العراق و«استحقاق أكتوبر الانتخابي» وسط رهانات الداخل والخارج

صالح يرسم صورة العراق المستقبلية... والكاظمي يفي بأهم تعهداته

العراق و«استحقاق أكتوبر الانتخابي» وسط رهانات الداخل والخارج
TT

العراق و«استحقاق أكتوبر الانتخابي» وسط رهانات الداخل والخارج

العراق و«استحقاق أكتوبر الانتخابي» وسط رهانات الداخل والخارج

قبل نحو أسبوع من أهم استحقاق انتخابي ينتظره العراق، يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، حرص الرئيس العراقي الدكتور برهم صالح على رسم صورة أرادها أن تكون واقعية، سواء لمستقبل بلاده أو مستقبل المنطقة. ففي الأسبوع الماضي، كان لصالح خطابان: الأول من على منصة الأمم المتحدة حيث ألقى كلمة العراق أمام الجمعية العامة للمنظمة في دورتها الـ76. والثاني مقابلة مع قناة «سي إن إن». وفي الخطابين كرر صالح آراءه وقناعاته، وكذلك مخاوفه وتحذيراته. وعرض أيضاً رؤى ومقاربات لكيفية بناء علاقات مستقبلية بين جميع دول المنطقة، لا سيما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان وبدء الانسحاب من العراق. وفي غضون ذلك، سعى صديقه ورفيق دربه رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي للإيفاء بوعوده وتعهداته بشأن أهم استحقاق سياسي أجمع عليه الجميع بعد انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019، وهو الانتخابات المبكرة.
على صعيد الانتخابات المبكّرة، فإنها كانت أحد أهم المطالب التي تضمنتها مطالب مَن عُرفوا بـ«ثوار تشرين» شريطة تنظيمها في ظل قانون جديد يعتمد الدوائر المتعددة والفوز بأعلى الأصوات. وهو ما حصل بالفعل، مع تغيير مفوضية الانتخابات التي اختيرت من القضاة. وقبل ذلك كله أُقيلت حكومة عادل عبد المهدي، وأُتي بالكاظمي رئيساً للوزراء في «مرحلة انتقالية» أهم ما فيها التعهُّد بإجراء انتخابات مبكّرة، فضلاً عن الكشف عن قتلة المتظاهرين وحصر السلاح بيد الدولة. إلا أن الكتل السياسية التي قدّمت للكاظمي دعمها أثناء تكليفه بتشكيل الحكومة... تراجع معظمها عن دعمه تحت مختلف التبريرات. لكن الكاظمي واصل العمل بما توافر لديه من أدوات بفضل تأييد بعض القوى السياسية المؤمنة باستمرار مسار الدولة، حتى لو كانت لديها خلافات مع الحكومة وجهازها التنفيذي.
خلال فترة السنة ونصف السنة التي أمضاها مصطفى الكاظمي رئيساً لوزراء العراق، يمكن القول، طبقاً لأوصاف المراقبين السياسيين، إن هناك «تكاملاً» في الأداء بينه وبين رئيس الجمهورية. وفيما بدا أن الرجلين يتبادلان الأدوار في السياستين الخارجية والداخلية، فإن النتيجة التي انتهت بها الأوضاع، أكدت هذا «التكامل» لدى اتجاه البلاد إلى خوض الانتخابات قبل أيام على تحوّل الحكومة إلى «حكومة تصريف أعمال»، بعد حلّ البرلمان نفسه في السابع من الشهر الحالي.
لقد استقبل العراق في الشهر الثالث من هذا العام بابا الفاتيكان عبر حدث بدا استثنائياً شاهده العالم أجمع. ونجحت الزيارة، وكانت الترتيبات البروتوكولية متميزة حتى في طريقة الاستقبال والفعاليات بين رئيسي الجمهورية والوزراء. وخلال يونيو (حزيران) الماضي، استضاف العراق القمة الثلاثية بين العراق ومصر والأردن التي بدت خطوة مهمة على صعيد إعادة العراق إلى محيطه العربي، بعد قطيعة طالت لأكثر من عقد ونصف العقد. ومع نهاية أغسطس (آب) الماضي، استضاف العراق أهم حدث إقليمي خلال السنوات الماضية، حين استضاف مؤتمر «بغداد للتعاون والشراكة»، الذي شاركت فيه دول الجوار العراقي فضلاً عن بعض الدول الإقليمية، بجانب فرنسا التي مثّلها رئيسها إيمانويل ماكرون. وعلى الأثر، ظهر الأداء العراقي مختلفاً مقارنة بالفترة الماضية، وبدا العراق مؤهلاً بالفعل للعب دور متميز في العلاقات الإقليمية والدولية خلال المرحلة المقبلة، وهي الأخطر في الشرق الأوسط.
الرئيس صالح حرص، عبر كلمته في الأمم المتحدة وفي مقابلته مع «سي إن إن»، على تحديد أهم المخاطر التي تواجهها المنطقة، والحلول التي تقترحها بغداد. وداخلياً، كما حاول صالح تقديم رؤى وتصورات لمستقبل المنطقة من دون التفكير بما إذا كان سيعود لدورة ثانية أم لا، استكمل الكاظمي كل مستلزمات إجراء الانتخابات، ومعها عقد الاتفاقيات مع الأشقاء والأصدقاء، من دون التفكير في أن عمر حكومته الافتراضي كحكومة انتقالية انتهى.
- رؤى وتصورات
قال برهم صالح من على منصة الأمم المتحدة إن «تحقيق السلام في المنطقة لن يتم من دون عراق آمن ومستقر بسيادة كاملة». وشدد على أن «إعادة العراق لدوره المحوري في المنطقة يستدعي دعماً إقليمياً ودولياً وإنهاء تنافسات وصراعات الآخرين على أرضنا».
ثم دعا صالح إلى «تشكيل تحالف دولي لمحاربة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة، على غرار التحالف الدولي ضد الإرهاب»، مضيفاً إنه «لا يمكن القضاء على الإرهاب إلا بإنهاء الفساد بوصفه اقتصاداً سياسياً للعنف والإرهاب... فالفساد والإرهاب مترابطان ومتلازمان ومتخادمان، ويديم أحدهما الآخر».
وفي سياق رؤيته لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة اهتم رئيس الجمهورية بالتعبير عن طبيعة ما يواجه المنطقة التي هي باتت بأمس الحاجة «إلى التعاون والعمل على خطط بناء البنية التحتية وتوسيع ودمج اقتصاداتنا ومكافحة تغير المناخ، والعمل على تلبية متطلبات سكاننا من الوظائف وتعليم جيد ورعاية صحية أفضل، ولا يمكنك الانتظار حتى يقوم الآخرون بحل هذا من أجلنا، علينا أن نعمل عليها بأنفسنا. العراق كان ساحة للصراع الإقليمي والدولي بأموال العراقيين وأرواحهم، ويجب أن تنتهي هذه الحالة».
وفي مقابلته مع «سي إن إن»، رسم صالح صورة لمن يتصدى بعد الانتخابات لقيادة العراق قائلاً إن «عدد سكان العراق الآن 40 مليون نسمة، وفي 2050 سيصبح نحو 80 مليون نسمة، ونفس الحال مع كل دول المنطقة التي تشهد تزايداً في السكان. وقد لا نستطيع إيجاد الوظائف للأجيال القادمة إذا استمرت الديناميكية الحالية من الصراعات في المنطقة، وهذا ينطبق أيضاً على إيران والأردن ومصر وباقي الجيران».
- نسب المقاطعة والاقتراع
على صعيد آخر، في الانتخابات العراقية تجري المراهنة على نوعين من الجمهور، حسب طبيعة وموقف كل كتلة أو حزب سياسي؛ فثمة قوى وأحزاب تراهن على المشاركة العالية في الانتخابات المقبلة بوصفها الطريق الوحيد لتغيير المعادلة السياسية التي توقفت عند جمهور نسبته طوال الدورات البرلمانية الأربع الماضية ثابتة وتتراوح بين 20 و25 في المائة. بينما تراهن قوى وأحزاب على «تكلّم» الغالبية الصامتة من الناخبين التي تتعدى نسبتها 70 في المائة.
وبالعكس، طبقاً للخريطة السياسية العراقية منذ أول دورة برلمانية عام 2005، ترهن الكتل السياسية الحالية التي تتسيد المشهد السياسي، والأحزاب التي تمثلها، وجودها باستمرار النسب المتدنية من الاقتراع، أي أنه في حال بقيت النسبة بحدود 20 إلى 25 في المائة ستظل كبيرة فرص بقاء الكتل والزعامات الحالية (الشيعية والسنّية والكردية) ذاتها قائمة. وحتى بافتراض حصول تغيير، فإنه داخل الكتلة من المكوّن نفسه صعوداً أو نزولاً.
أما في حال تعدت نسبة الاقتراع حدود 30 أو40 أو 50 أو 60 في المائة، فإن الخربطة ستتبدل لجهة بروز قوى جديدة من شأنها تغيير المعادلة السياسية أو في الأقل إحداث شرخ كبير فيها لغير صالح الأحزاب المتنفذة. ولذا، بينما تسعى الأحزاب المتنفذة لضمان المقاطعة الجماهيرية حفظاً لوجودها، فإن القوى الداعمة للتغيير تعمل على المشاركة الجماهيرية الواسعة بوصفها السبيل الوحيد لإقصاء الأحزاب والكتل الحالية.
ومعلوم أن الانتخابات المبكرة أُقِرّت بناء على الحراك الجماهيري الذي أخذ تسميات عديدة، منها «انتفاضة تشرين» (أكتوبر) عام 2019 أو «تظاهرات تشرين» أو «ثورة تشرين»، فصار ممثلو هذا الحراك - الذي راح ضحيته نحو 600 قتيل وأكثر من 24 ألف جريح - يسمّون «التشارنة». وفي المقابل، لقّبت أحزاب السلطة المهيمنة على القرار السياسي في العراق المنتفضين بـ«الذيول» و«أبناء السفارات»، متهمة إياهم بالانتماء إلى الخارج، مع أن الشعار الوحيد الذي رفعه المتظاهرون في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية هو: «نريد وطناً». ثم إنه، رغم كل عمليات الخطف والاغتيالات والمطاردات التي مورست ضد المنتفضين، فإنهم تمكنوا من فرض معادلة جديدة تمثلت في إسقاط الحكومة السابقة (حكومة عادل عبد المهدي) وتغيير قانون الانتخابات من الدائرة الواحدة إلى الدوائر المتعددة، وكذلك مفوضية الانتخابات، بجانب إجبار السلطة على إجراء الانتخابات مبكرة.
ولقد وفر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، الذي جاء على وقع تلك الاحتجاجات، الأرضية المناسبة لإجراء الانتخابات ومحاولة تسهيل عملية تغيير المعادلة السياسية، الأمر الذي دفع الكتل والأحزاب المتضررة من سياساته، إلى شن حملات إعلامية عليه وعلى فريقيه الحكومي والاستشاري، حاولت تحميلهم تبعات 18 سنة من الفشل المتراكم في العديد من المجالات والميادين.
- السيستاني يدعم التغيير
من ناحية أخرى، قبل أيام أعلنت المرجعية الشيعية العليا في النجف إنها ستعاود خطب الجمعة بدءًا من يوم أمس (الجمعة)، بعد توقف دام نحو سنتين نتيجة لتفشي وباء «كوفيد - 19». وكما فرح كثيرون بالقرار، فإنه قوبل بفتور من قبل عدد من القوى والأحزاب التي تدعي أنها تسير على خط المرجعية، لكنها لا تنفذ ما تطرحه من تعليمات أو إرشادات. وطبقاً لمراقبين، فإن السبب الذي جعل المرجعية تعيد خطبة الجمعة - قبل أسبوعين من الانتخابات - هو إدراكها أن الأحزاب والقوى التقليدية تعمل على زرع اليأس في نفوس المواطنين كي لا يتوجهوا إلى مراكز الاقتراع... بسبب خشية هذه القوى من خسارة مزيد من مقاعدها في مجلس النواب، وبالتالي نفوذها وامتيازاتها. لكن المفاجأة التي جاءت من النجف، ومن مرجعية السيد علي السيستاني بالذات، هي صدور تعليمات عن مكتبه، منذ يوم الأربعاء الماضي. وطبقاً للبيان الصادر عن المرجعية، فإنها «تشجّع الجميع على المشاركة الواعية والمسؤولة في الانتخابات القادمة، فإنها وإن كانت لا تخلو من بعض النواقص، ولكنها تبقى هي الطريق الأسلم للعبور بالبلد إلى مستقبل يُرجى أن يكون أفضل مما مضى، وبها يتفادى خطر الوقوع في مهاوي الفوضى والانسداد السياسي». وأضاف البيان أن «على الناخبين الكرام أن يأخذوا العِبَر والدروس من التجارب الماضية، ويعوا قيمة أصواتهم ودورها المهم في رسم مستقبل البلد، فيستغلوا هذه الفرصة المهمة لإحداث تغيير حقيقي في إدارة الدولة وإبعاد الأيادي الفاسدة وغير الكفؤة عن مفاصلها الرئيسة، وهو أمر ممكن إن تكاتف الواعون وشاركوا في التصويت بصورة فاعلة وأحسنوا الاختيار، وبخلاف ذلك فسوف تتكرر إخفاقات المجالس النيابية السابقة والحكومات المنبثقة عنها، ولات حين مندم».
كذلك أكدت المرجعية، كما قبيل الانتخابات الماضية، من أنها لا تساند أي مرشح أو قائمة انتخابية على الإطلاق، وأن الأمر كله متروك لقناعة الناخبين وما تستقر عليه آراؤهم. ونبّهت أيضاً إلى أهمية التدقيق في سِيَر المرشحين في دوائرهم الانتخابية كي لا ينتخبوا منهم إلا الصالح النزيه، الحريص على سيادة العراق وأمنه وازدهاره.
- أربيل... ومفاجأة التطبيع مع إسرائيل!
> بينما كانت أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، تتأهب للبدء باستقبال الوفود السياسية الوافدة إليها بعد إجراء الانتخابات المرشحة لرسم ملامح الخريطة السياسية المقبلة، شهدت المدينة عقد مؤتمر دعا للتطبيع مع إسرائيل.
المؤتمر الذي جرى الإعلان عنه بوصفه «مؤتمراً للتطبيع مع إسرائيل» عُقد في أحد فنادق المدينة، وضم نحو 300 شخصية، بمن فيهم نجل الرئيس الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريس، بدا مفاجئاً بكل المعايير. وفي حين أن وزارة الداخلية في إقليم كردستان أعلنت عدم علمها وموافقتها على عقد المؤتمر في أربيل، لكن البيان الختامي للمؤتمر، الذي دعا إلى التطبيع علناً، والانضمام إلى «اتفاقات إبراهيم» أثار ردود فعل غاضبة في بغداد.
بيان المؤتمر الختامي، الذي تلاه وسام الحردان رئيس «صحوة العراق»، وجّه طلباً للعراق عامة بالدخول في علاقات مع إسرائيل وشعبها. وبينما رحَّب وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لبيد، بدعوة تجمع عراقي للتطبيع مع بلاده، ووصف الحدث بأنه «يبعث على الأمل»، جاء رد الحكومة العراقية في بيان شديد اللهجة صادر عن مكتب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وفيه رفضت بشدة مثل هذه المحاولات.
وجاء في البيان أن «الحكومة العراقية تعرب عن رفضها القاطع للاجتماعات غير القانونية، التي عقدتها بعض الشخصيات العشائرية المقيمة في مدينة أربيل بإقليم كردستان، من خلال رفع شعار التطبيع مع إسرائيل». وأردف أن «هذه الاجتماعات لا تمثل أهالي وسكان المدن العراقية العزيزة، التي تحاول هذه الشخصيات بيأس الحديث باسم سكانها، وأنها تمثل مواقف من شارك بها فقط، فضلاً عن كونها محاولة للتشويش على الوضع العام وإحياء النبرة الطائفية المقيتة، في ظل استعداد كل مدن العراق لخوض انتخابات نزيهة عادلة ومبكرة، انسجاماً مع تطلعات شعبنا وتكريساً للمسار الوطني الذي حرصت الحكومة على تبنيه والمسير فيه».
كذلك، ذكر البيان أن «طرح مفهوم التطبيع مرفوض دستورياً وقانونياً وسياسياً في الدولة العراقية، وأن الحكومة عبّرت بشكل واضح عن موقف العراق التاريخي الثابت الداعم للقضية الفلسطينية العادلة، والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه بدولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف، ورفض كل أشكال الاستيطان والاعتداء والاحتلال التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني الشقيق».
من جهتها، أعلنت الرئاسة العراقية رفضها لمخرجات مؤتمر أربيل. وقال بيان رئاسي إنه «في الوقت الذي تؤكد فيه رئاسة الجمهورية موقف العراق الثابت والداعم للقضية الفلسطينية وتنفيذ الحقوق المشروعة الكاملة للشعب الفلسطيني، فإنها تجدد رفض العراق القاطع لمسألة التطبيع مع إسرائيل، وتدعو إلى احترام إرادة العراقيين وقرارهم الوطني المستقل».
وأضاف البيان الرئاسي: «تؤكد رئاسة الجمهورية أن الاجتماع الأخير الذي عُقد للترويج لهذا المفهوم لا يمثّل أهالي وسكان المدن العراقية، بل يمثّل مواقف من شارك بها فقط، فضلاً عن كونه محاولة لتأجيج الوضع العام واستهداف السلم الأهلي».
ودعت الرئاسة العراقية، من ثم، إلى «الابتعاد عن الترويج لمفاهيم مرفوضة وطنياً وقانونياً، وتمس مشاعر العراقيين، في الوقت الذي يجب أن نستعد فيه لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة تدعم المسار الوطني في العراق وتعيد لجميع العراقيين حياة حرة كريمة».
في أي حال، فإن مؤتمر أربيل عقّد المشهد السياسي كثيراً، لا سيما أن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني كان قد عقد عدة اتفاقيات مع زعامات شيعية من أجل التحالفات في فترة ما بعد الانتخابات، الأمر الذي قد يخلّف تداعيات بسبب استضافة أربيل - معقل بارزاني - لهذا المؤتمر، رغم إعلانها رفض تبني مخرجاته.
هذا، ولم يقف الأمر عند حد رفض كل الكتل والأحزاب والقيادات العراقية ما حصل في أربيل؛ إذ أصدر القضاء العراقي مذكرات قبض بحق عدد من المشاركين في المؤتمر - الذي حمل اسم «السلام والاسترداد» - ما دفع عدداً كبيراً من الشخصيات المشاركة فيه إلى التراجع والاعتذار. ولقد شملت حملة التنصّل من المؤتمر والتبعات الناجمة عنه النائب السابق في البرلمان العراقي، مثال الآلوسي، الذي كان أول سياسي ونائب عراقي يزور إسرائيل علناً بعد سنة تقريباً من سقوط النظام السابق بعد الغزو الأميركي للعراق. ولقد أصدر القضاء العراقي مذكرة قبض بحق الألوسي، بينما هو يقيم حالياً في ألمانيا لإجراء عملية جراحية، طبقاً لما أعلنه. ومع أن الآلوسي كرّر «إيمانه بالتطبيع ودعوته لإقامة علاقات مع إسرائيل»، فإنه نفى علاقته بأي حال من الأحوال بالمؤتمر المذكور.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.