باسيل يتصدى لـ«اجتياح» جعجع الشارع المسيحي

أناب نفسه عن «حزب الله» باستهداف «القوات»

TT

باسيل يتصدى لـ«اجتياح» جعجع الشارع المسيحي

لم يُفاجأ الوسط السياسي المواكب للتداعيات والارتدادات الأمنية والسياسية التي فرضتها العاصفة الدموية التي استهدفت خطوط التماس الممتدة على طول الطريق التي تفصل بين الضاحيتين الشيعية والمسيحية، وكادت تأخذ البلد إلى المجهول لو لم تتدخل القوى الأمنية لضبط الأرض وإنهاء النزاع المسلح، بدخول رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل على خط الاشتباك السياسي والأمني المفتوح على مصراعيه بين «الثنائي الشيعي» وبين رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، في محاولة لنقل الصراع إلى الشارع المسيحي، بذريعة أن حصره بالأخير من شأنه أن يقوّيه في شارعه بتقديم نفسه على أنه المدافع الأوحد عن هذا الشارع.
فباسيل لم يتبرّع مجاناً عندما قرر التدخّل في الاشتباك السياسي، كما يقول مصدر سياسي محايد لـ«الشرق الأوسط»، وإنما لتقديره بأن مجرد حصره بين جعجع وبين «الثنائي الشيعي» الذي يتشكّل من حركة «أمل» و«حزب الله»، سيتيح لخصمه في الشارع المسيحي أن يسجّل تقدّمه على «التيار الوطني الحر» المتحالف مع «حزب الله» منذ أن وقّع مؤسسه رئيس الجمهورية ميشال عون على ورقة التفاهم مع أمينه العام حسن نصر الله في شباط (فبراير) 2006.
كما أن باسيل أراد عن سابق تصور وتصميم، أن يحجز لتياره السياسي، بحسب المصدر نفسه، مكاناً في هذه المواجهة المفتوحة، ظناً منه بأن مجرد حصرها بين «حزب الله» وحليفه حركة «أمل» وبين جعجع سيرفع من منسوب الحضور السياسي الفاعل للأخير في الشارع المسيحي على حساب «التيار الوطني» الذي لم يعد من خيار أمامه سوى المبادرة منذ الآن لخوض حرب وجودية ضد جعجع، تبدأ بنقل الصراع إلى الشارع المسيحي، لعله يستعيد دوره في التصدي لتمدّده فيه مع بدء الاستعدادات لخوض الانتخابات النيابية.
لكن دخول باسيل على خط المواجهة لوقف اجتياح جعجع للشارع المسيحي لا يعني بالضرورة أن لديه القدرة على استعادة حضوره السياسي، برغم أنه قاد هجوماً سياسياً على جعجع بمناسبة الذكرى 31 لأحداث 13 أكتوبر (تشرين الأول) التي أدت إلى إخراج عون من قصر بعبدا.
ولفت المصدر السياسي إلى أن باسيل لجأ إلى استخدام السلاح الثقيل في هجومه على جعجع وبادر إلى فتح الجروح التي خلفتها الحرب الأهلية، والأخرى الإلغائية التي دارت بين عون و«القوات»، وتجنّب في المقابل الدخول في مواجهة مع «حزب الله»، مكتفياً بتسجيل ملاحظات على أدائه ليست أساسية ولا تُلحق الضرر بورقة التفاهم معه، برغم أنها بدأت تتهاوى ولم يعد لها من مفاعيل سياسية يمكن أن تفتح الباب أمام إعادة تعويمها بتجديد تبادل الخدمات والمنافع السياسية، فيما يستعدّ «العهد القوي» للدخول في السنة الأخيرة من ولايته الرئاسية.
وأكد المصدر نفسه أن ورقة التفاهم تمر حالياً في آخر مراحل أفولها، ولم تنجح المحاولات في تنقيتها من الشوائب وصولاً إلى توفير الحماية السياسية لها، على الأقل من قبل «العونيين» من أصحاب الرؤوس الحامية الذين لم يكفوا عن توجيه الانتقادات لـ«حزب الله» واتهامه بتخليه عن المشاركة في مكافحة الفساد، وصولاً إلى مطالبتهم بتحقيق اللامركزية الإدارية الموسّعة التي هي الوجه الآخر لجرّ البلد، كما يقول خصوم باسيل، لاعتماد النظام الفيدرالي.
ورأى المصدر أن ورقة التفاهم، وإن كانت محمية من فوق بقرار من قيادتي «التيار الوطني» و«حزب الله»، فإنه لا وجود لهذه الحماية من تحت، أي على صعيد المحازبين والأنصار، الذين يستمرون بتبادل الحملات من العيار الثقيل عبر مواقع التواصل من دون مراعاتهم للحرمات والمحظورات. وقال إن الحزب يتّبع سياسة النفس الطويل وترفض قيادته الدخول في سجال علني مع الصقور في «التيار الوطني» وتفضّل البحث في نقاط الخلاف في الاجتماعات المغلقة.
واعتبر أن باسيل لن يسلّم بسهولة بأن ورقة التفاهم لم تعد ذات جدوى سياسية، وهو لا يزال يراهن على تحالفه مع الحزب، ولو بتبادل الأصوات في الانتخابات النيابية المقبلة، لغياب الشريك الآخر لكل منهما، لعل التطورات تدفع إلى تحقيق ما يحلم به باسيل بمعاودة تعويمه كمرشح لرئاسة الجمهورية لتأمين استمرارية الإرث السياسي لرئيس الجمهورية، الذي لم يتمكن حتى الساعة من انتزاع موافقة مبدئية من حليفه على تبنّي ترشيحه لرئاسة الجمهورية.
