جعجع: عجزنا عن إحداث خرق في موقف عون

قزي يروي في «حارس قبر الجمهورية» كيف تراجع رئيس «القوات اللبنانية» وانتخب خصمه رئيساً للجمهورية (2 ـ 2)

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
TT

جعجع: عجزنا عن إحداث خرق في موقف عون

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»

في هذه الحلقة من كتاب «حارس قبر الجمهورية» الذي سيصدر قريباً عن «دار سائر المشرق» في بيروت للكاتب اللبناني فايز قزي، يروي تفاصيل اجتماعين له مع رئيس «حزب القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي كان منافساً للجنرال ميشال عون على منصب رئيس الجمهورية، ثم توصل الطرفان إلى «اتفاق معراب» الذي أسفر عن انسحاب جعجع من السباق الرئاسي، لا بل مشاركة نواب حزبه في انتخاب عون رئيساً للجمهورية عام 2016 بعد عامين من الفراغ الرئاسي عقب انتهاء ولاية الرئيس الأسبق ميشال سليمان. وينقل قزي عن جعجع قوله بعدما وصل عون إلى رئاسة الجمهورية أنه عجز عن إحداث خرق ولو بسيطاً في موقفه.
إن دخول رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع حلبة المنافسة، أعطى المعركة وجهاً مختلفاً. فكان أول المنافسين الجدّيين. ولكن ترشيحه لم يفضح مناورات حسن نصر الله وبشّار الأسد. بل زادها رسوخاً، وساعدهما بمشاركته في تحمّل جزء من مسؤولية الفراغ. فكان دعم ترشيح جعجع من تيّار المستقبل، واعتماد رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، نظرية الثلثَين لاكتمال النصاب في كلّ الدورات، سبباً كافياً لانسداد الأفق في توفير نصاب الجلسة وإمكانية انتخاب رئيس. ورغم أن نظرية النصاب {البِرّية} هذه مخالفة لنصّ المادة 49 من الدستور اللبناني روحاً ونصّاً، فقد نام المجلس النيابي في غفوة فراغ دستوري شامل امتدّت لسنتَين ونصف السنة في عملية ابتزاز الرأي العام بمسرحية «سلسلة جلسات».
كان يتمّ تحديد مواعيد لها مع معرفة مسبقة بعدم اكتمال النصاب، وليتحمّل النوابُ المقاطعون من دون عذر، وعلى رأسهم التيّار العوني، مسؤولية دعم مشروع فراغ «حزب الله»، بعد أن بيَنت الإحصاءات أن ميشال عون لا يحظى بأكثرية نيابية للفوز. فكرّست هذه المرحلة شعار: «الفراغ أو عون رئيساً».
وأضاف إعلان سمير جعجع ترشّحه لرئاسة الجمهورية، عنصراً جديداً لاستحالة اكتمال النصاب في المجلس، استغلّه «حزب الله» ليستر به مشروع الفراغ الذي ينفّذه لاستكمال وضع اليد على المؤسّسات.
دعاني الصديق شارل خوري لزيارة سمير جعجع في معراب، فرافقته. وتبيّن لي أن اللقاء جرى وفق موعدٍ مسبق، وأن شارل سبق وأخبر جعجع أنني عَبرتُ في جلسات حوارية مع مجموعة من الأصدقاء، أن «حزب الله» غيرُ صادقٍ في طرح ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وأن هذا ليس إلّا خطّة مدروسة هدفها المزيد من هدم النظام اللبناني، وتعطيل السلطات، وضرب المؤسّسات العسكرية والأمنية، لتأمين هيمنة الحزب على ساحة لبنان (الجزء) وإلحاقها بدولة الأمّ (الكلّ) في إيران...
في هذا اللقاء مع جعجع، المرشّح لرئاسة الجمهورية، استعدت ذكريات زيارتي الأولى له بعد خروجه من السجن سنة 2005 وسفره إلى باريس وعودته إلى منطقة الأرز. كان ثلج فبراير (شباط) يغطّي مسكنه حينذاك، وكنت مع وفدٍ من نقابة المؤسّسات السياحية والنقيب جان بيروتي. فبادرني جعجع قائلاً: «كيف تسلّلت إلى هذه المجموعة». فأجبتُه: «أنا عضو في النقابة ومستشارها القانوني ولست متسلِّلاً. وقد جئت برغبة علنية لأقول لك ما قد لا يرضيك، إلّا أنني أتمنّى عليك أن تسمعني، ولو من موقعي كصديقٍ لميشال عون. أنت الآن رقم سياسي مسيحي صعب، وميشال عون رقم سياسي مسيحي صعب، فإن اجتمعتما يستحيل خروج منصب الرئاسة منكما. يومها أذكر أنك غضِبتَ وقلتَ لي: «ومن يقنع صديقكَ وليد جنبلاط بانتخابه»؟ فقلتُ: «إنها الاستحالة التي يستعملها الثنائي الشيعي لمصادرة مجلس النواب».
استعدت في لقائي مع جعجع المرشّح للرئاسة مرّة جديدة هذه الفرضية السابقة، فسألني: «وما رأيك اليوم وقد أصبحتَ مخاصماً لعون؟» فأجبتُ وأكّدتُ: «اليوم أعود علناً لا متسلِّلاً، ومن موقع الخصومة للجنرال عون، لأطلب منك ألا تتمسّك بإعلان ترشّحك لرئاسة الجمهورية، فتساهم بمؤامرة الفراغ التي يقودها (حزب الله). ورغم أني قطعت علاقتي بالجنرال عون الممتدّة من العام 1985 حتى فبراير 2006 وأنا اليوم أقرب لنهجك السياسي، إلّا أنني أتمنّى أن تتريّث وتتراجع موقّتاً عن منافسة عون. فلا يحمّلك بعض الرأي العام المسيحي مسؤولية الفراغ وتعطيل الانتخابات، فتكون بالتالي مسؤولية الفراغ ملقاة على عاتق (حزب الله) الذي ستنكشف أوراقه أمام ميشال عون. عندها ستستفيد أنت من التصادم الناجم عن تراجع (حزب الله) عن مزاعمه في تأييد ميشال عون».
لشعوري أن جعجع كان أكثر صبراً في الاستماع، تابعت موضحاً: «(حزب الله) لا يمكن أن يضع ثقته برجل لا يملك ثبات الموقف بعد نيل مبتغاه. أضف إلى ذلك عصبيته المسيحية العميقة، وعلاقاته الإسرائيلية التي قادته إلى الكونغرس الأميركي، للمطالبة بمحاسبة سوريا، واستقباله سامي مارون لربط علاقته بإسرائيل، وانتظامه مع بشير الجميّل يوم كان ضابطاً يسمى بـ (رعد) (الاسم الحركي لميشال عون في الحرب الأهلية) ثم قائداً للجيش اللبناني باقتراح ورضا أمين الجميّل، ومستضيفاً المرسلين العسكريين الأميركيين، وانقلاباته على الرفاق والحلفاء... كلّ هذه المواصفات يدركها (حزب الله). ولديه أكثر من ذلك. وأنا خبيرٌ بوثائق وأدبيات ومواثيق الحزب ومرجعياته، ولقد أضعت سنوات طويلة في هذا البحث متفرّغاً خاصة بعد العام 2006 للتعمّق في الثورة الإيرانية دستوراً وشرعاً وعقيدة ونهجاً وغزواً. لذلك من غير المجدي وطنياً منافسة المرشّح ميشال عون، بل يجب كشف لعبة الفراغ التي هي الهدف الأول والغاية النهائية للحزب، وما ترشيح عون سوى مناورة وأحد الأسباب المعطّلة للانتخابات. وسحب ترشّحك يمنع عن الحزب هذا الغطاء».
بعدما أنهيت كلامي بادرني جعجع قائلا: «ما تقوله فيه بعض الحقيقة، لكن ماذا لو تحوّلتْ هذه المناورة من فراغٍ إلى ترشيح؟» عندها خطرت ببالي تجربة أكراد العراق. فقلت: «هذا احتمال لا تتجاوز نسبة حصوله الواحد في المائة. لكن إذا تحقّق ذلك تكون قد أنجزت الاختراق الذي يفتح لك أبواب الدخول إلى البيئة التي سيطر عليها عون من خلال ادّعاءات مسيحية وتحريرية ووطنية. ويكون قد ذهب هو إلى مغامرة ومغارة التسلّط والحكم، على غرار جلال الطالباني، الذي قَبِلَ العرض الأميركي - الإيراني له برئاسة العراق بعد صدّام حسين. فترك الإقليم الكردي ليجلس على كرسي رئاسة الجمهورية العراقية في بغداد، وبقي البرزاني في الإقليم الكردي ليحصد محبّة شعبه بإجماعٍ شامل».
بعد شهورٍ قليلة بدأ الحراك على خطّ الرابية - معراب، تولّاها الوزير ملحم رياشي موفداً من قبل سمير جعجع، تقابلها زيارات للنائب في التيّار الوطني الحرّ إبراهيم كنعان موفداً من ميشال عون إلى معراب. واستمرّت هذه المشاورات شهوراً قبل أن يعلن سمير جعجع انسحابه لمصلحة عون وليوقّع اتفاق معراب في 19 يناير (كانون الثاني) 2016، فتبادل عون وجعجع رفع نخب الفرح بتحقيق انتصار ظاهري عظيم.
-- الحريري يناور
احتفال عون في معراب أثار حفيظة سعد الحريري الذي ظنّ سوءاً في تحوّل القوّات. وردّاً على مفاجأة جعجع واتفاق معراب، استمر سعد الحريري بمناورته في ترشيح سليمان فرنجية في الفترة الأولى، لكنه فشل بتأمين النصاب. واستمرّ «حزب الله» وسوريا في مناورة تعطيل النصاب. وبعد فشل انعقاد الجلسات، وبعد أن باتت الأرجحية الشعبية المسيحية لمصلحة اتفاق معراب، اضطر الحريري للتخلّي عن مناورته بترشيح سليمان فرنجية واستبدالها بواسطة حصّة سخية من عون تُوفر له ركوب رئاسة مجلس الوزراء حتى نهاية العهد. وكان هذا التحوّل الشعرة التي أسقطت جانب المناورة عند جعجع، فتحوّلت إلى واقعٍ وحقيقة. وانكشفت باطنية «حزب الله» فاضطرّ الحزب لإعلان الاسم الكامل للمرشّح ميشال عون. وبات عون رقماً مسيحياً يستحيل تجاوزه، وأسقط بيد الحزب واضطرَّ للتخلّي عن مشروع الفراغ لإعلان الاسم الكامل لمرشّحه ميشال عون.
-- لقاءٌ ثانٍ مع جعجع
بعد زيارتي لجعجع، انقطعت عن لقائه، وتابعت عن بُعد مفاوضات جعجع وعون ولم أكن أهتمّ فعلاً بتفاصيلها ومصيرها. وبتاريخ 2 - 4 - 2016 دعيت مع زوجتي إلى عشاءٍ في منزل الصديق نديم قمير وزوجته دينا في الأشرفية. وكان إلى الطاولة سمير جعجع وجبران باسيل وشامل روكز وزوجاتهم.
قبل نهاية العشاء، انسحب سمير جعجع من وسط الطاولة وطلب مني مرافقته إلى غرفة داخلية ليفاجئني بقوله:
- إننا لم نتمكّن حتى اليوم أن نحدث ولو خرقاً بسيطاً في موقف صاحبك (عون).
- لقد وقّعتم الاتفاق منذ فترة طويلة وأنت أيضاً بدأت تتعرّض للشكّ والاتّهام وتخسر من رصيدك، فلماذا إذن لا تضع نهاية للقضية. وأردفتُ بالفرنسية chute)سقوط).
- وكيف ترى chute؟
- أما وقد تأكّدتَ من عدم تبديل عون فلماذا لا تبتدع حلّاً مفاجئاً للخروج من المأزق؟
- وما برأيك الحلّ الممكن؟
- البارحة صرّح الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـ«حزب الله» أن عودة لبنان إلى المارونية السياسية لم تعد مقبولة ولا ممكنة. فاخرج أنت بردٍّ صاعق واتّهمه بأن لبنان لا يمكن تحويله إلى ولاية إيرانية، فتحرج بذلك ميشال عون، فإما يتضامن معك وتكون قد حقّقت التغيير الذي تتمنّاه، وإما أن يرفض ويكون لك السبب الشرعي لاسترداد تعهدك بترشيحه.
هنا دخلت السيّدة دينا قمير لتطالبنا بالعودة إلى المائدة والضيوف. أنهينا العشاء وافترقنا على أملٍ لم يتحقّق. إذ لم يذهب إلى صيغة للرجوع عن تعهده، بل ثبت وقبل تحويل المناورة إلى اتفاق تبادل المنافع، ورضي بوعودٍ عونية لم يتمّ تنفيذها.
-- برّي يخرج أرْنَبه
رغم تأييد جعجع لترشيح عون، حاول الحريري بردّة فعلٍ عصبية، طرح سليمان فرنجية خصم، جعجع السياسي، مرشّحاً لرئاسة الجمهورية. ولكن تمنّع «حزب الله» عن التجاوب العلني مع ثنائي الحريري فرنجية. أسقط رهان الحريري على الاستمرار في تأييد فرنجية، ليخضع فيتحوّل إلى قبول العرض العوني بالمشاركة في ثنائية حكم العهد الكامل برأسَين: عون - حريري، فاكتمل الوفاق المسيحي السنّي على ميشال عون. وسارع «حزب الله»، لتغطية مشروع الفراغ الذي أتبعه، ليعلن تأييده العلني للمرّة الأولى لميشال عون. وساهم نبيه برّي رئيس المجلس النيابي، الخصم اللدود لميشال عون، بإيجاد المخارج لتبديل الصورة. فكانت جلسة مجلس النواب، التي عُقِدَت بتاريخ 31 - 10 - 2016، بعيدة من مفاهيم الاقتراع في الشكل والمضمون. وتحوّلت إلى مسرحية، فيها أرانب كثيرة، ودورات ثلاث أُلغيت لزيادة عدد الناخبين عن عدد النواب الحاضرين، ووجود ورقة انتخاب واحدة لغانية منافسة، ليؤشّر إلى مصيرٍ مجهول للجمهورية المولودة.
بات واضحاً أن عون سيكون الفائز بأكثرية أصوات النواب إذا اكتمل النصاب. لكنّ عون ذا الطبع الشكّاك والحذر أصرّ على استمرار التعطيل حتى يثبت له بالدليل القاطع أن لا منافس يخبّئه خصومه. ولم يوافق على حضور جلسات الانتخاب وإكمال النصاب، إلّا بعد إعلان كلّ الفرق الانتخابية دعمها العلني له. وعندها فقط تجرّأ وأقدم على ارتكاب المغامرة، التي رافقت قسمات وجهه المتجهّم، والتي ازدادت تشنّجاً في الدورات الأربع التي أنجبت الأرنب البرّي، بعد جلسات فولكلورية. وقد كشف ذلك تلعثُمه عند قراءة القسَم الرئاسي وإقدام برّي ومساعدته مع ابتسامة صفراء.
هكذا اجتاز عون كلّ الدفوع الشكلية والعملية التي كان يتمسّك بها وقبل انتخابه في ظروفٍ ومعطيات تنكرت لادعاءاته الشعبوية على رفضها:
من مجلس النواب غير مؤهّل وغير شرعي للانتخاب لأنه ارتكب جرم التمديد غير القانوني لنفسه بدل أن يلجأ إلى إعادة انتخابه.
إلى أن الانتخابات لا يجوز أن تتمّ في ظلّ احتلالٍ أجنبي (سوري أو إيراني أو إسرائيلي) وبات راضياً ومستعجلاً الانتقال إلى بعبدا.
وليتبيّن بعد الوصول أنه حصل على أصواتٍ تمّت رشوتها وشراؤها بوعود كاذبة أو غير صادقة.
-- عون المنتخَب ونوبات الحراسة في بعبدا
الطلقة الأولى التي سدّدها العهد على رأس الجمهورية كانت في قبوله تمديد ولاية مجلس النواب بذريعة وضع قانون جديد. ثم بدأت عملية حياكة قوانين انتخابية جديدة في مطابخ المنظّرين والانتهازيين والوصوليين. تولّى إدارة الحبكة الرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل والوزير «الوديعة» سليم جريصاتي، ونائب رئيس المجلس إيلي الفرزلي المتنقّل Ambulant بين ولاية دمشق «والولاية القوية» والحاضر دائماً وأبداً لخدمة «الزعيم»، بصرف النظر عن توجّهاته وهواه السياسي وعقيدته.
لاقى قانون الانتخاب، الذي استولده الفرزلي الأرثوذكسي، استحساناً في أوساط عون وباسيل خاصة. فأطلق عليه اسم القانون الأرثوذكسي الذي حَصَرَ الدائرة الانتخابية بالمذهب فقط. وهكذا يتحوّل لبنان فعلاً إلى مولِّد لمجلسٍ نيابي يشبه مذاهبه المتناقضة فتتحقّق نظرية منع «استيلاد» نواب للمسيحيين من أصوات إسلامية ويحقّق العونيون شعاراتهم الشعبوية في انتخاب نوابهم المسيحيين.
وانطلقت صفّارات العهد القوي لتسويق هذا القانون الذي تنكر له رئيسُ حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع بعد أن قبله. وما لبث أن سقط القانون. وتوتّرت العلاقات بين التيّار الوطني الحرّ والقوّات اللبنانية. فانتقل عون دفعة واحدة وتيّاره وأتباعه إلى تبنّي فكرة القانون النسبي كردِّ فعلٍ على معارضة حزب القوّات اللبنانية للقانون (الأرثوذكسي). وبتاريخ 10 - 5 - 2017 نشرت جريدة الأخبار، الموالية لـ«حزب الله» وفريقه السياسي، في صفحتها الأولى كتاباً مفتوحاً موجّهاً من الصحافي المخضرم والباحث السياسي المقرّب من ميشال عون إدمون صعب لعون بعنوان: «أوقف بيع الأوهام للمسيحيين قبل خراب البيت».
كفى مناورات بأن في الإمكان صوغ قانون انتخاب يمكّن المسيحيين من انتخاب نوابهم الـ٦٤ بأصواتهم، وخصوصاً عندما يكونون يتناقصون بسرعة صاروخية وباتوا يشكّلون ثلث عدد اللبنانيين المقيمين. وإذا كان هناك إصرار على الـ٦٤ نائبا بأصوات المسيحيين فإن ذلك لا يمكن أن يتحقّق إلّا في ظّل تقسيم لبنان إلى دوقيات طائفية ومذهبية يناسبها ما أطلق عليه «القانون الأرثوذكسي» الذي ينتج برلماناً طائفياً.لماذا لا تقول لمستشاريك: إن اللعبة انتهت، وإن المطلوب مشروع لقانون انتخاب يعتمد النسبية ويصحّح التمثيل المسيحي تدريجاً، ويحقّق العدالة والمساواة للجميع، «ويدرء الخطر المحدق بالوحدة الوطنية، درع الأمان».
«مطلوبٌ من (بي الكلّ) أن يبادر بسرعة قبل انهيار السدّ وخراب البيت».
لكن الكاتب نسي أن الجنرال، الذي كان يسمع ويقرأ، نزع لباس «التضحية والشرف والوفاء» وركب في قاطرة الممانعين ليرعى ويحرس تحويل جمهورية إلى مشروع ولاية. هكذا بدأت رحلة تحوّل المسار إلى معادلة تفريغ الجمهورية لتغدو بلا سيادة، يقبل رئيسها رتبة حارس يسيء ويستغلّ استثمار نضال اللبنانيين، ودماء الشهداء، فيعمم الفقر والجوع، والتخلّف والعزلة العربية والانكفاء الدولي. ويخدع «الشعب العظيم» بتنصيبه «حارساً» لرئاسة الجمهورية ليسلّمها لمغتصبيها في حالة الموت السريري.
هكذا يتهافت حارس الجمهورية لقبول الشروط «وللمشاركة» بتعيينه حارساً، ليس فقط برفع الأيدي، بل بالصوت والصورة، الموثّقَين في دفاتر السفارات ومجالس الإقطاعَين السياسي والمالي، ويحدث كلّ ذلك باسم الميثاقية والدستور.

«حارس قبر الجمهورية»: عون عاد إلى بعبدا بقطار إيراني حارساً لا رئيساً



الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».