معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

بدأها محمد علي وتصاعدت مع تولي أسرته الحكم

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر
TT

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا، كما أمر بإطلاق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لإيجاد عمل مناسب لمن لم يستطع من هؤلاء العبيد العودة إلى بلاده الأصلية.

هذا ما يرصده الباحث ناجي غابة في كتابه «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر»، الصادر عن «دار العربي» في القاهرة، إلا أنه يذكر أنه من الواضح أن «الباشا» لم يقتنع على الإطلاق بإلغاء تجارة الرقيق لما سوف ينتج عن ذلك من مشكلات لمشروعه التنموي، وسيُحرم من مورد مالي مهم يتمثل في الجمارك المفروضة على العبيد المجلوبين من السودان.

ومع وصول سعيد باشا للسلطة في مصر عام 1853، تبدلت الأمور، حيث يعتبر سعيد أول حاكم مصري يفرض حظراً جاداً على هذه التجارة، إذ أصدر أمراً إلى المفتش العام للوجه القبلي في ديسمبر (كانون الأول) 1854 بمنع دخول العبيد إلى مصر من السودان، كما صدرت أوامر أخرى مشابهة إلى كثير من المديريات والمحافظات، وكذلك إلى جمرك أسوان وإلى ديوان المالية.

نصت هذه الأوامر على إعادة من يرد إلى مصر من السودانيين بغرض البيع ذكوراً أو إناثاً إلى بلادهم مع تدشين ما سُمي بالبوليس النهري في السودان للتأكد من خلو السفن من الرقيق المجلوبين لمصر وإنشاء نقطة تفتيش عند «فاشودة» كانت مهمتها تفتيش كل المراكب الآتية إلى النيل الأبيض والاستيلاء على أي رقيق مهرب.

لم تهتم إنجلترا على المستويين الرسمي والشعبي بالموضوع، حيث كانت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بدأ من جانبه فرض حظر على هذه التجارة في فبراير (شباط) 1857، وعلى أثرها أرسل فرماناً لسعيد باشا يعلمه بوجوب إلغاء هذه التجارة، ومنعها منعاً مطلقاً، وتنفيذ ذلك خلال مهلة أقصاها ستة أسابيع، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة فإن الرقيق المجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلاده.

وأوضح أنه إذا قام «الجلاب» بإحضار رقيق مرة ثانية يعاقب بالسجن لمدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنتين. ومنح هذا الفرمان حق سفن الأسطول الحربي العثماني ضبط السفن وتفتيشها وعتق من فيها من الأرقاء وإرسال التجار إلى الآستانة لمحاكمتهم هناك.

تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مفادها أن معيشتهم كانت قائمة على هذه التجارة، وأن هذا سوف يعرضهم لخسائر كبيرة.

وحين تبوأ الخديو إسماعيل الولاية انضم إلى حركة العاملين على تحرير الرقيق، كما حدث مع الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، فبذل جهوداً مكثفةً في هذا المجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلى حكمدار السودان حمدي باشا يأمره بتعقب تجار الرقيق لقطع دابرهم، فصدع الحكمدار للأمر وكانت النتيجة ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء الذين تم إطلاق سراحهم وإعادتهم لبلادهم، واعتقال التجار الذين لم يفرج عنهم إلا بعد أن أقروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية.

حتى ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يعاقب التجار الذين يتم ضبطهم بالرقيق، حيث كان يكتفى بمصادرة ما معهم من العبيد، وفي عام 1864 صدرت أولى العقوبات تجاه «الجلابة»، وهي السجن لمدة شهرين حال ضبطهم بأي رقيق وارد لمصر. ووقعت العقوبة على ستة من «الجلابة» الذين تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتفعت العقوبة لستة أشهر لرجال الإدارة المتهاونين في محاربة تجارة الرقيق.

