باسيل يتصدى لـ«اجتياح» جعجع الشارع المسيحي

أناب نفسه عن «حزب الله» باستهداف «القوات»

TT

باسيل يتصدى لـ«اجتياح» جعجع الشارع المسيحي

لم يُفاجأ الوسط السياسي المواكب للتداعيات والارتدادات الأمنية والسياسية التي فرضتها العاصفة الدموية التي استهدفت خطوط التماس الممتدة على طول الطريق التي تفصل بين الضاحيتين الشيعية والمسيحية، وكادت تأخذ البلد إلى المجهول لو لم تتدخل القوى الأمنية لضبط الأرض وإنهاء النزاع المسلح، بدخول رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل على خط الاشتباك السياسي والأمني المفتوح على مصراعيه بين «الثنائي الشيعي» وبين رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، في محاولة لنقل الصراع إلى الشارع المسيحي، بذريعة أن حصره بالأخير من شأنه أن يقوّيه في شارعه بتقديم نفسه على أنه المدافع الأوحد عن هذا الشارع.
فباسيل لم يتبرّع مجاناً عندما قرر التدخّل في الاشتباك السياسي، كما يقول مصدر سياسي محايد لـ«الشرق الأوسط»، وإنما لتقديره بأن مجرد حصره بين جعجع وبين «الثنائي الشيعي» الذي يتشكّل من حركة «أمل» و«حزب الله»، سيتيح لخصمه في الشارع المسيحي أن يسجّل تقدّمه على «التيار الوطني الحر» المتحالف مع «حزب الله» منذ أن وقّع مؤسسه رئيس الجمهورية ميشال عون على ورقة التفاهم مع أمينه العام حسن نصر الله في شباط (فبراير) 2006.
كما أن باسيل أراد عن سابق تصور وتصميم، أن يحجز لتياره السياسي، بحسب المصدر نفسه، مكاناً في هذه المواجهة المفتوحة، ظناً منه بأن مجرد حصرها بين «حزب الله» وحليفه حركة «أمل» وبين جعجع سيرفع من منسوب الحضور السياسي الفاعل للأخير في الشارع المسيحي على حساب «التيار الوطني» الذي لم يعد من خيار أمامه سوى المبادرة منذ الآن لخوض حرب وجودية ضد جعجع، تبدأ بنقل الصراع إلى الشارع المسيحي، لعله يستعيد دوره في التصدي لتمدّده فيه مع بدء الاستعدادات لخوض الانتخابات النيابية.
لكن دخول باسيل على خط المواجهة لوقف اجتياح جعجع للشارع المسيحي لا يعني بالضرورة أن لديه القدرة على استعادة حضوره السياسي، برغم أنه قاد هجوماً سياسياً على جعجع بمناسبة الذكرى 31 لأحداث 13 أكتوبر (تشرين الأول) التي أدت إلى إخراج عون من قصر بعبدا.
ولفت المصدر السياسي إلى أن باسيل لجأ إلى استخدام السلاح الثقيل في هجومه على جعجع وبادر إلى فتح الجروح التي خلفتها الحرب الأهلية، والأخرى الإلغائية التي دارت بين عون و«القوات»، وتجنّب في المقابل الدخول في مواجهة مع «حزب الله»، مكتفياً بتسجيل ملاحظات على أدائه ليست أساسية ولا تُلحق الضرر بورقة التفاهم معه، برغم أنها بدأت تتهاوى ولم يعد لها من مفاعيل سياسية يمكن أن تفتح الباب أمام إعادة تعويمها بتجديد تبادل الخدمات والمنافع السياسية، فيما يستعدّ «العهد القوي» للدخول في السنة الأخيرة من ولايته الرئاسية.
وأكد المصدر نفسه أن ورقة التفاهم تمر حالياً في آخر مراحل أفولها، ولم تنجح المحاولات في تنقيتها من الشوائب وصولاً إلى توفير الحماية السياسية لها، على الأقل من قبل «العونيين» من أصحاب الرؤوس الحامية الذين لم يكفوا عن توجيه الانتقادات لـ«حزب الله» واتهامه بتخليه عن المشاركة في مكافحة الفساد، وصولاً إلى مطالبتهم بتحقيق اللامركزية الإدارية الموسّعة التي هي الوجه الآخر لجرّ البلد، كما يقول خصوم باسيل، لاعتماد النظام الفيدرالي.
ورأى المصدر أن ورقة التفاهم، وإن كانت محمية من فوق بقرار من قيادتي «التيار الوطني» و«حزب الله»، فإنه لا وجود لهذه الحماية من تحت، أي على صعيد المحازبين والأنصار، الذين يستمرون بتبادل الحملات من العيار الثقيل عبر مواقع التواصل من دون مراعاتهم للحرمات والمحظورات. وقال إن الحزب يتّبع سياسة النفس الطويل وترفض قيادته الدخول في سجال علني مع الصقور في «التيار الوطني» وتفضّل البحث في نقاط الخلاف في الاجتماعات المغلقة.
واعتبر أن باسيل لن يسلّم بسهولة بأن ورقة التفاهم لم تعد ذات جدوى سياسية، وهو لا يزال يراهن على تحالفه مع الحزب، ولو بتبادل الأصوات في الانتخابات النيابية المقبلة، لغياب الشريك الآخر لكل منهما، لعل التطورات تدفع إلى تحقيق ما يحلم به باسيل بمعاودة تعويمه كمرشح لرئاسة الجمهورية لتأمين استمرارية الإرث السياسي لرئيس الجمهورية، الذي لم يتمكن حتى الساعة من انتزاع موافقة مبدئية من حليفه على تبنّي ترشيحه لرئاسة الجمهورية.
