نجيب ميقاتي... الملياردير الوسطي... ومغامرة التكليف

يحاول قيادة سفينة الحكومة اللبنانية في ظروف استثنائية

نجيب ميقاتي... الملياردير الوسطي... ومغامرة التكليف
TT

نجيب ميقاتي... الملياردير الوسطي... ومغامرة التكليف

نجيب ميقاتي... الملياردير الوسطي... ومغامرة التكليف

لم تغرِ التصريحات التفاؤلية للرئيس المكلف تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة نجيب ميقاتي عارفيه بإمكانية تأليف سريع للحكومة، وهي المهمة التي عجز عنها اثنان، أحدهما هو «الرئيس الطبيعي» للحكومة سعد الحريري الذي فشل في التوافق مع رئيس الجمهورية ميشال عون على تشكيلة ترضيهما، فقرر الاعتذار بعد تسعة أشهر على تكليفه، وقبله فعل الشيء نفسه السفير مصطفى أديب، المقرب من ميقاتي، ليقترب لبنان من سنة كاملة بلا حكومة.
فالرئيس ميقاتي – كما يقول أحد معاونيه – يبحث دائماً عن الإيجابيات في كل المواقف، لكن المحير يبقى سبب قبوله تأليف الحكومة فيما يمكن أن يوصف بأنه «مهمة مستحيلة»؛ نظراً للتعقيدات التي تحيط بعملية التأليف. فالرئيس عون الذي لم يتزحزح عن مواقفه رغم كل الضغوط الناجمة عن الانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي ليس أكثر وداً مع ميقاتي مما كان عليه مع الحريري، بل يذهب البعض إلى العكس، خصوصاً أن فريق عون استقبل ميقاتي بحملة إعلامية تتحدث عن «ارتكابات وشبهات» تحيط بميقاتي.
ثم أن النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون المقربة من القصر الجمهوري وجهت ادعاءً رسمياً لميقاتي وأفراداً من عائلته ومصرفاً يمتلك أسهماً فيه، ونسبت إليهم ارتكاب جرم «الإثراء غير المشروع، عبر الحصول على قروض سكنية مدعومة من مصرف لبنان». ورد ميقاتي آنذاك بالدعوة إلى «إنقاذ عهد الرئيس عون». وقال في مؤتمر صحافي عقده، إن الادعاء عليه «رسالة وهي وصلت، وهي أن الكيل طفح منا ومن مواقفنا ومن دفاعنا عن الدستور و(الطائف)»، معتبراً أن ذلك يأتي رداً على امتناعه عن انتخاب عون قبل ثلاث سنوات «لذا سيتم البدء بي، والسيف سيكون فوق رقبتي».
ولد نجيب عزمي ميقاتي، في مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 1955، وتلقى تعليمه الجامعي في الجامعة الأميركية في بيروت، وتابع الدراسات العليا في «المعهد الأوروبي لإدارة الأعمال» في فرنسا وجامعة هارفارد في الولايات المتحدة. ولقد تربى ميقاتي في عائلة متماسكة «يحترم فيها الصغير الكبير ويحنو فيها الكبير على الصغير» كان والداه مثله الأعلى في الحياة. والكل يذكر الدموع التي ذرفها عند وفاة والدته، وقيادته بنفسه السيارة التي تحمل نعشها في رحلتها الأخيرة من بيروت إلى طرابلس. كذلك، يحمل نجيب لشقيقه الأكبر طه - الذي أخذ دور «جمع العائلة» لاحقاً - عاطفة كبيرة لا يتورع عن إظهارها في كل المناسبات. أما زوجته مي دوماني التي رافقته في حياته منذ كان في الـ23 من عمره، فهو يرد إليها «الفضل الأكبر في نجاحه وفي تربية الأولاد على المبادئ العائلية السليمة»، ولديهما ثلاثة أولاد.
وعن عائلته يقول «أنا نشأت في عائلة قوية الروابط، وكان والدَي على تفاهم تام. كنا عائلة متوسطة الحال، وكان اهتمامهما الأساسي هو تعليمنا، وبالفعل تلقينا نحن السبعة أفضل تعليم في أفضل المدراس والجامعات. وكان همهما تأمين كل ما نطلب وتوفير سبل الراحة لنا. ونحن أتينا من عائلتين كبيرتين لأمي وأبي، فكان لدينا رابط عائلي متين مع العائلة الكبرى من جانب الوالدين، وكنا دائماً على تواصل، خصوصاً في فصل الصيف، حيث كنا نصيّف مع كل أفراد العائلة الكبرى في بلدة حصرون بشمال لبنان، وكنا نترافق خلال فترة الصيف باللعب واللهو والطعام والسهرات، وهذا ما خلق رابطاً مشتركاً مع أفراد العائلة».

