من «حرفة» إلى «قطاع»... السعودية تؤسس مظلة نظامية للصناعات اليدوية

تُعيد تعريف المهنة وتُعزز حماية حقوق الحرفيين

صناعة الخوص بسعف النخيل (واس)
صناعة الخوص بسعف النخيل (واس)
TT

من «حرفة» إلى «قطاع»... السعودية تؤسس مظلة نظامية للصناعات اليدوية

صناعة الخوص بسعف النخيل (واس)
صناعة الخوص بسعف النخيل (واس)

دخلت الحرف والصناعات اليدوية في السعودية حقبة جديدة من التنظيم المؤسسي، مع إقرار «نظام الحرف والصناعات اليدوية» الذي وضع حجر الأساس لإطار تشريعي متكامل.

ويتجاوز النظام الجديد فلسفة الحماية الثقافية للموروث إلى إعادة تعريف الحرفة بوصفها ركيزة اقتصادية حيوية، ويمنح الممارسين مسارات مهنية واضحة وغطاءً قانونياً في السوق، بما يضمن تحويل الصناعات التقليدية إلى قطاع إنتاجي يسهم بفاعلية في دفع عجلة التنمية الوطنية.

ولا يكتفي النظام الجديد، الذي صدر بموجب مرسوم ملكي، بحماية الحرفة بوصفها موروثاً ثقافياً، بل يعيد تعريفها بوصفها نشاطاً إنتاجياً قائماً على العمل اليدوي يسهم في الاقتصاد الوطني، سواء عبر تصنيع المنتجات أو تقديم الخدمات المرتبطة بها.

تعريف دقيق... وفصل بين الإنتاج والخدمة

ومن أبرز مرتكزات النظام، تعزيز حماية حقوق الحرفيين عبر تفعيل أنظمة الملكية الفكرية بالتعاون مع الهيئة السعودية للملكية الفكرية، بما يشمل حماية التصاميم المبتكرة والعلامات التجارية، وتمكين الحرفيين من تسجيل أعمالهم ومنع تقليدها، ومنحهم حق التصرف في إنتاجهم ومنع استغلاله دون إذن.

أحمد خبيري حرفي المصنوعات الجلدية (الشرق الأوسط)

ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» خبير المصنوعات الجلدية أحمد خبيري، أن هذه التنظيمات تمثل نقلة عملية في بيئة العمل الحرفي، موضحاً أنها «تسهل بعض الإجراءات، مثل الاستغناء عن الحاجة لإصدار سجل تجاري لفتح حساب بنكي خاص بالنشاط الحرفي، كما تمنح الحرفي ومنتجه مصداقية أكبر».

ويضيف أن أنظمة الملكية الفكرية «تساعد على حفظ حقوق التصاميم المبتكرة والعلامات التجارية»، وهو ما يعزز حماية أعمال الحرفيين واستدامتها.

ولا يقتصر النظام على الحماية والتنظيم، بل يمتد إلى دعم الحرفيين عبر برامج تدريب وتأهيل، وتطوير المهارات الفنية والتسويقية، وتنظيم المعارض والأسواق، وتسهيل الوصول إلى قنوات البيع، بما يعزز قدرتهم على المنافسة محلياً ودولياً، ويدفع بالحرف اليدوية نحو التحول إلى صناعة مستدامة.

إطار تشريعي يحمي المستقبل

ويستند النظام إلى مرسوم ملكي يمنحه قوة قانونية ملزمة، مع تحديد مهلة لتوفيق أوضاع الممارسين، إلى جانب إقرار مخالفات وعقوبات قد تصل إلى شطب الحرفي من السجل الوطني أو تعليق ترخيصه، في حال عدم الالتزام، بما يعكس جدية التوجه نحو ضبط القطاع.

ويُميز النظام بين الحرف الإنتاجية الفنية والتراثية، التي تقوم على تحويل المواد الأولية إلى منتجات يدوية، والحرف الخدمية التي تشمل الإصلاح والترميم والصيانة والتسويق، في تصنيف يعكس تحول الحرفة من مهارة فردية إلى نشاط اقتصادي متكامل ضمن سلاسل الإنتاج والخدمات.

