أدب الأطفال في قبضة الإنترنت

كتاب ومختصون وناشرون يدعون إلى تطويره لمواجهة منافسة التكنولوجيا

أدب الأطفال في قبضة الإنترنت
TT

أدب الأطفال في قبضة الإنترنت

أدب الأطفال في قبضة الإنترنت

حسب الآراء الواردة في هذا التحقيق، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بحكم التطور التكنولوجي الهائل أكثر جذباً للأطفال من عالم الكتاب، وبذلك تراجعت عادة القراءة وانطفأ بريق القصص والحكي الشفاهي على ألسنة الجدات والأمهات، ما يشكّل خطورة على أفق الطفل الخيالي ونموه العقلي وتفاعله مع محيطة الإنساني... ما السبيل للخروج من هذه الأزمة؟
في هذا التحقيق آراء عدد من كتاب أدب الطفل ورسامي مجلات الأطفال، ودور النشر المتخصصة.

صفاء عبد المنعم، كاتبة أطفال وروائية: عودة الحكي القصصي
أولى المشكلات التي تواجه الكتابة للطفل وتساهم فيها الأسر والهيئات الثقافية المختلفة، تنحصر في الكتاب نفسه، فلا بد أولاً من تحديد الفئة العمرية على الغلاف، لأن كل مرحلة لها خصائص وأسلوب وطريقة وحكايات تناسبها.
والمشكلة الثانية مصدرها دور النشر، فكل كتاب يقدم لها هو من وجهة نظر كاتبه مهم للطفل، وهو وحده الذي يقبل هذا النص أو يرفضه، حسبما يتضمن من معلومات أو طريقة حكي مبهرة، لذا يجب عدم فرض الوصاية على الأطفال. طالما لا يوجد في الكتب تطرف، والمشكلة الثالثة مصدرها المؤسسات الثقافية التي تغلق أبوابها في وجه الأطفال وتمنعهم من القراءة.
أما عن الوسائل التي يمكن من خلالها تطوير أدب الأطفال، فتبدأ بعودة حكي القصص في المرحلة الابتدائية، فقد كانت معظم المناهج قديماً تعتمد على حكايات كليلة ودمنة، ومعظم الأجيال السابقة تعلمت بهذه الطريقة، وقد أصبح الطفل الآن يمتلك أداة مهمة، وهي التكنولوجيا ويمكن من خلالها نقل المعرفة إليه، ويمكن عمل كتب صوتية أو مصورة وأفلام قصيرة ملونة بأصوات الفنانين، ويمكن للكاتب نفسه أن يقرأ قصته وهو ما يعلّم الطفل الصغير قيمة أن يستمع لغيره حين يتكلم.

أحمد عبد العليم، باحث في المركز القومي لثقافة الطفل: دائرة ثقافية عالمية
أدب الأطفال -كمجال للبحث والتدريس- يشمل كل الأجناس الأدبية، والصيغ، والوسائط، وكل فترات الكتابة، وأنواعها، والحركات الأدبية من أي بقعة من العالم، وما يرتبط بذلك من المطبوعات المؤقتة والسلع أيضاً. وهو يشير إلى الأعمال التي وُجهت تحديداً على صغار السن، والأعمال التي باتت تُعد أدباً للأطفال من خلال تخصيصها لصغار القراء، والأعمال التي كان الأطفال يقرأونها فيما مضى، واقتصرت قراءتها الآن على دارسي الأدب.
وهنا من المهم أن نؤكد أنه لا يوجد نتاج أدبي واحد مترابط ومحدد يشكّل أدب الأطفال، ولكن يوجد عديد من أعمال أدب الأطفال التي تم إنتاجها في فترات مختلفة، وبطرق مختلفة، ولأغراض مختلفة، وباستخدام صيغ ووسائط مختلفة.
العولمة وما يصاحبها من وسائل الاتصال، والانضغاط في الزمان والمكان، يُخرج الفرد من دائرة الأسرة، إلى دائرة ثقافية عالمية، تسهم في تشكيل وعيه وبناء شخصيته، وهنا تتجلى قضية التنشئة والتي تضع الفرد أمام مؤثرات عديدة قد يجد نفسه مشتتاً أمامها إذا لم يضع لنفسه آليات تَكَيُّف تمكّنه من أن يحقق قدراً من التوازن بين القوى والمؤثرات المتناقضة، ويكون قادراً على أن يتقبل الثقافات الأخرى، مع المحافظة على هويته الشخصية والثقافية، وهو أمر يجبر كاتب الأطفال على التعامل مع قضية الإبداع بطريقة أكثر جدية، وأكتر تطوراً، بحيث يقدم إبداعاً قادراً على التعامل مع كل هذه المتغيرات في إطار عام يمكنه المساهمة بقدر في تنشئة الطفل وبناء شخصيته.
ومن هنا ينبغي أن يسهم الأدب في تنمية الأطفال من خلال جوانب متعددة، منها الجانب العقلي، والخيالي، والإدراكي، والوجداني... إلخ، ويلعب الأدب دوراً مهماً، من خلال سلوكيات الشخصيات الذين يُعجب بهم الطفل ويقدرهم، فيقلدهم ويتبنى ممارساتهم دون تردد، وعبر عملية اكتشاف الذات، ينتقل الطفل إلى إدراك الموجودات من حوله، وهي عملية مهمة، ويتم بناؤها اعتماداً على تعميق مدركاته وخلق المعاني التي يختارها بفاعلية ونشاط.

أحمد زحام، كاتب أطفال:
انغلاق منافذ النشر
يواجه أدب الطفل تحديات كثيرة منها مشكلة التواصل بين الكاتب والطفل بسبب قلة المعروض من الكتب والمجلات، فمجلات الأطفال محدودة، وتخدم عدداً محدوداً من الكتاب، كما تمتنع دور نشر عامة وخاصة عن استقبال كتابات جديدة، مما يؤدي إلى إغلاق منافذ النشر، ففي السنوات الأخيرة على سبيل المثال أغلقت دار الهلال سلسلتي «روايات الهلال للأولاد والبنات التاريخية»، و«كتب الهلال للأولاد والبنات»، كما تحول كتاب «قطر الندى» من إصدار نصف شهري إلى إصدار شهري، وهناك كثير من الكتب لا يخص الأطفال إلا في الشكل، أما المقدَّم من رواية وقصة مصورة فيظهر دائماً دون المستوى.
ويواجه أدب الطفل مشكلة عدم تطويره بما يواكب التغير العقلي لطفل اليوم الذي يمتلك وعياً كبيراً نتيجة المخترعات الحديثة التي يتعامل معها يومياً، كما أن دور النشر الخاصة أصبحت لا تتعامل إلا مع أسماء بعينها، وتفضل الحاصلين على جوائز بوصفهم أوراقاً مضمونة.
أما عن التطور التكنولوجي وسهولة تعامل الطفل معه، فقد قلل من اهتمام الأسرة بالكتاب، وتراجعت كتب الطفل الورقية أمام منصات الكتب على الإنترنت التي جذبت الأطفال إليها، وجعلت الحكايات القديمة خارج اهتمامه، لذا يجب أن يهتم كتاب أدب الطفل بتلك النقلة الموضوعية التي تشير إلى أننا في مرحلة انتقالية ما بين المطبوع والإلكتروني.

هشام علوان، كاتب أطفال وإعلامي: البحث عن آفاق جديدة
الطفل كائن ذكي، يكتسب خبراته بالملاحظة والمراقبة والتجربة، فتجذبه الكتب في سن مبكرة بحكايات بسيطة ورسومات جذابة، حتى يصبح قادراً على القراءة، وتتكون ذائقته في الاختيار، فينتقي ما يحبه من كتب تقدم له معلومات لزيادة وعيه المعرفي، تبتعد عن المباشرة والتقريرية، وبلغة سهلة، تثري قاموسه، وتضيف لوعيه الجمالي، وتنمي خياله.
أرى أن كل مبدع لديه قناعة بأفكاره التي يريد إيصالها للطفل، ولا يوجد كتالوج محدد للأمر، لكنْ هناك أطر عامة، مثل المرحلة العمرية الموجه إليها النص، حيث تختلف الأفكار واللغة وفقاً لذلك، وهناك ضرورة للانتباه إلى الألفاظ التي تحمل دلالات سلبية تحض على العنف والكراهية، وتخالف قيم المجتمع وعاداته.
ويحاول أدب الطفل حالياً البحث عن آفاق جديدة، يقاوم من خلالها منافسين أشداء، ظهروا مع تجليات الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي، فالتطبيقات المنتشرة مؤخراً وما بها من مشهيات تجتذب الطفل، وتشده بعيداً عن عالم القراءة.
ويمكن لأدب الطفل أن يقدم نفسه بشكل موضوعي مقنع للطفل العربي، إذا ابتعد عن التكرار والكتابات التقليدية التي تنفر الطفل ولا تناسب مُدركاته، والبحث عن طرق وموضوعات مستحدثة متنوعة تشبع احتياجات الطفل في عصر المعلوماتية، وهنا تقع مسؤولية كبيرة على دور النشر.

أيمن شرف، كاتب ومترجم ومدير دار نشر «الترجمان»: الاستفادة من التطور العلمي
إذا ما قارنّا مثلاً محتوى أدب الطفل المكتوب بالعربية بنظيره المكتوب بالألمانية أو النرويجية أو السويدية سنجد أن الأدب المكتوب بتلك اللغات يستفيد استفادة كبيرة من التطور العلمي في معرفة نمط النمو العقلي للطفل ومراحله المتتابعة، ومن يكتبون للطفل في مراحله العمرية المختلفة يدرسون –في الغالب - أو يطّلعون على دراسات في هذا الشأن، بالإضافة إلى أن دور النشر توفر متخصصين في الصياغة أو محررين لمراجعة النصوص سواء كانت خيالية أو غير خيالية، وهناك بالطبع كتاب موهوبون يعتمدون في كتاباتهم على الحدس والموهبة الأدبية، لكن النسبة الغالبة تستند إلى المعرفة المتوفرة عن نمو الطفل في مراحله السنية المختلفة، وما يتطلبه ذلك من مواصفات في الكتاب، سواء كان مصوراً أو نصياً... وإجمالاً ليست هذه هي الحال في محتوى أدب الطفل المكتوب بالعربية.
أما عن جودة الكتاب وتكلفته، فسنجد أيضاً أن التكلفة العالية لكتاب الأطفال –المصور على وجه الخصوص- تفرض خفض الجودة، بما يقلل من نسبة قراءته، ولا يحظى بالكتاب عالي الجودة والتكلفة إلا أطفال الأسرة الميسورة، وهو ما يحدّ من إقدام كثير من الناشرين على إنتاج كتب للأطفال، وفي ظل تراجع دور الدولة التنموي لا تتوفر فرص إنتاج كتب للأطفال يمكنها أن تنمّي وعيهم وترقى بهم.
جانب ثالث –أحدث نسبياً- في مشكلات أدب الطفل، وهو توفر وسائط رقمية حديثة تنقل للطفل محتوى ثقافياً أكثر إثارةً وتشويقاً يعتمد على الصورة والصوت، وعلى محتوى لا يلبي بالضرورة احتياجات نموه النفسي والعقلي، لكنه ينجح في جذب اهتمامه وأسره في ألعاب إلكترونية تسيطر على انتباهه دون أن تعلّمه ما ينبغي أن يتعلمه من قيم أو تنمّي قدراته البدنية والذهنية، بل إنها ربما تعوق هذا النمو وتعطل قدراته وتفاعله مع محيطه الإنساني.

أسامة علي، رسام وكاتب أطفال: تأثيرات التكنولوجيا الضارة
اهتمّ العالم بالأدب الموجّه إلى الطفل منذ القرن السابع عشر تقريباً، لإدراكهم أن تشكيل عقل ووجدان الطفل لا يكون إلا باقتحام عالمه وتنمية خياله، ووصلت أهمية أدب الأطفال وتطورها إلى درجة أنه تم تحويل بعض روايات الأطفال من روايات وقصص مكتوبة إلى رسوم متحركة لنشرها بطريقة أكبر وأسرع جنباً إلى جنب مع الروايات المكتوبة، وتم تحويل بعض الروايات ذات المبيعات العالية إلى أفلام سينمائية، واستمر أدب الطفل في نجاحه وانتشاره حتى ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، وهنا بدا اهتمام الأطفال بالقراءة يقل تدريجياً مع زيادة اهتمامه بوسائل وأدوات التكنولوجيا.
أما عن اهتمام الكُتاب والمبدعين بهذا المجال فبدأ يخفت تدريجياً مع سهولة الاستعاضة بالقصص المترجمة والمُعرّبة عوضاً عن روايات الأطفال ذات الطابع الشرقي العربي الأصيل، والانبهار بكل ما هو أجنبي.
وهناك مشكلة مهمة متعلقة بالنشر والتوزيع بعد أن أصبحت تكلفة الطباعة والنشر كبيرة، بالإضافة لاعتقاد البعض بعدم أهمية الكتابة للأطفال، مما جعل مجال الكتابة للأطفال طارداً للكُتاب وغير مشجع، ولحل هذه المشكلات يجب أن يدرك الآباء أن التكنولوجيا الحديثة لها جوانب عديدة سيئة في التأثير على الأطفال، فهي تقتل الخيال والإبداع، كما أن الجهات الحكومية المسؤولة لها دور في طرح مبادرات تشجيعية للأطفال على القراءة، إيماناً بدور الثقافة في تشكيلهم عقلياً ووجدانياً.


مقالات ذات صلة

ترمب يرفض الاعتذار عن فيديو يُظهر أوباما وزوجته على هيئة قردين

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يودعان الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل لدى مغادرتهما عقب تنصيب ترمب في مبنى الكابيتول بواشنطن عام 2017 (رويترز) p-circle

ترمب يرفض الاعتذار عن فيديو يُظهر أوباما وزوجته على هيئة قردين

رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتذار عن مشاركته مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر الرئيس الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل على هيئة قردين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الشرطة الهندية لم تتمكن بعد من تحديد اللعبة التي تسببت في ردّة الفعل العنيفة لدى الفتيات (رويترز)

بعد حرمانهن من لعبة كورية... 3 شقيقات ينتحرن بالقفز من شرفة منزلهن

لقيت ثلاث شقيقات صغيرات حتفهن في الهند، أمس الأربعاء، بعد سقوطهن من شرفة منزلهن، وذلك عقب منع والدهن لهن من ممارسة لعبة كورية تُعرف بـ«لعبة الحب» على هاتفه.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» (صفحة الجهاز على «فيسبوك»)

«النفاد السريع» لباقات «الإنترنت» يؤرّق المصريين... وسط تحرك برلماني

تصاعدت أزمة «النفاد السريع» لباقات الإنترنت، والتي باتت تؤرق المصريين، في حين وصف «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» الشكاوى بأنها «فردية».

عصام فضل (القاهرة)
الولايات المتحدة​ إيلون ماسك (رويترز)

ماسك يلمِّح لشراء «رايان إير» بعد رفض رئيسها استخدام «ستارلينك»

أجرى إيلون ماسك استطلاع رأي على «إكس» حول إمكانية شرائه شركة «رايان إير» للطيران، في أعقاب خلافه مع رئيسها بشأن استخدام نظام «ستارلينك» للإنترنت على متن طائراته

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية محتجون في ميناء أنزلي شمال إيران ليلة الخميس (تلغرام)

«ستارلينك» أمام اختبار صعب في إيران

تشكل حملة الأجهزة الأمنية الإيرانية ضد المعارضين أحد أصعب الاختبارات لخدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية «ستارلينك».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.