أدب الأطفال في قبضة الإنترنت

كتاب ومختصون وناشرون يدعون إلى تطويره لمواجهة منافسة التكنولوجيا

أدب الأطفال في قبضة الإنترنت
TT

أدب الأطفال في قبضة الإنترنت

أدب الأطفال في قبضة الإنترنت

حسب الآراء الواردة في هذا التحقيق، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بحكم التطور التكنولوجي الهائل أكثر جذباً للأطفال من عالم الكتاب، وبذلك تراجعت عادة القراءة وانطفأ بريق القصص والحكي الشفاهي على ألسنة الجدات والأمهات، ما يشكّل خطورة على أفق الطفل الخيالي ونموه العقلي وتفاعله مع محيطة الإنساني... ما السبيل للخروج من هذه الأزمة؟
في هذا التحقيق آراء عدد من كتاب أدب الطفل ورسامي مجلات الأطفال، ودور النشر المتخصصة.

صفاء عبد المنعم، كاتبة أطفال وروائية: عودة الحكي القصصي
أولى المشكلات التي تواجه الكتابة للطفل وتساهم فيها الأسر والهيئات الثقافية المختلفة، تنحصر في الكتاب نفسه، فلا بد أولاً من تحديد الفئة العمرية على الغلاف، لأن كل مرحلة لها خصائص وأسلوب وطريقة وحكايات تناسبها.
والمشكلة الثانية مصدرها دور النشر، فكل كتاب يقدم لها هو من وجهة نظر كاتبه مهم للطفل، وهو وحده الذي يقبل هذا النص أو يرفضه، حسبما يتضمن من معلومات أو طريقة حكي مبهرة، لذا يجب عدم فرض الوصاية على الأطفال. طالما لا يوجد في الكتب تطرف، والمشكلة الثالثة مصدرها المؤسسات الثقافية التي تغلق أبوابها في وجه الأطفال وتمنعهم من القراءة.
أما عن الوسائل التي يمكن من خلالها تطوير أدب الأطفال، فتبدأ بعودة حكي القصص في المرحلة الابتدائية، فقد كانت معظم المناهج قديماً تعتمد على حكايات كليلة ودمنة، ومعظم الأجيال السابقة تعلمت بهذه الطريقة، وقد أصبح الطفل الآن يمتلك أداة مهمة، وهي التكنولوجيا ويمكن من خلالها نقل المعرفة إليه، ويمكن عمل كتب صوتية أو مصورة وأفلام قصيرة ملونة بأصوات الفنانين، ويمكن للكاتب نفسه أن يقرأ قصته وهو ما يعلّم الطفل الصغير قيمة أن يستمع لغيره حين يتكلم.

أحمد عبد العليم، باحث في المركز القومي لثقافة الطفل: دائرة ثقافية عالمية
أدب الأطفال -كمجال للبحث والتدريس- يشمل كل الأجناس الأدبية، والصيغ، والوسائط، وكل فترات الكتابة، وأنواعها، والحركات الأدبية من أي بقعة من العالم، وما يرتبط بذلك من المطبوعات المؤقتة والسلع أيضاً. وهو يشير إلى الأعمال التي وُجهت تحديداً على صغار السن، والأعمال التي باتت تُعد أدباً للأطفال من خلال تخصيصها لصغار القراء، والأعمال التي كان الأطفال يقرأونها فيما مضى، واقتصرت قراءتها الآن على دارسي الأدب.
وهنا من المهم أن نؤكد أنه لا يوجد نتاج أدبي واحد مترابط ومحدد يشكّل أدب الأطفال، ولكن يوجد عديد من أعمال أدب الأطفال التي تم إنتاجها في فترات مختلفة، وبطرق مختلفة، ولأغراض مختلفة، وباستخدام صيغ ووسائط مختلفة.
العولمة وما يصاحبها من وسائل الاتصال، والانضغاط في الزمان والمكان، يُخرج الفرد من دائرة الأسرة، إلى دائرة ثقافية عالمية، تسهم في تشكيل وعيه وبناء شخصيته، وهنا تتجلى قضية التنشئة والتي تضع الفرد أمام مؤثرات عديدة قد يجد نفسه مشتتاً أمامها إذا لم يضع لنفسه آليات تَكَيُّف تمكّنه من أن يحقق قدراً من التوازن بين القوى والمؤثرات المتناقضة، ويكون قادراً على أن يتقبل الثقافات الأخرى، مع المحافظة على هويته الشخصية والثقافية، وهو أمر يجبر كاتب الأطفال على التعامل مع قضية الإبداع بطريقة أكثر جدية، وأكتر تطوراً، بحيث يقدم إبداعاً قادراً على التعامل مع كل هذه المتغيرات في إطار عام يمكنه المساهمة بقدر في تنشئة الطفل وبناء شخصيته.
ومن هنا ينبغي أن يسهم الأدب في تنمية الأطفال من خلال جوانب متعددة، منها الجانب العقلي، والخيالي، والإدراكي، والوجداني... إلخ، ويلعب الأدب دوراً مهماً، من خلال سلوكيات الشخصيات الذين يُعجب بهم الطفل ويقدرهم، فيقلدهم ويتبنى ممارساتهم دون تردد، وعبر عملية اكتشاف الذات، ينتقل الطفل إلى إدراك الموجودات من حوله، وهي عملية مهمة، ويتم بناؤها اعتماداً على تعميق مدركاته وخلق المعاني التي يختارها بفاعلية ونشاط.

أحمد زحام، كاتب أطفال:
انغلاق منافذ النشر
يواجه أدب الطفل تحديات كثيرة منها مشكلة التواصل بين الكاتب والطفل بسبب قلة المعروض من الكتب والمجلات، فمجلات الأطفال محدودة، وتخدم عدداً محدوداً من الكتاب، كما تمتنع دور نشر عامة وخاصة عن استقبال كتابات جديدة، مما يؤدي إلى إغلاق منافذ النشر، ففي السنوات الأخيرة على سبيل المثال أغلقت دار الهلال سلسلتي «روايات الهلال للأولاد والبنات التاريخية»، و«كتب الهلال للأولاد والبنات»، كما تحول كتاب «قطر الندى» من إصدار نصف شهري إلى إصدار شهري، وهناك كثير من الكتب لا يخص الأطفال إلا في الشكل، أما المقدَّم من رواية وقصة مصورة فيظهر دائماً دون المستوى.
ويواجه أدب الطفل مشكلة عدم تطويره بما يواكب التغير العقلي لطفل اليوم الذي يمتلك وعياً كبيراً نتيجة المخترعات الحديثة التي يتعامل معها يومياً، كما أن دور النشر الخاصة أصبحت لا تتعامل إلا مع أسماء بعينها، وتفضل الحاصلين على جوائز بوصفهم أوراقاً مضمونة.
أما عن التطور التكنولوجي وسهولة تعامل الطفل معه، فقد قلل من اهتمام الأسرة بالكتاب، وتراجعت كتب الطفل الورقية أمام منصات الكتب على الإنترنت التي جذبت الأطفال إليها، وجعلت الحكايات القديمة خارج اهتمامه، لذا يجب أن يهتم كتاب أدب الطفل بتلك النقلة الموضوعية التي تشير إلى أننا في مرحلة انتقالية ما بين المطبوع والإلكتروني.

هشام علوان، كاتب أطفال وإعلامي: البحث عن آفاق جديدة
الطفل كائن ذكي، يكتسب خبراته بالملاحظة والمراقبة والتجربة، فتجذبه الكتب في سن مبكرة بحكايات بسيطة ورسومات جذابة، حتى يصبح قادراً على القراءة، وتتكون ذائقته في الاختيار، فينتقي ما يحبه من كتب تقدم له معلومات لزيادة وعيه المعرفي، تبتعد عن المباشرة والتقريرية، وبلغة سهلة، تثري قاموسه، وتضيف لوعيه الجمالي، وتنمي خياله.
أرى أن كل مبدع لديه قناعة بأفكاره التي يريد إيصالها للطفل، ولا يوجد كتالوج محدد للأمر، لكنْ هناك أطر عامة، مثل المرحلة العمرية الموجه إليها النص، حيث تختلف الأفكار واللغة وفقاً لذلك، وهناك ضرورة للانتباه إلى الألفاظ التي تحمل دلالات سلبية تحض على العنف والكراهية، وتخالف قيم المجتمع وعاداته.
ويحاول أدب الطفل حالياً البحث عن آفاق جديدة، يقاوم من خلالها منافسين أشداء، ظهروا مع تجليات الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي، فالتطبيقات المنتشرة مؤخراً وما بها من مشهيات تجتذب الطفل، وتشده بعيداً عن عالم القراءة.
ويمكن لأدب الطفل أن يقدم نفسه بشكل موضوعي مقنع للطفل العربي، إذا ابتعد عن التكرار والكتابات التقليدية التي تنفر الطفل ولا تناسب مُدركاته، والبحث عن طرق وموضوعات مستحدثة متنوعة تشبع احتياجات الطفل في عصر المعلوماتية، وهنا تقع مسؤولية كبيرة على دور النشر.

أيمن شرف، كاتب ومترجم ومدير دار نشر «الترجمان»: الاستفادة من التطور العلمي
إذا ما قارنّا مثلاً محتوى أدب الطفل المكتوب بالعربية بنظيره المكتوب بالألمانية أو النرويجية أو السويدية سنجد أن الأدب المكتوب بتلك اللغات يستفيد استفادة كبيرة من التطور العلمي في معرفة نمط النمو العقلي للطفل ومراحله المتتابعة، ومن يكتبون للطفل في مراحله العمرية المختلفة يدرسون –في الغالب - أو يطّلعون على دراسات في هذا الشأن، بالإضافة إلى أن دور النشر توفر متخصصين في الصياغة أو محررين لمراجعة النصوص سواء كانت خيالية أو غير خيالية، وهناك بالطبع كتاب موهوبون يعتمدون في كتاباتهم على الحدس والموهبة الأدبية، لكن النسبة الغالبة تستند إلى المعرفة المتوفرة عن نمو الطفل في مراحله السنية المختلفة، وما يتطلبه ذلك من مواصفات في الكتاب، سواء كان مصوراً أو نصياً... وإجمالاً ليست هذه هي الحال في محتوى أدب الطفل المكتوب بالعربية.
أما عن جودة الكتاب وتكلفته، فسنجد أيضاً أن التكلفة العالية لكتاب الأطفال –المصور على وجه الخصوص- تفرض خفض الجودة، بما يقلل من نسبة قراءته، ولا يحظى بالكتاب عالي الجودة والتكلفة إلا أطفال الأسرة الميسورة، وهو ما يحدّ من إقدام كثير من الناشرين على إنتاج كتب للأطفال، وفي ظل تراجع دور الدولة التنموي لا تتوفر فرص إنتاج كتب للأطفال يمكنها أن تنمّي وعيهم وترقى بهم.
جانب ثالث –أحدث نسبياً- في مشكلات أدب الطفل، وهو توفر وسائط رقمية حديثة تنقل للطفل محتوى ثقافياً أكثر إثارةً وتشويقاً يعتمد على الصورة والصوت، وعلى محتوى لا يلبي بالضرورة احتياجات نموه النفسي والعقلي، لكنه ينجح في جذب اهتمامه وأسره في ألعاب إلكترونية تسيطر على انتباهه دون أن تعلّمه ما ينبغي أن يتعلمه من قيم أو تنمّي قدراته البدنية والذهنية، بل إنها ربما تعوق هذا النمو وتعطل قدراته وتفاعله مع محيطه الإنساني.

أسامة علي، رسام وكاتب أطفال: تأثيرات التكنولوجيا الضارة
اهتمّ العالم بالأدب الموجّه إلى الطفل منذ القرن السابع عشر تقريباً، لإدراكهم أن تشكيل عقل ووجدان الطفل لا يكون إلا باقتحام عالمه وتنمية خياله، ووصلت أهمية أدب الأطفال وتطورها إلى درجة أنه تم تحويل بعض روايات الأطفال من روايات وقصص مكتوبة إلى رسوم متحركة لنشرها بطريقة أكبر وأسرع جنباً إلى جنب مع الروايات المكتوبة، وتم تحويل بعض الروايات ذات المبيعات العالية إلى أفلام سينمائية، واستمر أدب الطفل في نجاحه وانتشاره حتى ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا بدا اهتمام الأطفال بالقراءة يقل تدريجياً مع زيادة اهتمامه بوسائل وأدوات التكنولوجيا.
أما عن اهتمام الكُتاب والمبدعين بهذا المجال فبدأ يخفت تدريجياً مع سهولة الاستعاضة بالقصص المترجمة والمُعرّبة عوضاً عن روايات الأطفال ذات الطابع الشرقي العربي الأصيل، والانبهار بكل ما هو أجنبي.
وهناك مشكلة مهمة متعلقة بالنشر والتوزيع بعد أن أصبحت تكلفة الطباعة والنشر كبيرة، بالإضافة لاعتقاد البعض بعدم أهمية الكتابة للأطفال، مما جعل مجال الكتابة للأطفال طارداً للكُتاب وغير مشجع، ولحل هذه المشكلات يجب أن يدرك الآباء أن التكنولوجيا الحديثة لها جوانب عديدة سيئة في التأثير على الأطفال، فهي تقتل الخيال والإبداع، كما أن الجهات الحكومية المسؤولة لها دور في طرح مبادرات تشجيعية للأطفال على القراءة، إيماناً بدور الثقافة في تشكيلهم عقلياً ووجدانياً.


مقالات ذات صلة

ترمب يرفض الاعتذار عن فيديو يُظهر أوباما وزوجته على هيئة قردين

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يودعان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل لدى مغادرتهما عقب تنصيب ترمب في مبنى الكابيتول بواشنطن عام 2017 (رويترز) p-circle

ترمب يرفض الاعتذار عن فيديو يُظهر أوباما وزوجته على هيئة قردين

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتذار عن مشاركته مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر الرئيس الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل على هيئة قردين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الشرطة الهندية لم تتمكن بعد من تحديد اللعبة التي تسببت في ردّة الفعل العنيفة لدى الفتيات (رويترز)

بعد حرمانهن من لعبة كورية... 3 شقيقات ينتحرن بالقفز من شرفة منزلهن

لقيت ثلاث شقيقات صغيرات حتفهن في الهند، أمس الأربعاء، بعد سقوطهن من شرفة منزلهن، وذلك عقب منع والدهن لهن من ممارسة لعبة كورية تُعرف بـ«لعبة الحب» على هاتفه.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» (صفحة الجهاز على «فيسبوك»)

«النفاد السريع» لباقات «الإنترنت» يؤرّق المصريين... وسط تحرك برلماني

تصاعدت أزمة «النفاد السريع» لباقات الإنترنت، والتي باتت تؤرق المصريين، في حين وصف «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» الشكاوى بأنها «فردية».

عصام فضل (القاهرة)
الولايات المتحدة​ إيلون ماسك (رويترز)

ماسك يلمِّح لشراء «رايان إير» بعد رفض رئيسها استخدام «ستارلينك»

أجرى إيلون ماسك استطلاع رأي على «إكس» حول إمكانية شرائه شركة «رايان إير» للطيران، في أعقاب خلافه مع رئيسها بشأن استخدام نظام «ستارلينك» للإنترنت على متن طائراته

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية محتجون في ميناء أنزلي شمال إيران ليلة الخميس (تلغرام)

«ستارلينك» أمام اختبار صعب في إيران

تشكل حملة الأجهزة الأمنية الإيرانية ضد المعارضين أحد أصعب الاختبارات لخدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية «ستارلينك».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».