وفي عام 1877 أجريت مفاوضات شاقة ومضنية بين مصر وإنجلترا، حيث أرادت الأخيرة توسيع نفوذها في أفريقيا، خصوصاً في المناطق الجديدة التي سيطر عليها إسماعيل، بينما أردات مصر كسب اعتراف إنجلترا بحقوق السيادة المصرية على ساحل بلاد الصومال حتى نهر جوبا جنوباً. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس (آذار) 1877 على أن تشمل السيادة المصرية ساحل الصومال، تم عقد معاهدتين؛ إحداهما في 4 أغسطس (آب) 1877 خاصة بالتعاون بين الطرفين في محاربة تجارة الرقيق.

وافق الخديو إسماعيل على عقد المعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن الاتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لم يأبه باعتراضه بل عزله من منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 1880 أنشأ الخديو توفيق «مصلحة إلغاء الرق»، وعُين لرئاستها الكونت ديلا سالا الذي اشتُهر بحماسته في محاربة هذه التجارة وكان أحد كبار الضباط الكبار في حرب المكسيك، كما ابتكر خططاً فعالة لمحاربة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجراءاته القوية.

أما في فترة الثورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضد تجار الرقيق، وقد أعلن عرابي أنه «ليس في مصر من يود أن يكون له عبيد غير أمراء بيت الخديو والباشوات الأتراك الذين تعودوا على استعباد المصريين، وأن الإصلاحات الجديدة سوف توجد المساواة بين الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين».

واتخذت الحكومة الثورية عدة خطوات عملية في هذا المجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية الأحرار السودانيين» كان هدفها مساعدة الأرقاء المحررين وتقديم المعونات لهم.

بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض المراكز لمتابعة حركة تجارة الرقيق لتكون بمثابة نقاط حراسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبلغت تكاليف إنشائها 600 جنيه مصري، وتم تكليف البكباشي لوتون الإنجليزي الجنسية لقيادتها، كما أصدر في 20 مايو (أيار) 1892 أمراً بإبطال استخدام الرقيق في المقاهي والمحلات العمومية مراعاة للآداب العامة.

وتعتبر معاهدة 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1895 مكملة للمعاهدة السابقة، حيث لا تختلف عنها كثيراً، وتزيد فقط في أنها نصت على منع التجارة في جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك المماليك والجواري البيض، كما أضيف إليها ملحق يتعلق بالإجراءات التفصيلية المختصة بتجارة الرقيق، سواء البائعين أو المشترين.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، صدرت مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الرقيق إلى مدة تتراوح ما بين خمسة أشهر وخمس سنوات.

نتيجة لهذه القوانين الصارمة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تجارة الرقيق في مصر، ولم يتبق منها سوى آثار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» الموقعة بين مصر وبريطانيا في 19 يناير (كانون الثاني) 1899 على مادة نصت على منع تجارة الرقيق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره.


مقالات ذات صلة

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كتب كورت أندرسن

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية...

جوناثان دي
كتب «مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

توقيع مزوّر سحب 65 مليون دولار من الاحتياطي... والخيط قاد إلى رئيس الحكومة محمود الزعبي الذي انتحر في 24 مايو 2000 

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون جبران خليل جبران

هل كان جبران يعاني من عقدة «الأنوثة»؟

لعل أحداً من الذين أطلقت عليهم تسمية «أدباء المهجر»، لم يكن موضع سجال دائم بين النقاد، منذ رحيله قبل نيف وتسعين عاماً حتى يومنا هذا، كما كان جبران خليل جبران.

