جعجع: عجزنا عن إحداث خرق في موقف عون

قزي يروي في «حارس قبر الجمهورية» كيف تراجع رئيس «القوات اللبنانية» وانتخب خصمه رئيساً للجمهورية (2 ـ 2)

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
TT

جعجع: عجزنا عن إحداث خرق في موقف عون

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»

في هذه الحلقة من كتاب «حارس قبر الجمهورية» الذي سيصدر قريباً عن «دار سائر المشرق» في بيروت للكاتب اللبناني فايز قزي، يروي تفاصيل اجتماعين له مع رئيس «حزب القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي كان منافساً للجنرال ميشال عون على منصب رئيس الجمهورية، ثم توصل الطرفان إلى «اتفاق معراب» الذي أسفر عن انسحاب جعجع من السباق الرئاسي، لا بل مشاركة نواب حزبه في انتخاب عون رئيساً للجمهورية عام 2016 بعد عامين من الفراغ الرئاسي عقب انتهاء ولاية الرئيس الأسبق ميشال سليمان. وينقل قزي عن جعجع قوله بعدما وصل عون إلى رئاسة الجمهورية أنه عجز عن إحداث خرق ولو بسيطاً في موقفه.
إن دخول رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع حلبة المنافسة، أعطى المعركة وجهاً مختلفاً. فكان أول المنافسين الجدّيين. ولكن ترشيحه لم يفضح مناورات حسن نصر الله وبشّار الأسد. بل زادها رسوخاً، وساعدهما بمشاركته في تحمّل جزء من مسؤولية الفراغ. فكان دعم ترشيح جعجع من تيّار المستقبل، واعتماد رئيس مجلس النواب، نبيه برّي، نظرية الثلثَين لاكتمال النصاب في كلّ الدورات، سبباً كافياً لانسداد الأفق في توفير نصاب الجلسة وإمكانية انتخاب رئيس. ورغم أن نظرية النصاب {البِرّية} هذه مخالفة لنصّ المادة 49 من الدستور اللبناني روحاً ونصّاً، فقد نام المجلس النيابي في غفوة فراغ دستوري شامل امتدّت لسنتَين ونصف السنة في عملية ابتزاز الرأي العام بمسرحية «سلسلة جلسات».
كان يتمّ تحديد مواعيد لها مع معرفة مسبقة بعدم اكتمال النصاب، وليتحمّل النوابُ المقاطعون من دون عذر، وعلى رأسهم التيّار العوني، مسؤولية دعم مشروع فراغ «حزب الله»، بعد أن بيَنت الإحصاءات أن ميشال عون لا يحظى بأكثرية نيابية للفوز. فكرّست هذه المرحلة شعار: «الفراغ أو عون رئيساً».
وأضاف إعلان سمير جعجع ترشّحه لرئاسة الجمهورية، عنصراً جديداً لاستحالة اكتمال النصاب في المجلس، استغلّه «حزب الله» ليستر به مشروع الفراغ الذي ينفّذه لاستكمال وضع اليد على المؤسّسات.
دعاني الصديق شارل خوري لزيارة سمير جعجع في معراب، فرافقته. وتبيّن لي أن اللقاء جرى وفق موعدٍ مسبق، وأن شارل سبق وأخبر جعجع أنني عَبرتُ في جلسات حوارية مع مجموعة من الأصدقاء، أن «حزب الله» غيرُ صادقٍ في طرح ميشال عون لرئاسة الجمهورية، وأن هذا ليس إلّا خطّة مدروسة هدفها المزيد من هدم النظام اللبناني، وتعطيل السلطات، وضرب المؤسّسات العسكرية والأمنية، لتأمين هيمنة الحزب على ساحة لبنان (الجزء) وإلحاقها بدولة الأمّ (الكلّ) في إيران...
في هذا اللقاء مع جعجع، المرشّح لرئاسة الجمهورية، استعدت ذكريات زيارتي الأولى له بعد خروجه من السجن سنة 2005 وسفره إلى باريس وعودته إلى منطقة الأرز. كان ثلج فبراير (شباط) يغطّي مسكنه حينذاك، وكنت مع وفدٍ من نقابة المؤسّسات السياحية والنقيب جان بيروتي. فبادرني جعجع قائلاً: «كيف تسلّلت إلى هذه المجموعة». فأجبتُه: «أنا عضو في النقابة ومستشارها القانوني ولست متسلِّلاً. وقد جئت برغبة علنية لأقول لك ما قد لا يرضيك، إلّا أنني أتمنّى عليك أن تسمعني، ولو من موقعي كصديقٍ لميشال عون. أنت الآن رقم سياسي مسيحي صعب، وميشال عون رقم سياسي مسيحي صعب، فإن اجتمعتما يستحيل خروج منصب الرئاسة منكما. يومها أذكر أنك غضِبتَ وقلتَ لي: «ومن يقنع صديقكَ وليد جنبلاط بانتخابه»؟ فقلتُ: «إنها الاستحالة التي يستعملها الثنائي الشيعي لمصادرة مجلس النواب».
استعدت في لقائي مع جعجع المرشّح للرئاسة مرّة جديدة هذه الفرضية السابقة، فسألني: «وما رأيك اليوم وقد أصبحتَ مخاصماً لعون؟» فأجبتُ وأكّدتُ: «اليوم أعود علناً لا متسلِّلاً، ومن موقع الخصومة للجنرال عون، لأطلب منك ألا تتمسّك بإعلان ترشّحك لرئاسة الجمهورية، فتساهم بمؤامرة الفراغ التي يقودها (حزب الله). ورغم أني قطعت علاقتي بالجنرال عون الممتدّة من العام 1985 حتى فبراير 2006 وأنا اليوم أقرب لنهجك السياسي، إلّا أنني أتمنّى أن تتريّث وتتراجع موقّتاً عن منافسة عون. فلا يحمّلك بعض الرأي العام المسيحي مسؤولية الفراغ وتعطيل الانتخابات، فتكون بالتالي مسؤولية الفراغ ملقاة على عاتق (حزب الله) الذي ستنكشف أوراقه أمام ميشال عون. عندها ستستفيد أنت من التصادم الناجم عن تراجع (حزب الله) عن مزاعمه في تأييد ميشال عون».
لشعوري أن جعجع كان أكثر صبراً في الاستماع، تابعت موضحاً: «(حزب الله) لا يمكن أن يضع ثقته برجل لا يملك ثبات الموقف بعد نيل مبتغاه. أضف إلى ذلك عصبيته المسيحية العميقة، وعلاقاته الإسرائيلية التي قادته إلى الكونغرس الأميركي، للمطالبة بمحاسبة سوريا، واستقباله سامي مارون لربط علاقته بإسرائيل، وانتظامه مع بشير الجميّل يوم كان ضابطاً يسمى بـ (رعد) (الاسم الحركي لميشال عون في الحرب الأهلية) ثم قائداً للجيش اللبناني باقتراح ورضا أمين الجميّل، ومستضيفاً المرسلين العسكريين الأميركيين، وانقلاباته على الرفاق والحلفاء... كلّ هذه المواصفات يدركها (حزب الله). ولديه أكثر من ذلك. وأنا خبيرٌ بوثائق وأدبيات ومواثيق الحزب ومرجعياته، ولقد أضعت سنوات طويلة في هذا البحث متفرّغاً خاصة بعد العام 2006 للتعمّق في الثورة الإيرانية دستوراً وشرعاً وعقيدة ونهجاً وغزواً. لذلك من غير المجدي وطنياً منافسة المرشّح ميشال عون، بل يجب كشف لعبة الفراغ التي هي الهدف الأول والغاية النهائية للحزب، وما ترشيح عون سوى مناورة وأحد الأسباب المعطّلة للانتخابات. وسحب ترشّحك يمنع عن الحزب هذا الغطاء».
بعدما أنهيت كلامي بادرني جعجع قائلا: «ما تقوله فيه بعض الحقيقة، لكن ماذا لو تحوّلتْ هذه المناورة من فراغٍ إلى ترشيح؟» عندها خطرت ببالي تجربة أكراد العراق. فقلت: «هذا احتمال لا تتجاوز نسبة حصوله الواحد في المائة. لكن إذا تحقّق ذلك تكون قد أنجزت الاختراق الذي يفتح لك أبواب الدخول إلى البيئة التي سيطر عليها عون من خلال ادّعاءات مسيحية وتحريرية ووطنية. ويكون قد ذهب هو إلى مغامرة ومغارة التسلّط والحكم، على غرار جلال الطالباني، الذي قَبِلَ العرض الأميركي - الإيراني له برئاسة العراق بعد صدّام حسين. فترك الإقليم الكردي ليجلس على كرسي رئاسة الجمهورية العراقية في بغداد، وبقي البرزاني في الإقليم الكردي ليحصد محبّة شعبه بإجماعٍ شامل».
بعد شهورٍ قليلة بدأ الحراك على خطّ الرابية - معراب، تولّاها الوزير ملحم رياشي موفداً من قبل سمير جعجع، تقابلها زيارات للنائب في التيّار الوطني الحرّ إبراهيم كنعان موفداً من ميشال عون إلى معراب. واستمرّت هذه المشاورات شهوراً قبل أن يعلن سمير جعجع انسحابه لمصلحة عون وليوقّع اتفاق معراب في 19 يناير (كانون الثاني) 2016، فتبادل عون وجعجع رفع نخب الفرح بتحقيق انتصار ظاهري عظيم.
-- الحريري يناور
احتفال عون في معراب أثار حفيظة سعد الحريري الذي ظنّ سوءاً في تحوّل القوّات. وردّاً على مفاجأة جعجع واتفاق معراب، استمر سعد الحريري بمناورته في ترشيح سليمان فرنجية في الفترة الأولى، لكنه فشل بتأمين النصاب. واستمرّ «حزب الله» وسوريا في مناورة تعطيل النصاب. وبعد فشل انعقاد الجلسات، وبعد أن باتت الأرجحية الشعبية المسيحية لمصلحة اتفاق معراب، اضطر الحريري للتخلّي عن مناورته بترشيح سليمان فرنجية واستبدالها بواسطة حصّة سخية من عون تُوفر له ركوب رئاسة مجلس الوزراء حتى نهاية العهد. وكان هذا التحوّل الشعرة التي أسقطت جانب المناورة عند جعجع، فتحوّلت إلى واقعٍ وحقيقة. وانكشفت باطنية «حزب الله» فاضطرّ الحزب لإعلان الاسم الكامل للمرشّح ميشال عون. وبات عون رقماً مسيحياً يستحيل تجاوزه، وأسقط بيد الحزب واضطرَّ للتخلّي عن مشروع الفراغ لإعلان الاسم الكامل لمرشّحه ميشال عون.
-- لقاءٌ ثانٍ مع جعجع
بعد زيارتي لجعجع، انقطعت عن لقائه، وتابعت عن بُعد مفاوضات جعجع وعون ولم أكن أهتمّ فعلاً بتفاصيلها ومصيرها. وبتاريخ 2 - 4 - 2016 دعيت مع زوجتي إلى عشاءٍ في منزل الصديق نديم قمير وزوجته دينا في الأشرفية. وكان إلى الطاولة سمير جعجع وجبران باسيل وشامل روكز وزوجاتهم.
قبل نهاية العشاء، انسحب سمير جعجع من وسط الطاولة وطلب مني مرافقته إلى غرفة داخلية ليفاجئني بقوله:
- إننا لم نتمكّن حتى اليوم أن نحدث ولو خرقاً بسيطاً في موقف صاحبك (عون).
- لقد وقّعتم الاتفاق منذ فترة طويلة وأنت أيضاً بدأت تتعرّض للشكّ والاتّهام وتخسر من رصيدك، فلماذا إذن لا تضع نهاية للقضية. وأردفتُ بالفرنسية chute)سقوط).
- وكيف ترى chute؟
- أما وقد تأكّدتَ من عدم تبديل عون فلماذا لا تبتدع حلّاً مفاجئاً للخروج من المأزق؟
- وما برأيك الحلّ الممكن؟
- البارحة صرّح الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـ«حزب الله» أن عودة لبنان إلى المارونية السياسية لم تعد مقبولة ولا ممكنة. فاخرج أنت بردٍّ صاعق واتّهمه بأن لبنان لا يمكن تحويله إلى ولاية إيرانية، فتحرج بذلك ميشال عون، فإما يتضامن معك وتكون قد حقّقت التغيير الذي تتمنّاه، وإما أن يرفض ويكون لك السبب الشرعي لاسترداد تعهدك بترشيحه.
هنا دخلت السيّدة دينا قمير لتطالبنا بالعودة إلى المائدة والضيوف. أنهينا العشاء وافترقنا على أملٍ لم يتحقّق. إذ لم يذهب إلى صيغة للرجوع عن تعهده، بل ثبت وقبل تحويل المناورة إلى اتفاق تبادل المنافع، ورضي بوعودٍ عونية لم يتمّ تنفيذها.
-- برّي يخرج أرْنَبه
رغم تأييد جعجع لترشيح عون، حاول الحريري بردّة فعلٍ عصبية، طرح سليمان فرنجية خصم، جعجع السياسي، مرشّحاً لرئاسة الجمهورية. ولكن تمنّع «حزب الله» عن التجاوب العلني مع ثنائي الحريري فرنجية. أسقط رهان الحريري على الاستمرار في تأييد فرنجية، ليخضع فيتحوّل إلى قبول العرض العوني بالمشاركة في ثنائية حكم العهد الكامل برأسَين: عون - حريري، فاكتمل الوفاق المسيحي السنّي على ميشال عون. وسارع «حزب الله»، لتغطية مشروع الفراغ الذي أتبعه، ليعلن تأييده العلني للمرّة الأولى لميشال عون. وساهم نبيه برّي رئيس المجلس النيابي، الخصم اللدود لميشال عون، بإيجاد المخارج لتبديل الصورة. فكانت جلسة مجلس النواب، التي عُقِدَت بتاريخ 31 - 10 - 2016، بعيدة من مفاهيم الاقتراع في الشكل والمضمون. وتحوّلت إلى مسرحية، فيها أرانب كثيرة، ودورات ثلاث أُلغيت لزيادة عدد الناخبين عن عدد النواب الحاضرين، ووجود ورقة انتخاب واحدة لغانية منافسة، ليؤشّر إلى مصيرٍ مجهول للجمهورية المولودة.
بات واضحاً أن عون سيكون الفائز بأكثرية أصوات النواب إذا اكتمل النصاب. لكنّ عون ذا الطبع الشكّاك والحذر أصرّ على استمرار التعطيل حتى يثبت له بالدليل القاطع أن لا منافس يخبّئه خصومه. ولم يوافق على حضور جلسات الانتخاب وإكمال النصاب، إلّا بعد إعلان كلّ الفرق الانتخابية دعمها العلني له. وعندها فقط تجرّأ وأقدم على ارتكاب المغامرة، التي رافقت قسمات وجهه المتجهّم، والتي ازدادت تشنّجاً في الدورات الأربع التي أنجبت الأرنب البرّي، بعد جلسات فولكلورية. وقد كشف ذلك تلعثُمه عند قراءة القسَم الرئاسي وإقدام برّي ومساعدته مع ابتسامة صفراء.
هكذا اجتاز عون كلّ الدفوع الشكلية والعملية التي كان يتمسّك بها وقبل انتخابه في ظروفٍ ومعطيات تنكرت لادعاءاته الشعبوية على رفضها:
من مجلس النواب غير مؤهّل وغير شرعي للانتخاب لأنه ارتكب جرم التمديد غير القانوني لنفسه بدل أن يلجأ إلى إعادة انتخابه.
إلى أن الانتخابات لا يجوز أن تتمّ في ظلّ احتلالٍ أجنبي (سوري أو إيراني أو إسرائيلي) وبات راضياً ومستعجلاً الانتقال إلى بعبدا.
وليتبيّن بعد الوصول أنه حصل على أصواتٍ تمّت رشوتها وشراؤها بوعود كاذبة أو غير صادقة.
-- عون المنتخَب ونوبات الحراسة في بعبدا
الطلقة الأولى التي سدّدها العهد على رأس الجمهورية كانت في قبوله تمديد ولاية مجلس النواب بذريعة وضع قانون جديد. ثم بدأت عملية حياكة قوانين انتخابية جديدة في مطابخ المنظّرين والانتهازيين والوصوليين. تولّى إدارة الحبكة الرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل والوزير «الوديعة» سليم جريصاتي، ونائب رئيس المجلس إيلي الفرزلي المتنقّل Ambulant بين ولاية دمشق «والولاية القوية» والحاضر دائماً وأبداً لخدمة «الزعيم»، بصرف النظر عن توجّهاته وهواه السياسي وعقيدته.
لاقى قانون الانتخاب، الذي استولده الفرزلي الأرثوذكسي، استحساناً في أوساط عون وباسيل خاصة. فأطلق عليه اسم القانون الأرثوذكسي الذي حَصَرَ الدائرة الانتخابية بالمذهب فقط. وهكذا يتحوّل لبنان فعلاً إلى مولِّد لمجلسٍ نيابي يشبه مذاهبه المتناقضة فتتحقّق نظرية منع «استيلاد» نواب للمسيحيين من أصوات إسلامية ويحقّق العونيون شعاراتهم الشعبوية في انتخاب نوابهم المسيحيين.
وانطلقت صفّارات العهد القوي لتسويق هذا القانون الذي تنكر له رئيسُ حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع بعد أن قبله. وما لبث أن سقط القانون. وتوتّرت العلاقات بين التيّار الوطني الحرّ والقوّات اللبنانية. فانتقل عون دفعة واحدة وتيّاره وأتباعه إلى تبنّي فكرة القانون النسبي كردِّ فعلٍ على معارضة حزب القوّات اللبنانية للقانون (الأرثوذكسي). وبتاريخ 10 - 5 - 2017 نشرت جريدة الأخبار، الموالية لـ«حزب الله» وفريقه السياسي، في صفحتها الأولى كتاباً مفتوحاً موجّهاً من الصحافي المخضرم والباحث السياسي المقرّب من ميشال عون إدمون صعب لعون بعنوان: «أوقف بيع الأوهام للمسيحيين قبل خراب البيت».
كفى مناورات بأن في الإمكان صوغ قانون انتخاب يمكّن المسيحيين من انتخاب نوابهم الـ٦٤ بأصواتهم، وخصوصاً عندما يكونون يتناقصون بسرعة صاروخية وباتوا يشكّلون ثلث عدد اللبنانيين المقيمين. وإذا كان هناك إصرار على الـ٦٤ نائبا بأصوات المسيحيين فإن ذلك لا يمكن أن يتحقّق إلّا في ظّل تقسيم لبنان إلى دوقيات طائفية ومذهبية يناسبها ما أطلق عليه «القانون الأرثوذكسي» الذي ينتج برلماناً طائفياً.لماذا لا تقول لمستشاريك: إن اللعبة انتهت، وإن المطلوب مشروع لقانون انتخاب يعتمد النسبية ويصحّح التمثيل المسيحي تدريجاً، ويحقّق العدالة والمساواة للجميع، «ويدرء الخطر المحدق بالوحدة الوطنية، درع الأمان».
«مطلوبٌ من (بي الكلّ) أن يبادر بسرعة قبل انهيار السدّ وخراب البيت».
لكن الكاتب نسي أن الجنرال، الذي كان يسمع ويقرأ، نزع لباس «التضحية والشرف والوفاء» وركب في قاطرة الممانعين ليرعى ويحرس تحويل جمهورية إلى مشروع ولاية. هكذا بدأت رحلة تحوّل المسار إلى معادلة تفريغ الجمهورية لتغدو بلا سيادة، يقبل رئيسها رتبة حارس يسيء ويستغلّ استثمار نضال اللبنانيين، ودماء الشهداء، فيعمم الفقر والجوع، والتخلّف والعزلة العربية والانكفاء الدولي. ويخدع «الشعب العظيم» بتنصيبه «حارساً» لرئاسة الجمهورية ليسلّمها لمغتصبيها في حالة الموت السريري.
هكذا يتهافت حارس الجمهورية لقبول الشروط «وللمشاركة» بتعيينه حارساً، ليس فقط برفع الأيدي، بل بالصوت والصورة، الموثّقَين في دفاتر السفارات ومجالس الإقطاعَين السياسي والمالي، ويحدث كلّ ذلك باسم الميثاقية والدستور.

«حارس قبر الجمهورية»: عون عاد إلى بعبدا بقطار إيراني حارساً لا رئيساً



المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.