الاشتباكات وتداعياتها على علاقة عون و«حزب الله»

الرئيس اللبناني ميشال عون (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني ميشال عون (أرشيفية - رويترز)
TT

الاشتباكات وتداعياتها على علاقة عون و«حزب الله»

الرئيس اللبناني ميشال عون (أرشيفية - رويترز)
الرئيس اللبناني ميشال عون (أرشيفية - رويترز)

قال مرجع حكومي سابق إن الخلل في تطويق التداعيات المترتبة على جر البلد إلى فتنة مذهبية وطائفية يكمن في غياب المرجعية السياسية القادرة على إعادة قطع الطريق على إقحام البلد في دورة من العنف، بعد أن تخلى رئيس الجمهورية ميشال عون، عن دوره الجامع بين اللبنانيين، والقادر على التوفيق بين أطراف النزاع، وكشف لـ«الشرق الأوسط» أن عون تصرف وكأنه لا يزال يتزعم «التيار الوطني الحر» ولا هم له سوى الإبقاء على وريثه السياسي النائب جبران باسيل، على رأس السباق إلى رئاسة الجمهورية.
ولفت المرجع، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن عون أقحم نفسه في لعبة تصفية الحسابات ضد من لا يؤيده، ودخل في اشتباك سياسي مع أبرز القيادات في الشارع السني، وحاول تطويع «الحزب التقدمي الاشتراكي»، والاعتماد على فائض القوة الذي يتمتع به حليفه «حزب الله» لمحاصرة رئيس المجلس النيابي نبيه بري.
وأكد أن عون أقحم نفسه في صراع سياسي بالنيابة عن باسيل ضد حزبي «القوات اللبنانية» و«الكتائب»، وسأل هل جميع القوى السياسية التي اشتبك معها عون كانت على خطأ باستثناء حليفه الأوحد «حزب الله»؟ ولماذا لم يحرك ساكناً حيالها للتحاور معها بعد أن انقطع عن التواصل مع كل هؤلاء، ولم يبق للاحتكاك بهم سوى الفريق السياسي المحسوب على باسيل الذي أودعه في القصر الجمهوري، إضافة إلى مسؤولي «حزب الله» الذين يترددون عليه من حين لآخر، ويصرون على مراعاته إلى أقصى الحدود.
وغمز المرجع الحكومي من قناة عون متهماً إياه بأنه وضع كل أوراقه في سلة «حزب الله»، وأتاح لصهره الاستقواء بمؤسسات وإدارات الدولة، واستخدامها لتعزيز نفوذه، وهذا ما تسبب له بإحراج من قبل خصوم باسيل الذي اشتبك معهم الواحد تلو الآخر من دون أن يبادر عون إلى وقف تماديه لجهة الاستقواء به.
ورأى أن انحياز عون لمصلحة «حزب الله» كان وراء اشتداد الحصار العربي والدولي على لبنان، بعد أن انقلب حامي الدستور ورمز وحدة البلد على سياسة النأي عن الحروب المشتعلة في المنطقة، والابتعاد عن سياسة المحاور، بدلاً من إلحاقه بمحور الممانعة بقيادة إيران. وسأل أيضاً: هل يعقل لرئيس البلاد بعد العاصفة الدموية التي كادت تشعل فتنة مذهبية أن يكتفي بتوجيه رسالة إلى اللبنانيين لم تفعل فعلها في تطويق التوتر والتصعيد السياسي، أو في اتصاله برئيس البرلمان نبيه بري، وبرئيس حزب «القوات» سمير جعجع، ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وقادة الأجهزة العسكرية والأمنية؟
كما سأل: ما الجدوى من هذه الاتصالات طالما أنه منقطع عن التواصل باستمرار مع القوى السياسية جمعاء، ولم يعد يشغل الموقع الذي يتيح له الدعوة لعقد مؤتمر للحوار الوطني بعد أن حاول مراراً لكنه لم يفلح، لأن ما كان يهمه تأمين جلوس باسيل على الطاولة إلى جانب خصومه؟ وقال إن تطويق الفتنة ومنع تمددها لا يكون بإصدار البيانات وإعطاء التوجيهات التي هي في حاجة ماسة إلى مؤونة سياسية لتشكل رافعة لإنقاذ البلد من براثن الفتنة.
واعتبر المرجع نفسه أن عون نزع عن شخصه الدور التوفيقي الموكل إلى رئيس البلاد، وسأل: ألم يحن الوقت ليراجع حساباته، ليكتشف أنه فرط بأوراق القوة التي تتيح له التموضع في الوسط بين أطراف النزاع، ليكون في مقدوره تقريب وجهات النظر وصولاً إلى تعزيز المشاركة بدلاً من إقصاء هذا أو ذاك، أو الاقتصاص من الذين لا يدينون بالولاء لباسيل؟
ولفت المرجع نفسه إلى أن افتقاد عون لدوره الحواري والجامع لم يكن نتيجة لمؤامرة، وإنما لجنوحه نحو السلطوية المطلقة، رافضاً إشراك الآخرين، وهذا ما يفسر اشتباكه مع جميع رؤساء الحكومات السابقين، وقال إن الحكومة الميقاتية محاصرة الآن، وباتت فاقدة للقدرة على تجاوز ما أصابها، ويحول الآن دون عقد مجلس الوزراء، وهذا ما ينعكس سلباً على مواصلة التفاوض مع صندوق النقد الدولي الذي ينتظر نهاية المواجهة بين «الثنائي الشيعي» وبين المحقق العدلي القاضي طارق البيطار.
ورأى أن رؤساء الحكومات السابقين أصروا في بيانهم الأخير على مبدأ الفصل بين السلطات، وعدم التدخل في شؤون القضاء، وتهديد القضاة، وقال إنهم كانوا على صواب عندما دعوا إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية في انفجار المرفأ، لأن الأخذ بها سيوفر الحماية للسلم الأهلي، ويبعد التحقيق عن الاستنسابية، لو أن عون تدارك الأمر والتزم بتطبيق الدستور ومراعاة القوانين في موازاة عدم ذهاب البيطار بعيداً في اجتهاداته الدستورية التي طالت فريقاً من المدعى عليهم دون الآخرين لأسباب لا يمكن تبريرها.
وحذر المرجع نفسه من الخطورة المترتبة على ترك البلد يواجه بمفرده مصيره في ظل ارتفاع التوتر الطائفي والمذهبي، الذي يمكن أن يستهدف خطوط تماس أخرى، وقال إن المجتمع الدولي، وإن كان يضع لبنان تحت المراقبة الشديدة على خلفية إصراره على مواصلة التحقيق، ورفض تنحية البيطار، فإنه قد يتجه إلى ربط التزاماته بمساعدة لبنان بالإفراج عن استكمال التحقيق، وهذا يضع الحكومة أمام مرحلة جديدة لإدارة الأزمة بدلاً من الانتقال بالبلد إلى بر الأمان على طريق التعافي.
في هذا السياق، توقف مصدر سياسي بارز أمام تداعيات العاصفة الدموية وارتداداتها على الساحة المسيحية، تحديداً بين المعارضة و«التيار الوطني» من دون تحييد ما يصيب «العهد القوي» من شظايا عودة التوتر، وإن كان صامتاً حتى الساعة، بين الطرفين المتنازعين، وقال إن جعجع قدم نفسه على أنه المدافع عن سكان عين الرمانة، وأن رئيس الكتائب سامي الجميل اضطر للحاق به.
ولفت المصدر نفسه إلى أن «القوات» و«الكتائب» يحشران عون وباسيل، ويحاولان، أو على الأقل «القوات»، توجيه ضرباته إلى خصمه زعيم تيار «المردة» النائب سابق سليمان فرنجية بذريعة تحالفه مع «الثنائي الشيعي»، وقال إن لا جديد على صعيد الحرب الدائرة بين الأخير وجعجع، وإن كانت تجاوزت خصمه الأول «حزب الله» إلى الرئيس بري، مع أن «القوات» ظلت إلى ما قبل اندلاع الاشتباكات على تواصل معه.
وأضاف أن العامل الجديد يكمن في الحرب المفتوحة حالياً بين جعجع وباسيل الذي يحاول الالتفاف على النقاط التي سجلها عليه خصمه بتقديم نفسه على أنه المدافع عن الوجود المسيحي في عين الرمانة، فيما موقف «التيار الوطني» لا يزال متأرجحاً.
وأكد المصدر السياسي أن العاصفة الدموية أُدخلت كمادة خلافية في بازار الانتخابات النيابية، في حال أن الاحتقان المذهبي سُحب من التداول وسمح بإنجازها في موعدها، وقال إن ما حصل أدى إلى تسريع التحضير لإنجاز معاملات «الطلاق» بين «التيار الوطني الحر» و«حزب الله» بعد أن لقيت ورقة التفاهم القائمة بينهما منذ فبراير (شباط) 2006 حتفها على خطوط التماس، ورأى أن الساحة المسيحية تشهد حالياً أحد أبرز «حروب الإلغاء» بين باسيل وجعجع من دون تغييب «الكتائب» وبعض أطراف الحراك المدني.
وختم أن «حرب الإلغاء» المسيحية هي الوجه الآخر لتداعيات العاصفة الدموية، ويبقى السؤال: كيف سيرد باسيل، ومتى، لاستعادة الحد الأدنى من التوازن في الساحة المسيحية في ضوء افتقاد عون لأوراق الدعم لتعويم صهره، فيما يميل تيار «المستقبل» و«التقدمي» للجلوس على مقاعد الانتظار، وعدم التدخل في الملف المسيحي، أو الانحياز لفريق دون الآخر في ملف انفجار المرفأ، خصوصاً أن التواصل بين هاتين القوتين والأطراف المسيحيين يكاد يكون معدوماً لألف سبب!
وكذلك الأمر - كما يقول المصدر - بالنسبة لعون الذي أخل بالتوازن لمصلحة تثبيت تحالفه مع «حزب الله» الذي يقترب من إنهاء خدماته بعد سنوات من تبادل المنافع السياسية، بذريعة أن تمديد مفاعيله لن يكون لمصلحة باسيل وهو يتحضر لخوض الانتخابات النيابية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.