صناعة الأحذية التقليدية حرفة يدوية سعودية أصيلة (واس)

السجل الوطني... هوية مهنية للحرفيين

ومن أبرز ركائز النظام، إنشاء «السجل الوطني للحرفيين»، بوصفه مرجعية رسمية لتوثيق الحرفيين وتصنيفهم وربطهم بالتراخيص، حيث يشترط القيد فيه لمزاولة النشاط، مع منع ممارسة الحرفة لأغراض تجارية أو الإعلان عنها دون ترخيص، في خطوة تستهدف تنظيم السوق ورفع جودة المنتجات.

ويضع النظام ضوابط واضحة لمشاركة الحرفيين في الفعاليات والمعارض داخل المملكة وخارجها، بما يضمن جودة التمثيل، ويعزز حضور المنتج الحرفي السعودي، مع منع المشاركة دون استيفاء هذه الضوابط.

جودة المنتج... خط الدفاع الأول

وفي جانب الواجبات، يُلزم النظام الحرفيين بالالتزام بمعايير الجودة، ويحظر استيراد المنتجات الحرفية المقلدة أو المشابهة للنماذج المحلية، حمايةً للسوق وصوناً للهوية الحرفية.

ويمتد الإطار التنظيمي إلى إنشاء مراكز وقرى حرفية، وتقديم برامج تدريب وتأهيل، ودعم التسويق، وتشجيع تأسيس الجمعيات المتخصصة، بما يعزز العمل المؤسسي ويوسّع نطاق تأثير الحرفيين.

رقابة وعقوبات... لضبط المشهد

ولضمان الالتزام، يتضمن النظام آليات رقابية تشمل التفتيش وضبط المخالفات، مع لجان مختصة للنظر فيها، وتدرج في العقوبات من الإنذار إلى الغرامات، وصولاً إلى إجراءات أشد بحسب طبيعة المخالفة.

ما يقدمه هذا النظام هو إعادة صياغة شاملة لقطاع ظل لسنوات قائماً على الجهد الفردي، ليصبح اليوم جزءاً من اقتصاد منظم تحكمه القوانين وتدعمه السياسات.

الحرفة لم تعد مجرد أثر من الماضي، بل مهنة لها هوية وسجل وحقوق وسوق، في وقت تمضي فيه المملكة نحو ترسيخ الصناعات الحرفية بوصفها أحد روافد الاقتصاد الثقافي، حيث تتقاطع الأصالة مع الاحتراف، وتتحول الذاكرة إلى قيمة قابلة للنمو والمنافسة.


مقالات ذات صلة

«طيران الرياض» تتوسع غرباً وتستهدف السوق الأميركية

الاقتصاد طائرة «طيران الرياض» في منشأة شركة «بوينغ» الأميركية (الشرق الأوسط)

«طيران الرياض» تتوسع غرباً وتستهدف السوق الأميركية

تتجه شركة «طيران الرياض»، الناقل الوطني الجديد في السعودية، إلى توسيع حضورها غرباً نحو السوق الأميركية، في خطوة تعكس تسارع الوصول إلى محطات جديدة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي السفير السعودي الجديد لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري مسلماً وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي نسخة من أوراق اعتماده (سفارة المملكة العربية السعودية لدى لبنان)

السفير السعودي الجديد يسلّم أوراق اعتماده لوزير الخارجية اللبنانية

سلّم سفير المملكة العربية السعودية الجديد لدى لبنان فهد بن عبد الرحمن الدوسري، وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، نسخة من أوراق اعتماده.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق ‏من تنفيذ اختبار ⁧‫همزة‬⁩ الأكاديمي‬⁩ في جمهورية أذربيجان لتعزيز جودة التعليم (مجمع الملك سلمان للعربية)

اختبار «همزة»... مبادرة سعودية تجول العالم لتعزيز مكانة اللغة العربية

منذ أطلق مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية مشروع «اختبار الكفايات اللغوية للأغراض الأكاديمية» تحت اسم «همزة» وهو يتوسع في حضوره وفي ترسيخ العربية عالمياً.