الاتصالات والأزياء والطيران
تصنف مجلة «فوربس» العالمية الشهيرة نجيب ميقاتي على أنه الرجل الأغنى في لبنان حالياً. جمع ثروته التي تفوق 3.3 مليار دولار أميركي من مجموعة من المشاريع والاستثمارات في لبنان وأفريقيا وأوروبا، أبرزها في قطاع الاتصالات الذي بدأ العمل فيه في عام 1982 مع شقيقه طه. لكن رجل الأعمال نجيب ميقاتي يرفض الحديث عن ثروته التي جمعها من خلال أعماله الناجحة حول العالم بدءاً من قطاع الاتصالات الذي قالت مجلة «فوربس» أنه درّ عليه وشقيقه طه 2.6 مليار دولار من الأسهم لكل منهما جراء صفقة بيع أسهم شركة «إنفستكوم» للاتصالات لشركة «إم تي ان» العالمية.
وللعلم، فإن «مجموعة ميقاتي غروب» باشرت عملية استثمار واسعة، أبرزها شركة «فاسونابل» المشهورة للأزياء بـ210 ملايين دولار، بالإضافة إلى شركة نقل جوي وعشرات الطائرات والعقارات. ولقد ساهم الرئيس ميقاتي في أوائل الثمانينات في تأسيس «إنفستكوم» التي أصبحت رائدة في عالم الاتصالات في الأسواق الناشئة في الشرق الأوسط وأفريقيا. واندمجت لاحقاً في شركة «إم تي إن» MTN العالمية بعد إدراج أسهم «إنفستكوم» في بورصتي لندن ودبي. ولقد بدأ ميقاتي العمل مع شقيقه طه الذي أسس شركة تتعاطى المقاولات الهندسية في أبوظبي، حيث كان بدأ العمل هناك منذ تخرجه عام 1968 في الجامعة الأميركية ببيروت. وإضافة إلى عمله، كان هاوياً لمعدات الاتصال، وكان يهوى تجميع هذه الآلات رغم أنه كان مهندساً مدنياً. وباتت الشركة موجودة في 20 دولة تقريباً. كما دخل الأخوان أيضاً عالم الطيران، حيث امتلكا عدداً كبيراً من الطائرات قاما باستثمارها مع شركات أخرى، بالإضافة إلى شركة طيران اسمها «فلاي بابو» تنطلق من سويسرا.

في عالم السياسة
لا يستغرب نقولا نحاس، النائب في البرلمان اللبناني وصديق رئيس الحكومة المكلف منذ الطفولة، وكذلك عضو كتلته البرلمانية، قبول ميقاتي مهمة تأليف الحكومة في هذه الظروف الصعبة؛ وذلك انطلاقاً من شخصيته. فميقاتي، حسب نحاس «دائماً كان سباقاً ولديه القدرة على الذهاب إلى أماكن قد لا تكون سهلة بالنسبة للآخرين». ويعتبر نحاس أنه ما من شخص يعرف ميقاتي عن قرب إلا وسيلاحظ شخصيته التواقة إلى المبادرة واستباق الأمور، هذا فضلاً عن قدرته على الاندماج مع الآخرين.
وتابع نحاس في حديث مع «الشرق الأوسط»، «أنّ ميقاتي سيقوم بكل جهده لتأليف حكومة انطلاقاً من شخصيته التي يتمتع بها والتي تتميز بقدرة عالية على التواصل مع الآخرين والذهاب إلى الآخر في المواضيع بهدف حلحلتها». قبل أن يضيف، أنّ ميقاتي «يعرف أن التجربة لن تكون سهلة فهو شبهها بمن يرمي نفسه بالحريق، ولكنّه يحاول تخفيف تمدّده، ولن يتلكأ طالما يرى إمكانية ولو ضئيلة لإنقاذ البلد، انطلاقاً من واجبه الوطني».
يضع نحاس الاتهامات الموجهة لميقاتي في ملفات الفساد في إطار «الاتهام السياسي المعروف الأصل»، مشدداً على أن القضاء هو الحَكَم، وليس الشائعات والاتهامات التي لا تمت للحقيقة بصلة. ويعتبر نحاس، أنه لا يمكن اتهام رجل أعمال أو سياسي بأنه فاسد بمجرد أن أخذ قرضاً غير مدعوم وليس من أموال الدولة، ولا سيما أن رجال الأعمال يعتمدون على القروض لتوسعة أعمالهم. وأرف أنّه إذا أردنا لصق تهمة الفساد بكلّ شخص أو سياسي أو رجل أعمال أخذ قرض لكان نصف اللبنانيين فاسدين.

كفى يا سعد!
وفي المقابل، لا يبدو ميقاتي أقل تشبثاً بمواقفه المناوئة لعون - الذي يأخذ عليه ميقاتي سعيه لتقويض صلاحيات رئاسة الحكومة -، بل إنه كان يأخذ على الحريري نفسه «تساهله» مع عون، وواقعة مغادرة عون جلسة مجلس الوزراء طالباً من رئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري ترؤس الجلسة، خير دليل على ذلك. حينذاك نقل وزير الإعلام بالوكالة بيار بو عاصي عن الرئيس الحريري «في ختام جلسة مجلس الوزراء نوّه رئيس الحكومة بفخامة رئيس الجمهورية الذي اضطر إلى مغادرة الجلسة طالباً من دولة رئيس مجلس الوزراء ترؤس الجلسة.
واعتبر رئيس الحكومة ثقة الرئيس به دليلاً على ثقة رئيس البلاد بالحكومة وبالمؤسسات الدستورية، وذلك يشكل سابقة إيجابية ودليل خير».
وسارع ميقاتي عبر «تويتر»، معبراً عن استغرابه واستهجانه، قائلاً «أمام هذا الكلام على لسان وزير الإعلام بالوكالة شعرت بالاستفزاز لأمرين: أولهما عدم الاطلاع الكافي على الدستور وثانيهما ما يصيب مقام رئيس مجلس الوزراء». وتابع «لذلك؛ أتوجه إلى دولة رئيس مجلس الوزراء بكل محبة واحترام وأقول له (كفى يا سعد)».
في الواقع، يعتقد كثيرون أن ميقاتي أقل ميلاً لتقديم التنازلات في مواجهة عون، وأكثر تصلباً من سعد الحريري نفسه. فالحريري صاحب «الشرعية السنية» كونه يرأس التيار السني الأكبر في البلاد والكتلة السنية الأكبر في البرلمان، وهو نجل الرئيس رفيق الحريري، في حين أن ميقاتي يكافح من أجل توسيع حاضنته الشعبية السنية التي بناها من الصفر، كما بنى ثروته الكبيرة. أما تجربته مع فريق رئيس الجمهورية وصهره جبران باسيل، فلم تكن سهلة للأخير.
ميقاتي تسلم رئاسة الحكومة في العام 2009 فيما عدّه الحريري آنذاك «ضربة غدر» مزدوجة، الأولى باستقالة وزراء عون وفريق 8 آذار حين كان الحريري في اجتماع مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، والأخرى قبول ميقاتي ترؤس الحكومة خلفاً له. واتخذ الحريري عندها موقفاً غاضباً من ميقاتي، لكن الأخير لم يغضب الحريري أكثر من ذلك، بل هو حمى «رجال الحريري» في السلطة، فرفض إقالة قادة أمنيين مقربين من الحريري، وأبقى عليهم إلى جانبه. ثم إنه استقال من رئاسة الحكومة بسبب معلن هو رفض العونيين و«8 آذار» تمديد ولاية أحدهم، كما لم يصدر عنه ما يمكن أن يعد تهاونا في مواجهة «8 آذار»، حتى أن أحد المقربين من باسيل وصفه بـ«العثماني» في تشدده. وهذا الموقف مهّد لاحقاً لمصالحة بين ميقاتي والحريري الذي دعم مرشح ميقاتي لرئاسة الحكومة مصطفى أديب أولاً، ثم ميقاتي نفسه حالياً، علماً بأنهما باتا عضوين في نادي «رؤساء الحكومات السابقين».

إشاعة الأجواء الإيجابية
مع هذا كله، يصرّ ميقاتي على إشاعة الأجواء الإيجابية، فبعد كل لقاء مع عون يتحدث عن تفاهم كامل، في حين يقول المطلعون على الموقف بينه وبين عون بأن «لا جديد تحت الشمس». وقال ميقاتي في أول حديث أجراه بعد تكليفه مع الزميل مرسال غانم، إنه يختلف عن الحريري في شخصيته، ويتفق معه في الموقف. وتابع «كل واحد عنده أسلوبه، ويمكن أسلوبي مريح ميشال عون» متسائلاً «لماذا يجب أن نعمل (مع عون) على طريقة (أم حرقوص وأبو حرقوص)، هو يحرقصني (يناكفني) وأنا أحرقصه (أناكفه)... لا بد من التعاون». وأشار إلى أنه «حتى الآن هناك تفاهم وتعاون كامل بيني وبين رئيس الجمهورية ومهمتنا إنقاذ لبنان ونحن على توافق على المعايير وإبقاء النقاط الخلافية جانباً ويجب أن نطرح أسماء مقبولة من الناس وتعطي أملاً وطموحاً بإمكان إجراء الإصلاح في البلد». لكن ميقاتي وجه رسائل لن تجعل مهمته سهلة في التأليف عندما قال: «لا يمكن أن تكون (وزارتا) الداخلية والعدل ملك فريق معيّن». ولفت إلى أن «الحقائب الأساسية للمرحلة المقبلة هي: الاقتصاد والمال، الداخلية والعدل، ووزارة الطاقة ويجب أن تكون مستقلة وأن تعمل بشكل وطني، ووزارة الاتصالات هي بترول لبنان ويجب أن تبقى كذلك».
ولا يخفي الوزير الأسبق ناظم الخوري، الذي كان وزيراً في حكومة ميقاتي عام 2011، أن الرئيس المكلف «يمتاز بقدرته على تدوير الزوايا»، لافتاً إلى أن هذه الصفة «اختبرتها فيه خلال هذه الفترة رغم معرفتي به منذ كنت نائباً في عام 2000، وكان في تلك الفترة وزيراً للأشغال العامة». يقول الخوري الذي حمل حقيبة وزارة البيئة في حكومة 2011 لـ«الشرق الأوسط»، «خلال فترة ترؤسه حكومة العام 2011، اكتشفتُ فيه شخصاً يمتلك القدرات، وفي مقدمها القدرة على تدوير الزوايا السياسية واجتراح الحلول وتطويق التباينات وحصرها».
ورغم أن ميقاتي كان رئيساً لحكومة كانت توصف بأنها حكومة «قوى 8 آذار»، يقول الخوري، إن الحكومة بالممارسة «تصرفت بطريقة مختلفة جداً، وأدارها بما يثبت أنها لم تكن حكومة (8 آذار) لأنه لم يطبق سياستها في ممارسته الحكومية»، مشدداً على أنه «شخص عروبي، ومدافع شرس عن عروبة لبنان واتفاق الطائف». ويوضح الخوري «أظهر ميقاتي أنه موضوعي، وفي ممارسته كان شرساً في الدفاع عن حقوق الطائفة السنية كممثل لها بالتركيبة الطائفية اللبنانية». وأشار إلى أنه «استطاع أن تكون له علاقات مع كل الأطراف، ويجيد حفظها»، معتبراً أن هذه الميزات «جعلته بعد عشر سنوات مرشح الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة الحالية».

العلاقات مع سوريا
ميقاتي الذي كان على علاقة اقتصادية مع سوريا قبل الأزمة السورية، استطاع فصل هذه العلاقة عن الملف المرتبط بالنازحين السوريين بعد اندلاع الحرب السورية، بحسب ما يقول الخوري، مشيراً إلى أن رئيس الحكومة في ذلك الوقت «كان موقفه وطنياً وإنسانياً وأخلاقياً... وفي الواقع برهن أنه وطني بكل مواقفه، ولم يكن متأثراً بعلاقته الاقتصادية (كمستثمر في قطاع الاتصالات في سوريا قبل الأزمة)، كما لم تكن مواقفه نابعة من مسايرة لدمشق بشهادة أشخاص عدة عايشوا تلك الحقبة». ويشير إلى أن ميقاتي «يحيط به فريق من المستشارين الذين يمتازون بكفاءاتهم العالية التي يستطيع أن يستفيد منها ويمتلكون رؤية، وقد اختبرنا ذلك في فترة توليه رئاسة الحكومة في السابق».
وبخلاف موقفه المتشدد من صلاحيات رئيس الحكومة كان ميقاتي من دعاة «الوسطية»؛ إذ يأخذ البعض على ميقاتي «طوباويته» في السعي إلى إقامة «الفكر الوسطي» في لبنان ومنه إلى العالم العربي، لكن ميقاتي يبرر اتجاه نحو «الوسطية» - التي تختلف عن أحزاب الوسط - بأنها «أتت على ضوء ما شهدناه في السنوات الماضية من الاتجاه نحو المزيد من التطرف والمواقف الغريبة عن أدائنا وعن روحنا العربية والإسلامية».
كذلك، يشدد ميقاتي على ريادة «التجربة اللبنانية» في مجال الوسطية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» في حديث سابق «إن ما شهدناه في لبنان يؤكد لنا أن هناك دائماً نقطة التقاء، وأنه لا يمكن حصول اللقاء إذا لم يتقدم كل طرف نحو الآخر للقاء في منتصف الطريق... فلماذا لا نوفر على أنفسنا وعلى الناس مشقة التجربة مراراً وتكراراً ونوفر المزيد من الدماء والعنف والتشنج.
في لبنان، النموذج هو اتفاق الطائف، وهناك قضايا عربية أخرى ملحة كالموضوع الفلسطيني والموضوع العراقي، ولا بد دائماً من حل وسط يرضي الجميع».
ويرفض ميقاتي الاتهامات الموجهة إلى الوسطية بأنها رمادية ويعتبر أن الوسطية في الأمور الأساسية هي قمة الجرأة، مشيراً إلى أنه لا يوجد وسطية في قضية فلسطين بين المحتل ومن هو تحت الاحتلال... ويقول «الوسط هو المكان الذي يلتقي فيه الجميع؛ لأن الالتقاء عنصر أساسي في تقريب وجهات النظر، نحن في حاجة إلى المزيد من الاستقرار والاتفاق؛ فالخلافات الداخلية أمر ندفع ثمنه دائماً. لبنان نموذج للوسطية...عندما تضع نفسك مكان الآخر، والعكس حتماً سنصل إلى حلول».



«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».