الأمم المتحدة تحذر من الخراب في حال فشل حوار الجزائر

برناردينو ليون: حسم أزمة ليبيا عسكريًّا لن يكون حلاًّ

TT

الأمم المتحدة تحذر من الخراب في حال فشل حوار الجزائر

بينما حذرت الأمم المتحدة، على لسان ممثلها في ليبيا برناردينو ليون، خلال افتتاح «منتدى الأحزاب الليبية» الذي عقد أمس بمشاركة قادة سياسيين ورؤساء أحزاب ليبية في الجزائر، من أن أمام الليبيين خيارين «إما الاتفاق السياسي أو الخراب»، أعلنت ميليشيات ما يسمى بعملية «فجر ليبيا» أن من سمتهم بالثوار غير ملزمين أبدا بنتائج حوار الجزائر. وقالت إن الثوار يرفضون أيضا ما سينتج عنه مسبقا.
واعتبر رئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا ليون، خلال افتتاح «منتدى الأحزاب الليبية» بالجزائر، أنه «ليس أمام ليبيا سوى خيارين اثنين، إما الاتفاق السياسي وإما الخراب، ونحن نعلم جيدا أن الخراب ليس خيارا». واعتبر ليون أن موعد اجتماع الجزائر «مناسب جدا» بسبب تزامنه مع «اجتماعات مهمة تجري في طبرق وطرابلس»، مشيرا إلى «رسالة دعم للمجتمعين الذين يتحادثون عن كيفية الاستمرار في الحوار». وقال ليون إن «أطراف الأزمة الليبية المجتمعين اليوم (أمس) بالجزائر، تقع عليهم مسؤولية البحث عن اتفاق سياسي لأنه الخيار الوحيد أمام الليبيين، أما الدمار في ليبيا فلا يمكن أن يكون خيارا».
وذكر ليون في افتتاح لقاء جمع نحو 20 شخصية ليبية، بهدف إطلاق حوار يفضي إلى تشكيل «حكومة وحدة وطنية»، أن الأمم المتحدة «تريد مساعدة الليبيين للبحث عن مخرج للأزمة، والأحزاب السياسية تؤدي دورا مهما في الحياة السياسية والاجتماعية للبلاد، وهي اليوم منخرطة في هذا الحوار بقوة، وإنني على يقين من أن قادتها سيحملون رسالة أمل إلى الشعب الليبي»، مشيرا إلى أن «اجتماعات مهمة تعقد حاليا في طبرق وطرابلس، وهي في حد ذاتها رسائل مهمة لدعم الحوار السياسي». وأفاد مبعوث بان كي مون إلى ليبيا بأن «البلاد تواجه تحديات كبيرة ترهن مصيرها. فالأوضاع الاقتصادية صعبة والأوضاع الأمنية أكثر صعوبة، وتزداد تعقيدا باستمرار المعارك في بعض المناطق. غير أن أخطر ما تواجهه ليبيا حاليا هو الإرهاب، الذي ينبغي تكثيف الجهود للقضاء عليه». وشدد ليون على أن «حسم الأزمة عسكريا لا يمكن اعتماده، لأنه ليس حلا بل يزيد الأزمة تفاقما».
ووصف دور الجزائر في البحث عن حل للأزمة بـ«المسهّل، كبقية الأدوار التي تقوم بها عدة دول بالمنطقة»، في إشارة إلى جلسات حوار جرت الأسبوع الماضي في الرباط بالمغرب. وأضاف ليون «أعلم أن اجتماعكم هذا لا يحل الأزمة من جذورها، فالأمر يتعلق بمسار طويل.. مسار يتكفل به الليبيون وحدهم، أما المجموعة الدولية فهي على استعداد لدعمهم». وقال إن لقاء الجزائر ليس اجتماعا يستمر يومين، إنما «مسار سلام بين الليبيين»، وإن «الأمم المتحدة ليست إلا عاملا مساعدا في الحوار». وحضر الاجتماع 150 من ممثلي الأحزاب السياسية وناشطون وحقوقيون ليبيون، من بينهم القيادي المتشدد في حزب الوطن عبد الحكيم بلحاج المسؤول العسكري السابق في «الجماعة الليبية المقاتلة» بطرابلس، ومحمد صوان زعيم حزب «الإخوان المسلمين».
لكن حزب الاتحاد الليبي قال في بيان له أمس إنه رفض دعوة الأمم المتحدة للمشاركة في جولة الحوار السياسي بالجزائر، مبررا موقفه بأن «هذه المرحلة الاستثنائية الحساسة من تاريخ ليبيا تقتضي تقليص دور الأحزاب السياسية، وعدم الانجرار وراء المصالح الشخصية الضيقة».
من جهته، دعا الوزير المنتدب للشؤون المغاربية والأفريقية في الجزائر عبد القادر مساهل الليبيين إلى «المزيد من الصبر والمثابرة لتحقيق التوافق الوطني».
إلى ذلك، قال المكتب الإعلامي لعملية «فجر ليبيا»، التي تسيطر على العاصمة طرابلس منذ الصيف الماضي، في بيان نشر بصفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إنه لا يعترف بحوار الجزائر. وقال «نحن كثوار ليبيا لا نعترف بالأحزاب المتصارعة اليوم على الساحة إلا بعد كتابة دستور يستفتى عليه الشعب». وصنف الأحزاب في ليبيا إلى ثلاثة أحزاب رئيسية، هي حزب تحالف القوى الوطنية الذي وصفه بأنه مرفوض رفضا تاما من كل الثوار ومن كل القوى الوطنية، كما رأى أن حزب العدالة والبناء الذي يعتبر الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا «مرفوض أيضا من شريحة كبيرة جدا من الثوار والوطنيين لأنه يدين بالولاء المطلق لهذه الجماعة على حساب الولاء لله ثم للوطن». في المقابل، أطلق حزب الإخوان الذي يشارك رئيسه محمد صوان في اجتماعات الجزائر مبادرة لإنهاء الانقسام السياسي في ليبيا، مشيرا إلى أن المبادرة جاءت لإدراكه أن مجلس النواب في طبرق والبرلمان السابق في طرابلس لم يعودا يمثلان الشعب الليبي بأكمله، على الرغم من إصرار المجتمع الدولي على الاعتراف بمجلس النواب، وعلى الرغم من حكم الدائرة الدستورية الذي جعله منعدما. وتضمنت المبادرة عدة مراحل، أولاها ما وصفه الحزب بمرحلة التوافق وتكون مدتها من 3 إلى 5 سنوات، وتنتهي بصياغة دستور يعبر عن جميع الليبيين من دون استثناء، بينما المرحلة الدائمة هي التي تبدأ بإصدار الدستور الدائم بعد التوافق عليه ثم الاستفتاء عليه. وجاء في المبادرة أن إنهاء الانقسام السياسي يكون باتفاق بين وفد من المؤتمر الوطني وآخر من مجلس النواب وباقي أعضاء الحوار، ويتم التوصل إلى مشروع مذكرة يصادق عليها المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب، وتصبح مُلزمة بالكامل لكليهما. وقال الحزب إن مشروع المذكرة يجب أن ينص على بنود رئيسية، أهمها إقالة حكومتي الثني والحاسي واعتبارهما حكومتي تسيير أعمال إلى حين التسليم إلى حكومة الوفاق الوطني، والتوافق على رئيس حكومة ونائبه، وتحديد الصلاحيات وعدد حقائب الحكومة والأهداف التي يجب على الحكومة تحقيقها. كما نصت المبادرة على اختيار رئيس المجلس الرئاسي ونائبه، وعدد زوجي من الأعضاء، ثم يقوم البرلمان السابق ومجلس النواب بتسليم السلطة للمجلس الرئاسي الذي يؤدي اليمين أمام رئيس المحكمة العليا، وذلك في احتفال رسمي يعلن فيه انتهاء الانقسام السياسي.
إلى ذلك، أعلنت هيئة الرقابة الإدارية التابعة للبرلمان السابق إحالة رئيس الوزراء السابق علي زيدان، ورئيس الحكومة الليبية عبد الله الثني، وثلاثة وزراء إلى التحقيق. وقالت هيئة الرقابة الإدارية إنها أحالت رئيس الوزراء السابق علي زيدان، ووزيري الخارجية محمد عبد العزيز والكهرباء علي محيريق السابقين بحكومته، ورئيس وزراء حكومة الأزمة السابق والرئيس الحالي للحكومة الانتقالية عبد الله الثني، إلى التحقيق. كما أعلنت إيقاف علي الهوني وزير الإعلام في حكومة الإنقاذ الوطني عن ممارسة مهام عمله احتياطيا لمصلحة العمل. وأكدت أن المسؤولين المذكورين أحيلوا للتحقيق، في انتظار منح قضاياهم أرقاما رسمية. ومع أنها لم توضح أسباب إحالتهم للتحقيق، فإنها أكدت أن المسؤولين المذكورين أحيلوا للتحقيق، في انتظار منح قضاياهم أرقاما رسمية. لكن مصدرا بمكتب النائب العام نفى في المقابل وصول أي طلبات أو إحالة رسمية من هيئة الرقابة الإدارية بشأن إحالة المسؤولين إلى التحقيق.
وفي تطور مثير للانتباه من شأنه تعقيد مساعي الحوار الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، أكد فرج بوهاشم الناطق الرسمي باسم مجلس النواب الليبي لـ«الشرق الأوسط» أمس أن المجلس قرر عقب جلسة عقدها بمقره المؤقت في مدينة طبرق بأقصى الشرق، تأجيل الحوار لمدة أسبوع. وقال إن المجلس طلب من الأمم المتحدة تأجيل المحادثات الهادفة لإنهاء الصراع على السلطة أسبوعا للسماح بمزيد من الوقت لبحث اقتراح لتشكيل حكومة وحدة وطنية. وأعلن بوهاشم أن المجلس طلب من أعضاء لجنة الحوار التواصل مع بعثة الأمم المتحدة للدعم وطلب تأجيل موعد جلسة الحوار القادمة ليتمكن المجلس من دراسة المقترحات التي قدمتها اللجنة اليوم دراسة وافية، موضحا أنه تم تعليق الجلسة إلى غد (الخميس).
وأوضح بو هاشم أن أعضاء مجلس النواب المكلفين بحضور جلسات الحوار في المغرب حضروا جلسة البرلمان المنتخب وأطلعوا أعضاءه على تفاصيل جلسات الحوار الماضية والتي عقدت بالمغرب بما في ذلك مقترحات مكتوبة لحكومة وفاق وطني، وترتيبات أمنية، موضحا أن أعضاء لجنة الحوار طلبوا تزويدهم بأسماء لحكومة الوفاق الوطني. وأعلن أن المجلس رفض اقتراح أية أسماء للحكومة المقترحة إلا وفق خارطة طريق واضحة المعالم، مشيرا إلى أن خارطة الطريق تتضمن 5 مراحل يجب الاتفاق عليها بوثيقة مكتوبة وأن تتناول الوثيقة الوضع القانوني والدستوري للحكومة وعلاقتها بمجلس النواب.



«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.