«ميتافيرس»... تقنيات «ما فوق العالمين الواقعي والافتراضي»

«مايكروسوفت» تسعى لبناء منصات أكثر طموحاً

«ميتافيرس»... تقنيات «ما فوق العالمين الواقعي والافتراضي»
TT

«ميتافيرس»... تقنيات «ما فوق العالمين الواقعي والافتراضي»

«ميتافيرس»... تقنيات «ما فوق العالمين الواقعي والافتراضي»

يتشارك في تطبيق «مايكروسوفت تيمز» 250 مليون مستخدم حول العالم سيصبحون مع مطلع العام المقبل قادرين على عقد اجتماعاتهم في مساحات افتراضية من خلال ارتداء إكسسوارات للرأس مدعومة بتقنيتي الواقع الافتراضي والواقع المعزّز.
وبدلا من بثّ فيديو حيّ، سيتمكّن النّاس من الظهور على شكل شخصيات كرتونية افتراضية مع ملامح تعبيرية في الزمن الحقيقي مثل الابتسام والعبوس. ونعم، سيُسمح لهم – ولكم – بالغضب كما في الشخصيات الكرتونية التي كنتم تحبّونها وأنتم أطفال.

مستقبل العمل
تخفي هذه الخطوة البسيطة كثير مما تفكّر به مايكروسوفت لمستقبل العمل، ومستقبل كلّ ما هو إلكترونيّ في عصر «ميتافيرس metaverse» (مصطلح يُستخدم لوصف مفهوم الإصدارات المستقبلية للإنترنت، المكون من مساحة ثلاثية الأبعاد ثابتة ومشتركة ومرتبطة بكون افتراضي مُدرَك).
تعمل شركة مايكروسوفت منذ سنواتٍ عدّة على تطوير نسختها الخاصّة من الميتافيرس عبر منصّة «ميش Mesh» التي أعلنت عنها بالتزامن مع إطلاق جهاز «هولو لينس آي.آر.» الذي يُرتدى على الرأس. ولكنّ الشكل الذي وصلت إليه «ميش» حتّى اليوم لا يزال صعب الفهم. والسبب الرئيسيّ لذلك هو أنّها تقنية تأسيسية، أي أنّها الطريقة التي تصل بها مايكروسوفت النّاس عبر أيّ جهاز (هواتف ذكيّة ولابتوبات وسمّاعات ونظّارات...) ببعضهم البعض في مساحات مشتركة يستطيعون فيها التفاعل على اختلاف الطرائق التي أوصلتهم إليها.
أعلنت مايكروسوفت مؤخرا أنّ «ميش» ستدخل إلى «مايكروسوفت تيمز Microsoft Teams» في 2022، وسيحصل النّاس بذلك على أوّل رؤية أكيدة لما ستكون عليه هذه المنصّة في التطبيق الاستهلاكي.
تملك منصّة الميتافيرس التّابعة لفيسبوك/ ميتا والتي أُعلن عنها الأسبوع الفائت نقاطًا مشتركة مع ما تقدّمه مايكروسوفت اليوم، إذ تستطيع الشركات تطوير مساحاتها الثلاثية الأبعاد الخاصّة في المنصّتين، حتّى إنّ الشخصيات الكرتونية الظريفة التي تمثّل المستخدمين موجودة في المنصّتين أيضًا.
ولكنّ قادة مايكروسوفت يتحدّثون بصراحة عن رسم خطّ فاصل بين مقاربة فيسبوك/ميتا للميتافيرس ومقاربتهم الخاصّة – فبينما تسعى فيسبوك/ميتا لامتلاك الميتافيرس، تفضّل مايكروسوفت أن تكون القوّة الدافعة له.
يقول أليكس كيبمان، الزميل التقني لنظم الواقع المعزّز والواقع المختلط في مايكروسوفت: «يوجد عالمٌ هناك يعتقد أن الميتافيرس سيحصل وأنّ الجميع سيعيش في الميتافيرس الخاص به. أنا شخصيًا أرى في هذا الاعتقاد رؤية بائسة للمستقبل. أنا اليوم أشترك في عوالم عدّة لأنّ كلّ موقع إلكترونيّ هو بمثابة ميتافيرس للغد. تستمدّ شبكة الانترنت تميّزها وجاذبيتها من قدرتها على الربط بين المواقع الإلكترونية، على عكس المنصّات القديمة الأولى في زمن الإنترنت مثل (إي.أو.أل). و(كومبيو سيرف)».
ترى مايكروسوفت في «تيمز» نموذجًا أوّليًا للميتافيرس حيث تستطيع الشركات ابتكار مساحاتها الخاصّة. وبدل حكم الميتافيرس الخاص بها كما تطمح فيسبوك/ميتا، ترى مايكروسوفت أن دورها يتمثّل عبر «ميش» في تأمين «الغراء» التأسيسيّ الذي سيساعد في الحفاظ على ترابط عوالم الميتافيرس المتعدّدة.