شوقي بزيع

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن
TT

«الانفصال»... صورة أميركا عام 2045

كورت أندرسن
كورت أندرسن

لا تقتصر الروايات التي تدور أحداثها في المستقبل على أدب الخيال العلمي؛ فالأوقات العصيبة والمشحونة بالقلق غالباً ما تولّد أعمالاً أدبية تصوّر عوالم مستقبلية قاتمة (ديستوبيا) تتسم بالقلق والتحذير - ومتى كانت آخر مرة شعرت فيها بالاطمئنان التام؟ لقد حفلت حقبة القرن العشرين، على وجه الخصوص، بمثل هذه الرؤى؛ وقد أثبتت بعض الأعمال مثل «حكاية الجارية» (The Handmaid’s Tale) لمارغريت آتوود، أو «عالم جديد شجاع» (Brave New World) لألدوس هكسلي، التي نُشرت عام 1932، وتزداد أحداثها إثارةً للرعب يوماً بعد يوم - أنها كانت أكثر دقة في استشراف المستقبل مقارنة بغيرها. ومع ذلك، فإن أفضل طريقة لفهم هذه الأعمال ليس باعتبارها تنبؤات حقيقية لمستقبلنا، بل كإطلاقٍ لجام المخاوف الراهنة - التي تشبه أحلام اليقظة - بشأن التقلبات العمياء التي تميز لحظتنا الحالية.

غلاف الرواية

في روايته الجديدة «الانفصال» (The Breakup)، يقدم كورت أندرسن شيئاً نادراً ما نراه في هذا النوع من الكتب (وتتبادر إلى الذهن هنا رواية جون رايموند الممتازة الصادرة عام 2022 حول الكوارث المناخية، وهي «الإنكار» Denial)؛ فهو لا يختار مسرحاً لأحداثه في قرن بعيد حيث تصبح مشاكلنا الحالية مجرد جزء من التاريخ، بل يختار وقتاً لا يبعد سوى 19 عاماً من الآن، وهي فترة من المرجح أن يعاصرها معظم قرائه.

وفي محاولة لاستشراف الحالة الانتقالية المقلقة للحياة الأميركية في عام 2026، يرسم الكاتب صورة لعام 2045 - بعد مرور سنوات على حرب أهلية أميركية ثانية قصيرة وقذرة ومصوّرة ببراعة لافتة، حيث انقسمت البلاد إلى كيانين منفصلين بشكل فوضوي ولكنهما لا يزالان رسميين: «الولايات المتحدة الأميركية» (التي تقلصت لتضم 39 ولاية فقط) و«الجمهورية الأميركية الحرة» (Free American Republic)، وهي كيان يغلب عليه السكان البيض والمسيحيون، ويمثل عودة إلى أفكار رجعية نألفها جميعاً - ونشعر بالأسى تجاهها - في واقعنا الحالي.

ومع حلول السلام، يُسمح لسكان الولايات المتحدة السابقة بأسرهم التصويت لتحديد الكيان الذي يرغبون في الانضمام إليه. وهكذا، لا نجد هذه المرة حدوداً فاصلة مرتبة جغرافياً أو متخيلة بوضوح كما كان الحال مع «خط ميسون - ديكسون»؛ فعلى سبيل المثال، نرى المسافرين عبر الولايات الجنوبية - حيث لا ترغب المناطق الحضرية في الانضمام إلى «الجمهورية الأميركية الحرة» (F.A.R)، تماماً كما أن الجمهورية نفسها لا ترغب في ذلك... - نراهم يعبرون الحدود «الوطنية» ذهاباً وإياباً طوال الوقت. إنها ليست حالة انفصال تام (secession)، بل «تفكك للوحدة» (disunion)؛ ورغم أن هذا الحل يمثل فوضى عارمة، فإنه أوقف على الأقل هجمات الطائرات المسيرة الإرهابية ونشر الجيش للروبوتات - كرد فعل - لقتل مواطنين أميركيين متمردين في الشوارع. هذا في الوقت الراهن على الأقل.

يأخذنا المؤلف في جولة عبر هذه الحياة الأميركية الجديدة عبر عائلة «زيمباليست»، التي تعكس خطوط التصدع فيها ما تعيشه الأمة بأسرها، وهو أمر تدركه العائلة تماماً. ففي عام 2044، انتقلت العائلة من ولاية تينيسي إلى سان فرانسيسكو ليتولى «آشر زيمباليست» إدارة «معهد» غامض المهام نيابةً عن شخص قد يمثل أندر الكائنات وجوداً: الملياردير المُحب للخير. لكن زوجته «ناتالي» لم تتحمل الصدمة الثقافية؛ فهي شاعرة - من بين كل المهن - وقد اكتسبت سمعة مثيرة للجدل (أو «سيئة السمعة» ثقافياً) لكونها صريحة ومباشرة في انتقاد المسلمات الليبرالية، بأسلوب يذكّرنا بالكاتبة ليونيل شرايفر؛ ونتيجة لذلك، عادت ناتالي إلى تينيسي قبل ستة أشهر.

إذن، هل انفصلا نهائياً؟ وهل السياسة هي السبب؟ لا أحد منهما متأكد (ولا حتى طفلاهما)، والآن يجدان نفسيهما أمام أمر واقع يفرض عليهما التحرك: اقتراب موعد جولة - خُطط لها منذ فترة طويلة - لزيارة جامعات محتملة لابنهما الأصغر «لوغان». ستأخذهم هذه الجولة عبر قلب أميركا الذي أعيد تشكيله حديثاً.

إنها بداية موفقة للقصة. لكن الأمر المحير هو انقضاء أكثر من 300 صفحة من الرواية قبل أن يدور محرك سيارة عائلة زيمباليست - وبالتالي محرك حبكة الرواية نفسها - وتبدأ أخيراً تلك الرحلة البرية التي طال الحديث عنها. فقبل ذلك، نواجه قسماً ضخماً وساكناً درامياً مما يمكن أن يطلق عليه أصحاب الخيال التأملي (أو التكهني) مصطلح «بناء العالم» (world-building)؛ وهو تصوير شامل ومبتكر ومفصل للغاية لرؤية الكاتب «أندرسن» للسنوات الـ19 المقبلة من التاريخ الأميركي. ورغم ذلك، فإن القراءة ممتعة، لا سيما أنها تتضمن تخيلات لمصائر العديد من المشاهير المعاصرين. (من بين عشرات الظهورات الخاطفة لشخصيات حقيقية، وبالتأكيد لن يضر الكشف عن تفصيل واحد: يموت إيلون ماسك إثر جرعة زائدة أثناء رحلته إلى المريخ).

بصفته روائياً، يُعد أندرسن - الذي تشمل أعماله غير الروائية «أرض الخيال: كيف فقدت أميركا صوابها» (Fantasyland) و«العباقرة الأشرار: تقويض أميركا» (Evil Geniuses) - فيلسوفاً أكثر منه صانعاً للحبكات القصصية. فالدراما العائلية التي تدور حول علاقة الزوجين «زيمباليست» - وما إذا كانت ستستمر أم ستنتهي - تفتقر إلى التشويق بمجرد أن تبدأ الأحداث فعلياً؛ إذ تشبه إلى حد كبير قضاء أسبوع في سيارة مع ثلاثة أشخاص يضحكون على سلسلة من النكات الخاصة بهم، ثم يشرحون لك لاحقاً سبب كون تلك النكات مضحكة.

ولكن، ما المشكلة في ذلك؟ الأعمال الأدبية التي تتناول الدراما العائلية منتشرة بكثرة في الأدب الأميركي. وما سيجذب قراء رواية «الانفصال» (The Breakup) في هذه اللحظة التي تتسم باستقطاب وغضب يبدوان غير قابلين للاستمرار، وبانتهاك صارخ للمؤسسات والمبادئ المدنية الأميركية، هو تقديم رؤية لمستقبلنا القريب؛ رؤية تتسم بالعنف والتحذير، وهي مروعة لدرجة تمنح شعوراً بالتفريغ العاطفي (التطهير)، ومع ذلك تظل قابلة للنجاة منها بطريقة ما. وفي هذا الجانب، ينجح أندرسن في تقديم تلك الجرعة من الإثارة والمتعة التي جعلت أعماله السابقة ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً.

