«حارس قبر الجمهورية»: عون عاد إلى بعبدا بقطار إيراني حارساً لا رئيساً

«الشرق الأوسط» تنشر مقتطفات من كتاب جديد للكاتب اللبناني فايز قزي (1 - 2)

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
TT

«حارس قبر الجمهورية»: عون عاد إلى بعبدا بقطار إيراني حارساً لا رئيساً

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»

يركز كتاب «حارس قبر الجمهورية» للكاتب اللبناني فايز قزي، الذي كان مقرّباً جداً من رئيس الجمهورية ميشال عون أكثر من 20 عاماً، على تتبع كل حركات عهد عون الذي سمي «العهد القوي» وسكناته ليثبت بالمواقف والوثائق والتحليل أن عون نقل لبنان إلى وصاية «الولاية الإيرانية»، بدلاً من أن يحقق شعاره «حرية، سيادة، استقلال» الذي رفعه طويلاً في مخاطبة «شعب لبنان العظيم».
وقزي كان مقرباً جداً من عون عندما كان قائداً للجيش ثم رئيساً للحكومة العسكرية عام 1988، واستمر كذلك حتى عام 2006 عندما وقع عون، غداة عودته من المنفى في فرنسا (2005)، ورقة تفاهم مع «حزب الله»، فابتعد قزي عنه لأنه رأى في هذا الاتفاق انتقاصاً من سيادة لبنان وتغييراً في المبادئ والشعارات التي رفعها عون، وذهاباً إلى حضن «ولاية الفقيه» الإيراني.
وتنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً، مقاطع من الكتاب الذي سيصدر قريباً عن «دار سائر المشرق» في بيروت. وهذا الكتاب الخامس لقزي، الذي كان له دور في تواصل عون مع السوريين قبل عودته من منفاه الباريسي عام 2005.
وكان قزي روى في محطات إعلامية سابقة، تفاصيل دوره في تلك العودة التي بدأت من خلاله، ويقول إن «زيارة عون لسوريا اكتملت من حيث المعنى المجازي، وكنتُ شاهداً على الأمر، في تاريخ 27 ديسمبر (كانون الأول) 2004 حين تمَّ الاتفاق بين عون والسوريين على عودته إلى لبنان وعلى مظاهر العودة وما إلى ذلك، وعلى إثرها زار غابي عيسى (المسؤول في التيار الوطني الحر) الشام (دمشق) والتقى عبد الحليم خدام» نائب الرئيس السوري آنذاك.
ويقول قزي إن «أول (احتكاك) أقمته أنا بالذات في يوليو (تموز) 2004 ربما عن طريق الصدفة أو عن سابق تصور وتصميم من السوريين، من خلال العميد رسم غزالة (قائد جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان آنذاك) الذي سألني عن (الجنرال عون)، وأوصاني أن ينقل إليه سلامه (الحار) عندما أزوره في باريس». ويضيف قزي: «قلتُ له إنَّ الجنرال يفكر في العودة إلى لبنان فقال: أهلاً وسهلاً به». وهنا بعض مما ورد في الكتاب الجديد «حارس قبر الجمهورية»، والذي يركز على عهد عون والظروف السياسية التي سبقت انتخابه رئيساً للجمهورية:
تريّثثُ كثيراً، ورفضتُ نصيحة الصديق ملحم رياشي (وزير الإعلام السابق) الذي زرتُه بعد أيامٍ من تولّيه حقيبة الإعلام في حكومة العهد الأول للرئيس سعد الحريري، مع ممثّلي نقابة المؤسّسات السياحية. فسألني ماذا عندي من جديد؟ قلت: «عندي كتاب جديد. لكني أتمهَل في إكماله ونشره. لأنه يتعلّق بميشال عون». قال: «وما هو عنوانه ومضمونه؟» قلت: «عون... الجمهورية». فقال: «لماذا ثلاث نقاط؟» قلت: «لا أريد أن أتسرّع، فأحكم على عهد الرجل، بعد أن رافقتُه بصدق واقتناع أكثر من عشرين سنة. لذلك سوف أمهله وأنتظر مرور عام من ولايته، على الأقل، لأملأ نقاط الفراغ في العنوان. فأختار بين كلمتَين: حارس أو حامي. علماً بأنني منذ اليوم أميل إلى اختياري الأول: «عون حارس قبر الجمهورية»، وليس: «عون حامي قصر الجمهورية»، فقال: «فوراً ومن دون تردّد أنصحك ألا تنتظر بل تبادر فوراً إلى اعتماد الخيار الأول».
