أميركا وإيران... التاريخ الصعب

المؤرخ جون غازفينيان يتتبع مساره منذ 1720 حتى الآن

ريتشارد نيكسون
ريتشارد نيكسون
TT

أميركا وإيران... التاريخ الصعب

ريتشارد نيكسون
ريتشارد نيكسون

يستهل المؤرخ جون غازفينيان؛ إيراني المولد والحاصل على الدكتوراه في التاريخ من جامعة أكسفورد، كتابه «أميركا وإيران: التاريخ من 1720 حتى الوقت الحاضر»، من نقطة النهاية، موضحاً أن التحدي الأكبر أمامه يتمحور حول تحديد نقطة البداية. فمن وجهة نظر الأميركيين؛ تبدأ قصة بلادهم مع إيران عام 1979 مع أزمة الرهائن داخل السفارة الأميركية في طهران، لتتحول سطر النهاية للعلاقات الودية التي جمعت البلدين لأكثر من قرن.
في المقابل؛ تبدأ القصة من وجهة نظر الإيرانيين منذ عام 1953 عندما دبرت واشنطن انقلاباً داخل إيران عرف باسم «العملية أياكس»، أطاح رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً محمد مصدق، وأعاد تنصيب الشاه.
ويرى غازفينيان أن العلاقات بين الجانبين تعود إلى مئات السنين، عندما كانت الولايات المتحدة لا تزال مجموعة من المستعمرات البريطانية، بينما كانت إيران لا تزال تُعرف للعالم الخارجي بـ«الإمبراطورية الفارسية».
صدر الكتاب في العام الحالي، ويقع في 667 صفحة؛ موزعة في 4 أجزاء تحمل أسماء الفصول الأربعة: يبدأ بـ«الربيع»؛ الذي ساد العلاقات خلاله شعور متبادل بالإعجاب، يليه «الصيف» الذي شهد التفاعلات الأولى بين الجانبين، ثم «الخريف» حيث الروابط الاستراتيجية الوثيقة، وأخيراً «شتاء» الكراهية الطويل والمظلم.
الربيع والصيف
حسب المؤلف؛ كان أول تفاعل شخصي بين الأميركيين والإيرانيين عبر تجار الروم (شراب مسكر) في القرن التاسع عشر، لكن التفاعل الأقوى جاء بين ثلاثينات القرن الـ19 وثلاثينات القرن الـ20 مع تدفق بعثات تبشيرية من الكنيسة المشيخية الأميركية على إيران لبناء مدارس ومستشفيات وكنائس، لافتاً إلى أن الحكومة الأميركية ظلت بمنأى عن هذا التفاعل، فحتى عام 1883 لم ترسل بعثة دبلوماسية رسمية إلى إيران، والتزمت بوجه عام نهجاً يتسم بالانعزالية المفرطة، وعلى النقيض، سعت طهران خلال القرن الـ19 ومطلع الـ20 إلى بناء علاقات رسمية وطيدة مع واشنطن.
أخيراً؛ بعد محاولات حثيثة على امتداد فترة طويلة من جانب قادة طهران، بدت الولايات المتحدة على استعداد للمشاركة بقدر أكبر في الوضع الإيراني. وبعد وقوف إدارة وودرو ويلسون إلى جانب إيران عام 1919، أمل الإيرانيون في استغلال الامتيازات النفطية طُعماً لإغواء الولايات المتحدة لإظهار نشاط أكبر في حماية المصالح الإيرانية، لكن كشفت الأيام عن خطأ هذه الحسابات؛ ذلك أنه في اللحظات الحاسمة لطالما تفوقت رغبة واشنطن في تجنب إثارة غضب لندن على رغباتها التجارية؛ بل حتى نزعاتها الأخلاقية.
في أكتوبر (تشرين الأول) 1925، صوت البرلمان الإيراني بأغلبية ساحقة بإنهاء حكم آل قاجار وتعيين رضا خان مسؤولاً عن إدارة البلاد، ليصبح لاحقاً رضا شاه بهلوي، ويتحول إلى القوة الدافعة الرئيسية لتحديث إيران.
وخلال عشرينات القرن الـ20، رحب رضا بالمدارس التبشيرية الأميركية، التي وصف المؤلف العلاقة بينها وبين رضا بأنها «قصة غرام»، وعدّ الحاكم الإيراني أن بمقدورها الاضطلاع بدور كبير في جهود تحديث البلاد؛ الأمر الذي حققته بالفعل.
وفي يوليو (تموز) 1941، وجهت بريطانيا وروسيا إنذاراً لرضا شاه بضرورة الانضمام للحلفاء وإعلان الحرب على ألمانيا، وإلا فسيواجه عواقب وخيمة، لكنه رفض. ومع استسلام الجيش الإيراني، أجبر رضا على التنحي ونفي إلى موريشيوس، لينصب ابنه محمد رضا بهلوي خلفاً له في سبتمبر (أيلول) 1941.
الخريف
عام 1951، شرع مصدق في تأميم شركة النفط الأنجلو - إيرانية. ورغم نصائح واشنطن المتكررة للندن بالتعامل مع مسألة التأميم بوصفها أمراً واقعاً، فإن لندن رفضت نصيحة واشنطن، ونقلت بريطانيا القضية إلى الأمم المتحدة عام 1951، ونجح مصدق من خلال كلمته أمام المحفل الدولي في كسب تأييد السواد الأعظم من الدول النامية، لدرجة أن مجلس الأمن قرار «إرجاء المناقشة»، ليعفي بريطانيا حرج هزيمة قانونية مذلة. وكشف استطلاع رأي أجراه «معهد غالوب» في ذلك الوقت عن أن اثنين في المائة فقط من الأميركيين يرون أنه ينبغي لبلادهم دعم بريطانيا ضد إيران.
وفي يونيو (حزيران) 1952، لجأت بريطانيا إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، ليسطر فيها مصدق نصراً ساحقاً، لدرجة أنه حتى الممثل البريطاني في الهيئة المؤلفة من 14 قاضياً صوت ضد بلاده للمرة الأولى في تاريخ المحكمة.
ومن ثم؛ رأت بريطانيا أن الوقت قد حان لتغيير النظام في إيران. ورغم رفض واشنطن الفكرة بادئ الأمر، فإنها رضخت في النهاية لرغبة حليفتها، لتقع بذلك في خطيئة لا تزال تبعاتها مستمرة لليوم.
محمد رضا بهلوي
مثل أجيال سابقة من القادة الإيرانيين، آمن محمد رضا بهلوي بأن السبيل الأمثل للحفاظ على استقلال إيران الاتكاء على قوة ثالثة تعمل بمثابة «حامٍ» لها في مواجهة بريطانيا وروسيا. وبينما تحول والده بأنظاره نحو ألمانيا، وقع اختيار الشاه على الولايات المتحدة، وجعل علاقته بها حجر زاوية في سياسته الخارجية.
أما واشنطن؛ فقد نظرت لإيران بعد الحرب العالمية الثانية بوصفها ساحة محتملة لاندلاع صراع بريطاني - سوفياتي، يمكن أن يتسبب في زعزعة الاستقرار العالمي، خصوصاً في ظل تمركز قوات بريطانية وروسية داخل إيران.
وخلال الفترة ما بين 1971 وسقوط الشاه عام 1979 الأخطر والأبرز في تاريخ العلاقات بين الجانبين أنه خلال تلك السنوات انهالت الأسلحة الأميركية على شاه إيران؛ الذي لم تكن واشنطن ترد له طلباً. عام 1972، أعطى وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر «شيكاً على بياض» لطهران، ووجه بأن قرارات البنتاغون بخصوص مبيعات الأسلحة لإيران «ينبغي تركها بصورة أساسية للحكومة الإيرانية».
وآمن الرئيس ريتشارد نيكسون بفكرة أنه مقابل إمداد إيران بكميات هائلة من الأسلحة الأميركية، يمكن لطهران الاضطلاع بدور المنطقة العازلة التي تحمي المصالح الأميركية بالشرق الأوسط في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمد الشيوعي من ناحية، وتيار القومية العربية من الناحية الأخرى؛ الأمر الذي عرف بـ«عقيدة نيكسون».
وفي ديسمبر (كانون الأول) 1977، قبل أسبوع واحد فقط من اندلاع الثورة، وقف الرئيس الأميركي جيمي كارتر أثناء مأدبة في طهران ليقترح شرب نخب إيران بوصفها «جزيرة الاستقرار داخل واحدة من أشد المناطق توتراً في العالم».
كلمة السر... أردشير زاهدي
في قلب العلاقات الوثيقة على نحو استثنائي بين بهلوي وواشنطن، جاء دور أردشير زاهدي الذي تولى منصب سفير إيران لدى الولايات المتحدة في الفترة ما بين 1973 و1978، ليتحول مقر السفارة الإيرانية في واشنطن على يديه إلى قبلة لكبار الشخصيات النافذة ونجوم المجتمع الأميركي. وداخل السفارة، اعتمد زاهدي على المخدرات والجنس للفوز بنفوذ في واشنطن، وأشارت قصص صحافية حينها إلى أن السفارة كانت مقراً لحفلات جنس جماعي أبطالها أعضاء في الكونغرس وصحافيون.
