الاشتباكات وتداعياتها على علاقة عون و«حزب الله»

الرئيس اللبناني ميشال عون (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني ميشال عون (أرشيفية - رويترز)
TT

الاشتباكات وتداعياتها على علاقة عون و«حزب الله»

الرئيس اللبناني ميشال عون (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني ميشال عون (أرشيفية - رويترز)

قال مرجع حكومي سابق إن الخلل في تطويق التداعيات المترتبة على جر البلد إلى فتنة مذهبية وطائفية يكمن في غياب المرجعية السياسية القادرة على إعادة قطع الطريق على إقحام البلد في دورة من العنف، بعد أن تخلى رئيس الجمهورية ميشال عون، عن دوره الجامع بين اللبنانيين، والقادر على التوفيق بين أطراف النزاع، وكشف لـ«الشرق الأوسط» أن عون تصرف وكأنه لا يزال يتزعم «التيار الوطني الحر» ولا هم له سوى الإبقاء على وريثه السياسي النائب جبران باسيل، على رأس السباق إلى رئاسة الجمهورية.
ولفت المرجع، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن عون أقحم نفسه في لعبة تصفية الحسابات ضد من لا يؤيده، ودخل في اشتباك سياسي مع أبرز القيادات في الشارع السني، وحاول تطويع «الحزب التقدمي الاشتراكي»، والاعتماد على فائض القوة الذي يتمتع به حليفه «حزب الله» لمحاصرة رئيس المجلس النيابي نبيه بري.
وأكد أن عون أقحم نفسه في صراع سياسي بالنيابة عن باسيل ضد حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب»، وسأل هل جميع القوى السياسية التي اشتبك معها عون كانت على خطأ باستثناء حليفه الأوحد «حزب الله»؟ ولماذا لم يحرك ساكناً حيالها للتحاور معها بعد أن انقطع عن التواصل مع كل هؤلاء، ولم يبق للاحتكاك بهم سوى الفريق السياسي المحسوب على باسيل الذي أودعه في القصر الجمهوري، إضافة إلى مسؤولي «حزب الله» الذين يترددون عليه من حين لآخر، ويصرون على مراعاته إلى أقصى الحدود.
وغمز المرجع الحكومي من قناة عون متهماً إياه بأنه وضع كل أوراقه في سلة «حزب الله»، وأتاح لصهره الاستقواء بمؤسسات وإدارات الدولة، واستخدامها لتعزيز نفوذه، وهذا ما تسبب له بإحراج من قبل خصوم باسيل الذي اشتبك معهم الواحد تلو الآخر من دون أن يبادر عون إلى وقف تماديه لجهة الاستقواء به.
ورأى أن انحياز عون لمصلحة «حزب الله» كان وراء اشتداد الحصار العربي والدولي على لبنان، بعد أن انقلب حامي الدستور ورمز وحدة البلد على سياسة النأي عن الحروب المشتعلة في المنطقة، والابتعاد عن سياسة المحاور، بدلاً من إلحاقه بمحور الممانعة بقيادة إيران. وسأل أيضاً: هل يعقل لرئيس البلاد بعد العاصفة الدموية التي كادت تشعل فتنة مذهبية أن يكتفي بتوجيه رسالة إلى اللبنانيين لم تفعل فعلها في تطويق التوتر والتصعيد السياسي، أو في اتصاله برئيس البرلمان نبيه بري، وبرئيس حزب «القوات» سمير جعجع، ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وقادة الأجهزة العسكرية والأمنية؟
كما سأل: ما الجدوى من هذه الاتصالات طالما أنه منقطع عن التواصل باستمرار مع القوى السياسية جمعاء، ولم يعد يشغل الموقع الذي يتيح له الدعوة لعقد مؤتمر للحوار الوطني بعد أن حاول مراراً لكنه لم يفلح، لأن ما كان يهمه تأمين جلوس باسيل على الطاولة إلى جانب خصومه؟ وقال إن تطويق الفتنة ومنع تمددها لا يكون بإصدار البيانات وإعطاء التوجيهات التي هي في حاجة ماسة إلى مؤونة سياسية لتشكل رافعة لإنقاذ البلد من براثن الفتنة.
واعتبر المرجع نفسه أن عون نزع عن شخصه الدور التوفيقي الموكل إلى رئيس البلاد، وسأل: ألم يحن الوقت ليراجع حساباته، ليكتشف أنه فرط بأوراق القوة التي تتيح له التموضع في الوسط بين أطراف النزاع، ليكون في مقدوره تقريب وجهات النظر وصولاً إلى تعزيز المشاركة بدلاً من إقصاء هذا أو ذاك، أو الاقتصاص من الذين لا يدينون بالولاء لباسيل؟
