اشتباكات عنيفة جنوب سوريا بين قوات النظام ومعارضين

«الفرقة الرابعة» تقصف درعا البلد... ومسلحون يأسرون 25 عنصراً موالياً لدمشق

بعد قصف منزل في بلدة اليادودة في ريف درعا من قوات النظام السوري أمس (وكالة نبأ)
بعد قصف منزل في بلدة اليادودة في ريف درعا من قوات النظام السوري أمس (وكالة نبأ)
TT

اشتباكات عنيفة جنوب سوريا بين قوات النظام ومعارضين

بعد قصف منزل في بلدة اليادودة في ريف درعا من قوات النظام السوري أمس (وكالة نبأ)
بعد قصف منزل في بلدة اليادودة في ريف درعا من قوات النظام السوري أمس (وكالة نبأ)

تصاعد التوتر في أحياء درعا البلد جنوب سوريا إلى ما يشبه «حرب حقيقية» بين قوات النظام ومسلحين محليين بعد فشل مفاوضات بوساطة روسية في الأيام الماضية، حيث أفيد أمس بمقتل وأسر أكثر من 25 عنصرا من قوات النظام والأجهزة الأمنية التابعة في أعنف اشتباكات في محافظة درعا.
وأعلنت الحكومة الأردنية إعادة تشغيل مركز جابر - نصيب مع سوريا اعتبارا من الأحد بشكل شبه عادي، بعد نحو عام على عمله بشكل محدود في إطار إجراءات للحد من انتشار فيروس «كورونا».
وقال وزير الداخلية مازن الفراية في بيان: «بعد إجراء الترتيبات الميدانية الكاملة مع الجانب السوري، سيبدأ اعتبارا من صباح الأحد الأول من أغسطس (آب) التشغيل الكامل لمركز حدود جابر».
وتسيطر فصائل المعارضة على أحياء درعا البلد منذ نهاية عام 2011 وفشلت القوات الحكومية عدة مرات في اقتحامها، كما فشل مقاتلو المعارضة في السيطرة على حي درعا المحطة الذي تسيطر عليه القوات الحكومية. ودخلت المعارضة في تسوية مع النظام بعد تقدم القوات الحكومية منتصف عام 2018 وسيطرتها على أغلب مناطق درعا دون دخول القوات الحكومية إليها.
وقالت مصادر محلية في درعا إن قوات «الفرقة الرابعة» بقيادة ماهر شقيق الرئيس السوري بشار الأسد، والفرقة التاسعة تحاول اقتحام مدينة درعا البلد منذ ساعات الصباح الأولى ليوم الخميس من ثلاثة محاور النخلة وقصاد والقبة، وسط اشتباكات عنيفة وتصدي من قبل أبناء المنطقة.
وشهدت أحياء درعا البلد وطريق السد ومخيم درعا قصفا مكثفا براجمات الصواريخ والمدفعية والدبابات من قبل قوات النظام السوري، تمهيداً لهجوم عسكري على هذه المناطق، أدى إلى مقتل شخصين وإصابة آخرين من أبناء المنطقة.
وخسرت الفرقة الرابعة عددا من عناصرها أثناء محاولتها التقدم من محور منطقة القبة شرق درعا البلد، وتصدى أبناء المدينة للقوات المقتحمة، بالتزامن مع استمرار القصف المكثف بقذائف الهاون والدبابات على أحياء المدينة.
وأضافت المصادر أنه «رداً على هجوم قوات النظام السوري على مدينة درعا البلد هاجم مقاتلون محليون عدة نقاط وحواجز عسكرية تابعة للنظام السوري في ريف درعا الشرقي والغربي، حيث سيطر أبناء بلدة صيدا بريف درعا الشرقي على مفرزة عسكرية تابعة لجهاز الأمن العسكري، وحاجز جسر صيدا، وأسروا 25 عنصراً من قوات النظام السوري الموجودة على الحاجز والنقاط العسكرية الأخرى في البلدة، كما سيطر مقاتلون محليون على حاجز تابع لقوات النظام السوري في مدينة الحراك والمليحة الشرقية وبلدة أم المياذن بريف درعا الشرقي وأسروا جميع عناصره وسيطروا على دبابة وأسلحة موجودة على الحاجز، كما هاجم مقاتلون مفرزة عسكرية للأمن العسكري في بلدة الطيبة شرق درعا، وشن مقاتلون هجوماً عنيفاً على معسكر زيزون وبناء الري الذي تتمركز فيه قوات الفرقة الرابعة بين بلدات اليادودة والمزيريب وطفس غرب درعا، وسط قصف بقذائف الهاون على الأحياء السكنية في مدينة طفس وبلدة اليادودة، بالتزامن مع السيطرة على حواجز لقوات النظام السوري في بلدات تسيل وسحم الجولان والبكار والشجرة في منطقة حوض اليرموك بريف درعا الغربي، وإغلاق للطرقات العامة في معظم مناطق درعا، وحالة توتر واستنفار كبير تشهدها المحافظة، وبيانات مصورة بثها مقاتلون محليون يعلنون استهداف كامل نقاط وحواجز النظام السوري في كافة مناطق التسويات في درعا تضامناً مع ما يحدث في مدينة درعا البلد».
وأشار المصدر إلى أن مجموعة مقاتلة بريف درعا الشرقي قطعوا الأوتوستراد الدولي دمشق - درعا، على بعد 10 كلم من معبر نصيب الحدودي مع الأردن، أمام مجموعات النظام العسكرية القادمة من دمشق إلى درعا، في حين قالت إحدى المجموعات المحلية في شريط مصور إنهم أسروا 70 عنصراً للنظام السوري، وإن المرحلة القادمة الذهاب لداخل مدينة درعا البلد، كما قتل وجرح العديد من أبناء بلدات اليادودة وطفس نتيجة القصف على الأحياء السكنية وتشهد هذه المناطق حركة نزوح للأهالي، كما قتل ثلاثة أشخاص من مدينة طفس بريف درعا الغربي بينهم القيادي السابق معاذ الزعبي أثناء مشاركتهم في الهجوم على بناء الري الذي تتمركز فيه قوات الفرقة الرابعة، ويعتبر «الزعبي» أحد أبرز قادة الفصائل المحلية غرب درعا، وطالبت الفرقة الرابعة في وقت سابق، بترحيله برفقة خمسة آخرين باتجاه الشمال السوري.
وجاء ذلك التصعيد، بحسب مصادر مقربة من اللجنة المركزية للتفاوض في درعا، بعد فشل المفاوضات يوم الأربعاء التي استمرت حتى ساعات متأخرة من ليل الأربعاء «وسط تعنت الفرقة الرابعة وضباط من النظام السوري على نشر حواجز ومفارز أمنية داخل أحياء درعا البلد، وانتشار قوات للفرقة الرابعة في المنطقة الجنوبية الشرقية من المدينة وحي سجنة في درعا البلد».
وكانت قد عقدت لجان التفاوض المركزية الممثلة لمناطق ريف درعا الشرقي والغربي وقادة من الفيلق الخامس اجتماعاً، مساء أمس الأربعاء، في مدينة درعا، واتفقوا على انسحاب كامل قوات النظام السوري التي دخلت مدينة درعا البلد مؤخراً، ورفض نشر نقاط عسكرية في المدينة، وفي حال أصر النظام على ذلك أن توجد 3 نقاط فقط وهذه النقاط يشرف عليها عناصر من الفيلق الخامس من أبناء المحافظة، كما طالبوا بالتزام النظام السوري باتفاق التسوية الذي حدث عام 2018.
ورفضت اللجنة الأمنية التابعة للنظام مطالب اللجان المركزية في حوران مع الفيلق الخامس المدعوم من روسيا بعد اجتماع ليلة الأربعاء 28 يوليو (تموز) 2021، وكان مطلب اللجان واضحا بتهجير جميع الأهالي في درعا البلد وطريق السد والمخيمات والبالغ عددهم نحو 50 ألف نسمة، إلى مناطق آمنة في الأردن أو الشمال السوري، وفي حال رفض مطلبهم، سيتجه إلى خيار الحرب على المنطقة وهذا ما حدث صباح يوم الخميس.
وقالت مصادر خاصة إن اللواء الثامن التابع للفيلق الخامس المدعوم من روسيا توصل مع اللجنة الأمنية والعسكرية التابعة للنظام في درعا إلى وقف إطلاق النار في درعا البلد كمرحلة أولى لعملية وقف كامل للأعمال العسكرية في محافظة درعا بضمانة الجانب الروسي.
وقالت شبكة «نبأ» المعنية بنقل أخبار مدينة درعا المحلية إن مجموعات قتالية مما يُسمى «الحرس القومي العربي» المدعوم من «حزب الله» اللبناني تقاتل إلى جانب الفرقة الرابعة في هجومها على مدينة درعا من المحور الجنوبي، وبثت صوراً لمقاتلين من هذا التشكيل في أطراف مدينة درعا البلد.
وذكر موقع «درعا 24» أن حالة شديدة من التوتر الأمني في العديد من المدن البلدات في محافظة درعا، ويوجد مقاتلون محليون يسيطرون على العديد من الحواجز والنقاط الأمنية والعسكرية التابعة للسلطات السورية، وذلك ردّاً منهم على التصعيد العسكري الذي بدأ صباح اليوم على منطقة درعا البلد، وعلى القصف على الأحياء السكنية هناك، والذي نتج عنه قتلى وجرحى.
وأن المقاتلين المحليين من الخاضعين لاتفاق التسوية والمصالحة اعتبروا محاولة الجيش وقصفه أحياء درعا البلد وبعض المناطق الأخرى، يُعتبر خرقاً لاتفاق التسوية والمصالحة الذي تم عقده في العام 2018، ورداً على ذلك استنفرت جميع هذه المجموعات المحلية في مدن وبلدات الحراك وأم المياذن ونصيب وصيدا والطيبة وكحيل والنعيمة والسهوة ونوى وجاسم وإنخل وطفس وتسيل والشجرة وتل شهاب واليادودة والمزيريب والعجمي، والعديد من المناطق الأخرى.
وقال الاتحاد الدولي للصحافيين إن هناك مخاوف حيال مصير 11 صحافياً في درعا، ودعا الاتحاد الدولي لتأمين سلامتهم وسلامة عائلاتهم.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.