عمر البدوي (الرياض)
الخليج جانب من مباحثات وزير الخارجية السعودي مع المستشار الاتحادي للنمسا في فيينا الأربعاء (واس)

وزير الخارجية السعودي يناقش في فيينا علاقات التعاون وقضايا المنطقة

وصل الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، الأربعاء، إلى العاصمة النمساوية فيينا في مستهل زيارة رسمية تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الرياضة طوارئ في غرف الملابس... حكايات مدربين دخلوا التاريخ من الباب الخلفي للإقالات السريعة

حكايات الإطاحة والتعويض السريع للمدربين وسط معمعة المونديال

حكايات الإطاحة والتعويض السريع للمدربين وسط معمعة المونديال، تاريخ مقصلة المدربين والبدلاء الطارئين من سويسرا 1954 حتى صبري لموشي وهيرفي رينارد 2026

كوثر وكيل (لندن)

«عداد الكهرباء» الذكي يربك يوميات بعض المصريين

عداد الكهرباء الذكي أثار جدلاً في مصر خلال الآونة الأخيرة (الشركة القابضة لكهرباء مصر)
عداد الكهرباء الذكي أثار جدلاً في مصر خلال الآونة الأخيرة (الشركة القابضة لكهرباء مصر)
TT

«عداد الكهرباء» الذكي يربك يوميات بعض المصريين

عداد الكهرباء الذكي أثار جدلاً في مصر خلال الآونة الأخيرة (الشركة القابضة لكهرباء مصر)
عداد الكهرباء الذكي أثار جدلاً في مصر خلال الآونة الأخيرة (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

«مع تكرار أعطال عداد الكهرباء مسبق الدفع، أعتقد أننا أصبحنا من أكثر الأسر المصرية تضرراً منه»... كلمات قالتها مروة أشرف، الموظفة الحكومية، التي تقطن محافظة المنوفية (دلتا النيل)، مبينة أنه على مدار 6 سنوات تعددت أوجه معاناتهم من أعطال العداد والكارت، والتي أرجعها مسؤولو الكهرباء في كل مرة إلى أسباب فنية وتشغيلية.

وتضيف مروة أشرف لـ«الشرق الأوسط»: «بين تعطل مفاجئ تطلّب تغيير العداد مرتين، ومثله الكارت نظراً لتلفه دون سبب، مروراً برسوم واستحقاقات وغرامات، وصولاً إلى حمل همّ الوقوف بطابور شحن الكارت بشركة الكهرباء، يمكن تلخيص رحلة أسرتنا مع العداد (أبو كارت)».

مع نهاية عام 2014، أعلنت وزارة الكهرباء المصرية عن خطة للتحول من العدادات التقليدية إلى العدادات الذكية التي تعمل بنظام الكارت المدفوع مقدماً، في إطار مواكبة التطور التكنولوجي وتحسين كفاءة إدارة الاستهلاك. وفي عام 2020، كان قد تم «تركيب أكثر من 9 ملايين عداد مسبق الدفع على الشبكة القومية للكهرباء، مع استهداف تركيب نحو مليوني عداد سنوياً»، وفق تصريحات لوزير الكهرباء والطاقة المتجددة السابق، محمد شاكر.

ومع التأكيدات السابقة لوزارة الكهرباء بأن هذا التوسع والتحول الرقمي قد سهّل على المواطنين الحصول على الخدمات وإنجاز معاملاتهم بسرعة وكفاءة، أعلنت الوزارة، قبل أيام، أنها تلقت منذ بداية العام الحالي أكثر من مليونين ونصف المليون طلب وشكوى عبر المنظومة الإلكترونية للشكاوى وخدمات المواطنين. وشملت هذه الطلبات والبلاغات خدمات شحن العدادات مسبقة الدفع، وتركيب العدادات، والفحص، وتسجيل البيانات والقراءات.

شكاوى متكررة من عداد الكهرباء الذكي في مصر (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

وتعكس المنصات التابعة لوزارة الكهرباء حجم الإزعاج الذي تسببه تجربة «عداد الكارت» لشريحة واسعة من المواطنين، في ظل تكرار الشكاوى المتعلقة بسرعة نفاد الرصيد، إلى جانب أعطال فنية مرتبطة بالتشغيل أو الشحن، ومشكلات تتعلق بمديونيات العدادات وخصم مبالغ مالية من الرصيد، فضلاً عن حالات فصل التيار الكهربائي رغم وجود رصيد بالكارت، وإشكاليات الانتقال بين شرائح الاستهلاك.

مصدر توتر

وتعود الموظفة الأربعينية للحديث، مُبينة أن عداد الكهرباء أصبح مصدراً للتوتر اليومي وتعكير المزاج، وأصبحت «صافرة الإنذار» الخاصة به بالنسبة لها ولزوجها بمنزلة «فوبيا»، دفعتهما لمراقبة العداد ورصيد الكارت بشكل دائم، خوفاً من تعطله مجدداً أو نفاد الرصيد.