منصات عمل للشركات
ليست هذه مجرّد رؤية فلسفيّة للتقنية نظرًا لأنّ «ميش» مطوّرة لتتيح للشركات استخدام واجهات التطبيق البرمجية بطريقة مشابهة لاستخدام التطبيقات على أجهزة الآيفون اليوم، أي لمساعدة الشركة في بناء منصتها الخاصة وامتلاك هويّة ثابتة عبر منصات ميتافيرس متعدّدة.
ويشرح كيبمان أنّ «استراتيجية مايكروسوفت ستفوز إذا ظهر عددٌ غير محدود من منصّات الميتافيرس، وليس القليل منها... أو واحدة فقط».
تقدّم منصّة «ميش» في «مايكروسوفت تيمز» لمحة عما ستكون عليه منصّات الميتافيرس في المستقبل. فقد عمدت شركة «أكسنتشورAccenture» وهي شريك مايكروسوفت في التجربة إلى توظيف عشرات آلاف الموظفين الجدد خلال الجائحة في مقرّها الافتراضي العالمي (لا تملك الشركة مقرًا عالميًا حقيقيًا).
تختلف المساحات المخصصة للشركات في عالم الميتافيرس لناحية الحجم والرؤية بحسب حجم استثمار الشركات في تطوير ملكياتها الافتراضية. ولكنّ العنصر الأكثر ثباتًا سيكون حصّة المستخدم من التجربة وتحديدًا كيف ستتمكّن شخصية المستخدم الافتراضية من التفاعل داخل هذه العوالم. ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ قواعد المشاركة التي تطوّرها مايكروسوفت لشكل ظهور المستخدم في العالم الافتراضي ستكون على الأرجح أكثر أهميّة من تصميم العالم نفسه.

شخصيات افتراضية
لماذا تستخدم الشخصيات الافتراضية؟ تعتمد مايكروسوفت في «ميش» فلسفة منح المستخدم فرصة الحضور ليس كما هو فحسب، بل كما يريد أن يكون. وكما ذكرنا آنفًا، سيكون المستخدم قادرًا على الاتصال بـ«تيمز» عبر كاميرا الويب أو الهاتف كما في السابق، فضلًا عن أنّه سيظهر كشخصية كرتونية افتراضية من تصميمه الخاص.
إذا كنتم ممن يفضلون الاتصالات الصوتية، تستخدم مايكروسوفت برنامجًا لترجمة كلماتكم المنطوقة إلى حركات شفاه مطابقة. تصاحب هذا الخطاب أيضًا إيماءات وتعابير... وإذا كنتم تملكون كاميرا ويب، تستطيع مايكروسوفت استخدام هذه البيانات لوضع مخطّط عالي الدقّة لهذه التعابير.
إنّ أوّل سؤال طرحناه على مسؤولي مايكروسوفت كان لماذا نرى شخصيات كرتونية في المساحات الافتراضية باستمرار؟ هل هي مفيدة؟ أم أنّها مجرّد رداء مبتسم يغطّي التواصل الحقيقي؟
وتبيّن أنّ هذه الشخصيات تؤدّي وظائف مهمّة عدّة، وخصوصًا للمستخدمين الذي لا يحبّون فكرة الجلوس أمام الكاميرا طوال اليوم.
يقول جاريد سباتارو، نائب رئيس القسم المتخصص بـ«مايكروسوفت 365» و«تيمز»: «يواجه الناس اليوم خيارين عند انضمامهم إلى اجتماع رقمي: تشغيل الكاميرا أو عدم تشغيلها. إذا اختار المستخدم تشغيل الكاميرا، فهذا يعني أنّه في الواجهة والمركز وأنّ النّاس سيرون كلّ حركة يقوم بها؛ أمّا إذا أطفأها، فهذا يعني غياب أيّ إشارات تواصليّة وصعوبة التقاط أي تفاعل أثناء المشاركة في الاجتماع».
لا شكّ في أنّ جميعنا حضر اجتماعًا تساءلنا فيه ما إذا كان الزميل الذي أخفى صوته لا يزال مشاركًا. ويجري مختبر العناصر البشرية في مايكروسوفت حاليًا تجارب على الحالتين عبر تثبيت أقطابٍ كهربائية على رأس المتطوّعين ومراقبة ما إذا كانوا سيشعرون بالإرهاق عند الظهور في الفيديو. وأظهرت النتائج الأوّلية أنّ استخدام الشخصيات الافتراضية ولّد لدى 70 في المائة من المشاركين في الاجتماع شعورًا بوجود الزميل معهم.
يوضح كيبمان أنّ الشخصيات الكرتونية هي ببساطة الخيار الأفضل لتقديم أجساد بشرية ثلاثية الأبعاد بمستوى تقنية الرسوميات المتوفّر اليوم. وتجدر الإشارة إلى أنّ شخصيات مايكروسوفت الكرتونية ستكون قادرة على عكس لغة جسد المستخدم ورسم حركاته بواسطة كاميرا الويب وغيرها من الوسائل.
وتبدو الشخصيات الافتراضية متطوّرة بالدرجة الكافية لتقليد تعابير الوجه. كما أنّها مهمّة لأنّ مايكروسوفت تأمل أن تأخذ شخصية المستخدم الافتراضية من «ميش» خارج «تيمز» إلى العوالم الافتراضية المتعدّدة.

