بريطانيا تحشد لدعم التعليم العالمي بـ«تمويل تاريخي»

كليفرلي: «رؤية 2030» مكّنت المرأة السعودية اقتصادياً واجتماعياً

ملالا يوسفزاي تتحدث لدى مشاركتها في قمة التعليم العالمية التي استضافتها لندن أمس (إ.ب.أ)
ملالا يوسفزاي تتحدث لدى مشاركتها في قمة التعليم العالمية التي استضافتها لندن أمس (إ.ب.أ)
TT

بريطانيا تحشد لدعم التعليم العالمي بـ«تمويل تاريخي»

ملالا يوسفزاي تتحدث لدى مشاركتها في قمة التعليم العالمية التي استضافتها لندن أمس (إ.ب.أ)
ملالا يوسفزاي تتحدث لدى مشاركتها في قمة التعليم العالمية التي استضافتها لندن أمس (إ.ب.أ)

استضافت المملكة المتحدة، أمس، القمة العالمية للتعليم، بالشراكة مع كينيا، وقادت جهود جمع 4 مليارات دولار لصالح «الشراكة العالمية من أجل التعليم».
ويهدف هذا التمويل الذي وصفته مسؤولة بريطانية رفيعة بـ«أكبر دعم للتعليم العالمي في تاريخنا»، إلى منح 175 مليون طفل فرصة الحصول على تعليم جيّد، وتعزيز مستويات الخدمات التعليمية المُقدَّمة للأطفال المحرومين في الدول والأقاليم محدودة الدخل.
واغتنمت بريطانيا فرصة القمة لتسليط الضوء على أهمية تحسين فرص التحاق الفتيات بالتعليم، لا سيما بعدما عرّضت تداعيات أزمة «كوفيد - 19» ملايين الفتيات لخطر الانقطاع الدائم عن الدراسة، بسبب إجراءات الإغلاق.
وقال رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون: «نواجه معركة لضمان أن (كوفيد - 19) لن يفسد فرص الحياة لملايين الأطفال، تاركاً إرثاً دائماً من المواهب الضائعة». وتابع أن «تمكين (الأطفال) من التعلُّم والوصول إلى إمكاناتهم الكاملة هو أعظم شيء يمكننا القيام به للتعافي من هذه الأزمة، وبناء مجتمعات أفضل وأكثر عدالة».
وشارك في القمة قادة وممثلون عن الدول المانحة للشراكة العالمية من أجل التعليم، إلى جانب القطاع الخاص والمؤسسات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني.
قال وزير الخارجية البريطاني دومينك راب، أمس، إن جائحة «كوفيد - 19» أعاقت التقدُّم المحرَز في تحسين الوصول إلى التعليم بشكل أكبر وأسرع مما كان يمكن لأي شخص توقعه. وحذّر من «خطر حقيقي يتمثل في عدم عودة ما يصل إلى 24 مليون طفل إلى المدرسة. ومن بين أولئك الذين وجدوا أنفسهم خارج المدرسة، غالباً ما تكون عودة الفتيات إلى التعليم أبطأ، بسبب مجموعة من العوامل».
في هذا الصدد، لفت وزير الدولة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية، جيمس كليفرلي، إلى أن «التعليم العالمي كان يواجه أزمة قبل انطلاق جائحة (كوفيد - 19). لكننا أصبحنا في منعطف حرج، قد يشهد تراجع التقدم المحرز سابقاً». وأضاف الوزير البريطاني: «نحن نعلم أن الفتيات تأثرن بشكل غير متناسب بالوباء. فقد ضاعف انتشار (كوفيد - 19) من الحواجز التي تواجهنا أمام الالتحاق بالتعليم، والتي تشمل زواج الأطفال، والعنف الجنسي، وختان الإناث، والاتجار بالبشر»، محذّراً: «نجازف بضياع جيل من الفتيات. والمملكة المتحدة عازمة على عدم السماح بحدوث ذلك».
وقد حدّد وزير الخارجية راب أهدافاً طموحة في هذا الإطار، دعمها قادة مجموعة السبع خلال قمة «كورنول»، وتتمثل في تعليم 20 مليون فتاة إضافية في سن العاشرة القراءة، وإلحاق 40 مليون فتاة بالمدارس الابتدائية والثانوية في البلدان منخفضة إلى متوسطة الدخل بحلول عام 2026.
