجميع». وبيّن أنه خلال «ماراثون اللقاءات كان الصدر مفتاحها، لذلك سيجرّ الجميع للتفاوض بحكم التأثير العددي والوزن السياسي، وواضح أن لديه طموحاً بقطع الطريق على التدخلات الإقليمية والدولية في تشكيل أركان العملية السياسية».
وفيما يتعلق بالكرد، يرى البدراني أن «خيارهم سيكون مع الجميع، وليس مع طرف محدد لكن بشروطهم المحددة في الكابينة (مجلس الوزراء) الحكومية ورئاسة الجمهورية». وبشأن الكتل السنية فإنها «تتمحور مع تحالفي تقدم بزعامة محمد الحلبوسي، وعزم بزعامة خميس الخنجر، ويبدو أنهما ينتظران حسم الموقف الشيعي لطرح طموحاتهما في رئاسة البرلمان أولاً، ثم الكابينة الحكومية ثانياً، وكذلك بطموح جديد لتولي منصب نائب رئيس الجمهورية».
من جهته يرى الدكتور إحسان الشمري رئيس مركز التفكير السياسي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الهدف من زيارة لبغداد يأتي في سياق تحريك الجمود السياسي، خصوصاً أن الأمر -ظاهراً- متوقف بانتظار نتائج الانتخابات النهائية، بينما تبدو هذه الزيارة بمثابة إعلان رسمي لبدء مفاوضات تشكيل الحكومة والخريطة السياسية القادمة».
وأردف الشمري أن «الهدف أيضاً هو التحرك نحو الأقوياء لغرض التحاور معهم من أجل بلورة تصور لحكومة أغلبية وطنية. لكنّ هذا لا يعني العمل على تهميش بقية الأطراف». وأكد أن «الصدر سيمضي وفق لقاءاته باتجاه تحقيق نحو 75% من الإجماع الشيعي، ومن ثم الانتقال إلى ما يتيسر التوصل إليه من اتفاقات داخل البيتين السني والكردي». وتابع الشمري أن «المؤشرات تقول إن الثلاثة الأقوياء هم من سيحددون مسارات الخريطة القادمة، لكن ليس على أساس الإملاءات بل وجود هامش كبير لما يمثلونه من داخل مكوناتهم. وبالتالي، فإن المشهد يبدو توافقياً في النهاية، بسبب عدم وجود كتلة تمتلك النصف زائد واحد».

المرجعية الشيعية غير راضية
كان قد جرى تسريب أنباء أن المرجعية الشيعية لا تؤيّد عودة الرئاسات الثلاث (الجمهورية، والوزراء، والبرلمان). وفي الوقت الذي يراد من هذه الأخبار خلط الأوراق أو الترويج لصالح طرف على حساب طرف آخر، أو الإيحاء بأن للمرجعية رأياً بهذا المفصل أو ذاك، فإن نفي المرجعية مثل هذه الأخبار قطع الطريق أمام أي محاولات استغلال قادمة... سواء لاسم المرجع الأعلى علي السيستاني، أو بعنوان المرجعية.
اليوم يرى المراقبون السياسيون في العراق أن بيان المرجعية أكد حياديتها تماماً حيال ما يجري. وهو ما يعني أنها ليست راضية عن المسار الذي تلا الانتخابات البرلمانية الأخيرة. ويرى سياسي عراقي في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «المرجعية باتت تشعر بأن النهج لن يتغير في الحكومة القادمة، وبالتالي فإنها تريد النأي بنفسها عن أي اتفاق سياسي». ثم أشار إلى أن «المرجعية كانت قد دعت إلى المشاركة الواسعة في الانتخابات الأخيرة، لكن نسبة المشاركة لم تكن بمستوى الطموح، وهو ما يعني أن الجمهور لم يعد يثق بالأحزاب الإسلامية».



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