الشتاء
وبحسب الكتاب؛ فإنه بداية من عام 1963، بدأ نجم آية الله الخميني في الصعود. ولكن، وحتى نفيه للعراق في وقت لاحق، لم يفلح في تحقيق شعبية كبيرة بفضل سياسات الشاه القمعية. ويرى الكاتب أن الميزة الأهم للخميني طوال السنوات التي سبقت الثورة عام 1979 والفترة اللاحقة لها مباشرة تكمن في حرصه على الحديث عن أفكار عامة تلقى قبولاً من مختلف الأطياف الإيرانية، وحرصه على النأي بنفسه عن الوقوف إلى جانب طرف ما في مواجهة آخرين.
اللافت أن شبح انقلاب 1953 ظل يطارد الإيرانيين، وشكل الدافع الرئيسي وراء اقتحامهم مقر السفارة الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979 رداً على استضافة واشنطن الشاه، لتبدأ أزمة الرهائن الأميركيين الشهيرة، التي لا تزال تصوغ نظرة الأميركيين إلى إيران حتى اليوم.
أما السنوات التالية، فكانت سلسلة من التصريحات العدائية بين الجانبين، لم تخل من محاولات تقارب خلف الكواليس، باءت جميعها بالفشل، كانت أبرزها ما عرفت باسم «فضيحة إيران كونترا» عام 1986 عندما باعت إدارة رونالد ريغان أسلحة لإيران مقابل سعي الأخيرة للضغط على «حزب الله» للإفراج عن رهائن أميركيين في لبنان. ما زاد الوضع سوءاً كان رد الفعل الإيراني، وذلك مع خروج أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس البرلمان الإيراني حينها علناً ليستعرض إنجيلاً أرسل به ريغان هدية إليه، وقال: «لقد أقرت أميركا بأن الجمهورية الإسلامية منيعة ومنتصرة». وجاء جورج إتش. دبليو. بوش ليكرر مساعي حث إيران على معاونة واشنطن في إطلاق سراح الأميركيين بلبنان. وبالفعل، بذل رفسنجاني جهوداً كبيرة حتى نجح في إنجاز الأمر، ليفاجأ بالبيت الأبيض يعلن يوم الإفراج عن الرهائن أن «إيران تبقى دولة إرهابية»، مما شكل له صفعة مدوية.
وبعد وقوف الولايات المتحدة إلى جانب العراق ضد نظام الملالي بداية الثمانينات، انتهت الحال بها إلى ما عرفت بسياسة «الاحتواء المزدوج»، عادّةً النظامين؛ الإيراني والعراقي، «مارقَين».
ويوجز الكاتب القوى التي تقف عائقاً أمام حدوث تقارب بين واشنطن وطهران على النحو التالي: تيار اليمين المتشدد داخل النظام الإيراني المعتمد في بقائه على تأجيج خوف الإيرانيين من «البعبع الأميركي»، وإسرائيل التي ترى أن أي تقارب بين البلدين سيفقدها أهميتها بصفتها حليفاً استراتيجياً لواشنطن داخل الشرق الأوسط، ودول عربية تشكل أهمية كبرى للسياسة الخارجية الأميركية بالمنطقة ويتعذر على واشنطن تجاهل مخاوفها إزاء النظام الإيراني، وأخيراً اليمين الأميركي التقليدي والحزب الجمهوري بشكل كلي، والذي يؤمن بفكرة أن قوة أميركا تكمن في ضرورة ألا تظهر «ضعفاً» مطلقاً أمام العالم.


مقالات ذات صلة

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

ثقافة وفنون «حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام بالنمو التكنولوجي للعملاق الصيني، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي.

جهاد مجيد
ثقافة وفنون بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

بنية المفاهيم والمصطلحات في «تحقيق مخطوطات التراث الشعبي»

«لدى التصدي لتحقيق مخطوطات تنتمي لعالم الثقافة الشعبية المتسع والمراوغ، يكون الاختلاف المنهجي ضرورة يضطر إليها المحقق اضطراراً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب «القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب «تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.