إلى ذلك، تطرّق كليفرلي إلى المنطقة العربية، فقال: «يوجد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى معدل لبطالة الشباب في العالم. أكثر من اثنتين من كل خمس شابات في شمال أفريقيا، وأكثر من ثلث الشابات في الشرق الأوسط عاطلات عن العمل». وتابع: «يبلغ عدد الشابات غير الملتحقات بالتعليم أو العمل أو التدريب في اليمن، على سبيل المثال، ما يقارب 70 في المائة»، لافتاً إلى أنه من خلال تزويد الفتيات بالتعليم، فإن احتمالية حصولهن على فرص عمل ومحاربة الطبيعة الدورية للفقر ترتفع.
واعتبر كليفرلي أن «الاستثمار في تعليم الفتيات هو أكثر من مجرد وسيلة لمعالجة عدم المساواة في المجتمعات. بل يساعد في تحقيق كثير على المستوى الوطني، لصالح جميع الفئات». وأوضح أن تعليم الفتيات ودخولهن إلى سوق العمل يساهم في تنشيط عجلة التنمية الاقتصادية؛ إذ تشير الدراسات إلى أنه يمكن إضافة 28 تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي العالمي، إذا لعبت النساء نفس الدور الذي يلعبه الرجال في سوق العمل.
وفي هذا السياق، أشاد كليفرلي بالدور الحيوي الذي تلعبه «رؤية 2030» السعودية في تمكين المرأة على الصعد الاقتصادية والاجتماعية المختلفة. وقال: «التقيت في شهر مايو (أيار) من هذا العام بمجموعة من رائدات الأعمال السعوديات اللائي يتفوقن في قطاعات مختلفة، من التعليم إلى التكنولوجيا مروراً بالطاقة». وأضاف: «تم تحقيق ذلك فقط من خلال جهود برنامج (رؤية 2030)، الذي يدعم التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة».
والتقى كليفرلي وزير التعليم السعودي الدكتور حمد آل الشيخ، خلال حضوره القمة العالمية للتعليم في لندن، أمس (الأربعاء). وتناول اللقاء بحث العلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين، واستعراض جهود المملكة في دعم التعليم من خلال «الصندوق السعودي للتنمية»، و«مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية»، والمشاركة السعودية في أعمال القمة المنعقدة في العاصمة البريطانية، والتأكيد على دور المملكة في دعم التعليم على مستوى العالم.
وتطرق الجانبان إلى جهود المملكة وقيادتها في دعم ومشاركة المجتمع الدولي لتمويل الخطة الاستراتيجية للشراكة العالمية من أجل التعليم، والمساهمة في رسم خريطة طريق لتحويل أنظمة التعليم في الدول المستهدفة، من خلال تبادل أفضل الممارسات، ودراسة أحدث الأنظمة، والاستماع إلى الخبراء والشباب من جميع أنحاء العالم، إلى جانب الاستفادة من الخبرات والتجارب المماثلة.
حدّدت المبعوثة الخاصة لرئيس الوزراء بوريس جونسون لتعليم الفتيات، هيلين غرانت، في مقدمة أولوياتها العمل على توفير 12 عاماً من التعليم الجيّد لكل فتاة على الأرض، فيما اعتبرته إحدى الطرق لمعالجة العديد من القضايا المستعصية اليوم، مثل الفقر وتغير المناخ وانعدام المساواة. وقالت غرانت إن «تعليم الفتيات وتمكينهن أمر حيوي للنساء والفتيات، لكنه أمر حيوي كذلك في الارتقاء بالمجتمعات وزيادة الدخل وتنمية الاقتصادات والدول».