وما يواجهه مستخدمون آخرون من ثنائية العداد والكارت تعكسه صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي تحمل أبعاداً اقتصادية؛ حيث يتساءل المستخدمون فيما بينهم عن قيمة الشحن؛ حيث ذكر أحدهم أنه يستهلك 100 جنيه كل 3 أيام (الدولار يساوي نحو 50 جنيهاً مصرياً)، ما دفع البعض للإشارة إلى أن «الإنفاق على العداد فاق الإنفاق على احتياجات الأسرة الأساسية».

ويوضح الخبير الاقتصادي، عادل عامر، أن اعتماد تقنية العداد الذكي منذ عام 2014 لم يكن مجرد خيار تكنولوجي، بل ضرورة لتقنين التداعيات التي خلّفها التوسع في توصيل التيار الكهربائي بطرق غير قانونية خلال فترة الانفلات الأمني بعد عام 2011، ويلفت إلى أن الدولة سعت من خلال هذه العدادات إلى استرداد جزء من التكاليف المهدرة في تلك الفترة.

نوعان من العدادات الكهربائية مسبقة الدفع (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

ويشير عامر إلى أن متوسط إنفاق الأسرة المصرية على خدمات الطاقة الأساسية (الكهرباء، الغاز، والمياه) يتراوح ما بين 7 و10 في المائة من إجمالي دخلها الشهري، عادّاً أن هذه النسبة تعكس التحدي الذي تواجهه الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل في التوفيق بين ترشيد استهلاك الموارد ومتطلبات المعيشة الأساسية.

وتحمل الشكاوى كذلك أبعاداً اجتماعية ونفسية، إذ تحول العداد من أداة تقنية إلى مصدر للتوتر؛ حيث أصيب المستخدمون بهاجس مراقبة العداد بشكل دائم خوفاً من انقطاع الخدمة، في حين امتد الأمر إلى إشارة البعض إلى أن نفاد الرصيد يتسبب في نشوب مشاحنات وخلافات أسرية، ما يحول لحظة الشحن إلى «رحلة كفاح يومية»، حسب وصفهم.

الخبيرة النفسية والاجتماعية، داليا الحزاوي، قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنه منذ استبدال عداد الكهرباء الذكي بالعداد التقليدي أصبح بعض المواطنين يواجهون عدداً من المشكلات التي تسبب لهم حالة مستمرة من التوتر؛ حيث بات عداد الكارت مصدر ضغط نفسي، وعلى الرغم من أن الخطط الحكومية تنظر إلى التحديث بوصفه ضرورة تقنية، تظل هناك تبعات اجتماعية واقتصادية لهذا التحول الذي يمس العصب اليومي لكل أسرة مصرية.

تعقيدات تقنية

وترى داليا الحزاوي أنه «في الوقت الذي تُروج فيه الحكومة لهذا التحول بوصفه خطوة نحو رقمنة الخدمات، فإن المواطن يجد نفسه في مواجهة تعقيدات تقنية وخصومات مالية تُثير قلقه، فبدلاً من أن يكون العداد الحديث وسيلة لتسهيل إدارة استهلاك الكهرباء، تحوّل إلى مصدر تخوف من أن ينفد الرصيد بشكل مفاجئ، ما جعل شحن العداد من الأمور التي تشغل تفكيره باستمرار، كما يُمثل عبئاً في أحيان أخرى لكون أعطاله تُجبر الفرد على أن يستقطع من وقته للذهاب إلى الشركة المسؤولة لحل تلك الأعطال».

موظفان من وزارة الكهرباء المصرية يقدمان خدمات لمواطنين (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

وتمتد الشكاوى كذلك لتبيّن «الارتباك الرقمي» لدى كثيرين، الذين يلجأون إلى منصات التواصل بحثاً عن تفسيرات لصفارات الإنذار والإشارات الضوئية بالعداد، أو كيفية التعامل مع أرقام شاشات العدادات، وتطبيقات الدفع.

ومع تباين الشكاوى، تحولت المنصات الاجتماعية إلى فضاء تفاعلي واسع بين المستخدمين لتبادل الخبرات والتعبير عن معاناتهم اليومية مع «العداد والكارت». وتبرز منصة «تيك توك» في هذا السياق، إذ باتت تضم محتوى تعليمياً يشرح كيفية قراءة شاشات العداد، وضبط التاريخ والوقت، وفهم نظام الشرائح، إلى جانب محتوى آخر يلجأ إليه البعض للتخفيف من حدة التجربة عبر السخرية من «عداد الكهرباء». وهو الارتباك الذي يرجعه عامر إلى «التحديات التقنية التي تواجه منظومة العدادات مسبقة الدفع، والتي تعود بالأساس إلى فجوة تكنولوجية، ومحدودية كفاءة البنية التحتية»، وفق تعبيره.


سمتان تُميزان الموظفين في عصر الذكاء الاصطناعي… تعرّف عليهما

موظفون يتناقشون داخل أحد المكاتب (بيكسلز)
موظفون يتناقشون داخل أحد المكاتب (بيكسلز)
TT

سمتان تُميزان الموظفين في عصر الذكاء الاصطناعي… تعرّف عليهما

موظفون يتناقشون داخل أحد المكاتب (بيكسلز)
موظفون يتناقشون داخل أحد المكاتب (بيكسلز)

وسط التحولات المتسارعة التي تشهدها سوق العمل بفعل تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، لم يعد الالتزام بالحد الأدنى من المتطلبات المهنية كافياً لضمان التميز أو حتى البقاء في دائرة المنافسة. فقد باتت الشركات تبحث عن سمات إنسانية عميقة يصعب على الآلات محاكاتها، وتُشكل، في الوقت نفسه، قيمة مضافة حقيقية في بيئات العمل الحديثة.

في هذا السياق، تؤكد جيني روجرسون، رئيسة قسم الموارد البشرية بشركة «كانفا»، أن هناك سمتين أساسيتين تحرص على توافرهما في جميع المرشحين، بغضّ النظر عن طبيعة أدوارهم أو أقسامهم.

وخلال حديثها في قمة «تشارتر» للعلامات التجارية الجديدة لأصحاب العمل، التي عُقدت في مدينة نيويورك، أوضحت روجرسون أن هاتين السمتين أصبحتا ضروريتين للعاملين في عصر الذكاء الاصطناعي، وفقاً لما نقلته شبكة «سي إن بي سي». وقالت: «الفضول هو الأساس. في عالم سريع التغير كهذا، ومع هذا الكمّ من التحولات، لا بد من التحلي بالفضول».

وبيّنت روجرسون أن الفضول لا يقتصر على متابعة المستجدات التقنية، مثل الذكاء الاصطناعي، بل يمتد ليشمل التساؤل حول «أسباب اتخاذ القرارات من الأساس». وتوضح أن هذا النوع من الفضول يعني «فهم ما سبق، وتقدير أصوله، واستيعاب الفلسفات التي قامت عليه، ثم البناء عليها بشكل أكثر قوة وعمقاً».

موظفون يتفاعلون مع بعضهم داخل إحدى الشركات (بيكسلز)

ولقياس مدى توافر هذه السمة لدى المرشحين، قد تلجأ روجرسون إلى طرح أسئلة، خلال مقابلات العمل من قبيل «ما الذي تعلمته خارج نطاق تخصصك الأساسي، ثم طبّقته عملياً لتحقيق تأثير ملموس؟». فعلى سبيل المثال، قد يكون أحد المرشحين تعلّم تقنية «البرمجة التفاعلية» من تلقاء نفسه، ثم وظّفها بطريقة مبتكرة لدفع مشروع معين إلى الأمام داخل بيئة العمل.

وعلى الرغم من أهمية الفضول، تؤكد روجرسون أن هذه السمة وحدها لا تكفي، ما لم تُترجَم إلى أفعال ملموسة، فهي تشدد على ضرورة أن يبادر الموظفون إلى تطبيق ما يتعلمونه، وأن يسهموا بفاعلية خارج نطاق مهامّهم المباشرة. وتقول، في هذا السياق: «نحن نرغب في بناء ثقافة قائمة على العطاء»، حيث يشعر الأفراد «بمسؤوليتهم تجاه هذه الثقافة»، وبأنهم «شركاء حقيقيون فيها، يسهمون في تشكيلها بقدر ما يستفيدون منها».

ومن هذا المنطلق، تبحث روجرسون عن مرشحين لا يكتفون بأداء واجباتهم الأساسية، بل يسعون إلى تقديم ما يتجاوز المطلوب في مجال تخصصهم. وقد يتجلى ذلك في مبادرات متنوعة، مثل تأسيس نادٍ داخل الشركة، أو طرح أفكار جديدة، أو ملاحظة خلل معين والمساهمة في معالجته.