كوريا الجنوبية لاعب أساسي في عالم «ميتافيرس»

غيّرت فيسبوك، منصّة التواصل الاجتماعي الأكبر في العالم، مؤخرا اسمها إلى «ميتا» وأعلنت عن مشروعها المكتمل في إطار مشروع «ميتافيرس». ولكنّ فيسبوك ليست شركة التقنية الوحيدة التي استثمرت في الواقع الافتراضي الثلاثي الأبعاد الذي يتفاعل النّاس فيه مع الآخرين باستخدام شخصيات افتراضية تمثّلهم. إذ توجد مثلًا لعبتا الفيديو «روبلوكس» و«فورتنايت» الشهيرتان بين الشباب واللتان تتيحان للمستخدم ابتكار عالمه الخاص والتفاعل فيه.
بدأ «ميتافيرس» كفكرة مثيرة في روايات وأفلام الخيال العلمي، وظهر اسمه للمرّة الأولى في رواية «سنو كراش» (1992) لنيل ستيفنسون واستخدم لاحقًا في رواية «ريدي بلاير وان» للكاتب إرنست كلاين.
تعدّ كوريا الجنوبية لاعبًا أساسيًا ناشئًا في عالم «ميتافيرس» انطلاقًا من قاعدتها الصلبة في صناعة الألعاب الإلكترونية والمحتوى الثقافي الغنيّ الجاذب للجماهير من حول العالم.
تملك كوريا الجنوبية رابع أكبر سوقٍ للألعاب الإلكترونية في العالم التي يتوقّع أن تصل قيمتها إلى 18 مليون وون (16.6 مليون دولار) هذا العام مع المحافظة على مكانتها كالمستورد الثقافي الأكبر من البلاد.
تستخدم صناعة الألعاب الإلكترونية المشاركة الافتراضية في عناوينها التي تتطلّب عدّة لاعبين لتجسيد الأدوار، ولكنّ شركات تطوير الألعاب الكورية تسعى أيضًا للتمدّد إلى الميتافيرس عبر استخدام الشخصيات الموجودة في ألعابها وملكياتها الفكرية. وتخطّط شركة نيكسون الرائدة في مجال ألعاب الفيديو في كوريا الجنوبية لإطلاق محتوى ميتافيرس جديد مستخدمةً لعبتها الشهيرة مابل ستوري آي.بي. بدورها، أنشأت شركة نيتماربل الرائدة أيضًا شركة رديفة متخصصة بترفيه ميتافيرس لتطوير منصة واقع افتراضي لنجوم بوب (شعبيين) افتراضيين من كوريا.
تتنامى جاذبية «ميتافيرس» خارج عالم ألعاب الفيديو أيضًا. تحتلّ منصّة «ميتافيرس» من «زيبيتو» التابعة لشركة «نافر زي كوربوريشن» في كوريا الجنوبية الصدارة بـ200 مليون مستخدم حول العالم، 90 في المائة منهم من خارج كوريا الجنوبية. وتُستخدم هذه المنصّة للتجمّعات والتبضّع خصوصًا وأنّ علامات تجارية عالميّة فاخرة كنايكي وغوتشي ورالف لورين فتحت فروعًا افتراضية فيها لبيع منتجاتها الرقمية. ويتيح استوديو المنصّة أيضًا لمستخدميه تصميم بضائعهم الخاصة وبيعها. وكانت «زيبيتو» قد أعلنت مؤخرا أنّها ستُدخل ألعابا إلكترونية جديدة تنافس «روبلوكس» بشكلٍ مباشر.
* «ذا ديبلومات»، خدمات «تريبيون ميديا».

* «فاست كومباني»
– خدمات تريبيون ميديا


مقالات ذات صلة

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا «غوغل»: الميزة الجديدة داخل «جيميل» لا تستهدف محاربة الرسائل التسويقية (جيميل)

«غوغل» تطلق ميزة جديدة لتنظيم الاشتراكات البريدية في «جيميل»

ميزة إدارة الاشتراكات في «جيميل» تهدف لتنظيم الرسائل الترويجية وجمعها في صفحة واحدة مع إلغاء مباشر للاشتراك وتحسين الأمان والإنتاجية للمستخدمين يومياً.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

خاص التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يسهم في تسريع إنجاز المهام اليومية وتقليل الأعمال الروتينية وتعزيز كفاءة الإنتاجية داخل بيئات العمل «كلود»

«كلود كوورك»... أداة جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي لتنفيذ المهام المكتبية

تقوم الأداة بتحليل المحتوى والتخطيط للتنفيذ ثم إتمام المهمة ورفع المخرجات في نفس المكان دون الحاجة لسلسلة من التعليمات التفصيلية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
TT

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين، وذلك استناداً إلى طبيعة محادثاتهم مع المنصة.

وأعلنت شركة «أوبن إيه آي»، أمس (الجمعة)، أنها ستختبر هذه الإعلانات في النسخة المجانية من تطبيق «تشات جي بي تي» للمستخدمين البالغين المسجلين في الولايات المتحدة. كما كشفت عن إطلاق باقة اشتراك جديدة تحمل اسم «Go» بسعر 8 دولارات شهرياً، تتضمن بعض الميزات المحسّنة، مثل ذاكرة أكبر وإمكانات أوسع لإنشاء الصور، وبسعر أقل من باقتي «Plus» (20 دولاراً شهرياً) و«Pro» (200 دولار شهرياً).

وبحسب شبكة «سي إن إن»، سيشاهد مشتركو باقة «Go» أيضاً إعلانات داخل الخدمة، في حين لن تُعرض أي إعلانات لمشتركي باقتي «Plus» و«Pro»، ولا لعملاء «أوبن إيه آي» من الشركات.

وكان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، قد أعرب في وقت سابق، عن تحفظاته إزاء إدخال الإعلانات إلى «تشات جي بي تي». غير أن هذه الخطوة تأتي في سياق سعي الشركة الحثيث إلى إيجاد مصادر جديدة لزيادة الإيرادات من قاعدة مستخدميها التي تُقدَّر بنحو 800 مليون مستخدم شهرياً، وذلك للمساعدة في تغطية تكلفة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، التي تعتزم الشركة استثمار نحو 1.4 تريليون دولار فيها على مدى السنوات الثماني المقبلة.

وفي هذا السياق، قال ألتمان في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إن «أوبن إيه آي» تتوقع إنهاء عام 2025 بإيرادات سنوية تقارب 20 مليار دولار.

وكانت الشركة قد أطلقت العام الماضي، أداة تُعرف باسم «الدفع الفوري»، تتيح للمستخدمين شراء المنتجات مباشرةً من متاجر تجزئة مثل «وول مارت» و«إتسي» عبر «تشات جي بي تي». كما قدّمت أدوات في مجالات الصحة والتعليم وغيرها، في إطار مساعيها لجعل «تشات جي بي تي» جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمستخدمين، وربما تحفيزهم على الترقية إلى اشتراكات مدفوعة.

وقد تُثبت الإعلانات أنها استراتيجية مربحة لشركة «أوبن إيه آي»، إذ يمكن استغلال المعلومات المستخلصة من محادثات المستخدمين مع «تشات جي بي تي» لإنشاء إعلانات عالية الاستهداف. فعلى سبيل المثال، إذا طلب أحد المستخدمين المساعدة في التخطيط لرحلة، فقد تظهر له إعلانات متعلقة بفنادق أو أنشطة ترفيهية في الوجهة المقصودة.

وكجزء من هذا الاختبار، ستظهر الإعلانات أسفل إجابات «تشات جي بي تي» على استفسارات المستخدمين، مع تصنيفها بوضوح على أنها «إعلانات ممولة». وأكدت «أوبن إيه آي» أن هذه الإعلانات لن تؤثر في محتوى إجابات «تشات جي بي تي»، مشددة على أن المستخدمين «يجب أن يثقوا بأن الإجابات تستند إلى ما هو مفيد موضوعياً».

كما أوضحت الشركة أنها لن تبيع بيانات المستخدمين أو محادثاتهم للمعلنين، مؤكدةً أن بإمكان المستخدمين تعطيل تخصيص الإعلانات المبنية على محادثاتهم في أي وقت.


دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
TT

دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)

أعاد التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة متجددة حول الأتمتة ومستقبل العمل. فمن تطوير البرمجيات إلى إنتاج المحتوى، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُظهر قدرات لافتة في الاختبارات البحثية والمعايير التقنية. لكن فجوة أساسية ما زالت قائمة تتعلق بقدرة هذه الأنظمة على تنفيذ أعمال حقيقية ذات قيمة اقتصادية، كما هي مطلوبة في سوق العمل الفعلي.

دراسة جديدة تسعى للإجابة عن هذا السؤال عبر إطار قياس مبتكر يُعرف باسم «مؤشر العمل عن بُعد» (Remote Labor Index – RLI)، وهو أول معيار تجريبي يقيس بشكل منهجي قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على أتمتة مشاريع عمل متكاملة مأخوذة من أسواق العمل الحر الحقيقية. وتأتي النتائج مفاجئة، وأكثر واقعية مما توحي به كثير من السرديات المتداولة حول قرب الاستغناء عن الوظائف البشرية.

ما بعد المعايير الاصطناعية

تركز معظم اختبارات الذكاء الاصطناعي الحالية على مهام محددة أو معزولة ككتابة شيفرات قصيرة أو الإجابة عن أسئلة تقنية أو تصفح الإنترنت أو تنفيذ أوامر حاسوبية مبسطة. ورغم أهمية هذه المعايير، فإنها غالباً لا تعكس التعقيد والتكامل والغموض الذي يميز العمل المهني الحقيقي.

من هنا جاء تطوير «مؤشر العمل عن بُعد»، الذي لا يختبر مهارات منفصلة، بل يقيس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع كاملة من البداية إلى النهاية، تماماً كما تُسند إلى محترفين يعملون لحساب عملاء حقيقيين. وتشمل هذه المشاريع مجالات مثل التصميم والهندسة المعمارية وإنتاج الفيديو وتحليل البيانات وتطوير الألعاب وإعداد الوثائق وغيرها من أشكال العمل عن بُعد التي تشكل جوهر الاقتصاد الرقمي المعاصر. وبهذا، تنقل الدراسة النقاش من مستوى القدرات النظرية إلى مستوى الأداء الفعلي القابل للقياس في السوق.

نتائج المؤشر تظهر أن الذكاء الاصطناعي ما زال عاجزاً عن أتمتة معظم مشاريع العمل عن بُعد بمستوى مهني مقبول (غيتي)

قياس مؤشر العمل عن بُعد

تتكون قاعدة بيانات المؤشر من 240 مشروع عمل حر مكتمل، يحتوي كل مشروع على ثلاثة عناصر رئيسية هي وصف تفصيلي للمهمة والملفات المدخلة اللازمة لتنفيذها ومخرجات نهائية أنجزها محترفون بشريون باعتبارها مرجعاً قياسياً. ولم تكتفِ الدراسة بالمخرجات فقط، بل جمعت أيضاً بيانات عن الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ كل مشروع. وقد استغرق إنجاز المشروع الواحد، في المتوسط، نحو 29 ساعة من العمل البشري، بينما تجاوزت بعض المشاريع حاجز 100 ساعة. وتراوحت تكاليف المشاريع بين أقل من 10 دولارات وأكثر من 10 آلاف دولار، بإجمالي قيمة تتجاوز 140 ألف دولار وأكثر من 6 آلاف ساعة عمل فعلي.

ويعكس هذا التنوع والتعقيد المتعمد طبيعة العمل الحقيقي، بعيداً عن المهام المبسطة أو المتخصصة.

تقييم أداء الذكاء الاصطناعي

اختبر الباحثون عدة نماذج متقدمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي باستخدام عملية تقييم بشرية دقيقة حيث مُنحت الأنظمة نفس أوصاف المشاريع والملفات التي حصل عليها المحترفون، وطُلب منها إنتاج مخرجات كاملة. ثم قام مقيمون مدربون بمقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالمخرجات البشرية المرجعية، مع التركيز على سؤال جوهري يتعلق بمدى قبول العميل الحقيقي لهذا العمل باعتباره مكافئاً أو أفضل من عمل محترف بشري.