ولفتت غرانت، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، إلى أن هناك «إدراكاً عميقاً» بين الدول والجهات التي شاركت في مؤتمر التعليم بأن العالم كان يواجه أزمة تعليمية قبل تفشي «كوفيد - 19»، إلا أن الجائحة تسببت في «تفاقم الوضع بشكل ملحوظ، مع تعطّل 1.6 مليار طفل عن الدراسة خلال أوج الأزمة، في عام 2020».
وحذّرت من أن «كثيراً من هؤلاء الأطفال، وخاصة منهم الفتيات، لن يلتحقوا بالمدارس، ما يؤثّر على فرصهم للحصول على وظائف في المستقبل». وأشارت المبعوثة إلى ضرورة الاستجابة لهذه التطورات، «وبذل ما في وسعنا لضمان حصول هؤلاء الأطفال على تعليم جيّد».
وأكّدت غرانت تعهُّد بريطانيا بتمويل الشراكة العالمية للتعليم بـ430 مليون جنيه إسترليني، في أكبر تبرُّع تقدّمه لندن لهذه المنظمة، بزيادة 15 في المائة عن تعهداتها السابقة.
وعدّت غرانت التعهدات المتوقّعة خلال مؤتمر التعليم العالمي، التي يُنتظر أن تصل إلى 4 مليارات دولار هذا الأسبوع، وأن تقترب من هدف 5 مليارات خلال الفترة المقبلة «أكبر دعم للتعليم العالمي في تاريخنا».
من جانبها، قالت الناطقة باسم الحكومة البريطانية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، روزي دياز: «نحن نضع تعليم الفتيات في صميم رئاستنا لمجموعة السبع. نريد أن نرى مساهمات مالية متزايدة والتزامات سياسية من أعضاء مجموعة السبع للمساعدة في تحقيق أهدافنا العالمية الطموحة وحشد وتشجيع المجتمع الدولي».
وتابعت دياز في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «ندرك أيضاً أن آثار تغير المناخ تؤثر بشكل غير متناسب على النساء والفتيات، مما يؤدي إلى تفاقم عدم المساواة القائمة بين الجنسين. ويقدر أن 80 في المائة من النازحين بسبب تغير المناخ من النساء، كما أن النساء والفتيات أكثر عرضة للوفاة في الظواهر المناخية القاسية مثل الفيضانات والجفاف. نؤمن أن التعليم الجيد يساعد الفتيات وأسرهن ومجتمعاتهن على التأقلم بشكل أفضل مع الأحداث المناخية القاسية، مما يتيح لهن أن يكُنّ أكثر قدرة على الصمود في وجه التحديات المختلفة».
إلى جانب ذلك، أثبتت جائحة «كوفيد - 19» أنها تشكل عائقاً إضافياً أمام تعليم الفتيات. 1.6 مليار من الأطفال والشباب ضاعت عليهم فرص التعليم بسبب إغلاق المدارس والمؤسسات التعليمية الأخرى نتيجة للجائحة. بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أصبحت بريطانيا العالمية أكثر التزاماً بدعم المجتمعات الضعيفة وضمان الازدهار العالمي. وتعليم الفتيات في جميع أنحاء العالم جزء لا يتجزأ من هذا».
وفي ردّها حول تأثير تخفيض بريطانيا مساعداتها الإنسانية حول العالم استجابة للتحديات الاقتصادية التي فرضتها الجائحة، قالت دياز: «أعلنت الخارجية البريطانية أنها ستنفق ما لا يقل عن 400 مليون جنيه إسترليني على تعليم الفتيات هذا العام، لدعم الأهداف العالمية المتمثلة في إلحاق 40 مليون فتاة إضافية بالمدارس، و20 مليوناً بالمزيد من التعلم بحلول سن العاشرة، في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل على مدى السنوات الخمس المقبلة».
وتابعت: «رغم أن بعض الإنفاق على برامج التعليم لهذه السنة المالية قد تم تخفيضه أو تأجيله، فقد حرصنا على استمرار الدعم والالتزام بحماية الإنفاق على التعليم على المدى الطويل. وأنا أومن أن هذا يدل على التزامنا بتعليم الفتيات».