* جوناثان دي هو مؤلف ثماني روايات، أحدثها رواية «شارع السكر» (Sugar Street)، وهو يشغل منصب مدير برنامج الدراسات العليا في الكتابة بجامعة سيراكيوز

*خدمة: «نيويورك تايمز»


«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية
TT

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

«مذكرات عبد الحليم خدّام»... روايات من قلب دوائر السلطة السورية

تُطلق «دار رفّ للنشر»، الذراع المتخصصة في قطاع النشر والتابعة للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)، كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام»، وهو كتاب في مجلد واحد مستمد من الأرشيف الشخصي والسياسي لنائب الرئيس السوري الأسبق الراحل عبدالحليم خدّام، الذي أمضى أكثر من ثلاثة عقود داخل دوائر الحكم في سوريا قبل إعلان انشقاقه في باريس عام 2005.

ويضع هذا الكتاب، الذي جمع مادته وحرّره إبراهيم حميدي، رئيس تحرير «المجلة» بين أيدي القارئ أرشيفاً سياسياً بُني على مدى عقود في قلب النظام السوري السابق، ويضم آلاف الوثائق، والمذكرات المكتوبة بخط اليد، والمراسلات الخاصة، والملفات الشخصية، والروايات المباشرة التي تغطي فترة حكم حافظ الأسد، وصعود بشار الأسد، وحقبة الأسدين في لبنان، وصولاً إلى العلاقات الإقليمية والدولية وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط. ومن خلال ذلك، يكشف الكتاب عن مواد غير معروفة للمرة الأولى، وروايات جديدة من قلب دوائر السلطة.

ويعدّ الكتاب نافذة على الشؤون الداخلية لسوريا وصراعات القوة داخل النظام السوري السابق، فضلاً عن علاقاتها مع لبنان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، إلى جانب الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا، حيث يسلط الكتاب الضوء على أكثر الأحداث تعقيداً وجدلاً في المنطقة خلال الحقبة الماضية.

ويتضمن الكتاب أيضاًً شهادة خدّام حول أحداث كبرى متعددة في المنطقة، بينها، أحداث الأشهر التي سبقت حادثة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بما في ذلك تحذيره الأخير للحريري قبل ستة أيام من الاغتيال، مدعوماً بتفاصيل ولقاءات جرت بينهما. كما يغطي صراعات القوة الداخلية التي تلت وفاة حافظ الأسد، والادعاءات المحيطة بالإدارة المالية للنظام السوري السابق، وإبعاد شقيق حافظ الأسد، رفعت، من سوريا إثر صراع الأخوين على السلطة في أوائل الثمانينات. ويكشف الكتاب كذلك، وللمرة الأولى، عن مراسلات دبلوماسية مع قادة إقليميين ودوليين.

في تعليقه على إطلاق الكتاب، يقول إبراهيم حميدي: «تكمن أهمية هذا الأرشيف في كونه نابعاً من داخل المنظومة ذاتها. فهو ليس مجرد سرد استرجاعي من الهوامش، بل سجل توثيقي مبني على مستندات ومراسلات وشهادة مسؤول رفيع المستوى، كان حاضراً خلال بعض أهم اللحظات المفصلية في تاريخ سوريا الحديث».

ويضيف: «لا يسعى هذا الكتاب إلى طي صفحة التاريخ لتلك المرحلة، بل يفتح باباً أوسع لمزيد من القراءة والفهم؛ حيث يقدم للقراء والصحافيين والباحثين وصنّاع القرار مادة جديدة لدراسة الشأنين السوري واللبناني، والنظام الإقليمي الأوسع الذي أحاط بهما».

يُشكّل كتاب «مذكرات عبد الحليم خدّام» جزءاً من سلسلة كتب سياسية مرتقبة تُركز على منطقة الشرق الأوسط، ستصدرها «دار رفّ للنشر» بالتعاون مع حميدي. وسيكون متاحاً ابتداءً من 31 أغسطس (آب) 2026 على منصات «أمازون» (Amazon)، و«أبل بوكس» (Apple Books)، و«جوجل بوكس» (Google Books)، بالإضافة إلى توفره في مكتبات مختارة.


التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم
TT

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

التحوُّلات الاجتماعية في روايات صنع الله إبراهيم

صدر حديثاً، عن بيت الحكمة للثقافة في القاهرة، كتاب «صنع الله إبراهيم: سردية التحوُّلات الاجتماعية في مصر» للناقد المصري الدكتور محمد ماهر بسيوني، منطلقاً من أن الروائي الراحل، الذي تحل ذكرى رحيله الأولى هذه الأيام، قد امتلك وعياً حاداً بالتحولات الاجتماعية العميقة في مصر، وحساسية فائقة لانعكاساتها القاسية على أفراد المجتمع وطبقاته، مما جعله ينتقي شخصيات رواياته من الشعب المصري، ليحلل من خلال حيواتهم ومصائرهم بنية المجتمع وتغيراته الحادة، وجسَّد تحليله في شكل روائي معبراً عن الحقيقة، وإن اصطدم مع وجهة النظر السائدة، التي تفرضها قوة السلطة وغواية الدعاية.

ويؤكد الكتاب أن الواقع حاضر بقوة في روايات صنع الله، وأنه تناول قضاياه تناولاً جماليّاً، بعيداً عن ابتذال الالتزام السياسي الآيديولوجي، مهتمّاً بإنسان الحياة اليومية، الذي لا يتزين بالسياسة، ولا يتغنى بأناشيدها، ولا يؤمن بأساطيرها؛ إنسان البيوت والشوارع والعمل غير المجزي، ذو الآمال العريضة المجهضة دائماً، والآلام السائدة، والأفراح المختلسة. مشيراً إلى أن النظر العميق في واقع الإنسان المصري يكشف المأساة في كل تفاصيل حياته، التي لا تنفصل عن مأساة مجتمعه في عالمه الثالث، الذي صار عرضة لكل أشكال الاستغلال، فما إن تحرر من الاستعمار التقليدي حتى وقع في براثن استعمار أشد وأنكى، هو الاستغلال السلعي.ويقول المؤلف في مقدمته للكتاب إن صنع الله «يعد واحداً من أصحاب المشروعات الروائية المتكاملة التي تعمل على مقاربة المرجع الاجتماعي/ التاريخي دون أن يتنازل في سبيل ذلك عن القيمة الجمالية للنص السردي، بل نجده في تجريب مستمر يتجاوز نفسه دائماً ويضع لنصه سمات فريدة تدل على تصور خاص حول الإبداع الروائي، ويستنطق التاريخ الاجتماعي والسياسي مقترحاً تأويله الخاص لتحولات بنية المجتمع المصري المتسارعة والعنيفة في ستة عقود فحسب».

يتكون الكتاب من تمهيد يتناول تاريخ الدراسة الاجتماعية للأدب، ثم ثلاثة فصول، بعناوين «المنهج والمصطلح»، و«الإجراء السردي»، و«التأويل السردي»، ثم خاتمة عن أهم ما توصلت إليه الدراسة.

واعتمد المؤلف منهجياً على علم اجتماع النص، كما تقدمه مقولات بيير زيما، بغرض استخلاص رؤية العالم للجماعة التي يعبر عنها الروائي، وركز على دراسة عنصري الشخصية واللغة، اللذين كانا محل اهتمام الروائي في تبيان الأثر العميق للتحولات الاجتماعية المتباينة والمتسارعة على المجتمع المصري وأفراده. واستبعد بعض روايات صنع الله التي تناقش مجتمعات أخرى عربية وعالمية. وكان قد صدر لمحمد ماهر بسيوني من قبل كتابان: «الصين في 65 عاماً»، و«المكان في الرواية العربية (دراسة ثقافية تطبيقية)».