ولتقييم قدرة المرشح على تطوير ذاته والإسهام في الفريق، قد تطرح سؤالاً مثل: «ما الذي قمت به خارج نطاق مهامّك الأساسية وأسهم في تطوير المنتج، أو إطلاق منتجات مميزة للمستخدمين، أو إثراء ثقافة الفريق؟».

أهمية بذل جهد إضافي

ويُلاحظ أن كثيراً من القادة التنفيذيين يشددون، اليوم، على أهمية بذل جهد إضافي، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2025، صرّح غريغ هارت، الرئيس التنفيذي لشركة «كورسيرا»، بأن الحفاظ على القدرة التنافسية يتطلب من الموظفين المبادرة إلى تطوير مهاراتهم، سواء من خلال إكمال الشهادات المهنية أم الحصول على شهادات مصغّرة.

كما أشارت فيبي جافين، مدربة التطوير المهني، إلى أن بناء علاقات قوية مع الزملاء والشركاء من مختلف الأقسام يساعد المهنيين الناجحين على أن يكونوا أكثر استباقية وفاعلية.

أما الفضول فيُعد من المهارات الإنسانية الخمس التي لا غنى عنها في عصر الذكاء الاصطناعي، وفق ريان روسلانسكي، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «لينكد إن».

في السياق نفسه، صرّح دارا خسروشاهي، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبر»، بأنه يدين بجزء كبير من نجاحه المهني لكونه «منفتحاً للغاية على كل شيء».

في المحصّلة، لم يعد التميز المهني مرهوناً بالمهارات التقنية وحدها، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الإنسان على التساؤل، والتعلّم المستمر، والمبادرة إلى إحداث أثر حقيقي داخل بيئة العمل.


أبطال «إذما» من الرياض: فيلم عن الشغف حين يضيع والطريق إلى استعادته

بوستر «إذما» خلال العرض الأول للفيلم في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)
بوستر «إذما» خلال العرض الأول للفيلم في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)
TT

أبطال «إذما» من الرياض: فيلم عن الشغف حين يضيع والطريق إلى استعادته

بوستر «إذما» خلال العرض الأول للفيلم في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)
بوستر «إذما» خلال العرض الأول للفيلم في الرياض (تصوير: تركي العقيلي)

شهدت الرياض، مساء الثلاثاء، العرض الأول للفيلم المصري «إذما» بحضور أبطاله، وذلك قبل انطلاق عرضه الرسمي في دور السينما بالسعودية والخليج وعدد من الدول العربية، بدءاً من 18 يونيو (حزيران) الحالي.

ويأتي الفيلم ضمن الأعمال العربية المنتظرة خلال الموسم الحالي، مُقدِّماً قصة إنسانية تدور حول الأحلام والشغف والقرارات التي ترسم مسارات الحياة، في قالب درامي يتناول مشاعر فقدان الحلم والبحث عن الذات واستعادة الشغف. وهو من إخراج الكاتب محمد صادق في أولى تجاربه الإخراجية السينمائية، ويشارك في بطولته أحمد داود، وسلمى أبو ضيف، وحمزة دياب، وجيسيكا حسام الدين، وبسنت شوقي، إلى جانب عدد من ضيوف الشرف؛ وذلك من إنتاج شركة «ذا بروديوسرز فيلمز»، فيما تولَّت شركة «قنوات» توزيعه في السعودية ودول الخليج وعدد من الأسواق العربية.

كاتب «إذما» ومخرجه محمد صادق خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

وكشف محمد صادق لـ«الشرق الأوسط» عن تجربته الإخراجية الأولى، قائلاً: «كانت صعبة وممتعة، وآمل أن يترك الفيلم أثراً لدى المشاهدين، ويدفعهم إلى التمسُّك بأحلامهم، وعدم التحوّل إلى أشخاص فقدوا شغفهم».

وأشار إلى التحدّيات التي واجهته في إخراجه: «خلال تحويل رواية (إذما) إلى فيلم، كان لا بدَّ من التعامل مع المساحة الواسعة التي يتركها النص المكتوب لخيال القارئ. ويتمثَّل التحدّي الأكبر في تقديم عالم بصري يوازي ما تخيَّله الجمهور خلال القراءة، والحفاظ في الوقت عينه على المشاعر التي حملتها الرواية».

وأشاد صادق بأداء فريق العمل، قائلاً: «جميع المشاركين تعاملوا مع الفيلم بحبّ وإيمان كبيرَيْن، وقدَّم أحمد داود أداءً مميزاً، وأدت سلمى أبو ضيف دورها بطريقة جميلة». كما وصف اكتشاف موهبة جيسيكا حسام الدين وحمزة دياب بالمفاجأة الجميلة، إلى جانب بسنت شوقي وضيوف الشرف، إذ جمعت الفريق حالة من الانسجام خلال التصوير.

بطل فيلم «إذما» أحمد داود خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

من جهته، أوضح أحمد داود لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل بطولته «إذما»، والدور الذي جسَّده، قائلاً: «تعيش شخصية البطل (عيسى) حالة من مراجعة الذات والندم، وعملتُ على المحافظة على إظهارها بشكل متوازن بعيداً عن المبالغة في المشاعر». وأشار إلى أن الصعوبة تضاعفت مع تقديم الشخصية في مرحلتين عمريتين مختلفتين، فيشعر المشاهد بأنّ النسختين تنتميان إلى الشخص نفسه. وسعى داود إلى تقديم أداء صادق يلامس الجمهور، إذ يحمل الفيلم قدراً كبيراً من المشاعر.

وبيَّن أنّ العمل يوجّه رسالة إلى مَن فقد حلمه كي يستعيده، وإلى مَن لا يزال في بداية الطريق كي يتمسَّك به. وأضاف: «(إذما) من الأعمال القريبة إلى قلبي، وسأعود إلى مشاهدته كلّما مررتُ بمحطّات صعبة»، إذ تتطرَّق موضوعاته إلى اللحظات التي تتكلّل بالملل وفقدان الشغف بالأحلام والطموحات. وجاء طرح «إذما» في السعودية بعد نجاحه في مصر خلال موسم العيد، إذ حقَّق إيرادات مستقرّة رغم المنافسة، وواصل تحقيق إيرادات جيدة حتى الآن.

أحد نجوم «إذما» حمزة دياب خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

وعلَّق الممثّل المصري الشاب حمزة دياب، لـ«الشرق الأوسط»، على مصدر فهمه العميق للشخصية، قائلاً: «أسهمت قراءتي للرواية قبل المشاركة في الفيلم في تكوين فهم مبكر ونقطة انطلاق ساعدتني في بناء الدور»، موضحاً أنه يُجسّد شخصية «عيسى» في مرحلة الشباب، وهي شخصية طموحة ومفعمة بالحياة تتمسّك بحلمها وترفض فقدان الشغف مع التقدُّم في السنّ وظروف الحياة، قبل أن تدفعها بعض الأحداث الخاصة إلى الابتعاد عن أحلامها، ثم محاولة استعادة نفسها بطريقة مختلفة.

نجمة فيلم «إذما» جيسيكا حسام الدين خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: تركي العقيلي)

بدورها، قالت جيسيكا حسام الدين لـ«الشرق الأوسط» إنها تؤدّي شخصية «سلمى» في مرحلة الشباب، ووصفتها بأنها عفوية ومتمسّكة بأحلامها، وتسعى خلف ما تحبّ، مضيفةً: «كان اهتمام المخرج محمد صادق بأدق التفاصيل أمراً مبهراً بالنسبة إليّ، وفي الوقت نفسه دفعني ذلك إلى تقديم أفضل ما لديّ». وأعربت عن سعادتها بالتجربة وبالشخصية، مشيرة إلى أن قصة الفيلم تتقاطع مع تجارب عاشها كثير من الناس، وهو ما تأمل بأن يشعر به الجمهور عند المشاهدة.

ونالت الحملة الترويجية للفيلم تفاعلاً واسعاً خلال المدّة الماضية، خصوصاً بعد طرح الأغنية الرسمية «سر وجعنا» بصوت الفنانة رحمة محسن والفنان نوردو، التي تجاوزت مشاهداتها 10 ملايين عبر المنصات الرقمية، وتصدَّرت قوائم الأكثر تداولاً في عدد من الدول العربية.

وتزامناً مع موعد عرض الفيلم في السعودية والخليج وعدد من الدول العربية، طُرحت أغنية جديدة بعنوان «بكلم نفسي» بصوت الفنان بهاء سلطان، لتصبح الإصدار الغنائي الرابع المرتبط بالعمل. وجاءت في قالب فيديو كليب يضمّ أبطال الفيلم، ويُقدّم لمحات من أحداثه وشخصياته.