فتحي بن معمر: المثقف العربي انفعالي ولم يشكل رؤية أو موقفاً واضحاً

الكاتب التونسي يقول إن روايته «أَزَزْلَفْ» استشرفت ما يحدث في بلاده حالياً

فتحي بن معمر
فتحي بن معمر
TT

فتحي بن معمر: المثقف العربي انفعالي ولم يشكل رؤية أو موقفاً واضحاً

فتحي بن معمر
فتحي بن معمر

الكاتب والأكاديمي التونسي فتحي بن معمر، مختص أساساً باللغة والآداب والحضارة العربية. وهو حاصل على الماجستير من جامعة الزيتونة والدكتوراه من الجامعة نفسها برسالة عنوانها «أصل فكرة الشر من خلال كتاب أخنوخ وتجلياتها في اليهودية والمسيحية والإسلام». وفي اللغة الأمازيغية، له «تَنْفُسْتْ نَلْمِيرَاز»، وهو كما يذكر لنا، أول كتاب حول اللغة الأمازيغية يكتبه أمازيغي تونسي. وتكمن أهمية العمل في أنه «قدم قواعد النحو والصرف الأمازيغيين كما تستعمل اللغة اليوم، بالإضافة إلى بعض الاستعمالات الخاصة والبيان والمجازات والاستعارات وغيرها». وقد أصدر أخيراً رواية «أززلف» التي يقول إنه استشرف فيها ما يحدث في تونس حالياً. هنا حوار معه حول تجربته الأدبية والأكاديمية:

> في روايتك الأخيرة «أززلف»، اخترت أن يكون العنوان مفردة من اللغة الأمازيغية، ما هي دلالة ذلك الاختيار، خصوصاً أن الكلمة تعني بالعربية «حَرقان»؟
- «أزَزْلَفْ» بحسب منطوق قرية «قلالة» الأمازيغية بجزيرة جربة تعني ذلك الحُرَاق أو الالتهاب الذي يشعر به الإنسان في المريء يعتلج ويلتهب كالنار في الصدر. وهو المعروف طبياً بـ«الارتداد المريئي». وهو ذو دلالة كبيرة على اعتبار أن الرواية ومن خلال مسيرة أبطالها وشخصياتها ومصائرهم يعيشون ظروفاً صعبة نتيجة الاستبداد السياسي قبل 2011، وينبعث فيهم الأمل في الخلاص مع ثورة الشعب، لكن هذه الثورة يحولها الساسة إلى مغنم، فلا يكسب منها بطل الرواية «البشير» وغيره غير الآلام والحسرة التي وجدنا لفظة «أَزَزْلَفْ» هي الأصدق تعبيراً عن تلك الحالة من الالتهاب والحسرة التي تجيش في الصدور. إن مآل ما صورته الرواية والأحداث الأخيرة تثبت ذلك. فلا شيء يناله التونسي سوى حراق والتهاب وحشرجة عبر عنها طيلة عشر سنوات بغضب بما أتيح له من حرية التعبير التي صارت مهددة. وقد لا يبقى للشعب التونسي إلا جيشان الصدر وحراق المريء والحسرة، ولا أجد أصدق تعبيراً عندي من لفظة «أزَزْلَفْ» عن ذلك. ونحن في هذا نقتفي أثر شيخ الروائيين التونسيين البشير خريف، الذي يعتبر الدارجة التونسية أصدق تعبيراً في بعض المواقف، عندما سئل عن سبب استعمالها. فالكاتب قد ينتقي من محيطه ما يكون أصدق تعبيراً في اللغة والمواقف والسلوكيات والأبطال.
> يغرق «البشير» بطل الرواية في مبارزات فكرية لا تنتهي حول هوية تونس، وخياراتها السياسية، لكن الأمر ينتهي به مهزوماً على المستوى الجسماني والنفسي، فهل هي رؤية متشائمة نحو المستقبل؟
- لم ينهزم «البشير» في تقديري، بل كان يفكر بصوت عالٍ كاشفاً هواجسه التي يشترك معه فيها الكثير من التونسيين حين يفكرون في مآلات الثورة التونسية. هو بمعنى ما بطل إشكالي يسأل ولا يجيب، وإنما يدفعك بذكاء للإجابة، أو على الأقل لعدم الاطمئنان والبقاء على حذر وتأهب. وعلى هذا ليست في الرواية رؤية تشاؤمية بل فيها رؤية استشرافية تحاول أن تنبه لما يمكن أن يحصل وقد حصل بعضه للأسف الشديد بسبب ما شهدته تونس من مناكفات سياسية قد يدفع التونسيون بسببها الثمن باهظاً.
> ما دور المثقف هنا؟
- المثقف في أوطاننا لم يستطع للأسف وإلى حد الآن أن يشكل وعياً جمعياً يحمل هموم الوطن بصدق، كما لم يستطع أن يكون مثقفاً عضوياً فاعلاً ضمن طبقة من «الإنتلجنسيا» التي تحمل مشروع تغيير وطني واضح المعالم ينبجس من رحم الوطن، ولا ينقل نقلاً مباشراً بطريقة الإلصاق لما ينتجه الآخرون، وما يبنونه من مشاريع فكرية وحضارية، أو رؤى اقتصادية تصلح حلولاً ناجعة لأوطان غير أوطاننا، ويختلف واقعها عن واقعنا. لذلك فقد ظل المثقف انفعالياً متحمساً لم يستطع ولن يستطيع أن يشكل موقفاً واضحاً أو رؤية من كل القوى المتربصة لقطف ثمرات الحراك الشعبي وإغراق الأوطان في فاشية جديدة باسم الدين أو بقوة المال والاقتصاد، أو بدعوى التفويض الشعبي أو الانتخاب على قاعدة الإمضاء على صك على بياض.
> في نهاية الرواية، تقول «ابتسام» للبطل بكل مرارة وشجن: قتلتك محن هذا الوطن، فهل كنت ترثي الحالمين بالتغيير على الطريقة الرومانسية؟
- لم يكن الأمر رثاء للحالمين بالتغيير السلمي، بل تأكيد على أن الأمر يحتاج إلى وعي كبير في واقع تشابكت فيه المصالح وتقاطعت فيه أطماع القوى الإقليمية والدولية. وهي أيضاً تأكيد على أن الوطني الحق هو ذاك، يحمل هم الوطن دائماً، ولذلك صدح الشابي يوماً مخاطباً تونس الجميلة التي نريدها جميعاً: «شرعتي حبك العميق وقد تذوقت مرّه وقراحه».
> تبدو تونس الآن في مفترق طرق فكرياً وسياسياً، كيف ترى المشهد العام بعين المثقف؟
- أعتقد جازماً أن لا حل اليوم لتونس ولغيرها من الأوطان التي تتخبط مثلها إلا القبول بالتنوع والاختلاف والسعي لتنزيل قيم المواطنة الفاعلة على الأرض، وليس بالاكتفاء والاحتفاء بها في المنابر والحوارات والخطابات السياسية. فالمشكل في تقديري ليس في التنوع، بل في كيفية إدارة هذا التنوع والاستفادة منه حضارياً وفكرياً واقتصادياً وسلوكياً. فعندما يصبح الولاء الأول للوطن ستختفي كل الاحتقانات رغم الاختلاف والتنوع، والدليل على ذلك أن مواطنينا المختلفين في هوياتهم ورؤاهم ومشاربهم الفكرية والآيديولوجية عندما يندمجون في مجتمعات تسودها قيم المواطنة الفاعلة والحقة لا يشكلون مشكلاً، ولا يحدثون فوضى ولا يعرقلون، بل يساهمون بشكل فاعل في بناء أوطان غير أوطانهم وازدهارها.
> أنت بالأساس ابن البحث العلمي والتأصيل الأكاديمي في اللغة والتاريخ، فما الذي دفعك لعالم الإبداع الأدبي وبشكل متأخراً نسبياً؟
- أنا ابن كلية الآداب بمنوبة. ومتحصل على الأستاذية منها في اختصاص اللغة والآداب والحضارة العربية. ثم حاصل على الماجستير من جامعة الزيتونة في اختصاص الحضارة أيضاً بعنوان «الوصايا العشر وتجلياتها في التوراة والإنجيل والقرآن»، والدكتوراه من الجامعة نفسها برسالة عنوانها «أصل فكرة الشر من خلال كتاب أخنوخ وتجلياتها في اليهودية والمسيحية والإسلام». غير أني لم ألج عالم الإبداع متأخراً، بل كنت أكتب من زمان، لكنى لم أنشر نصوصي، ثم إني قارئ نهم وأكتب كثيراً حول ما أقرأ من نصوص في الرواية والقصة والشعر. إنه الغرام كتابة وقراءة ببساطة.
> «تنفاس سق جربة» واحد من أشهر مؤلفاتك، وهو عبارة عن حكايات أمازيغية من «جربة»، ما الخصوصية التي تمثلها تلك المدينة التونسية سواء بالنسبة لك أو للمثقف التونسي عموماً؟
- الكتاب عبارة عن عشر حكايات بلغتين صفحة بصفحة، حيث نجد على اليمين النص الأمازيغي وفي الصفحة المقابلة النص المترجم إلى اللغة العربية مرفوقاً بملف صوتي بصوت المؤلف. وهو محاولة لحفظ تراث المنطقة لغة وحكايات وثقافة وحضارة. أما جربة فهي تلك الجزيرة الحالمة «جزيرة الأحلام والنسيان» منذ أن وطئها «أوليس» وذاق جنوده إحدى ثمارها فرفضوا المغادرة كما تقول الأسطورة. وهي بالنسبة إليّ الهوية والانتماء أولاً، وهي عمق حضاري وتنوع ثقافي وتعايش سلمي يجسد ما أحلم به من تعايش وتقدم وازدهار لتونس الحبيبة. وهي بالنسبة لكثير من التونسيين جزيرة جميلة رائعة يتميز أهلها بالجدية والأخلاق الرفيعة واحترام الآخر.
> «تَنْفُسْتْ نَلْمِيرَاز»، كتاب آخر أصدرته يتضمن مقدمة لدراسة اللغة الأمازيغية التونسية المعاصرة، هل تكفي اللغة كي تكون وعاء للهوية؟
- الكتاب أكبر مما ذكرت، لأنه أول كتاب حول اللغة الأمازيغية يكتبه أمازيغي تونسي ناطق وممارس إلى اليوم للغته الأمازيغية. وتكمن أهمية العمل في أنه قدم قواعد النحو والصرف الأمازيغيين كما تستعمل اللغة اليوم، بالإضافة إلى بعض الاستعمالات الخاصة والبيان والمجازات والاستعارات وغيره. ولأن اللغة لا تمثل بمفردها وعاء للهوية ولا للثقافة فقد كانت في الكتاب نماذج من الأشعار والأمثال الشعبية والحكايات. وقد والينا العمل عليها في محاضراتنا ومقالتنا لأننا نعتقد أن اللغة ليست مجرد محمل من المحامل، بل هي رؤية للكون والوجود والمحيط والحياة.
> كيف توفق كباحث ومثقف بين انتمائك الأمازيغي وفضاءاتك العربية، وهل ثمة صراع أو تناقض في الهوية؟
- لا أعتقد أنه ثمة تعارض بين الاثنين. أنا وقسم من أبناء جيلي نشأنا في قرية تتكلم الأمازيغية وتعيش بها ولها وتسعى للحفاظ عليها، ودرسنا في بيئة تحفل بالثقافة العربية الإسلامية فكنا منها وصارت منا. فحينما أدافع عن هويتي الأمازيغية لا أعتقد أني أناكف ثقافتي العربية أو أعتدي على إسلامي أو ديني، أو أني أحدث بلبلة وانشقاقاً كما يدعي البعض، بل أعتقد جازماً أني أثري المجال التونسي باستعادة لغة وثقافة وحضارة أصيلة كادت تندثر، أو أُريد لها ذلك بترويج حكاية «تونس صاحبة ثلاثة آلاف سنة حضارة»، فتونس أعمق من ذلك، واللوبيون وأبناء الحضارة القبصية موجودون في تونس منذ أكثر من عشرة آلاف سنة.
> أخيراً كيف ترى العلاقة بين مثقفي المغرب العربي ونظرائهم في المشرق العربي، وهل ثمة إحساس ما بالتهميش لديكم لصالح المشرقيين؟
- المثقفون في المغرب الكبير يتميزون بهذه الهويات التي تجعلهم مختلفين عن نظرائهم في المشرق، وإن لم يشعروا بذلك. ومنذ القديم كان هناك تمايز بين مدارس الغرب الإسلامي ومدارس مشرقه في الفقه واللغة والأدب والفلسفة وسائر العلوم. ولا أعتقد أن هناك تهميشاً، بل هناك تسابق للمعرفة منذ القديم وبعض الأسماء التي تبرز هنا أو هناك تجد حظوتها في العدوتين المشرقية والمغربية.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.