فتحي بن معمر: المثقف العربي انفعالي ولم يشكل رؤية أو موقفاً واضحاً

الكاتب التونسي يقول إن روايته «أَزَزْلَفْ» استشرفت ما يحدث في بلاده حالياً

فتحي بن معمر
فتحي بن معمر
TT

فتحي بن معمر: المثقف العربي انفعالي ولم يشكل رؤية أو موقفاً واضحاً

فتحي بن معمر
فتحي بن معمر

الكاتب والأكاديمي التونسي فتحي بن معمر، مختص أساساً باللغة والآداب والحضارة العربية. وهو حاصل على الماجستير من جامعة الزيتونة والدكتوراه من الجامعة نفسها برسالة عنوانها «أصل فكرة الشر من خلال كتاب أخنوخ وتجلياتها في اليهودية والمسيحية والإسلام». وفي اللغة الأمازيغية، له «تَنْفُسْتْ نَلْمِيرَاز»، وهو كما يذكر لنا، أول كتاب حول اللغة الأمازيغية يكتبه أمازيغي تونسي. وتكمن أهمية العمل في أنه «قدم قواعد النحو والصرف الأمازيغيين كما تستعمل اللغة اليوم، بالإضافة إلى بعض الاستعمالات الخاصة والبيان والمجازات والاستعارات وغيرها». وقد أصدر أخيراً رواية «أززلف» التي يقول إنه استشرف فيها ما يحدث في تونس حالياً. هنا حوار معه حول تجربته الأدبية والأكاديمية:

> في روايتك الأخيرة «أززلف»، اخترت أن يكون العنوان مفردة من اللغة الأمازيغية، ما هي دلالة ذلك الاختيار، خصوصاً أن الكلمة تعني بالعربية «حَرقان»؟
- «أزَزْلَفْ» بحسب منطوق قرية «قلالة» الأمازيغية بجزيرة جربة تعني ذلك الحُرَاق أو الالتهاب الذي يشعر به الإنسان في المريء يعتلج ويلتهب كالنار في الصدر. وهو المعروف طبياً بـ«الارتداد المريئي». وهو ذو دلالة كبيرة على اعتبار أن الرواية ومن خلال مسيرة أبطالها وشخصياتها ومصائرهم يعيشون ظروفاً صعبة نتيجة الاستبداد السياسي قبل 2011، وينبعث فيهم الأمل في الخلاص مع ثورة الشعب، لكن هذه الثورة يحولها الساسة إلى مغنم، فلا يكسب منها بطل الرواية «البشير» وغيره غير الآلام والحسرة التي وجدنا لفظة «أَزَزْلَفْ» هي الأصدق تعبيراً عن تلك الحالة من الالتهاب والحسرة التي تجيش في الصدور. إن مآل ما صورته الرواية والأحداث الأخيرة تثبت ذلك. فلا شيء يناله التونسي سوى حراق والتهاب وحشرجة عبر عنها طيلة عشر سنوات بغضب بما أتيح له من حرية التعبير التي صارت مهددة. وقد لا يبقى للشعب التونسي إلا جيشان الصدر وحراق المريء والحسرة، ولا أجد أصدق تعبيراً عندي من لفظة «أزَزْلَفْ» عن ذلك. ونحن في هذا نقتفي أثر شيخ الروائيين التونسيين البشير خريف، الذي يعتبر الدارجة التونسية أصدق تعبيراً في بعض المواقف، عندما سئل عن سبب استعمالها. فالكاتب قد ينتقي من محيطه ما يكون أصدق تعبيراً في اللغة والمواقف والسلوكيات والأبطال.
> يغرق «البشير» بطل الرواية في مبارزات فكرية لا تنتهي حول هوية تونس، وخياراتها السياسية، لكن الأمر ينتهي به مهزوماً على المستوى الجسماني والنفسي، فهل هي رؤية متشائمة نحو المستقبل؟
- لم ينهزم «البشير» في تقديري، بل كان يفكر بصوت عالٍ كاشفاً هواجسه التي يشترك معه فيها الكثير من التونسيين حين يفكرون في مآلات الثورة التونسية. هو بمعنى ما بطل إشكالي يسأل ولا يجيب، وإنما يدفعك بذكاء للإجابة، أو على الأقل لعدم الاطمئنان والبقاء على حذر وتأهب. وعلى هذا ليست في الرواية رؤية تشاؤمية بل فيها رؤية استشرافية تحاول أن تنبه لما يمكن أن يحصل وقد حصل بعضه للأسف الشديد بسبب ما شهدته تونس من مناكفات سياسية قد يدفع التونسيون بسببها الثمن باهظاً.
> ما دور المثقف هنا؟
- المثقف في أوطاننا لم يستطع للأسف وإلى حد الآن أن يشكل وعياً جمعياً يحمل هموم الوطن بصدق، كما لم يستطع أن يكون مثقفاً عضوياً فاعلاً ضمن طبقة من «الإنتلجنسيا» التي تحمل مشروع تغيير وطني واضح المعالم ينبجس من رحم الوطن، ولا ينقل نقلاً مباشراً بطريقة الإلصاق لما ينتجه الآخرون، وما يبنونه من مشاريع فكرية وحضارية، أو رؤى اقتصادية تصلح حلولاً ناجعة لأوطان غير أوطاننا، ويختلف واقعها عن واقعنا. لذلك فقد ظل المثقف انفعالياً متحمساً لم يستطع ولن يستطيع أن يشكل موقفاً واضحاً أو رؤية من كل القوى المتربصة لقطف ثمرات الحراك الشعبي وإغراق الأوطان في فاشية جديدة باسم الدين أو بقوة المال والاقتصاد، أو بدعوى التفويض الشعبي أو الانتخاب على قاعدة الإمضاء على صك على بياض.
> في نهاية الرواية، تقول «ابتسام» للبطل بكل مرارة وشجن: قتلتك محن هذا الوطن، فهل كنت ترثي الحالمين بالتغيير على الطريقة الرومانسية؟
- لم يكن الأمر رثاء للحالمين بالتغيير السلمي، بل تأكيد على أن الأمر يحتاج إلى وعي كبير في واقع تشابكت فيه المصالح وتقاطعت فيه أطماع القوى الإقليمية والدولية. وهي أيضاً تأكيد على أن الوطني الحق هو ذاك، يحمل هم الوطن دائماً، ولذلك صدح الشابي يوماً مخاطباً تونس الجميلة التي نريدها جميعاً: «شرعتي حبك العميق وقد تذوقت مرّه وقراحه».
> تبدو تونس الآن في مفترق طرق فكرياً وسياسياً، كيف ترى المشهد العام بعين المثقف؟
- أعتقد جازماً أن لا حل اليوم لتونس ولغيرها من الأوطان التي تتخبط مثلها إلا القبول بالتنوع والاختلاف والسعي لتنزيل قيم المواطنة الفاعلة على الأرض، وليس بالاكتفاء والاحتفاء بها في المنابر والحوارات والخطابات السياسية. فالمشكل في تقديري ليس في التنوع، بل في كيفية إدارة هذا التنوع والاستفادة منه حضارياً وفكرياً واقتصادياً وسلوكياً. فعندما يصبح الولاء الأول للوطن ستختفي كل الاحتقانات رغم الاختلاف والتنوع، والدليل على ذلك أن مواطنينا المختلفين في هوياتهم ورؤاهم ومشاربهم الفكرية والآيديولوجية عندما يندمجون في مجتمعات تسودها قيم المواطنة الفاعلة والحقة لا يشكلون مشكلاً، ولا يحدثون فوضى ولا يعرقلون، بل يساهمون بشكل فاعل في بناء أوطان غير أوطانهم وازدهارها.