ولفت المرجع نفسه إلى أن افتقاد عون لدوره الحواري والجامع لم يكن نتيجة لمؤامرة، وإنما لجنوحه نحو السلطوية المطلقة، رافضاً إشراك الآخرين، وهذا ما يفسر اشتباكه مع جميع رؤساء الحكومات السابقين، وقال إن الحكومة الميقاتية محاصرة الآن، وباتت فاقدة للقدرة على تجاوز ما أصابها، ويحول الآن دون عقد مجلس الوزراء، وهذا ما ينعكس سلباً على مواصلة التفاوض مع صندوق النقد الدولي الذي ينتظر نهاية المواجهة بين «الثنائي الشيعي» وبين المحقق العدلي القاضي طارق البيطار.
ورأى أن رؤساء الحكومات السابقين أصروا في بيانهم الأخير على مبدأ الفصل بين السلطات، وعدم التدخل في شؤون القضاء، وتهديد القضاة، وقال إنهم كانوا على صواب عندما دعوا إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية في انفجار المرفأ، لأن الأخذ بها سيوفر الحماية للسلم الأهلي، ويبعد التحقيق عن الاستنسابية، لو أن عون تدارك الأمر والتزم بتطبيق الدستور ومراعاة القوانين في موازاة عدم ذهاب البيطار بعيداً في اجتهاداته الدستورية التي طالت فريقاً من المدعى عليهم دون الآخرين لأسباب لا يمكن تبريرها.
وحذر المرجع نفسه من الخطورة المترتبة على ترك البلد يواجه بمفرده مصيره في ظل ارتفاع التوتر الطائفي والمذهبي، الذي يمكن أن يستهدف خطوط تماس أخرى، وقال إن المجتمع الدولي، وإن كان يضع لبنان تحت المراقبة الشديدة على خلفية إصراره على مواصلة التحقيق، ورفض تنحية البيطار، فإنه قد يتجه إلى ربط التزاماته بمساعدة لبنان بالإفراج عن استكمال التحقيق، وهذا يضع الحكومة أمام مرحلة جديدة لإدارة الأزمة بدلاً من الانتقال بالبلد إلى بر الأمان على طريق التعافي.
في هذا السياق، توقف مصدر سياسي بارز أمام تداعيات العاصفة الدموية وارتداداتها على الساحة المسيحية، تحديداً بين المعارضة و«التيار الوطني» من دون تحييد ما يصيب «العهد القوي» من شظايا عودة التوتر، وإن كان صامتاً حتى الساعة، بين الطرفين المتنازعين، وقال إن جعجع قدم نفسه على أنه المدافع عن سكان عين الرمانة، وأن رئيس الكتائب سامي الجميل اضطر للحاق به.
ولفت المصدر نفسه إلى أن «القوات» و«الكتائب» يحشران عون وباسيل، ويحاولان، أو على الأقل «القوات»، توجيه ضرباته إلى خصمه زعيم تيار «المردة» النائب سابق سليمان فرنجية بذريعة تحالفه مع «الثنائي الشيعي»، وقال إن لا جديد على صعيد الحرب الدائرة بين الأخير وجعجع، وإن كانت تجاوزت خصمه الأول «حزب الله» إلى الرئيس بري، مع أن «القوات» ظلت إلى ما قبل اندلاع الاشتباكات على تواصل معه.
وأضاف أن العامل الجديد يكمن في الحرب المفتوحة حالياً بين جعجع وباسيل الذي يحاول الالتفاف على النقاط التي سجلها عليه خصمه بتقديم نفسه على أنه المدافع عن الوجود المسيحي في عين الرمانة، فيما موقف «التيار الوطني» لا يزال متأرجحاً.
وأكد المصدر السياسي أن العاصفة الدموية أُدخلت كمادة خلافية في بازار الانتخابات النيابية، في حال أن الاحتقان المذهبي سُحب من التداول وسمح بإنجازها في موعدها، وقال إن ما حصل أدى إلى تسريع التحضير لإنجاز معاملات «الطلاق» بين «التيار الوطني الحر» و«حزب الله» بعد أن لقيت ورقة التفاهم القائمة بينهما منذ فبراير (شباط) 2006 حتفها على خطوط التماس، ورأى أن الساحة المسيحية تشهد حالياً أحد أبرز «حروب الإلغاء» بين باسيل وجعجع من دون تغييب «الكتائب» وبعض أطراف الحراك المدني.
وختم أن «حرب الإلغاء» المسيحية هي الوجه الآخر لتداعيات العاصفة الدموية، ويبقى السؤال: كيف سيرد باسيل، ومتى، لاستعادة الحد الأدنى من التوازن في الساحة المسيحية في ضوء افتقاد عون لأوراق الدعم لتعويم صهره، فيما يميل تيار «المستقبل» و«التقدمي» للجلوس على مقاعد الانتظار، وعدم التدخل في الملف المسيحي، أو الانحياز لفريق دون الآخر في ملف انفجار المرفأ، خصوصاً أن التواصل بين هاتين القوتين والأطراف المسيحيين يكاد يكون معدوماً لألف سبب!
وكذلك الأمر - كما يقول المصدر - بالنسبة لعون الذي أخل بالتوازن لمصلحة تثبيت تحالفه مع «حزب الله» الذي يقترب من إنهاء خدماته بعد سنوات من تبادل المنافع السياسية، بذريعة أن تمديد مفاعيله لن يكون لمصلحة باسيل وهو يتحضر لخوض الانتخابات النيابية.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.