وقال المصدر السياسي إن عون لم يتمكن، بعد مضي 5 سنوات على ولايته الرئاسية، من الحصول على ضوء أخضر من حليفه بدعمه ترشح باسيل، وبالتالي لن يكون العام الأخير من ولايته أفضل حالاً من الأعوام الخمسة السابقة. وعزا السبب إلى أن الحزب ليس في وارد الانجرار للعبة حرق المراحل السياسية قبل أوانها، لأن ما يميّزه عن حليفه يكمن في تعامله مع الانتخابات الرئاسية من زاوية إقليمية تأخذ في الاعتبار التطورات المتسارعة في المنطقة والمسار الذي ستبلغه مع دخول لبنان مرحلة الاستحقاق الرئاسي.
وتوقّف المصدر أمام إصرار باسيل على تسجيل تحفّظه، ولو على طريقته الخاصة، على أداء المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار، لجهة اتهامه بالاستنسابية والانتقائية، من دون أن يأخذ على عاتقه المطالبة بتنحيته عن ملف التحقيق. وقال إنه بملاحظاته هذه يذهب بعيداً في مهادنة «حزب الله»، حرصاً منه على الإبقاء على الجسور مفتوحة، وإن كانت في حاجة إلى ترميم سياسي. وسأل؛ ما الجدوى من الحرب الشعواء التي شنّها باسيل ضد الحراك المدني والمجتمع الدولي الداعم له؟ وهل كان مضطراً للمساواة بين تاريخ 13 أكتوبر 1990 الذي سجّل إخراج عون من بعبدا، وبين الانتفاضة الشعبية في 17 أكتوبر 2019، باتهامها بأنها تؤدي نفس الغرض للإطاحة بالتيار الوطني؟
ورأى المصدر نفسه أن باسيل، بهجومه على الانتفاضة الشعبية، ومن خلالها الدول والمنظمات الدولية الداعمة والمموّلة لها، أوقع نفسه في اشتباك مع المجتمع الدولي، يضاف إلى اشتباكه مع الولايات المتحدة الأميركية بعد فرضها العقوبات عليه. وأضاف أن إصرار باسيل على نقل الصراع الذي يدور حالياً بين الثنائي الشيعي بقوته الضاربة المتمثلة بـ«حزب الله» وبين جعجع، لن يضيف إليه أي فائض من القوة سوى أن الحزب سيضغط لتجييره الودائع السياسية المؤيدة له لمصلحة «التيار الوطني».
لذلك، فإن باسيل من خلال خطابه الصاروخي أراد أن يحصر هجومه بـحزب «القوات»، واضعاً هذا الحزب على رأس اللائحة التي يستهدفها، من دون أن يمهّد، ولو مرحلياً، للافتراق عن «حزب الله»، وهذا ما يعيق حصوله على قوة دفع للدخول في مبارزة في الشارع المسيحي للحد من التقدّم الذي بدأ يحققه جعجع، باعتراف بعض خصومه في الشارع الإسلامي أو الآخرين ممن كانوا على تحالف معه قبل أن ينفك بعد التشرذم الذي أصاب قوى 14 مارس (آذار) سابقاً، أسوة بما لحق بقوى 8 مارس سابقاً بعد أن قرر رئيس المجلس النيابي نبيه بري الخروج منها والاصطفاف في موقع وسطي محافظاً على علاقته بجميع الأطراف ما عدا «التيار الوطني» ولاحقاً «القوات».
وعليه، فإن جعجع، بحسب المصدر نفسه، تمكّن بتمايزه عن الآخرين في تعاطيه مع تداعيات ومفاعيل العاصفة الدموية من تسجيل نقاط في مرمى خصمه باسيل من جهة، وتقديم نفسه على أنه لم يتردد في الدفاع عن الضاحية المسيحية، بخلاف الأخير الذي أناب نفسه ليتولى الهجوم على «القوات» بالنيابة عن «حزب الله».
ويبقى السؤال؛ كيف سيتصرف جعجع في حال تقرر إطباق الحصار السياسي والأمني على حزبه بعد أن وجّه رسالة إلى المجتمع الدولي، كما يقول المصدر، بأنه الأقدر للوقوف في وجه تمدُّد «حزب الله» ومنعه من توسيع رقعة نفوذه السياسي في ظل تراجع الدولة وعدم قدرتها على تحصين مشروع الدولة وتوفير الحماية له وإصرارها على «التعايش الرضائي» مع «حزب الله»، الذي سيطل بلسان نصر الله مساء اليوم، في خطاب ناري يضمّنه كثيراً من الرسائل التي لن تقتصر على تجديد هجومه على القاضي البيطار، بل ستشمل ردوده على جعجع وآخرين، وما إذا كانت بمثابة أمر عمليات سياسية يأخذ البلد إلى مكان آخر.
كما أن رسائل نصر الله في هذا المجال ستتناول موقف الحزب من الوضع الأمني ودور القوى العسكرية والأمنية طوال فترة العاصفة الدموية، وما إذا كان سيوجه إلى قادتها رسائل تتجاوز ما هو مألوف، وستكون لها تداعياتها على الوضع الحكومي الذي يمضي حالياً إجازة قسرية لصعوبة انعقاد مجلس الوزراء، العالق مصيره بمطالبة الثنائي الشيعي بتنحية القاضي البيطار، من دون أن يغفل تجديده الحملات على الولايات المتحدة بعد أن اتهمها رئيس المجلس التنفيذي في الحزب، هاشم صفي الدين، بأن نفوذها يزداد تأثيراً في أجهزة الدولة.



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended