الطفولة المنهوبة والمهددة في ثلاثة أعمال

يوميات «لوكارنو» السينمائي الـ74

المنتجة غَيل آن- هيرد
المنتجة غَيل آن- هيرد
TT

الطفولة المنهوبة والمهددة في ثلاثة أعمال

المنتجة غَيل آن- هيرد
المنتجة غَيل آن- هيرد

لا يمكن تفويت ندوة تتحدث فيها المنتجة الأميركية غايل آن هيرد. فإذا علمنا أن الندوة هي عن وضع السينما المستقلة اليوم فيصبح حضورها أمراً غير قابل للجدل.
وُلدت قبل 65 سنة في لوس أنجليس وانتمت إلى الصناعة السينمائية في منتصف الثمانينات بعد تخرجها من الجامعة بشهادة في حقل الاقتصاد. أمت العمل كمنتجة وكاتبة فيلم «ذا ترميناتور» (The Terminator) سنة 1984، هذا قبل عام واحد من زواجها من مخرج الفيلم جيمس كاميرون والعمل معه لاحقاً على أكثر من فيلم بينها «أليانز» و«الهاوية» (The Abysse) كما «ترميناتور 2». تطلقا سنة 1989 ثم تزوجت من برايان دي بالما الذي التحقت بالعمل معه على فيلم «نشأة كاين» (Raising Cain). في العام 1999 أخبرني دي بالما حين التقينا في مهرجان تورونتو أنه أراد تحويلها إلى مخرج. كان مضى سبع سنوات على طلاقهما.
رغبته هذه لم تتحقق وآن - هيرد واصلت عملها كمنتجة وكاتبة وصعدت درجات الأعمال الإدارية في هوليوود فترأست أكاديمية العلوم والفنون السينمائية سنة 2011 وتابعت مسيرة متواصلة في التلفزيون والسينما.
الآن هي في ربوع مهرجان لوكارنو (4 - 14 من هذا الشهر) وفي بالها الحديث عن حال السينما المستقلة في الندوة كما في لقاء منفرد قصير تم بعدها. في ذلك اللقاء أكدت أن ما ذكرته في الندوة عن أن الوضع غير مستتب في الولايات المتحدة بالنسبة للسينما المستقلة: «ذات زمن، كانت السينما المستقلة من أهم ركائز العمل في أميركا. صناعة كاملة ونشطة أنجبت العديد من المواهب في كل شأن. من ممثلين ومخرجين ومنتجين وكتاب. حالياً، نعم ما زالت السينما المستقلة موجودة لكنها لم تعد مستقلة تماماً».
‫أسألها إذا ما كان هناك أكثر من تعريف لما هي سينما مستقلة؟ فتجيب: «‬لا أعتقد. إنها السينما التي تختلف فيما تطرحه عن السينما الأكثر اتشاراً والتي تعتمد على مصادر تمويل خارج كيانات هوليوود الإنتاجية وتقصد الوصول إلى جمهور خارج الزحام السائد».
ثم تضيف: «ربما الآن هناك تعريفات أخرى، لكن الأساس هي اختلافها وهذا لم يعد متوفراً إلا في حالات محدودة».
تؤكد آن - هيرد أن بعض التحول الذي أصاب السينما المستقلة يعود إلى الهيمنة التي شاعت خلال السنوات القريبة الماضية: «هوليوود أصيبت بالخوف من هارفي ونستين (كان أحد أكثر منتجي السينما المستقلة نشاطاً) وتطلب الوقت فترة طويلة قبل أن تكشف اعتداءاته الجنسية. سكوت رودين وسواه استفاد من هذا الوضع. سمح لنفسه بمعاملة موظفيه كقطيع قبل أن ينكشف بدوره».
تعتبر المنتجة التي احتفت بها عدة مؤسسات ومهرجانات خلال السنوات العشرين السابقة أن السينما المستقلة لها مشاكلها في المكاتب قبل مشاكلها كأعمال منتجة، لكن هذا ما يمكن قوله على مختلف أصعدة الفيلم مستقلاً أو غير مستقل. توافق على ذلك وتضيف: «ركزت خلال الندوة على هذه المشاكل لأنها تنتشر في أرجاء العالم وحتى تكون السينما المستقلة سينما ناجحة عليها أن تتمتع بالسلوك الاجتماعي والأخلاقي، كذلك بالنسبة للسينما ككل».
الندوة (الوحيدة التي اهتممت بحضورها) منحت المستمعين معلومات حول الإنتاج المستقل وطبيعته معظم ما قيل بعد مداخلة المنتجة - الأميركية مهم وإن كان محط عرض لمشاكل بلا توفير حلول إلا في نطاقات محدودة.

البحث عن فتاة مخطوفة

تتوالى الأفلام (بكل طيوفها) على الشاشات المختلفة وبعض ما لا يعرض على الشاشات الرئيسية أهم من أن ينتهي إلى عروض مساندة أو موازية. هذا حال فيلم بولندي - جنوب أفريقي بعنوان «سير مع الملائكة» (A Walk with Angles)لتوماس فيزوكينسكي. هذا الفيلم جميل بقدر ما هو موحش. صادق ومخيف بسبب صدقه. يفتح الفيلم على شخصيته الأساسية: جيرومايا ماروبيَن: رجل أسود يعيش في ضواحي جوهانسبرغ. نستمع إلى صوته قبل أن نشاهده وهو يقول: «في كل دقيقة هناك جريمة قتل». يصمت قليلاً ثم يقول: «الآن بينما أتكلم وقعت جريمة قتل».
جيرومايا شخصية مهمومة. ثلث ساعة الفيلم الأولى شرح للتفرقة العنصرية التي انتهت قانونياً لكنها ما زالت سارية بين البيض في جنوب أفريقيا: «الكبار ورثوا الجيل الثالث الكره. كلمات مثل (غبي) تطلق على الإنسان الأسود. لماذا؟ هل خطيئتنا إننا وُلدنا سود؟». ويلاحظ أن مرحلة «الأبارثايد» قوضت حياة الغالبية الأفريقية وما زالت تؤثر في حياتهم. يرى أن الجريمة، بكل أنواعها، تعود إلى أن شخصية المواطنين ذوي البشرة السوداء فقدوا مشاعر الحب والرعاية والوحدة بينهم بسبب الاضطهاد الذي عانوا منه.
ثم يذكر كيف أن البيض استأجروا أفراد قبائل زولو ليقتلوا أفراد القبائل الأخرى مقابل 20 دولارا للفرد: «داهموا منازل وقتلوا كل من فيها بمن فيهم الأطفال الرضع. اغتصبوا النساء وقتلوهن».
من حسن الحظ لا يبقى الفيلم ضمن دائرة التاريخ القذر للعنصرية. يبدأ الفيلم (ثانية) بعد نحو 20 دقيقة. امرأة تشكو لجيرومايا اختفاء طفلتها منذ ست سنوات وتبكي معاملة زوجها لها معتقداً أنها باعت طفلتها بعشرة زار (العملة المحلية التي لا تتجاوز 75 سنتاً أميركياً): «لا أحد يبيع طفله بمثل هذا المبلغ». نتيجة استماعه إليها هي وعده لها بأن يبحث عنها.
يتحول جيرومايا إلى محقق يشبه التحري الخاص. كيف يمكن له أن يجد طفلة يحمل صورتها وهي ما زالت رضيعاً بعد ست سنوات؟ كيف يمكن له أن يجدها وخطف الأطفال جريمة يومية تقع عدة مرات في اليوم الواحد؟
إذا ما كان جيرومايا (ثقيل الحركة وبدينا) يماثل - واقعياً - شخصية التحري الخاص في الأفلام الروائية من حيث المهمة الموكلة إليه، فإن جوهانسبيرغ تمثل الشوارع المنحطة التي في شيكاغو ونيويورك حيث الجريمة بدورها شائعة. أضواء الليل الخافتة. القمامة. الرجال والنساء الذين يعيشون على الأرصفة. صفير سيارات البوليس (التي لا نراها) و- في أكثر من مشهد - اندلاع طلقات نارية قريبة تفرق الناس بين فضوليين وهاربين.
يكشف الفيلم لنا أن العديد من الأطفال المختفين هم ضحايا ممارسات شيطانية. أحدهم يأتي بتفاصيل مخيفة. آخر يتسمر بعينين جاحظتين كونه عاش وسط عصابات المتاجرة بأعضاء الأطفال. والدين حاضر من العنوان وحتى أعماق جيرومايا ونظرته إلى حياة الآخرين المنقلبين.
جيرومايا لا يزال لديه أمل. يواصل حتى نهاية الفيلم مستعيناً بإيمانه الديني ومردداً أنه يشعر بالقوة كلما دعا الله لنجدته. لكن هذا لن يدرأ الخطر عنه وفي نهاية موحشة نراه يغيب في عتمة الليل. لقد سمع بأن الفتاة ما زالت حية لكنه قد يصل إليها أو قد لا يصل.
«سير مع الملائكة» موحش في واقعيته وطرحه لكنه في الوقت ذاته من أجمل الأفلام التسجيلية التي شوهدت في الآونة الأخيرة. متقن في منواله ولافت بصرياً بسبب تصوير إدارة تصوير في مكانهما الصحيح في كل مرة.

معاناة مزدوجة

في قسم «المسابقة الدولية للأفلام القصيرة» شاهد هذا الناقد فيلماً جيداً آخر. وهو فيلم أنيميشن قصير (16 دقيقة) تم تمويله من قبل هيئات أردنية وقطرية مع مشاركة فلسطينية. أخرجه الفلسطيني أحمد صالح متفنناً على أكثر من مستوى.
«ليل» هو ليل طويل آخر. نسمع صوت الممثلة هيام عباس وهي تحادث ابنتها: «لا تخافي يا صغيرتي. قد يؤخذ منا كل شيء. كل شيء لكن لا أحد سيأخذ منا الليل». يعد ذلك بطقس خطابي لكنه يتبدل سريعاً إلى بوح عن ألم العيش في ليل هو رمز للوضع الناتج عن الوضع في فلسطين. لا نرى مواجهات ولا أسلحة أو قذائف. ولا نسمع حتى كلمة فلسطين. نعم سنسمع صوت طائرات ومن بعيد صوت قذائف، لكن الفيلم يتحدث عن ليل طويل كان حط ذات يوم وما زال إلى اليوم.
هناك مشاهد لمنازل مهدمة ولا يحتاج المرء لكثير من التفكير ليعرف أن المقصود هو ما حدث في غزة مؤخراً. لا تعليق ولا خطابة بل عبارة عن رسم على الشاشة بشخصيات بأسلوب الدمى (للأشخاص رسم متكامل وحركة غير سريعة). فيلم متأمل. رقيق جداً. تحريك جيد وتداول بنثر يحمله صوت الأم وهي تتحدث لابنتها معتذرة عن واقع هي بدورها ضحية فيه.
الحديث عن الأمهات والأبناء يستمر في فيلم المسابقة «سولانج الصغيرة»: فيلم فرنسي لأكسيل روبرت التي سبق لها وأن عرضت في لوكارنو بعض أعمالها السابقة وذلك بدءاً بفيلم «تفاحة عيني» سنة 2016.
الفتاة هنا هي سولانج، (جَيد سبرينجر) ابنة الثانية عشر عاما التي تعيش، في البداية، في كنف والديها السعيدين. هذه السعادة تضمحل بمرور الأيام وتنضوي. سولانج تدرك ما يحدث وتخاف من نتائجه. تخشى أن يؤدي الوضع إلى انفصال وطلاق. المخرجة تستخدم الممثلة الصغيرة لترجمة ما تعايشه الشخصية من قلق ومخاوف. ما الذي سيحدث إذا تصدع البيت ثم تداعى.
هناك معاناتان في الفيلم. معاناة الفتاة سولانج ومعاناة المشاهد (أيما كان اسمه). الثانية ستنضوي بعد انتهاء الفيلم. الثانية ستبقى لحين كتابة هذا النقد بعد يومين من مشاهدته. المشكلة هي أن الفيلم قديم وإن انتمى إلى إنتاج هذه السنة. قديم المشكلة. قديم في وجهة النظر التي تعرض المشكلة وقديم في المعالجة الوضعية وغير الطموحة. زيادة في الاحتفاء بميراث الميلودراما، تقوم المخرجة باختيار مشاهد لا تضيف بل تستمر ويصاحب اللحن الموسيقي المطعم بالمقاطع المثيرة للضجر من البداية وفي كل الزيارات التي يقوم بها لاحقاً. كل هذا يخلق عملاً لا يمكن له أن يخلق علاقة عاطفية (من باب التعاطف) مع الوضع أو مع الشخصية التي قُصد بها أن تتحمل وزر أخطاء الكبار.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».