> أنت بالأساس ابن البحث العلمي والتأصيل الأكاديمي في اللغة والتاريخ، فما الذي دفعك لعالم الإبداع الأدبي وبشكل متأخراً نسبياً؟
- أنا ابن كلية الآداب بمنوبة. ومتحصل على الأستاذية منها في اختصاص اللغة والآداب والحضارة العربية. ثم حاصل على الماجستير من جامعة الزيتونة في اختصاص الحضارة أيضاً بعنوان «الوصايا العشر وتجلياتها في التوراة والإنجيل والقرآن»، والدكتوراه من الجامعة نفسها برسالة عنوانها «أصل فكرة الشر من خلال كتاب أخنوخ وتجلياتها في اليهودية والمسيحية والإسلام». غير أني لم ألج عالم الإبداع متأخراً، بل كنت أكتب من زمان، لكنى لم أنشر نصوصي، ثم إني قارئ نهم وأكتب كثيراً حول ما أقرأ من نصوص في الرواية والقصة والشعر. إنه الغرام كتابة وقراءة ببساطة.
> «تنفاس سق جربة» واحد من أشهر مؤلفاتك، وهو عبارة عن حكايات أمازيغية من «جربة»، ما الخصوصية التي تمثلها تلك المدينة التونسية سواء بالنسبة لك أو للمثقف التونسي عموماً؟
- الكتاب عبارة عن عشر حكايات بلغتين صفحة بصفحة، حيث نجد على اليمين النص الأمازيغي وفي الصفحة المقابلة النص المترجم إلى اللغة العربية مرفوقاً بملف صوتي بصوت المؤلف. وهو محاولة لحفظ تراث المنطقة لغة وحكايات وثقافة وحضارة. أما جربة فهي تلك الجزيرة الحالمة «جزيرة الأحلام والنسيان» منذ أن وطئها «أوليس» وذاق جنوده إحدى ثمارها فرفضوا المغادرة كما تقول الأسطورة. وهي بالنسبة إليّ الهوية والانتماء أولاً، وهي عمق حضاري وتنوع ثقافي وتعايش سلمي يجسد ما أحلم به من تعايش وتقدم وازدهار لتونس الحبيبة. وهي بالنسبة لكثير من التونسيين جزيرة جميلة رائعة يتميز أهلها بالجدية والأخلاق الرفيعة واحترام الآخر.
> «تَنْفُسْتْ نَلْمِيرَاز»، كتاب آخر أصدرته يتضمن مقدمة لدراسة اللغة الأمازيغية التونسية المعاصرة، هل تكفي اللغة كي تكون وعاء للهوية؟
- الكتاب أكبر مما ذكرت، لأنه أول كتاب حول اللغة الأمازيغية يكتبه أمازيغي تونسي ناطق وممارس إلى اليوم للغته الأمازيغية. وتكمن أهمية العمل في أنه قدم قواعد النحو والصرف الأمازيغيين كما تستعمل اللغة اليوم، بالإضافة إلى بعض الاستعمالات الخاصة والبيان والمجازات والاستعارات وغيره. ولأن اللغة لا تمثل بمفردها وعاء للهوية ولا للثقافة فقد كانت في الكتاب نماذج من الأشعار والأمثال الشعبية والحكايات. وقد والينا العمل عليها في محاضراتنا ومقالتنا لأننا نعتقد أن اللغة ليست مجرد محمل من المحامل، بل هي رؤية للكون والوجود والمحيط والحياة.
> كيف توفق كباحث ومثقف بين انتمائك الأمازيغي وفضاءاتك العربية، وهل ثمة صراع أو تناقض في الهوية؟
- لا أعتقد أنه ثمة تعارض بين الاثنين. أنا وقسم من أبناء جيلي نشأنا في قرية تتكلم الأمازيغية وتعيش بها ولها وتسعى للحفاظ عليها، ودرسنا في بيئة تحفل بالثقافة العربية الإسلامية فكنا منها وصارت منا. فحينما أدافع عن هويتي الأمازيغية لا أعتقد أني أناكف ثقافتي العربية أو أعتدي على إسلامي أو ديني، أو أني أحدث بلبلة وانشقاقاً كما يدعي البعض، بل أعتقد جازماً أني أثري المجال التونسي باستعادة لغة وثقافة وحضارة أصيلة كادت تندثر، أو أُريد لها ذلك بترويج حكاية «تونس صاحبة ثلاثة آلاف سنة حضارة»، فتونس أعمق من ذلك، واللوبيون وأبناء الحضارة القبصية موجودون في تونس منذ أكثر من عشرة آلاف سنة.
> أخيراً كيف ترى العلاقة بين مثقفي المغرب العربي ونظرائهم في المشرق العربي، وهل ثمة إحساس ما بالتهميش لديكم لصالح المشرقيين؟
- المثقفون في المغرب الكبير يتميزون بهذه الهويات التي تجعلهم مختلفين عن نظرائهم في المشرق، وإن لم يشعروا بذلك. ومنذ القديم كان هناك تمايز بين مدارس الغرب الإسلامي ومدارس مشرقه في الفقه واللغة والأدب والفلسفة وسائر العلوم. ولا أعتقد أن هناك تهميشاً، بل هناك تسابق للمعرفة منذ القديم وبعض الأسماء التي تبرز هنا أو هناك تجد حظوتها في العدوتين المشرقية والمغربية.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».