مقالات ذات صلة

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

الولايات المتحدة​ دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

دراسة تكشف: مدرستك الثانوية تؤثر على مهاراتك المعرفية بعد 60 عاماً

أظهر بحث جديد أن مدى جودة مدرستك الثانوية قد يؤثر على مستوى مهاراتك المعرفية في وقت لاحق في الحياة. وجدت دراسة أجريت على أكثر من 2200 من البالغين الأميركيين الذين التحقوا بالمدرسة الثانوية في الستينات أن أولئك الذين ذهبوا إلى مدارس عالية الجودة يتمتعون بوظيفة إدراكية أفضل بعد 60 عاماً، وفقاً لشبكة «سكاي نيوز». وجد الباحثون أن الالتحاق بمدرسة مع المزيد من المعلمين الحاصلين على تدريب مهني كان أوضح مؤشر على الإدراك اللاحق للحياة. كانت جودة المدرسة مهمة بشكل خاص للمهارات اللغوية في وقت لاحق من الحياة. استخدم البحث دراسة استقصائية أجريت عام 1960 لطلاب المدارس الثانوية في جميع أنحاء الولايات المتحدة

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

مصر: نفي رسمي لـ«إلغاء مجانية» التعليم الجامعي الحكومي

نفت الحكومة المصرية، أمس السبت، عزمها «إلغاء مجانية التعليم الجامعي»، مؤكدة التزامها بتطوير قطاع التعليم العالي. وتواترت أنباء خلال الساعات الماضية حول نية الحكومة المصرية «إلغاء مجانية التعليم في الجامعات الحكومية»، وأكد مجلس الوزراء المصري، في إفادة رسمية، أنه «لا مساس» بمجانية التعليم بكل الجامعات المصرية، باعتباره «حقاً يكفله الدستور والقانون لكل المصريين».

إيمان مبروك (القاهرة)
«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

«تشات جي بي تي»... خصم وصديق للتعليم والبحث

لا يزال برنامج «تشات جي بي تي» يُربك مستخدميه في كل قطاع؛ وما بين إعجاب الطلاب والباحثين عن معلومة دقيقة ساعدهم «الصديق (جي بي تي)» في الوصول إليها، وصدمةِ المعلمين والمدققين عندما يكتشفون لجوء طلابهم إلى «الخصم الجديد» بهدف تلفيق تأدية تكليفاتهم، لا يزال الفريقان مشتتين بشأن الموقف منه. ويستطيع «تشات جي بي تي» الذي طوَّرته شركة الذكاء الصناعي «أوبن إيه آي»، استخدامَ كميات هائلة من المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت وغيرها من المصادر، بما في ذلك حوارات ومحادثات بين البشر، لإنتاج محتوى شبه بشري، عبر «خوارزميات» تحلّل البيانات، وتعمل بصورة تشبه الدماغ البشري. ولا يكون النصُّ الذي يوفره البرنامج

حازم بدر (القاهرة)
تحقيقات وقضايا هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

هل يدعم «تشات جي بي تي» التعليم أم يهدده؟

رغم ما يتمتع به «تشات جي بي تي» من إمكانيات تمكنه من جمع المعلومات من مصادر مختلفة، بسرعة كبيرة، توفر وقتاً ومجهوداً للباحث، وتمنحه أرضية معلوماتية يستطيع أن ينطلق منها لإنجاز عمله، فإن للتقنية سلبيات كونها قد تدفع آخرين للاستسهال، وربما الاعتماد عليها بشكل كامل في إنتاج موادهم البحثية، محولين «تشات جي بي تي» إلى أداة لـ«الغش» العلمي.

حازم بدر (القاهرة)
العالم العربي بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

بن عيسى يشدد على أهمية التعليم لتركيز قيم التعايش

اعتبر محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، ووزير الخارجية المغربي الأسبق، أن مسألة التعايش والتسامح ليست مطروحة على العرب والمسلمين في علاقتهم بالأعراق والثقافات الأخرى فحسب، بل أصبحت مطروحة حتى في علاقتهم بعضهم ببعض. وقال بن عيسى في كلمة أمام الدورة الحادية عشرة لمنتدى الفكر والثقافة العربية، الذي نُظم أمس (الخميس) في أبوظبي، إن «مسألة التعايش والتسامح باتت مطروحة علينا أيضاً على مستوى بيتنا الداخلي، وكياناتنا القطرية، أي في علاقتنا ببعضنا، نحن العرب والمسلمين».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...


أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
TT

أميركا تضغط على سريلانكا لعدم الإفراج عن بحارة إيرانيين

سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)
سفينة تابعة للبحرية السريلانكية تقترب من سفينة إيرانية خلال عملية إنقاذ قبالة سواحل كولومبو (رويترز)

أظهرت برقية داخلية لوزارة الخارجية الأميركية، اطلعت عليها وكالة «رويترز» للأنباء، اليوم (الجمعة)، أن واشنطن ضغطت على حكومة سريلانكا لعدم إعادة الناجين من السفينة الحربية الإيرانية التي أغرقتها أميركا هذا الأسبوع، بالإضافة إلى طاقم سفينة إيرانية أخرى محتجزة لدى سريلانكا.

وأغرقت غواصة أميركية السفينة الحربية «آيريس دينا» في المحيط الهندي على بُعد نحو 19 ميلاً بحرياً من مدينة غالي الساحلية بجنوب سريلانكا، يوم الأربعاء، مما أسفر عن مقتل عشرات البحارة وتوسيع نطاق ملاحقة واشنطن للبحرية الإيرانية بشكل كبير.

وبدأت سريلانكا، أمس الخميس، في إنزال 208 من أفراد طاقم سفينة إيرانية ثانية، وهي سفينة الإمداد البحرية «آيريس بوشهر»، التي علقت في المنطقة الاقتصادية الخالصة لسريلانكا، لكن خارج حدودها البحرية.

وقال رئيس سريلانكا، أنورا كومارا ديساناياكي، إن بلاده تتحمل «مسؤولية إنسانية» لاستقبال الطاقم.

ويُعدّ استهداف الغواصة «دينا» بطوربيد -الذي وصفه وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه «موت هادئ»- أول عمل من نوعه تقوم به الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية، ودليلاً واضحاً على اتساع النطاق الجغرافي للصراع الإيراني.

وذكرت البرقية الداخلية لوزارة الخارجية الأميركية المؤرخة في 6 مارس (آذار)، ولم تُنشر سابقاً، أن جاين هاول، القائمة بالأعمال في السفارة الأميركية في كولومبو، أكدت لحكومة سريلانكا ضرورة عدم إعادة طاقم «بوشهر» ولا الناجين من «دينا»، وعددهم 32، إلى إيران.

وجاء في البرقية: «ينبغي على السلطات السريلانكية الحد من محاولات إيران استخدام المعتقلين لأغراض دعائية».

ولم ترد وزارة الخارجية الأميركية بعد على طلب من «رويترز» للتعليق. ولم يتسنَ الحصول على تعليق فوري من ممثلي مكتب ديساناياكي ووزارة الخارجية السريلانكية.

وأفادت البرقية بأن هاول أبلغت السفير الإسرائيلي لدى الهند وسريلانكا بعدم وجود أي خطة لإعادة طاقم السفينة إلى إيران. وأضافت أن السفير سأل هاول عما إذا كان هناك أي تواصل مع الطاقم لتشجيعه على «الانشقاق».

ولم يرد ممثل السفارة الإسرائيلية في نيودلهي بعد على طلب للتعليق.

وقال نائب وزير الصحة والإعلام السريلانكي لـ«رويترز»، يوم الأربعاء، إن طهران طلبت من كولومبو المساعدة في إعادة جثامين ضحايا السفينة «دينا»، لكن لم يُحدد بعد إطار زمني لذلك.

وشاركت السفينة «دينا» في مناورات بحرية نظّمتها الهند في خليج البنغال الشهر الماضي، وكانت في طريق عودتها إلى إيران عندما أُصيبت بطوربيد أميركي.

وصرح مسؤول أميركي -شريطة عدم الكشف عن هويته- لـ«رويترز»، بأن السفينة «دينا» كانت مسلحة وقت استهدافها، وبأن الولايات المتحدة لم تُصدر أي تحذير قبل تنفيذ الضربة.

وأفادت برقية «الخارجية الأميركية» بأن السفينة الثانية، «بوشهر»، ستبقى رهن احتجاز سريلانكا طوال فترة النزاع.

وصرحت السلطات السريلانكية، الجمعة، بأنها تُرافق «بوشهر» إلى ميناء على الساحل الشرقي، وتنقل معظم طاقمها إلى معسكر للبحرية قرب كولومبو.


الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تحض أطراف النزاع في الشرق الأوسط على «إعطاء فرصة للسلام»

فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
فولكر تورك المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان يتحدث إلى وسائل الإعلام حول أزمة الشرق الأوسط في المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف سويسرا 6 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، إلى إعطاء «فرصة للسلام» في الشرق الأوسط، وحضّ الأطراف المتحاربة على الهدوء، في اليوم السابع من الحرب الإسرائيلية - الأميركية مع إيران.

وقال فولكر تورك للصحافيين، إن «على العالم اتخاذ خطوات عاجلة لاحتواء هذا الحريق وإخماده، لكننا لا نشهد سوى المزيد من الخطاب التحريضي والعدائي، والمزيد من القصف، والمزيد من الدمار والقتل والتصعيد».

وأضاف: «أدعو الدول المعنية إلى التحرك فوراً لخفض التصعيد، وإعطاء فرصة للسلام، وأحثّ بقية الدول على مطالبة الأطراف المتحاربة بوضوح بالتراجع. ولا بد من التزام ضبط النفس لتجنب المزيد من الرعب والدمار الذي يطال المدنيين».

في سياق متصل، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، ​إن إنذارات الإخلاء واسعة النطاق التي أصدرها الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي.

وأضاف فولكر تورك: «أوامر الإخلاء الشاملة هذه تتعلق بمئات الآلاف من الأشخاص». وتابع قائلاً: «هذا الأمر يثير مخاوف شديدة بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما فيما يتعلق بقضايا ‌النقل القسري».

وشنت إسرائيل ‌ضربات جوية مكثفة ​على ‌الضاحية ⁠الجنوبية لبيروت خلال ​الليل، ⁠بعد أن أصدرت إنذارات إخلاء للسكان، كما أصدرت جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران إنذارات للإسرائيليين بإخلاء بلدات وقرى على جبهة المواجهة.

وقال متحدث عسكري إسرائيلي، الخميس، لسكان الضاحية الجنوبية إن عليهم الانتقال إلى الشرق ⁠والشمال، ونشر خريطة تظهر أربعة أحياء كبرى ‌من العاصمة عليهم ‌مغادرتها بما شمل مناطق ​محاذية لمطار بيروت.

وانجر ‌لبنان للحرب في الشرق الأوسط، الاثنين، ‌عندما فتح «حزب الله» النار وردت إسرائيل بتنفيذ هجمات، مع تركيز الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب وشرق لبنان.

وقال تورك في جنيف بعد ‌التراشق المتبادل للصواريخ بين الجانبين: «لبنان أصبح منطقة توتر رئيسية. أشعر بقلق ⁠عميق ⁠ومخاوف من التطورات الأحدث».

وحذّر «حزب الله» في رسالة نشرها باللغة العبرية على قناته على «تلغرام»، الجمعة، الإسرائيليين في نطاق خمسة كيلومترات من الحدود بأن عليهم المغادرة.

وخلال حرب 2024 بين الجانبين، أجلت إسرائيل عشرات الآلاف من بلدات في المنطقة الحدودية، لكن عاد الكثيرون منذ ذلك الحين. ونفى مسؤولون إسرائيليون من قبل وجود خطط لإجلائهم مجدداً حالياً.