المقياس الأساسي في الدراسة هو «معدل الأتمتة» أي النسبة المئوية للمشاريع التي نجح الذكاء الاصطناعي في إنجازها بمستوى احترافي مقبول. كما استخدمت الدراسة نظام تصنيف شبيهاً بنظام «إيلو» لإجراء مقارنات دقيقة بين النماذج المختلفة، حتى في الحالات التي لم تصل فيها أي منها إلى مستوى الأداء البشري.

الأتمتة ما زالت محدودة جداً

على الرغم من التطورات الكبيرة في قدرات التفكير والتعامل متعدد الوسائط، تكشف النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ما تزال بعيدة عن أتمتة العمل عن بُعد بشكل واسع. فقد بلغ أعلى معدل أتمتة تحقق 2.5 في المائة فقط، أي أن أقل من ثلاثة مشاريع من كل مائة وصلت إلى مستوى مقبول مقارنة بالعمل البشري. وتتحدى هذه النتيجة الافتراض السائد بأن التحسن في المعايير التقنية يعني بالضرورة قدرة فورية على استبدال العمل البشري. فحتى النماذج المتقدمة القادرة على كتابة الشيفرات أو توليد الصور والنصوص، غالباً ما تفشل عندما يُطلب منها دمج مهارات متعددة، أو الالتزام بتفاصيل معقدة أو تسليم ملفات متكاملة بجودة احترافية.

مستقبل العمل القريب يتجه نحو دعم الإنتاجية البشرية بالذكاء الاصطناعي بدلاً من استبدال الوظائف بالكامل (شاترستوك)

تعثر الذكاء الاصطناعي... ونجاحه

يكشف التحليل النوعي لأسباب الفشل عن مشكلات متكررة، أبرزها أخطاء تقنية أساسية مثل ملفات تالفة أو غير قابلة للاستخدام أو صيغ غير صحيحة أو مخرجات ناقصة وغير متسقة. وفي حالات أخرى، كانت المشاريع مكتملة شكلياً لكنها لا ترقى إلى المستوى المهني المتوقع في سوق العمل الحر.

في المقابل، رصدت الدراسة مجالات محدودة أظهر فيها الذكاء الاصطناعي أداءً أفضل نسبياً، لا سيما في المهام التي تتركز على معالجة النصوص أو توليد الصور أو التعامل مع الصوت كبعض أعمال التحرير الصوتي والتصميم البصري البسيط وكتابة التقارير وتصور البيانات المعتمد على الشيفرة البرمجية. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يلعب بالفعل دوراً داعماً في بعض أنواع العمل، وإن لم يصل بعد إلى مرحلة الأتمتة الكاملة.

قياس التقدم دون تهويل

رغم انخفاض معدلات الأتمتة المطلقة، يُظهر المؤشر تحسناً نسبياً واضحاً بين النماذج المختلفة. فتصنيفات «إيلو» وهي نظام رياضي لتقييم الأداء النسبي، تشير إلى أن الأنظمة الأحدث تتفوق بشكل منهجي على سابقاتها، ما يعني أن التقدم حقيقي وقابل للقياس، حتى وإن لم يترجم بعد إلى إنجاز مشاريع كاملة. وتكمن قيمة «مؤشر العمل عن بُعد» في كونه أداة طويلة الأمد لمتابعة التطور، بعيداً عن التوقعات المبالغ فيها أو الأحكام الثنائية.

تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستغناء الواسع عن العاملين في وظائف العمل عن بُعد ليس وشيكاً في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، يُرجّح أن يكون الأثر القريب للذكاء الاصطناعي متمثلاً في تعزيز الإنتاجية على مستوى المهام، لا استبدال الوظائف بالكامل.

وسيظل الحكم البشري والقدرة على الدمج وضبط الجودة عناصر مركزية في العمل المهني. ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تقنيات الأتمتة السابقة؛ إذ يسعى إلى محاكاة قدرات معرفية عامة. وإذا تمكنت الأنظمة المستقبلية من سد الفجوة التي يكشفها المؤشر دون التكيّف المصطنع معه، فقد تكون الآثار على سوق العمل أعمق بكثير.

خط أساس جديد للنقاش

لا تدّعي هذه الدراسة التنبؤ بالمستقبل، لكنها تقدم خط أساس علمي وعملي لفهم موقع الذكاء الاصطناعي اليوم. ومن خلال ربط التقييم بعمل حقيقي وتكلفة فعلية ومعايير مهنية واقعية، تضع إطاراً أكثر دقة لنقاشات الأتمتة والعمل. ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، ستصبح أدوات مثل «مؤشر العمل عن بُعد» ضرورية للفصل بين التقدم الحقيقي والضجيج الإعلامي، وضمان أن يُبنى النقاش حول مستقبل العمل على الأدلة لا الافتراضات.


بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
TT

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

نحن نتحدث يومياً دون أن نفكر كثيراً في مقدار ما تكشفه أصواتنا عنّا. فإلى جانب الكلمات التي نختارها، يحمل الصوت إشارات دقيقة عن هويتنا قد تكشف معلومات صحية وخلفيات ثقافية وحالات عاطفية، ومستوى التعليم وربما حتى ميولاً فكرية. وحتى وقت قريب، كان هذا الإدراك يقتصر على الحدس البشري؛ إذ يمكننا غالباً أن نميّز تعب صديق أو سعادته أو توتره من نبرة صوته فقط. لكن اليوم، باتت الأنظمة الحاسوبية قادرة على فعل ذلك وأكثر بدقة متزايدة.

ويحذّر باحثون في تقنيات الكلام واللغة من أن هذه القدرات تمثل تحدياً حقيقياً للخصوصية. فالصوت لم يعد مجرد وسيلة لإعطاء الأوامر للمساعدات الرقمية أو أداة للحوار، بل أصبح وعاءً غنياً بالمعلومات الشخصية التي تستطيع الخوارزميات الحديثة استخراجها، غالباً دون علم المتحدث أو موافقته.

لماذا يُعد الصوت بيانات شخصية؟

عندما نتحدث، لا تنتقل الرسالة اللغوية وحدها. فإيقاع الكلام ودرجة الصوت والتوقفات بين الكلمات وأنماط التنفس والخصائص الصوتية الأخرى، جميعها تحمل طبقات متعددة من المعلومات الشخصية. ويشير خبراء تقنيات الكلام إلى أن هذه المعلومات مدمجة مباشرة في الإشارة الصوتية نفسها، أي أنها تُفصح تلقائياً عن صاحبها بمجرد التحدث، دون أي نية واعية للكشف عنها.

وتستطيع هذه الخصائص الصوتية أن تعكس مؤشرات تتعلق بالصحة الجسدية أو النفسية، مثل الإرهاق أو مشكلات في الجهاز التنفسي. كما يمكن أن تشير إلى خلفية المتحدث الثقافية أو الجغرافية من خلال اللهجة ونمط النطق. إضافة إلى ذلك، تحمل الأصوات دلائل عاطفية تُمكّن الأنظمة المتقدمة من استنتاج ما إذا كان الشخص متوتراً أو هادئاً أو متحمساً أو مضطرباً. ولهذا، يُصنَّف الصوت ضمن فئة البيانات البيومترية أي البيانات الشخصية العميقة، الفريدة غالباً، والتي يصعب تغييرها أو استبدالها.

وبسبب هذه الحساسية، تُعامل البيانات الصوتية في العديد من التشريعات الحديثة باعتبارها بيانات محمية. ففي الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يمكن أن يندرج الصوت ضمن البيانات البيومترية الخاضعة لقواعد صارمة بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، ما يستلزم توفير ضمانات إضافية والحصول على موافقة صريحة في كثير من الحالات.

تحليل الصوت يطرح مخاطر تتعلق بالخصوصية قد تمتد إلى التوظيف والتأمين والتسويق والمراقبة (شاترستوك)

مخاطر الإفراط في كشف المعلومات

تثير القدرة على استخراج سمات شخصية من الصوت مخاوف تتجاوز مسألة الراحة أو التخصيص. فمع تطور تقنيات تحليل الصوت وانتشارها، قد تمتد آثارها إلى مجالات حساسة في حياة الأفراد. فقد تُستخدم الاستنتاجات المستخلصة من أنماط الكلام يوماً ما للتأثير في قرارات التوظيف أو تقييمات التأمين إذا أسيء استخدامها. كما يمكن للمعلنين استغلال الإشارات العاطفية أو السلوكية المستخلصة من الصوت لتقديم رسائل تسويقية شديدة الاستهداف، وربما ذات طابع تلاعبي.

وتتفاقم المخاطر مع احتمالات سوء الاستخدام، مثل المراقبة غير المشروعة أو التحرش أو تتبع الأفراد دون علمهم. ورغم أن هذه السيناريوهات ليست شائعة على نطاق واسع بعد، يؤكد الباحثون أن سرعة تطور التكنولوجيا تستدعي دق ناقوس الخطر مبكراً، قبل أن تصبح هذه الممارسات أمراً واقعاً يصعب احتواؤه.

قياس ما يكشفه صوتك

أحد التحديات الأساسية في حماية خصوصية الصوت هو فهم مقدار المعلومات التي يحتويها تسجيل صوتي واحد. ولهذا يعمل الباحثون على تطوير أدوات وأساليب لقياس مدى قابلية ربط عيّنة صوتية بسمات تعريفية محددة. وتهدف هذه المقاييس إلى تحديد مدى سهولة نسب الصوت إلى شخص بعينه أو إلى فئة ضيقة من الأشخاص، اعتماداً فقط على الخصائص الصوتية.

وتُعد هذه الأدوات ضرورية لتصميم أنظمة تراعي الخصوصية منذ البداية. فإذا تمكن المطورون من تقدير مستوى المخاطر المرتبطة بتسجيل صوتي معين، يصبح بإمكانهم اتخاذ قرارات مدروسة بشأن كيفية تخزينه أو معالجته أو مشاركته. ويدعم هذا التوجه مفهوم «الخصوصية بحكم التصميم»؛ حيث تُؤخذ المخاطر المحتملة في الحسبان قبل طرح التكنولوجيا للاستخدام الواسع.

الصوت ليس وسيلة تواصل فقط بل يحمل أيضاً بيانات شخصية عميقة تكشف الصحة والحالة النفسية والخلفية الثقافية (شاترستوك)

كيف يمكن حماية خصوصية الصوت؟

لا يدعو الخبراء إلى التخلي عن تقنيات الصوت، بل إلى تقليل التعرض غير الضروري للمعلومات الشخصية. ومن بين أكثر الاستراتيجيات فعالية تقليص كمية البيانات الصوتية الخام التي يتم مشاركتها. فبدلاً من إرسال تسجيلات كاملة، يمكن للأنظمة استخراج الحد الأدنى من المعلومات اللازمة لأداء مهمة محددة كتحويل الكلام إلى نص، ثم التخلص من بقية البيانات.

كما تُعد المعالجة المحلية للصوت خطوة مهمة في هذا السياق. فعندما يُحلل الصوت مباشرة على الجهاز، بدلاً من إرساله إلى خوادم سحابية بعيدة، تقل فرص إساءة الاستخدام أو الاعتراض أو الاستغلال الثانوي للبيانات. ويمنح هذا النهج المستخدمين قدراً أكبر من التحكم فيما يغادر أجهزتهم ومتى.

وتلعب الضوابط الفيزيائية والبيئية دوراً مكملاً. فالتقنيات التي تُظهر بوضوح متى يكون التسجيل نشطاً، أو التي تحصر التقاط الصوت في نطاقات محددة، أو تتطلب تفعيلاً مقصوداً من المستخدم، تساعد في منع التسجيل العرضي أو الخفي. ومجتمعةً، تسهم هذه الإجراءات في جعل التفاعل الصوتي مقصوداً لا متطفلاً.

الثقة والشفافية وتجربة المستخدم

الخصوصية ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي قضية نفسية أيضاً. فمجرد الشعور بالمراقبة قد يؤثر في سلوك الأفراد وطريقة تعبيرهم عن أنفسهم. ويحذّر الباحثون من أن الإحساس الدائم بالرصد سواء أكان حقيقياً أم متوهماً، يمكن أن يقوّض الشعور بالكرامة والاستقلالية.

ومن هنا تبرز أهمية الشفافية؛ إذ ينبغي إبلاغ المستخدمين بوضوح متى يتم تسجيل أصواتهم، وما نوع المعلومات التي قد تُستخلص، وكيف ستُستخدم هذه البيانات. فالأنظمة التي تقدم إشارات واضحة وتحكماً مفهوماً في إعدادات الخصوصية تكون أقدر على كسب ثقة المستخدمين من تلك التي تعمل بصمت في الخلفية.

مستقبل مسؤول لتقنيات الصوت

توفر التقنيات المعتمدة على الصوت فوائد لا يمكن إنكارها، بدءاً من أدوات الوصول لذوي الإعاقة، مروراً بالحوسبة دون استخدام اليدين، ووصولاً إلى تفاعل أكثر طبيعية بين الإنسان والآلة. غير أن تعاظم حضور هذه التقنيات في الحياة اليومية يفرض مسؤولية متزايدة لحماية البيانات الصوتية.

ويواصل الباحثون تطوير أساليب لقياس المعلومات الشخصية الكامنة في الصوت وتقليلها والتحكم بها. وفي الوقت ذاته، يتعين على المطورين وصنّاع السياسات والمصممين العمل معاً لضمان تطور أطر الخصوصية بالتوازي مع الابتكار. فالتحدي ليس في إسكات التكنولوجيا، بل في ضمان أن تكون أصواتنا حين نتحدث مصدر تمكين لنا، لا بوابة لانتهاك خصوصيتنا.