وزير التخطيط اليمني: ثلث أموال المانحين يذهب نفقات إدارية للمنظمات

باذيب أكد لـ«الشرق الأوسط» توفير اللقاح لأكثر من 20 % من السكان... وأشاد بالدعم السعودي «الفريد»

وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني الدكتور واعد باذيب (سبأ)
وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني الدكتور واعد باذيب (سبأ)
TT

وزير التخطيط اليمني: ثلث أموال المانحين يذهب نفقات إدارية للمنظمات

وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني الدكتور واعد باذيب (سبأ)
وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني الدكتور واعد باذيب (سبأ)

أوضح وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني الدكتور واعد باذيب أن الحكومة تبحث مع المانحين بدائل للمنظمات التي ترفض تقديم كشف حسابات لأدائها في اليمن، متحدثاً عن وجود منظمات محلية وطنية يشهد لها بالنزاهة والاستقلالية.
وكشف باذيب في حوار مع «الشرق الأوسط» أن وزارته استطاعت خلال الأشهر الستة الأخيرة حشد 500 مليون دولار لبرامج تنموية في البلاد، يتم تنفيذها عبر منظمات أممية.
وثمن الوزير الدعم التنموي الفريد المقدم من السعودية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، مبيناً أن العمل جارٍ مع البرنامج للتخطيط والحشد لتنفيذ منظومة متكاملة من الدعم الشامل في جميع المجالات التنموية والإنسانية والاقتصادية والخدمية ودعم استقرار العملة وتوفير الوقود. كما تطرق إلى العديد من الملفات الهامة.
- الأولويات المنجزة
وأكد باذيب أن وزارته «عملت منذ اليوم الأول على المساهمة الفاعلة في إعداد الإطار العام للبرنامج الحكومي ومساراته وترجمته من خلال إعداد الدراسات لتحديد الوضع القائم في القطاعات المختلفة ومساندة تطوير السياسات القطاعية وإعداد الرؤية والسياسات الوطنية بالتعاون مع الوزارات من أجل تطوير وضمان وتكامل السياسات القطاعية ومواءمتها مع إطار الإنفاق متوسط المدى».
ولفت إلى أن الوزارة أعدت البرنامج الاستثماري للعام الحالي وتتولى متابعته، «وفق أسس تضمن مواءمة الاحتياجات وأولويات الحكومة... كما عملنا على توسيع علاقات التعاون الإنمائي مع شركاء اليمن، وتسريع تنفيذ المشاريع الجاري تنفيذها واستئناف المشاريع المتوقفة والمعلقة، وتفعيل آليات التواصل والتنسيق مع شركاء اليمن من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، والشروع في إعداد إطار برنامج إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي الشامل والرؤية الاستراتيجية».
واستطاعت الوزارة، بحسب باذيب، «توفير تمويلات هامة تخص برامج الحماية الاجتماعية ودعم المشروعات المتوسطة والصغيرة، وتوفير التمويلات اللازمة للنهوض بقطاعي الزراعة والأسماك والخدمات الأساسية، إذ يقدر إجمالي ما تم حشده للجانب التنموي خلال الأشهر الستة الماضية أكثر من 500 مليون دولار (لبرامج) يتم تنفيذها عبر منظمات أممية».
وأكد الوزير أنهم يسعون إلى «إجراء تصحيح شامل للعمل الإنساني والإغاثي في اليمن، والرقابة على المنظمات الدولية العاملة والتشديد على انتهاج مبدأ الشراكة والشفافية والاستقلالية واللامركزية في توزيع المساعدات الإغاثية المنقذة للحياة وربطها بالجانب التنموي»، مشيراً إلى البدء بأتمتة عمل المنظمات من خلال إنشاء برنامج النافذة الواحدة الذي يتم عبره تسجيل المنظمات واعتماد جميع اتفاقياتها الفرعية وتسهيل خدمات الإعفاءات والتصاريح «بكل شفافية واستقلالية، إذ يسهل هذا انسيابية العمل وسهولة الإشراف والرقابة على أداء المنظمات».
- الوضع الغذائي في البلاد
وحذر الوزير من أن وضع الأمن الغذائي في اليمن «يتفاقم بسبب استمرار الاعتداءات وعدم رضوخ جماعة الحوثي لوقف إطلاق النار والجلوس على طاولة المفاوضات، إلى جانب الآثار المتعلقة بجائحة (كورونا) والفيضانات وتفشي الجراد الصحراوي والانهيار الاقتصادي وانخفاض المساعدات الإنسانية».
ولفت إلى أن الفئات السكانية الضعيفة أصبحت غير قادرة على التكيف مع الأزمة بشكل متزايد. وتابع: «وفقاً لتوقعات التصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي الحاد للفترة من يناير (كانون الثاني) إلى يونيو (حزيران) 2021 يعاني 16.2 مليون شخص من الجوع منهم حوالي 5 ملايين شخص على حافة المجاعة وحوالي 50 ألف شخص يواجهون بالفعل ظروفاً أشبه بالمجاعة».
وأوضح أن الوزارة تبذل جهوداً «لإنشاء صندوق ائتماني يغطي نفقات التأمين على البواخر التي صنفت الموانئ اليمنية عالية الخطورة»، مشيراً إلى أن ذلك «سيؤدي إلى تخفيض تكلفة وقيمة السلع وانخفاض أسعارها... كما نعمل على توفير مشاريع جديدة خاصة بالمستشفيات والمدن التعليمية في عدن وحضرموت والمهرة مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي، وإنشاء كليات المجتمع، وهو ما نقوم بإعداده مع الصندوق الكويتي للتنمية لإحدى عشرة كلية».
- التحديات الراهنة
ويعتقد باذيب أن من أهم التحديات الراهنة هو تعزيز الشراكة مع المجتمع الدولي والمانحين الرئيسيين في توفير البيئة الملائمة لاستئناف نشاطهم المباشر من العاصمة المؤقتة عدن والعمل على جلب فرص الاستثمار والشراكة الفاعلة مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني للنهوض بالوضع الاقتصادي والتنموي.
كما يرى أن عودة الحكومة والاستقرار السياسي يمثلان «مطلباً حقيقياً سيعزز خلق بيئة جاذبة لعودة المنظمات والصناديق المانحة إلى عدن»، مطالباً المنظمات والدول المانحة بتخفيض اشتراطاتها ومساعدة الأطراف السياسية في العودة لروح اتفاق الرياض لتهيئة البلاد للعمل والتعافي، لافتاً إلى جهود ومحاولات يقوم بها شخصياً لرأب الصدع وتقريب وجهات النظر بين الأطراف.
- أموال المانحين
ويشدد الوزير على أن «الحكومة لا تتلقى أياً من أموال المانحين، وإنما يتم توزيعها عبر منظمات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمحلية. وتسعى وزارتنا لمتابعة وتسهيل عمل تلك المنظمات الدولية المنفذة على الأرض مع تنفيذ مسوحات الاحتياجات لبعض تلك القطاعات مع المنظمات المنفذة». وقال: «كما تعلمون، خلال مؤتمر المانحين الذي نظمته الأمم المتحدة وحكومتا السويد وسويسرا في بداية مارس (آذار) 2021، تم الالتزام من الدول المانحة بتقديم 1.67 مليار دولار للعام الحالي، موزعة وفق متطلبات خطة الاستجابة الإنسانية على قطاعات تخص التدخلات الطارئة في الأمن الغذائي والزراعة والتغذية والصحة والمياه والإصحاح البيئي والحماية ودعم مخيمات النازحين واللاجئين... ما زلنا نعمل وننتظر استعادة الثقة بالحكومة من المانحين للتعامل معها مباشرة بدلاً من الأطراف الثالثة بسبب وضع الصراع أو عبر المنظمات الدولية للتنفيذ، ونحاول دعم آليات التنفيذ على الأقل من خلال الشراكة مع مؤسساتنا الوطنية لنخفف ما ينفق، وهو أكثر من ثلث المبالغ في نفقات إدارية لطواقم المنظمات ومصاريفها الإدارية».
وانتقد معظم المنظمات الدولية العاملة في اليمن التي اشتكى من أنها «لا ترسل لنا كحكومة تقارير أنشطتها ومستوى التنفيذ رغم مخاطبتنا لها ولقيادة البنك الدولي أكثر من مرة. كما طالبنا مراراً وتكراراً إجراء التحويلات النقدية والعمليات المصرفية المرتبطة بالمساعدات والمنح عبر البنك المركزي، وقد بُحّ صوتنا ونحن نطالب بذلك. وفي الوقت ذاته نقدر بعض الاشتراطات المطلوبة من المنظمات كتقديم تقارير المراجعة للبنك المركزي ومعالجات أخرى وضعها المانحون، لكن يمكن أن تبدأ خطوات التمويلات والتحويلات بشفافية تضمنها الحكومة اليمنية». ووفقاً للدكتور باذيب، يبلغ عدد المنظمات غير الحكومية الدولية المسجلة لدى وزارة التخطيط والتعاون الدولي أكثر من 90 منظمة تنتمي إلى أكثر من 20 دولة، إضافة إلى حوالي أكثر من 17 منظمة أممية موقعة اتفاقية مقر مع وزارة الخارجية.
- تقارير أداء المنظمات
وأوضح أن ضعف آليات الرقابة والتقييم المباشرة من قبل المانحين الموجودين خارج اليمن وتفويضهم لتنفيذ برامجهم ومشاريعهم أطرافاً ثالثة ممثلة بالمنظمات الدولية العاملة في اليمن، أدى إلى «ضعف فاعلية البرامج التي تقدم للمستفيدين وظهور حالات فساد وارتفاع نسبة الرسوم الإدارية، كما أن هناك تضارب مصالح يؤثر على دقتها». وأضاف «لا يتم تقديم تقارير تدقيق حسابية لأغلب المشاريع ولا مشاركة مراجعتها مع الحكومة مع ظهور حالات فساد أعلنت عنها العديد من المنظمات الأممية في السنوات الماضية رغم مراسلتنا المستمرة للمنظمات الأممية بذلك، وتذرعها باتفاقيات سابقة عفا عليها الزمن وصار لزاماً تجديدها». وتابع: «بسبب ما تطرقت له وبسبب الرسوم الإدارية العالية وعدم التنسيق المسبق بين المانح والحكومة اليمنية، بدأنا التنسيق مع العديد من المانحين لإيجاد البدائل وأهمها المؤسسات المحلية والوطنية التي يشهد لها الجميع بنزاهتها واستقلاليتها مع دعم التحول النوعي من الإغاثة إلى التنمية».
وكشف الوزير عن جهود حالية لإجراء مراجعة استراتيجية دورية مع أصحاب المصلحة والحكومة، للكيفية التي تدار وتمول بها خطة الاستجابة الإنسانية، لترتبط فاعليتها بقدرتها على تقديم الاحتياجات والخدمات لليمنيين ويكون لديها نموذج نمو اقتصادي شامل يدعم خلق فرص العمل.
وربط توسيع الشراكات بأن «يشمل المؤسسات المحلية والقطاع الخاص لا سيما في إجراءات تعزيز الأمن الغذائي، وتوفير السلع الغذائية الأساسية للمواطنين بأسعار معقولة في جميع مناطق الجمهورية اليمنية».
وأضاف أنهم يقومون حالياً بالبدء بمصارفة الأموال في حسابات المنظمات الدولية من الدولار إلى الريال اليمني بإشراف البنك المركزي في عدن، «بما يضمن حصول تلك المنظمات على أفضل الأسعار في السوق».
- التعاون مع البرنامج السعودي
وعبر باذيب عن تقدير اليمن عالياً للدعم الإنساني والتنموي المقدم من قبل المملكة العربية السعودية في مؤتمرات الاستجابة الإنسانية أو خارج خطة الاستجابة في مجالات التنمية والتعافي الاقتصادي وغيره عبر المؤسسات والصناديق المختلفة، سواء مباشرة عبر مركز الملك سلمان للأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن والصندوق السعودي للتنمية والبنك المركزي السعودي والمؤسسات الحكومية الأخرى، أو بشكل غير مباشر عبر المنظمات والصناديق الدولية والإقليمية. وقال: «أثمن الدعم التنموي الفريد المقدم من السعودية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في إطار التزام المملكة بمساندتها المستمرة للشعب اليمني، ونعمل مع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن للتخطيط والحشد لتنفيذ منظومة متكاملة من الدعم الشامل الذي تقدمه المملكة في جميع المجالات التنموية والإنسانية والاقتصادية والخدمية ودعم استقرار العملة وتوفير الوقود».
- دعم الموانئ
ودعا المجتمع الدولي إلى دعم قطاع الطرق والموانئ «لتسهيل إمدادات الإغاثة ووصول الغذاء والدواء وتجاوز الضغوطات على حركة الموانئ بسبب الحرب». وقال: «نطلب دعماً عاجلاً واستثنائيا لميناء عدن وميناء المكلا، وهو من أولويات الدعم المطلوبة للتحول من الإغاثة إلى التنمية نتيجة للضغط عليهما، إذ أصبحا المنفذين البحريين الرئيسيين لأغلب الواردات في الجمهورية اليمنية».
- لقاحات «كورونا»
وتحدث باذيب عن إعداد خطة وطنية شاملة لنشر وتوزيع لقاح «كورونا» وتحديد الفئات ذات الأولوية لتلقي اللقاح والكميات المطلوبة. وقال: «بدأت مبادرة كوفاكس بتوفير لقاحات لما يقارب 20 في المائة من السكان (نحو 7 ملايين جرعة) ووصلت الدفعة الأولى المكونة من 360 ألف لقاح في مارس الماضي، وبدأت إجراءات التطعيم في بداية أبريل (نيسان)، كما قام البنك الدولي بتغطية المصاريف الإدارية بمبلغ 6 ملايين دولار لعدد 2 مليون لقاح».
وتابع أن «الولايات المتحدة وفرت 504 آلاف جرعة ستصل قريباً عبر حلف كوفاكس. وهناك حاجة لتوفير لقاحات للعدد المتبقي المقدر بحوالي 80 في المائة من السكان شاملة المصاريف التشغيلية التي نتطلع إلى دعمها وتغطيتها من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية».


مقالات ذات صلة

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

العالم العربي رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي (سبأ)

العليمي يعلن انطلاق «فجر اليمن» لاستعادة صنعاء وإنهاء انقلاب الحوثيين

أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، الاثنين، انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها اسم «فجر اليمن»، بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وحدات من قوات ألوية العمالقة (إعلام عسكري)

قوات العمالقة و«درع الوطن» تتقدم نحو ذوباب قرب باب المندب

تُواصل قوات «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» تقدمها في مناطق محيطة بمضيق باب المندب، وسط معارك عنيفة مع جماعة «الحوثي» بمنطقة ذوباب، بالتزامن مع عمليات عسكرية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

تكشف الهجمات الصاروخية الحوثية عن نمط استهداف لعمق سيطرة القوات الحكومية بوصف ذلك تمهيداً للتقدم الميداني بضرب المنشآت الحيوية وإرهاب السكان ومراكز الإمداد

وضاح الجليل (عدن)
خاص بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ) p-circle

خاص قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إن سيطرة الحوثيين على باب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

محمد محمود (القاهرة)

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
TT

استثمارات ناجحة تُظهر «وجهاً مُشرقاً» للوجود السوداني في مصر

أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)
أسرة سودانية فرَّت من الحرب إلى مصر (منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»)

وجه آخر للوجود السوداني في مصر، أظهره تدفق الاستثمارات ورؤوس الأموال في قطاعات اقتصادية متنوعة، ليغيِّر صورة تقليدية بشأن أعباء الوافدين، وبينهم تجمعات السودانيين الفارين من الحرب.

وانتقل عديد من رؤوس الأموال السودانية للاستثمار في مصر بعد الحرب التي اندلعت منتصف أبريل (نيسان) 2023، حسب مصادر سودانية، تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، عن حجم الأعمال السودانية في السوق المصرية، وقدَّرتها بملايين الدولارات، يتركز الجزء الأكبر منها في السوق العقارية، إلى جانب نشاط صناعي وتجاري.

وبسبب الحرب السودانية، بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، فرّ نحو مليون و200 ألف سوداني، إلى المدن المصرية، حسب إحصائيات رسمية، إلى جانب ملايين آخرين يعيشون في ربوع مصر منذ سنوات.

إحدى رحلات قطار عودة السودانيين من القاهرة (مجلس الوزراء المصري)

وأثار ازدياد الوجود السوداني في الأحياء المصرية، جدلاً واسعاً، على وقع بعض الانتقادات الإعلامية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في بداية الحرب بسبب «التكتلات السودانية» في مناطق شعبية، وتأثيرها على «ارتفاع إيجارات الوحدات السكنية» والضغط على موارد الدولة.

وأشاد رئيس «مجلس السيادة» السوداني، الفريق عبد الفتاح البرهان، خلال لقائه مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في مدينة العلمين (على ساحل المتوسط)، الأحد الماضي، بدعم القاهرة السياسي والإنساني لبلاده، وثمن «استضافة أعداد كبيرة من السودانيين الذين اضطروا لمغادرة بلادهم بسبب الحرب»، حسب الرئاسة المصرية.

وتراجعت موجة الانتقادات للوجود السوداني المكثف، بعد ازدياد أعداد العودة الطوعية للسودانيين إلى بلادهم خلال الأشهر الأخيرة، بتسهيلات من سلطات البلدين، غير أن هذه الرحلات لم تسفر عن عودة جميع الفارين من الحرب، خصوصاً بعد ارتباط عديد من الأسر السودانية بالإقامة في مصر، لاعتبارات الدراسة لأبنائهم، أو انخراطهم في أعمال داخل البلاد.

ولا توجد قدرة دقيقة على إحصاء حركة رؤوس الأموال السودانية بشكل إجمالي، ذلك أن جزءاً كبيراً من الأعمال يتم خارج المسارات الرسمية، وفق السفير المصري الأسبق في السودان حسام عيسى، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان، تدفع كثيراً من السودانيين إلى إدارة رؤوس أموالهم بعيداً عن التحويلات البنكية».

عشرات السودانيين قبل انطلاق إحدى رحلات العودة للبلاد عام 2025 (مجلس الوزراء المصري)

ويرى عيسى أن «الشواهد الخاصة باستثمارات السودانيين في مصر تشير إلى أن استثماراتهم تقدَّر بملايين الدولارات، بالنظر إلى طبيعة وخصائص المقيمين في مصر حالياً»، مشيراً إلى أن «نسبة كبيرة من النخب ورجال الأعمال وكبار المسؤولين وسفراء ورؤساء الأحزاب يشكلون نسبة كبيرة من الوجود السوداني حالياً، وغالبيتهم لجأوا إلى الاستثمار في العقارات في المقام الأول»، إلى جانب «الاستثمار في قطاعات أخرى، مثل تجارة الخدمات».

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال حسن الخطيب، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري، إن حجم الاستثمارات السودانية في مصر بلغ نحو 79 مليون دولار خلال عام 2024، بنمو قدره 39 في المائة مقارنةً بالعام السابق.

وأضاف خلال فعاليات منتدى الأعمال المصري - السوداني، أن أكثر من 3320 شركة سودانية تعمل في السوق المصرية، مما يعد مؤشراً إيجابياً على تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين.

ولم يقتصر الوجود السوداني بعد الحرب على العاصمة القاهرة ومدن رئيسية مثل الإسكندرية (شمالاً)، أو أسوان (جنوباً)، لكنه امتد ليشمل غالبية المدن الجديدة، وفق الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية السودانية، عباس علي السيد، الذي قال إن «كثيراً من الأسر فضلت البقاء في محل إقامتها بمصر وعدم العودة رغم تحسن الأوضاع في بعض الولايات بالسودان لأنها ارتبطت بأعمال واستثمارات داخل البلاد».

ويتصدر القطاع العقاري استثمارات السودانيين وفق تقدير السيد، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «إلى جانب السوق العقارية، ارتفعت أعمال السودانيين في المجال الصناعي والتجاري، فمعظم الصناعات السودانية أقامت خطوط إنتاج بشراكات مع مصانع مصرية، لا سيما في المنتجات الغذائية»، إلى جانب «أنشطة صغيرة في التجارة والخدمات».

الملتقى المصري - السوداني لرجال الأعمال عام 2024 (مجلس الوزراء المصري)

وأصبحت مصر من الوجهات الأولى لحركة رؤوس الأموال السودانية ما بعد الحرب، وفق تقدير المستشار الاقتصادي ومدير مركز المعلومات بوزارة المالية السودانية سابقاً، عادل عبد العزيز الفكي، الذي قال إن «الروابط الاقتصادية القديمة والقرب الجغرافي، ساعدا في انتقال عديد من الاستثمارات السودانية إلى السوق المصرية».

ويرى الفكي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الاتجاه الأول في الاستثمار كان في السوق العقارية، بالنظر إلى مكاسبه المضمونة»، لكنه أشار إلى أن «هناك عديداً العلامات التجارية السودانية انتقلت للتصنيع في مصر، حيث أصبحت موطناً لها، منها اللحوم المجمدة والسلع الغذائية مثل السمسم والطحينية»، مشيراً إلى أن «هذه المنتجات يتم توزيعها على الجالية المقيمة في مصر، ويذهب الجزء الآخر منها إلى السودان».

واستضافت القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، الملتقى المصري-السوداني لرجال الأعمال من البلدين، لبحث إقامة مشروعات استثمارية مشتركة في السوق المصرية، خصوصاً في مجالات التصنيع والنقل والموانئ.

ويتركز أغلب استثمارات السودانيين في السوق العقارية، في المدن الجديدة، خصوصاً مناطق «التجمع الخامس والرحاب ومدينتي» (شرق القاهرة)، وفق مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، الذي قال إن «الاستثمار السوداني في السوق العقارية المصرية ليس جديداً، لكنه كان يتركز قبل الحرب، في أحياء القاهرة والجيزة الرئيسية مثل الزمالك والمهندسين وفيصل».

من رحلات العودة الطوعية للسودانيِّين إلى بلادهم (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

وإلى جانب السوق العقارية والصناعات التحويلية، تتجه استثمارات السودانيين إلى المراكز التعليمية والمدارس الخاصة، وفق المغربي، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك عديد من المراكز التعليمية التي ما زالت تمارس نشاطها داخل مصر لأبناء الجالية، رغم قيام السلطات المصرية بإغلاق المدارس التي لا تنطبق عليها معايير النشاط التعليمي داخل البلاد».

وشملت إجراءات الإغلاق مدرسة «الصداقة» التي دشنتها السفارة السودانية بالقاهرة في عام 2016، ومدارس خاصة، قبل أن تعلن السفارة السودانية بالقاهرة، استئناف الدراسة في مدرسة «الصداقة» مرة أخرى، بدايةً من ديسمبر 2024.


2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
TT

2750 عملية خلال يوم واحد... و«فجر اليمن» تضيّق الخناق على الحوثيين

جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)
جنود من ألوية العمالقة الحكومية اليمنية خلال حملتهم ضد الحوثيِّين قرب باب المندب (أ.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها السادس، السبت، على وقع اتساع الضربات الجوية التي تستهدف القدرات العسكرية للحوثيِّين، بالتوازي مع استمرار تقدُّم القوات الحكومية في الساحل الغربي ومأرب، في وقت أحبطت فيه ألوية العمالقة هجوماً للجماعة شمال مطار ذوباب، بينما لا تزال مئات العناصر الحوثية متحصنة في جيوب خلف الألغام والخنادق في منطقة باب المندب وجزرها.

وتعكس التطورات انتقال المعركة إلى مرحلة ملاحَقة ما تبقَّى من جيوب المقاومة الحوثية في المواقع التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها لتثبيت المكتسبات، مع استمرار محاولات الجماعة فك الحصار عن عناصرها، وسط تقدُّم عسكري حذر يستهدف استكمال تطهير المنطقة وتثبيت المكاسب الميدانية، بالتزامن مع ضربات جوية تتجاوز خطوط المواجهة إلى مواقع عسكرية ومخابئ للصواريخ في عمق مناطق سيطرة الحوثيِّين.

وفي أحدث التطورات الميدانية، تصدَّت ألوية العمالقة الجنوبية لهجوم شنَّته الجماعة الحوثية على مواقعها شمال مطار ذوباب، وكبَّدتها خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع غارات لطيران «تحالف دعم الشرعية» استهدفت تعزيزات عسكرية دفعت بها الجماعة إلى المنطقة، في محاولة لتعزيز مواقعها ومساندة عناصرها المُحاصَرة.

القوات الحكومية اليمنية تسعى إلى تأمين باب المندب ومواصلة معركة الساحل الغربي (أ.ب)

وتأتي المواجهات غداة عملية واسعة استهدفت استكمال تحرير ما تبقَّى من منطقة باب المندب والجزر التابعة لها، حيث تواصل الوحدات العسكرية عمليات التمشيط والتعامل مع الألغام والتحصينات، وسط تقديرات بوجود مئات من العناصر الحوثية في جيوب متفرقة، ما يجعل استكمال التطهير وتثبيت السيطرة أولوية ميدانية في المرحلة الحالية.

ضربات في العمق

بالتوازي مع المعارك البرية، أعلن الجيش اليمني تنفيذ أكثر من 2750 عملية استهداف دقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، طالت تحصينات ومواقع دفاعية ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومخازن أسلحة وذخائر ومستودعات إمداد وتموين وتعزيزات عسكرية للحوثيِّين في مختلف محاور القتال.

وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات التي نُفِّذت في إطار «فجر اليمن» شملت أيضاً أهدافاً عسكرية، وصفها بـ«المشروعة وعالية القيمة»، في عمق مناطق سيطرة الجماعة.

المسلحون الحوثيون يتعرَّضون لحملة جوية واسعة في مناطق سيطرتهم كافة (إعلام عسكري)

وأوضح أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1400 عنصر حوثي، وتدمير أو إعطاب أكثر من 250 آلية ووسيلة قتالية ومعدة عسكرية، بما أضعف قدرة الجماعة على المناورة والإسناد ومواصلة عملياتها القتالية.

وأضاف النزيلي أن القوات البرية تمكَّنت من اختراق دفاعات الحوثيِّين وتحصيناتهم، واستعادة مواقع مرتفعة ذات أهمية عملياتية، وتثبيت مكاسبها، ومواصلة الهجوم وفق الخطط العسكرية المقررة.

من جهته، أعلن «تحالف دعم الشرعية» تدمير 136 هدفاً عسكرياً ضمن عملية واسعة استهدفت عناصر الجماعة وقدراتها في مناطق سيطرتها. وقال المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، إن التحالف يعمل على تفكيك وتدمير شبكة الصواريخ الباليستية الحوثية، مؤكداً استمرار الإسناد الجوي للوحدات العسكرية اليمنية على مدار الساعة.

استنزاف في مأرب

في محافظة مأرب (شرق صنعاء) واصلت القوات الحكومية والمقاومة الشعبية عملياتها على امتداد خطوط التماس، ونفَّذت هجمات على مواقع حوثية في الجبهات الجنوبية، تمكَّنت خلالها من انتزاع مواقع بعد اختراق التحصينات والتعامل مع حقول الألغام التي زرعتها الجماعة.

وذكر المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية أن المواجهات كبَّدت الحوثيِّين خسائر في الأرواح والعتاد، بالتزامن مع استمرار العمليات الهجومية في الجبهات الشمالية والشمالية الغربية، وتنفيذ أعمال رصد واستطلاع لتحركات الجماعة وتعزيزاتها.

مقاتلو القوات الحكومية اليمنية يلاحقون الحوثيِّين في مديرية ذوباب (أ.ب)

وأضاف أن الطيران الحربي والمسيّر، إلى جانب المدفعية وراجمات الصواريخ، واصل استهداف مواقع وتجمعات حوثية ومراكز قيادية ومخازن أسلحة ومرابض نيران ومواقع لتشغيل الطائرات المسيّرة، على امتداد خطوط المواجهة وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وفي المقابل، أشار المركز إلى مقتل وإصابة العشرات من العناصر الحوثية خلال المواجهات، ومقتل 22 من أفراد القوات المسلحة والمقاومة الشعبية وإصابة آخرين.

معركة استعادة الدولة

على وقع التطورات الميدانية، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الرحمن المحرّمي، أن القوات الحكومية قدَّمت نماذج من الثبات والقتال، عاداً أن المواجهات تمثل جزءاً من معركة استعادة الدولة ومؤسساتها، والتصدي للمشروع الحوثي المدعوم من إيران.

وقال المحرّمي، في منشور على «فيسبوك»، مخاطباً القوات المرابطة في الساحل الغربي وباب المندب وسائر الجبهات، إن المعركة تتطلب مواصلة الصمود حتى تحقيق أهدافها، مشيداً بدور المقاتلين في مواجهة الحوثيِّين وحماية أمن المنطقة. كما جدَّد تقديره لـ«تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، مؤكداً أن القوات اليمنية والتحالف يخوضان معركةً مشتركةً، ويتقاسمان أعباءها وتضحياتها.

آلية قتالية حوثية سيطرت عليها القوات الحكومية اليمنية بالقرب من باب المندب (إعلام عسكري)

من جانبه، أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي، الفريق أول ركن محمود الصبيحي، بأداء القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في مختلف جبهات القتال، وقال إن المواجهات تجسِّد الدفاع عن النظام الجمهوري ومؤسسات الدولة في مواجهة الجماعة الحوثية.

وأشار الصبيحي إلى الدور الذي تضطلع به ألوية العمالقة، وقوات درع الوطن والدعم والإسناد والمقاومة الوطنية، والقوات المشتركة، في جبهات الساحل الغربي والصبيحة والمناطق الممتدة باتجاه الوازعية ومناطق أخرى في تعز ولحج.

وخصَّ بالذكر تضحيات قبائل الصبيحة التي قدَّمت أكثر من 170 قتيلاً و700 جريح خلال المواجهات. كما أثنى على دور القيادات العسكرية والميدانية، وجهود الحكومة والسلطات المحلية في عدن ولحج في دعم الجبهات، مُجدِّداً تقديره للدعم السعودي المُقدَّم للقوات الحكومية.


الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يلاحقون الاتصالات ويوسعون شبكات التجسس جنوب تعز

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)
مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

تشهد مناطق واسعة في محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب) انقطاعاً في خدمات الإنترنت والاتصالات، بالتزامن مع تصعيد عسكري حوثي في جنوب المحافظة، فيما لجأ سكان إلى شبكات محلية تعتمد على خدمة الإنترنت الفضائي «ستارلينك»، التي سارعت الجماعة إلى مصادرة أجهزتها في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً، ضمن إجراءات أمنية ورقابية شملت أيضاً كاميرات المراقبة والهواتف الجوالة.

وذكرت مصادر محلية في مدينة التربة، حيث مركز مديرية الشمايتين جنوب تعز، لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة الحوثية شنت حملة واسعة لمصادرة أجهزة «ستارلينك» خلال الأيام الأولى لسيطرتها على المدينة، بعد تحريات مسبقة أجرتها خلاياها الاستخباراتية بشأن مالكي تلك الأجهزة، قبل وصول قواتها بأيام.

وتتعامل الجماعة الحوثية مع خدمة «ستارلينك» بوصفها تهديداً لنفوذها على قطاع الاتصالات؛ فإلى جانب حرمانها من جانب من العائدات التي تجنيها منه، تمنعها من ميزة مراقبة الاتصالات والتحكم في تدفق المعلومات.

وسبق للجماعة أن اتخذت إجراءات مماثلة عقب سيطرتها على مدينة المخا، التي كان عدد من سكانها يعتمدون على الخدمة.

ولم تقتصر إجراءاتها في التربة على مصادرة أجهزة الإنترنت الفضائي؛ بل امتدت إلى كاميرات المراقبة المثبتة أمام المحال التجارية والمباني السكنية.

محافظة تعز بدأت تعاني من نقص السلع والمواد الأساسية بفعل التصعيد العسكري الحوثي (أ.ف.ب)

وأبلغت الجماعة الحوثية مالكي الكاميرات بأن مصادرتها إجراء مؤقت، إلى حين استكمال ربط أنظمة المراقبة بأجهزتها الرقابية، وطالبتهم بالسماح لها بالوصول إلى أجهزة التخزين، محذرة من ربط أي كاميرات بالإنترنت دون إذن منها.

وقال مالك متجر لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة أزالت كاميرات المراقبة الموجهة نحو الشوارع من دون استئذان أصحابها، بسبب إغلاق غالبية المحال التجارية، إلا أن ملاك المحال القليلة التي فتحت أبوابها فوجئوا بدورهم بذلك الإجراء، ولم يسمح لهم بالنقاش حوله.

وتعيش مدينة التربة حالة من الشلل في الأنشطة التجارية، وسط رفض لوجود الجماعة الحوثية، التي لجأت إلى التهديد بفتح المحال المغلقة بالقوة.

تحكم بالخدمات

في مدينة تعز المحاصرة، أفاد سكان بتوقف خدمات الإنترنت والاتصالات التابعة للشبكات العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أو تعرضها لانقطاعات واسعة أثرت في قدرة المواطنين على التواصل والوصول إلى الإنترنت.

مدينة تعز باتت تحت الحصار الحوثي مجدداً بعد سيطرة الجماعة على مدينة التربة جنوباً (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الانقطاع بالتزامن مع التصعيد العسكري الحوثي في محافظة تعز، وما تلاه من إطلاق الحكومة عملية «فجر اليمن»، وسط تغيرات ميدانية في عدد من المديريات والمناطق، وانعكاسات متزايدة للتطورات الأمنية على الخدمات العامة وحركة السكان.

ويحاول الأهالي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، الوصول إلى خدمة الإنترنت عبر أجهزة «ستارلينك» التي تتوفر لدى عدد محدود منهم، يشاركون جيرانهم هذه الخدمة بمقابل مالي أو مجاناً.

ورغم أنه لم تتضح أسباب تعطل خدمات الاتصالات والإنترنت في مدينة تعز، فإن السكان يربطونه بالتصعيد العسكري في المحافظة.

وتخضع البنية الرئيسية للاتصالات في اليمن للجماعة الحوثية التي تسيطر على مقرات ومنشآت شبكة الاتصالات اليمنية في صنعاء، ما يمنحها قدرة واسعة على التحكم في الخدمات والوصول إلى المعلومات.

قادة حوثيون في مدينة «التربة» بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

وبالتوازي مع الإجراءات المتعلقة بالاتصالات، شرعت الجماعة الحوثية، منذ سيطرتها على عدد من مديريات جنوب تعز، في توسيع إجراءاتها الأمنية والاستخباراتية، مستعينة بمصادر محلية لجمع المعلومات عن السكان ورصد تحركاتهم.

إنشاء شبكات تجسس

كشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفي الجماعة الحوثية الذين وصلوا إلى المديريات التي أُخضعت لسيطرتها أخيراً، التقوا أعياناً ومشايخ قرى، أو وجهوا إليهم خطابات تطالبهم بالعمل بوصفهم مصادر استخباراتية محلية، تتولى رفع تقارير دورية عن حركة السكان، ورصد المتنقلين بين القرى والمناطق، وتتبع زيارات الأقارب والأصدقاء، والإبلاغ عن أي أشخاص تشتبه الجماعة في أنشطتهم.

ووفقاً للمصادر، حمّل المشرفون الحوثيون الأعيان ومشايخ القرى مسؤولية وقوع أي نشاط مناهض للجماعة في مناطقهم، في حال عدم إبلاغهم مسبقاً عن القائمين به، في إجراء يضع الشخصيات الاجتماعية تحت ضغط المشاركة في منظومة الرقابة الأمنية.

وتعتمد الجماعة، بحسب المصادر، على شبكة من المتعاونين المحليين، بينهم شخصيات اجتماعية متواطئة معها، وأشخاص أُفرج عنهم من السجون عقب سيطرتها على تلك المناطق، إضافة إلى آخرين كانوا فارين من العدالة في مناطق نفوذها.

قادة حوثيون داخل أحد مقرات السلطة التنفيذية في مدينة التربة بعد السيطرة عليها (إعلام حوثي)

ولم تقتصر إجراءات الرصد على التحركات الميدانية؛ إذ وجهت الجماعة خلاياها التجسسية بمراقبة مواقع التواصل الاجتماعي، والإبلاغ عن كل من ينشر معلومات أو بيانات تتعلق بالأوضاع في المناطق التي سيطرت عليها أخيراً.

كما نفذت حملات عشوائية لتفتيش الهواتف الجوالة في الشوارع، بحثاً عن تطبيقات للمراسلة ترى الجماعة أنها تتيح اتصالات غير خاضعة لرقابتها، أو برامج الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN) التي تُستخدم لتجاوز الحجب.

وقالت المصادر إن هذه الحملات تستهدف، إلى جانب التحقق من التطبيقات الموجودة على الهواتف، كشف الأشخاص الذين يعملون لمصلحة الجيش والحكومة اليمنيين، أو يتواصلون مع قيادات ومسؤولين فيهما، فضلاً عن الذين يتصلون بجهات إعلامية وحقوقية للإبلاغ عن ممارسات الجماعة، أو يستخدمون حسابات بأسماء مستعارة على مواقع التواصل الاجتماعي.