وقال المصدر السياسي إن عون لم يتمكن، بعد مضي 5 سنوات على ولايته الرئاسية، من الحصول على ضوء أخضر من حليفه بدعمه ترشح باسيل، وبالتالي لن يكون العام الأخير من ولايته أفضل حالاً من الأعوام الخمسة السابقة. وعزا السبب إلى أن الحزب ليس في وارد الانجرار للعبة حرق المراحل السياسية قبل أوانها، لأن ما يميّزه عن حليفه يكمن في تعامله مع الانتخابات الرئاسية من زاوية إقليمية تأخذ في الاعتبار التطورات المتسارعة في المنطقة والمسار الذي ستبلغه مع دخول لبنان مرحلة الاستحقاق الرئاسي.
وتوقّف المصدر أمام إصرار باسيل على تسجيل تحفّظه، ولو على طريقته الخاصة، على أداء المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، لجهة اتهامه بالاستنسابية والانتقائية، من دون أن يأخذ على عاتقه المطالبة بتنحيته عن ملف التحقيق. وقال إنه بملاحظاته هذه يذهب بعيداً في مهادنة «حزب الله»، حرصاً منه على الإبقاء على الجسور مفتوحة، وإن كانت في حاجة إلى ترميم سياسي. وسأل؛ ما الجدوى من الحرب الشعواء التي شنّها باسيل ضد الحراك المدني والمجتمع الدولي الداعم له؟ وهل كان مضطراً للمساواة بين تاريخ 13 أكتوبر 1990 الذي سجّل إخراج عون من بعبدا، وبين الانتفاضة الشعبية في 17 أكتوبر 2019، باتهامها بأنها تؤدي نفس الغرض للإطاحة بالتيار الوطني؟
ورأى المصدر نفسه أن باسيل، بهجومه على الانتفاضة الشعبية، ومن خلالها الدول والمنظمات الدولية الداعمة والمموّلة لها، أوقع نفسه في اشتباك مع المجتمع الدولي، يضاف إلى اشتباكه مع الولايات المتحدة الأميركية بعد فرضها العقوبات عليه. وأضاف أن إصرار باسيل على نقل الصراع الذي يدور حالياً بين الثنائي الشيعي بقوته الضاربة المتمثلة بـ«حزب الله» وبين جعجع، لن يضيف إليه أي فائض من القوة سوى أن الحزب سيضغط لتجييره الودائع السياسية المؤيدة له لمصلحة «التيار الوطني».
لذلك، فإن باسيل من خلال خطابه الصاروخي أراد أن يحصر هجومه بـحزب «القوات»، واضعاً هذا الحزب على رأس اللائحة التي يستهدفها، من دون أن يمهّد، ولو مرحلياً، للافتراق عن «حزب الله»، وهذا ما يعيق حصوله على قوة دفع للدخول في مبارزة في الشارع المسيحي للحد من التقدّم الذي بدأ يحققه جعجع، باعتراف بعض خصومه في الشارع الإسلامي أو الآخرين ممن كانوا على تحالف معه قبل أن ينفك بعد التشرذم الذي أصاب قوى 14 مارس (آذار) سابقاً، أسوة بما لحق بقوى 8 مارس سابقاً بعد أن قرر رئيس المجلس النيابي نبيه بري الخروج منها والاصطفاف في موقع وسطي محافظاً على علاقته بجميع الأطراف ما عدا «التيار الوطني» ولاحقاً «القوات».
وعليه، فإن جعجع، بحسب المصدر نفسه، تمكّن بتمايزه عن الآخرين في تعاطيه مع تداعيات ومفاعيل العاصفة الدموية من تسجيل نقاط في مرمى خصمه باسيل من جهة، وتقديم نفسه على أنه لم يتردد في الدفاع عن الضاحية المسيحية، بخلاف الأخير الذي أناب نفسه ليتولى الهجوم على «القوات» بالنيابة عن «حزب الله».
ويبقى السؤال؛ كيف سيتصرف جعجع في حال تقرر إطباق الحصار السياسي والأمني على حزبه بعد أن وجّه رسالة إلى المجتمع الدولي، كما يقول المصدر، بأنه الأقدر للوقوف في وجه تمدُّد «حزب الله» ومنعه من توسيع رقعة نفوذه السياسي في ظل تراجع الدولة وعدم قدرتها على تحصين مشروع الدولة وتوفير الحماية له وإصرارها على «التعايش الرضائي» مع «حزب الله»، الذي سيطل بلسان نصر الله مساء اليوم، في خطاب ناري يضمّنه كثيراً من الرسائل التي لن تقتصر على تجديد هجومه على القاضي البيطار، بل ستشمل ردوده على جعجع وآخرين، وما إذا كانت بمثابة أمر عمليات سياسية يأخذ البلد إلى مكان آخر.
كما أن رسائل نصر الله في هذا المجال ستتناول موقف الحزب من الوضع الأمني ودور القوى العسكرية والأمنية طوال فترة العاصفة الدموية، وما إذا كان سيوجه إلى قادتها رسائل تتجاوز ما هو مألوف، وستكون لها تداعياتها على الوضع الحكومي الذي يمضي حالياً إجازة قسرية لصعوبة انعقاد مجلس الوزراء، العالق مصيره بمطالبة الثنائي الشيعي بتنحية القاضي البيطار، من دون أن يغفل تجديده الحملات على الولايات المتحدة بعد أن اتهمها رئيس المجلس التنفيذي في الحزب، هاشم صفي الدين، بأن نفوذها يزداد تأثيراً في أجهزة الدولة.



حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
TT

حرب إيران تفرض واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج

سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)
سؤال برلماني حول أسباب زيادة أسعار تذاكر الطيران (شركة ميناء القاهرة الجوي)

تفرض الحرب على إيران واقعاً صعباً على العمالة المصرية في الخليج، في ظل تضاعف أسعار رحلات الطيران من مدن خليجية إلى القاهرة، واضطراب حركة الملاحة الجوية، وإلغاء بعض خطوط الطيران رحلاتها.

وتحدث مسؤولون بـ«اتحاد الجاليات المصرية في الخليج»، عن «شكاوى من ارتفاع أسعار رحلات العودة للقاهرة، خصوصاً في ظل موسم الإجازات الحالي خلال شهر رمضان وعيد الفطر»، وأشاروا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ارتفاع تكلفة تأمين رحلات النقل الجوي يفرض صعوبات أمام رحلات السفر إلى القاهرة».

وتُشير تقديرات وزارة الخارجية المصرية إلى أن عدد المصريين العاملين بالخارج قد بلغ 11.08 مليون شخص في عام 2022، معظمهم في أسواق العمل الخليجية والأوروبية.

ومع اندلاع الهجمات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، أعلنت شركة «مصر للطيران»، الناقل الوطني في مصر، تعليق رحلاتها الجوية المتجهة من القاهرة إلى عدد من المدن الخليجية، لا سيما مع إغلاق بعض دول الجوار لمجالاتها الجوية.

ومع تداول وسائل إعلام محلية ومنصات التواصل الاجتماعي، لشكاوى عدّة، قالت شركة «مصر للطيران»، إنها «تقوم بتسيير رحلات استثنائية يومية لمختلف الوجهات، لتسهيل عودة المصريين العالقين، نتيجة إلغاء حجوزات عودتهم من بعض دول الخليج».

وأضافت، في إفادة لها مساء الجمعة، أن «عدد الرحلات محدود نظراً للظروف الراهنة»، مشيرة إلى أن «الحديث عن أسعار تذاكر الطيران غير دقيق، ولا يعكس الصورة الصحيحة لسياساتها خلال الظروف الاستثنائية».

وأوضح بيان «مصر للطيران» أن «الرحلات الاستثنائية تركز في المقام الأول على نقل الركاب الذين كان لديهم بالفعل حجز قائم من دون تحمل أي رسوم إضافية»، وأشارت إلى أن «عدد المقاعد المتاحة للبيع على هذه الرحلات في حالة وجود أماكن شاغرة، لا يتجاوز 5 في المائة من السعة المتاحة، ويتم تسعيرها طبقاً لأسعار السوق مقارنة بشركات الطيران الأخرى، وذلك نتيجة للارتفاع غير المتوقع في تكاليف التأمين المرتبطة بمخاطر التشغيل في مناطق تشهد توترات جيوسياسية».

تحديات أمام العمالة المصرية في الخليج بسبب ارتفاع تذاكر الطيران وإلغاء بعض الرحلات (تنسيقية شباب الأحزاب في مصر)

وأمام شكاوى مصريين مقيمين بالخليج من ارتفاع تكلفة رحلات العودة إلى القاهرة، تقدمت وكيلة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب (البرلمان)، سحر البزار، بسؤال برلماني إلى وزير الطيران المدني سامح الحفني، وطالبت بتوضيح الأسباب التي أدت إلى ذلك، وما إذا كانت هناك آلية رقابية أو تسعيرية تضمن عدم المغالاة في الأسعار في ظل الظروف الاستثنائية.

وأشارت سحر البزار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنها «تنظر رداً رسمياً من وزير الطيران المدني، على الشكاوى المتداولة»، وقالت إن «شركة (مصر للطيران) أوضحّت الأمر نسبياً وأنها تتحمل تكلفة الذهاب لهذه الرحلات دون وجود ركاب عليها».

وتأتي الشكاوى من الواقع الصعب لعودة المصريين وأسرهم من بعض المدن الخليجية، وليس من جميع الدول، وفق رئيس «الاتحاد العام للمصريين المقيمين في السعودية»، سعيد يحيى، وأشار إلى أن «رحلات السفر والعودة طبيعية من المدن السعودية إلى القاهرة، على عكس رحلات السفر من دبي إلى القاهرة التي تضاعفت قيمتها».

وأشار يحيى في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «تكلفة رحلة العودة من دبي إلى القاهرة، بلغت 1114 دولاراً على خطوط (مصر للطيران)، ووصلت إلى 2438 دولاراً على خطوط (الإماراتية)» (الدولار يساوي 50.0918 جنيه في البنك المركزي المصري)، عاداً ذلك «قيمة مرتفعة أمام الراغبين في العودة إلى القاهرة».

«مصر للطيران» تعلن عن تسهيلات لعملائها (شركة مصر للطيران)

ورغم أن أوضاع عمل المصريين بالخليج لم تتأثر بظروف الحرب، فإن رئيس «الاتحاد العام للمصريين في الخارج» إسماعيل أحمد علي، قال إن «كثيراً من الراغبين في العودة للقاهرة خلال شهر رمضان وعيد الفطر يواجهون صعوبات في السفر، نتيجة لقلة عدد رحلات الطيران، وارتفاع تكلفة التذاكر المتاحة»، وقال إن «الزيادة في الأسعار تضاعف من أعباء أي مصري مقيم مع أسرته في هذه الدول ويرغب في العودة».

وأشار علي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى «اتصالات يجريها اتحاد المصريين في الخارج مع المسؤولين في (مصر للطيران) لتسيير رحلات استثنائية وإجلاء الراغبين في العودة».

ويرى عضو مجلس النواب المصري، عاطف مغاوري، «ضرورة التدخل الحكومي لتسيير رحلات طيران مباشرة لإجلاء راغبي العودة من الدول الخليجية»، وقال إن «تنظيم رحلات لراغبي العودة في فترة الإجازات يضمن سلامة المصريين، ويمنع محاولات استغلال الظروف الراهنة من بعض الجهات بمضاعفة أعباء السفر على المقيمين في الخارج».

وأشار مغاوري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى إن «شركات الطيران تقوم بتحميل أسعار التأمين العالية، على تذاكر الطيران».


الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
TT

الحرب الإيرانية تقوض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري

رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس كان في زيارة للقاهرة عشية اندلاع حرب إيران (الرئاسة المصرية)

واجهت جهود التهدئة في دول جوار مصر، وتحديداً في قطاع غزة والسودان وليبيا، تحديات مع اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوع؛ إذ تراجعت مساعٍ كانت تشارك فيها الولايات المتحدة، وبات شبح تجميد الحلول يلوح بالأفق.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا المشهد يقوّض مساعي تهدئة الصراعات بدول الجوار المصري، بخاصة مع انغماس الولايات المتحدة في الحرب، ولن تظهر نتائج أي جهود حالية، إلا بعد خفض التصعيد.

ومنذ ما قبل اندلاع حرب إيران، كان مسار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة المبرم في 10 أكتوبر (تشرين الأول)، يشهد تعثرات، وعقب حدوث المواجهات في 28 فبراير (شباط) قررت إسرائيل غلق المعابر مع القطاع وسط أزمة إنسانية طاحنة، وفق بيانات سابقة لمنظمات دولية.

تعثر مستمر

ولم تشهد المرحلة الثانية من «اتفاق غزة» التي أعلنت واشنطن، منتصف يناير (كانون الثاني) الماضي، دخولها حيز التنفيذ، أي خطوة عملية وهي المعنية ببدء انسحابات إسرائيلية ونزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار.

وكذلك خفتت الاتصالات بشأن وقف حرب السودان، في ظل أزمة معقدة وجهود مستمرة للتوصل إلى هدنة إنسانية يمكن أن تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار مثلما جاء في مبادرة «الرباعية الدولية» التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة.

ولا يزال التعثر في المسار السياسي قائماً في الملف الليبي، وقبل نحو أسبوع من اندلاع حرب إيران، سادت أجواء من الاستياء داخل مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة»، عقب جلسة مجلس الأمن الدولي، التي قدّمت فيها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة عرضت فيها «مساراً بديلاً» يتجاوز حالة الجمود بشأن تشكيل المفوضية الانتخابية وقوانين الانتخابات، وهما أول استحقاقين ضمن «خريطة الطريق» التي أعدّتها البعثة الأممية، وفق ما ذكرته مصادر وقتها لـ«الشرق الأوسط».

إعادة ترتيب الأولويات

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، أن «هناك إعادة ترتيب أولويات في ظل تصاعد واتساع الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، واتساع رقعتها بما ينبئ بأزمات كبرى متزامنة في الشرق الأوسط».

وتطور الحرب على إيران أدى بطبيعته إلى تراجع متوقع في مستوى الاهتمام الدولي بملفات غزة والسودان وليبيا، «غير أن هذا التراجع لا يعكس تراجع أهمية هذه الأزمات، أو انخفاض مستوى خطورتها، ولا يعني ترك تلك المخاطر دون حل مستقبلاً»، حسب تقدير حجازي.

وأوضح أن «الأوضاع في غزة ما زالت قابلة للانفجار في أي لحظة، فيما يمثل استمرار الصراع في السودان تحدياً مباشراً لاستقرار منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، كما يظل الملف الليبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمن شمال أفريقيا والبحر المتوسط، ومن ثم فإن أي فراغ في الاهتمام الدولي قد يفتح المجال أمام تعقيد تلك الأزمات بدلاً من احتوائها، وهو ما يفرض على القوى الإقليمية، وفي مقدمتها مصر، مواصلة دورها في الدفع نحو الحفاظ على المسارات السياسية ومنع انزلاق الأوضاع إلى مستويات أكثر خطورة».

لقاء سابق بين الرئيس عبد الفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر قائد «الجيش الوطني» الليبي (الرئاسة المصرية)

ويرى الخبير في الأمن الإقليمي اللواء محمد عبد الواحد، أن الحرب الإيرانية صرفت الأنظار عن أزمات غزة والسودان وليبيا، وشتتت جهود التوصل لتهدئة، لكن المساعي لا تزال موجودة وإن قُوضت فاعليتها حالياً بسبب الحرب.

وأشار إلى «أن الأزمة الليبية لا تزال تقف عند خلافات حكومتي الشرق والغرب، وتدور في فلك إدارة الصراع وليس حله، وكذلك السودان هناك من يسعى للاستحواذ على مناطق مهمة، وسنجد في لحظة الحديث عن هدنة وهذا ما يسمى بإدارة الصراع وليس حله أيضاً، وتلعب الولايات المتحدة المنخرطة في حرب إيران دوراً كبيراً فيه، لنجد أنفسنا حالياً في حالة اللاسلم واللاحرب بدول جوار مصر».

ووسط تلك الأزمات، تتحرك القاهرة لإيجاد مسار حل، وفي هذا الصدد، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الفلسطيني محمود عباس خلال اتصال هاتفي، مساء الجمعة، «الجهود التي تبذلها مصر مع الوسطاء والأطراف الفاعلة لضمان استكمال تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وإدخال المساعدات الكافية لسكان القطاع».

تجميد مساعي التهدئة مؤقتاً

ويشير حجازي إلى أن مساعي التهدئة في بعض دول الجوار المصري لم تتوقف بالكامل، لكنها تواجه حالة من البطء أو التجميد المؤقت إلى حين اتضاح مآلات التصعيد الإقليمي، لافتاً إلى أن استمرار التواصل السياسي يظل ضرورياً للحفاظ على ما تحقق من تقدم خلال الفترة الماضية، ولمنع عودة تلك الصراعات إلى دائرة التصعيد المفتوح.

جمود في تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار في غزة (الرئاسة المصرية)

ونبه إلى أن «استقرار المحيط الإقليمي يمثل ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي لمصر، ومن ثم فإن أي تعثر في مسارات التسوية في دول الجوار يحمل انعكاسات مباشرة وغير مباشرة».

وأوضح أنه من الناحية الأمنية، «يمثل استمرار الصراع في السودان وعدم اكتمال التسوية السياسية في ليبيا تحديين دائمين يتطلبان اليقظة وإدارة دقيقة للملفات الحدودية والاستراتيجية. بينما من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فإن تزايد التوترات الإقليمية يؤثر على بيئة الاستقرار في منطقة البحر الأحمر وعلى حركة التجارة والملاحة الدولية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بالمصالح المصرية وبالدور الذي تقوم به القاهرة في دعم أمن واستقرار المنطقة».

ولفت إلى أن حديث مصر عن أهمية تنفيذ المرحلة الثانية في خطة وقف إطلاق النار، التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، «يعكس إدراكاً مصرياً بضرورة عدم السماح بتجميد المسارات السياسية، بل الاستمرار في الدفع نحو استكمالها باعتبارها جزءاً من رؤية أوسع تهدف إلى الانتقال من مجرد إدارة الأزمات إلى بناء ترتيبات إقليمية أكثر استقراراً».


مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

جددت مصر إدانة الاعتداءات على الدول العربية، وشددت على رفض «أي ذرائع» لشرعنتها، وذلك خلال اتصالات هاتفية، السبت، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظرائه في سلطنة عمان والعراق وكازاخستان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية العماني بدر البورسعيدي، «مستجدات المشهد الإقليمي في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة». وحذر الوزيران «من تداعيات استمرار هذا النهج التصعيدي وما يشكله من تهديد للسلم والأمن الإقليميين».

وشدد الوزير عبد العاطى، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، السبت، على أهمية «تحلي كل الأطراف بأقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، والالتزام التام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وشدد عبد العاطي على «تضامن مصر الكامل مع سلطنة عمان وأشقائها في منطقة الخليج العربي وباقي الدول الصديقة، رافضاً المساس بسيادة واستقرار الدول العربية، وأي مبررات أو ذرائع لشرعنة هذه الاعتداءات».

ووصف وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بوزير خارجية كازاخستان يرمك كوشيربايف، الاعتداءات التي تعرضت لها الدول العربية بـ«غير المقبولة وغير المبررة»، وأكد دعم مصر الكامل لسيادة وأمن واستقرار وسلامة أراضيها»، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية لتجنب اتساع نطاق الصراع والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار»، مؤكداً أن استمرار التصعيد العسكري «لن يؤدي سوى إلى تفاقم الأوضاع».

وأكد عبد العاطي خلال اتصاله مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، «أهمية تغليب المسارات الدبلوماسية لاحتواء الموقف وتجنيب الإقليم ويلات اتساع رقعة الصراع».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف، الخميس الماضي، عن أن مصر ما زالت تحاول القيام بجهود وساطة «مخلصة وأمينة» لوقف الحرب في إيران، محذراً من أن«استمرارها ستكون لها ضريبة كبيرة».

وأكد أن مصر «كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيداً من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب».