مجمع الموهوبين في مأرب... من قلب الحرب إلى صناعة المستقبل

أكثر من 200 طالب متفوق من مختلف المحافظات اليمنية يحتضنهم مشروع أنشأه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن

التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)
التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)
TT

مجمع الموهوبين في مأرب... من قلب الحرب إلى صناعة المستقبل

التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)
التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)

في المدينة التي اعتادت وقع الصواريخ أكثر من جرس المدرسة، يبدأ صباح مختلف في مجمع الموهوبين النموذجي بمأرب، الذي أنشأه وموله بالكامل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، حيث ينشغل عشرات الطلاب داخل الفصول بالعلوم والرياضيات، في مشهد يلخص انتصار المعرفة على سنوات الصراع.

التحق بالمجمع منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق (الشرق الأوسط)

قبل 4 سنوات، وفي ذروة الهجمات الحوثية على مأرب عام 2022، زارت «الشرق الأوسط» المكان للمرة الأولى، يومها كان المبنى لا يزال في مراحله الأخيرة من التجهيز، بينما كانت الأحياء المحيطة به، ومنها الروضة والمطار، تتعرض لقصف متكرر بالصواريخ الباليستية الحوثية، أحد تلك الصواريخ سقط على منزل لا يبعد سوى نحو 500 متر عن مركز الموهوبين، في مفارقة اختزلت صراعاً بين مشروعين متناقضين؛ أحدهما يبني الإنسان، والآخر يدمره.

ورغم أن الحرب كانت في أشد مراحلها، مضى البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في تنفيذ المشروع دون أن يتراجع، وما بدا آنذاك مغامرة تعليمية وسط ساحة معركة، تحول اليوم إلى أحد أبرز نماذج الاستثمار في الإنسان باليمن.

مجسم لمجمع الموهوبين في مأرب قام بإعداد أحد الطلاب المتفوقين (الشرق الأوسط)

لم يكن المركز مشروعاً تعليمياً عادياً، بل كان حلماً يراود الشيخ سلطان العرادة، نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، الذي روى كيف طرح فكرة إنشاء المركز على السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، فجاء التجاوب حينها سريعاً بالموافقة على إنشاء المشروع وتجهيزه بالكامل.

عادت «الشرق الأوسط» اليوم إلى المركز، وكان المشهد هذه المرة مختلفاً تماماً، المبنى الذي كان عام 2022 صامتاً تحت ظلال الحرب، أصبح يعج بالحياة، المختبرات امتلأت بالطلاب، والفصول بأصوات النقاش والتجارب العلمية.

والتحق بالمركز منذ افتتاحه الرسمي عام 2024 أكثر من 200 طالب متفوق، كثير منهم من مختلف المحافظات اليمنية التي دفعتهم الحرب إلى النزوح نحو مأرب.

يضم المجمع حالياً الصفين الأول والثاني الثانوي بينما يفتتح الصف الثالث الثانوي العام المقبل (الشرق الأوسط)

هنا، وسط مدينة توصف بأنها خط الدفاع الأخير عن الجمهورية، تخوض السعودية معركة من نوع آخر؛ معركة بناء العقول، انطلاقاً من قناعة بأن إعادة إعمار الإنسان تسبق إعادة إعمار الأوطان.

يقول الدكتور محمد القيري، مدير مجمع الموهوبين في مأرب، إن افتتاح المركز عام 2024 شكّل نقطة تحول في مسيرة التعليم النوعي بالمحافظة، موضحاً أن الإقبال على الالتحاق به فاق التوقعات منذ اليوم الأول.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدفعة الأولى شهدت تقدم 246 طالباً للمفاضلة، جرى اختيار 120 منهم فقط بعد سلسلة من الاختبارات العلمية، بينما تقدم خلال العام الدراسي الحالي 213 طالباً، وقُبل 90 طالباً فقط، بعد أن قررت إدارة المجمع خفض عدد المقبولين للتركيز بصورة أكبر على جودة المخرجات التعليمية.

الدكتور محمد القيري مدير مجمع الموهوبين النموذجي في مأرب (الشرق الأوسط)

ويؤكد القيري أن المجمع لم يعد يستقبل أبناء مأرب وحدهم، بل أصبح يمثل اليمن كله، إذ يضم طلاباً نزحوا مع أسرهم من معظم المحافظات اليمنية، لتتحول مأرب إلى حاضنة للنخبة العلمية في ظل ظروف الحرب.

ويخضع المتقدمون لاختبارات دقيقة في اللغة العربية واللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم، إضافة إلى اختبار خاص لقياس الذكاء، بينما يشترط استمرار الطالب في المجمع بالحفاظ على معدل لا يقل عن 80 في المائة.

ويقول الدكتور محمد إن مأرب كانت تُعد لسنوات طويلة من المحافظات البعيدة عن مشاريع التعليم النوعي، ولم يكن كثيرون يتخيلون أن تحتضن مدرسة نموذجية للمتفوقين بهذا المستوى.

حقق طلاب المجمع المركزين الأول والثاني في الفيزياء والكيمياء خلال الملتقى العلمي بمأرب (الشرق الأوسط)

وأضاف: «كانت لدينا تجربة محدودة في العاصمة صنعاء، لكن إنشاء مجمع للموهوبين في مأرب لم يكن في حسبان أحد، ما تحقق هنا جاء بفضل دعم الأشقاء في المملكة العربية السعودية، الذين لم يقتصر دورهم على تنفيذ مشاريع خدمية، بل استثمروا في الإنسان، وكان مجمع الموهوبين أحد أبرز هذه المشاريع».

ويضم المجمع حالياً طلاب الصفين الأول والثاني الثانوي، بينما يجري الاستعداد لافتتاح الصف الثالث الثانوي العام المقبل، في خطوة يصفها القائمون عليه بأنها الاختبار الحقيقي الأول للتجربة، مع طموح واضح بأن يخرج من بين طلابه أوائل الجمهورية اليمنية.

شكّل مجمع الموهوبين نقطة تحول في مسيرة التعليم النوعي في محافظة مأرب (الشرق الأوسط)

ورغم حداثة التجربة، بدأت نتائجها تظهر سريعاً، فقد حقق طلاب المجمع المركز الأول على مستوى محافظة مأرب في الفيزياء، والمركز الثاني في الكيمياء خلال الملتقى العلمي، وهي نتائج يعتبرها القائمون على المشروع مؤشراً مبكراً على نجاح الفكرة.

ويقول القيري: «نحن لا نزال في بداية الطريق، لكننا نطمح إلى أن يكون هذا المجمع مصنعاً لأوائل الجمهورية، وأن يصبح نموذجاً يحتذى به في بقية المحافظات».

ولا تتوقف الطموحات عند الطلاب الذكور، إذ كشف مدير المجمع عن وجود خطط للإعلان قريباً عن إنشاء مجمع مماثل للطالبات المتفوقات، بما يوسع دائرة الاستفادة من التعليم النوعي.

يضم المجمع طلاباً من معظم المحافظات اليمنية ممن نزحوا مع أسرهم جراء الحرب (الشرق الأوسط)

وأوضح أن المبنى مجهز بالقاعات الدراسية والمختبرات والأثاث والأجهزة الإدارية، لكنه لا يزال بحاجة إلى بعض المرافق المساندة، مثل إنشاء مظلات لحماية الطلاب من حرارة الشمس، واستكمال غرفة للحراسة، وهي متطلبات يرى أنها لا تقلل من قيمة المشروع بقدر ما تعزز بيئته التعليمية.

ويختم بقوله: «في بلد أنهكته الحرب، يصبح اكتشاف طالب موهوب، أو إعداد باحث أو طبيب أو مهندس، شكلاً آخر من أشكال إعادة الإعمار».


مقالات ذات صلة

هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

العالم العربي مدفع تابع للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي حيث يتم التصدي للهجمات الحوثية (إعلام عسكري)

هجوم الحوثيين غرب اليمن يختبر صلابة القوات الحكومية

هجوم الحوثيين في جنوب الحديدة وجنوب غربي تعز يضغط على تعز، ويهدد طريق المخا، ويدفع باتجاه توسيع نفوذ الجماعة نحو باب المندب وجنوب البحر الأحمر.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون يخسرون مزيداً من عناصرهم بسبب تصعيدهم العسكري (فيسبوك)

الخسائر البشرية الحوثية تتضاعف مع اتساع رقعة المواجهات

تكشف قوائم التشييع الحوثية عن تصاعد خسائر الجماعة البشرية، مع مقتل أكثر من 35 عنصراً خلال أقل من أسبوعين و375 آخرين خلال يوليو وأغسطس الماضيين.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
الخليج يرفع الدعم قدرة الاقتصاد اليمني على مواجهة الضغوط المالية والنقدية (إعلام حكومي)

السعودية تدعم «البنك المركزي اليمني» لتعزيز الاستقرار الاقتصادي

قدمت السعودية دعماً جديداً لـ«البنك المركزي اليمني»، ضمن جهودها الرامية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي باليمن؛ إنفاذاً لتوجيهات قيادة المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)

خاص تغييرات حوثية تطول قيادات عسكرية وسط تصاعد الضربات الحكومية

شرع الحوثيون في إجراء تغييرات مفاجئة لقيادات عسكرية وسط ضربات تتلقاها الجماعة من الشرعية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي جانب من الاجتماع المشترك لمجلس القيادة الرئاسي اليمني مع الحكومة (سبأ)

القيادة اليمنية تشدد على تجفيف موارد الحوثيين

شدد مجلس القيادة اليمني والحكومة على تجفيف مصادر تمويل الحوثيين ومكافحة التهريب، مع رفع الجاهزية العسكرية والأمنية وتعزيز الرقابة على المنافذ وحماية الموارد

«الشرق الأوسط» (عدن)

«علي الطاهر» والأسرى يحركان المفاوضات

عربة تابعة للصليب الأحمر الدولي تقل أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل لدى وصولها إلى صور أمس (د.ب.أ)
عربة تابعة للصليب الأحمر الدولي تقل أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل لدى وصولها إلى صور أمس (د.ب.أ)
TT

«علي الطاهر» والأسرى يحركان المفاوضات

عربة تابعة للصليب الأحمر الدولي تقل أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل لدى وصولها إلى صور أمس (د.ب.أ)
عربة تابعة للصليب الأحمر الدولي تقل أسرى لبنانيين أفرجت عنهم إسرائيل لدى وصولها إلى صور أمس (د.ب.أ)

فتحت التطورات المتزامنة في جنوب لبنان الباب أمام تحريك المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، مع إعلان إسرائيل تحقيق «سيطرة عملياتية» على مرتفعات علي الطاهر، والإفراج عن أسرى لبنانيين، في وقت دفعت واشنطن باتجاه البناء على هذه التطورات قبل الجولة المقبلة من المحادثات.

ورحبت السفارة الأميركية في بيروت بإطلاق المحتجزين، ووصفت الخطوة بأنها «إيجابية»، داعية الطرفين إلى مواصلة البناء على هذا الزخم. وتزامن ذلك مع بحث الرئيس جوزيف عون مع السفير الأميركي ميشال عيسى وأعضاء في الكونغرس التحضيرات للجولة المقبلة، فيما شدد عون على استكمال تحرير المحتجزين ومتابعة ما تم الاتفاق عليه في المفاوضات الثلاثية و«اتفاق الإطار».

ويأتي الدفع الأميركي فيما تبقى الملفات الأساسية عالقة، لا سيما الانسحاب الإسرائيلي وسلاح «حزب الله»، بينما يضيف التطور في تلة علي الطاهر عنصراً ميدانياً جديداً إلى أي تفاوض مقبل، رغم تشكيك الحزب في اكتمال السيطرة الإسرائيلية على المرتفعات، وسط ترقب لكيفية انعكاس الوقائع الجديدة على موازين الجولة المقبلة وشروطها السياسية.


العراق: ضحايا «حراك تشرين» لمقاضاة زعيم منظمة «بدر»

هادي العامري (وكالة الأنباء العراقية)
هادي العامري (وكالة الأنباء العراقية)
TT

العراق: ضحايا «حراك تشرين» لمقاضاة زعيم منظمة «بدر»

هادي العامري (وكالة الأنباء العراقية)
هادي العامري (وكالة الأنباء العراقية)

أُفيد في العراق، أمس، بأن عائلات ضحايا ما يُعرف بـ«حراك تشرين» عام 2019، تحضّر لرفع دعاوى على خلفية تصريحات أدلى بها قبل أيام، زعيم منظمة «بدر»، هادي العامري، بخصوص مشاركة فصائل مسلحة في قمع الاحتجاجات التي بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) من ذلك العام ضد النظام السياسي، ووصفها بـ«فتنة تشرين».

وأثار كلامه عاصفة انتقادات، في حين بدأت عشرات من عائلات ضحايا «الحراك» في استكمال الوثائق التي تثبت مقتل أو إصابة أبنائهم في مواجهات مع قوات الأمن خلال مشاركتهم في الاحتجاجات؛ لتقديمها ضمن دعاوى أمام المحاكم، على خلفية تصريحات زعيم «بدر».

ولم يرد هادي العامري زعيم منظمة «بدر» على التفسيرات التي قُدّمت لكلامه، لكن سياسياً شيعياً مقرباً من «الإطار التنسيقي» قال لـ«الشرق الأوسط» إن تصريحات العامري «مثلما أرادها، كانت دفاعاً عن موقف الفصائل في لحظة مفصلية».


رئيس الوزراء الإسرائيلي يقترح «مناطق تجريبية» في قطاع غزة


الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة أمس (أ.ب)
الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة أمس (أ.ب)
TT

رئيس الوزراء الإسرائيلي يقترح «مناطق تجريبية» في قطاع غزة


الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة أمس (أ.ب)
الجيش الإسرائيلي يدمر مباني شرق خان يونس جنوب قطاع غزة أمس (أ.ب)

كلف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه، يسرائيل كاتس، الجيش بإعداد تصور لنقل نموذج «المناطق التجريبية» في جنوب لبنان إلى قطاع غزة، ما أثار جدلاً في تل أبيب بين من رأى مقترحاً جدياً للتقدم في تطبيق خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، ومن رأى ألعوبة جديدة لمزيد من المماطلة.

وبحسب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تقوم الفكرة على اختيار مناطق خارج «الخط الأصفر» لا ينتشر فيها الجيش الإسرائيلي، على أن تدخل إليها قوات دولية للعمل على تفكيك البنى التحتية المسلحة وإقامة منظومة إدارة بديلة.

ولكن، في المقابل، ستحتفظ إسرائيل بقدرتها على مراقبة هذه المناطق والسيطرة عليها أمنياً،

بينما المشككون يؤكدون أن تطبيق النموذج في غزة دونه تحديات أكبر، خصوصاً في ظل عدم وجود جهة فلسطينية متفق عليها لتولي الإدارة المدنية والأمنية.