فاجأني رأي ملحم رياشي، وهو من صنّاع «اتفاق معراب» وروّاده الأوائل. رفضت الأخذ به. وفضَلتُ التريّث والسيطرة على قناعتي. ورويت له وللحاضرين، تعقيباً على رفضي، كيف التقيتُ يوماً بالقاضي ورئيس معهد القضاة الوزير السابق سليم الجاهل في باريس وسألته: «لماذا لا تعود إلى بيروت، لاستعادة موقعك المتقدّم في القضاء؟» فأجابني: «أشعر بالخوف بسبب العلاقة المتينة التي تربطني بالشيخ بشير الجميّل، وأخشى أن يؤثّر ذلك على قراراتي وأحكامي، لذلك رفضت وبقيت في باريس».
تمهيداً لهذا الكتاب، وخلافاً للخطأ الشائع الذي يناسب أذواق المتزلّفين والانتهازيين، المتحلّقين بصورة مستمرّة حول الجنرال ميشال عون خلال عشرين سنة، وكنتُ بينهم مثل النعجة الغريبة عن قطيعها، فإنني لم أكن يوماً أعتبر نفسي مستشاراً له بل مشاركاً. ولم أكن حليفاً متضامناً مع جميع أفكاره بل متعاطفاً. ولا قبلتُ يوماً أن أخلع عقيدتي لألبس أفكاراً بدائية عونية. بل كنت أقدّم دعمي لرجل توفرت له ظروف مادية تسمح بمواجهة خطر الميليشيات التي نمت في الحرب الأهلية، فساندتُه لمحاولة إعادة تكوين السلطة واستعادة قومية الشعب والأرض.
فقد كان الجنرال قائد الجيش قادراً أكثر من سواه على تحقيق حاجة ملحّة لحماية مشروع إعادة المهجّرين إلى قراهم بعد تهجير سنة 1985. وهذا كان همّي الأول والمشروع الوحيد الذي أخذني في مغامرة سياسية جديدة اسمها التجربة العونية التي ارتكبتُها حتى الثمالة.
هذا التوضيح بات لازماً وواجباً، فمن دونه لن يستطيع القارئ أن يفهم مسيرة علاقتي بالجنرال عون، خصوصاً عندما يكتشف كم كانت العلاقة أحياناً وثيقة جدّاً، بحيث لا تبدو للناظر حدود متميّزة للقائنا وكأننا وحدة متكاملة؛ وأحياناً باردة، وأحياناً أخرى عاصفة، إلى أن فاجأني في 6 فبراير (شباط) 2006 بتوقيع ورقة التفاهم بين «التيّار الوطني الحرّ» و«حزب الله» في كنيسة مار مخايل. أَسْقَطتُ إذّاك تفاهمي معه ليتحوّل كلّياً إلى خصومة عقائدية. وهنا تحضرني مرّة أخرى، خلاصة كتابي الأخير لأكرّر: «إن النظام الإيراني وحزبه في لبنان ضخّا في عروقه السمّ الكافي لنقله إلى حالة الموت السريري، ولن يسلم منها حليفٌ أو متعاملٌ أو متفاهمٌ». وإذا كان الجنرال ميشال عون في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1990. أثبت معادلة وطنية، فطرد من قصر بعبدا واغتصبت شرعيته السياسية من دون شرعيته الشعبية، فهو في 31 أكتوبر 2016 قَلَبَ الأرقام والمعادلة، فأعادوه فاقداً شرعيتَه الشخصية، في قطارٍ إيراني برتبة حارسٍ لا رئيس إلى قصرٍ يحوّله قبراً، وجمهورية تسبح في عالم الممانعة، ووطن شعبه مقسّم وأرضه ساحة سائبة.
كنت أظنّ أن شعار القيادة أقرب إلى قلب ميشال عون من لقب رئيس الجمهورية. فبعد إسقاط تجربة قائد الجيش، ورئيس الوزراء، يُصرّ الجنرال ميشال عون في غالبية إطلالاته الإعلامية، على التذكير بأن طموحه كان «بناء جمهورية لبنانية». ويتعمّد ترداد ذلك راوياً أنه تبلغ من القيادة السورية في أوائل مارس (آذار) 1989 رسالة مفادها بأنهم يقبلون به رئيساً للجمهورية. فرفض وطالب بالجمهورية أولاً قبل الرئاسة، مصرّاً على تسميتي شاهداً على هذه الواقعة. ويقول: «اسألوا فايز قزّي»، واستمرّ حتى بعد الافتراق الشامل بيننا منذ فبراير 2006 يستدعيني للشهادة، رغم أنني أوضحتُ أنها لم تكن سوى وعد كاذب ومفخَخ، ورويت تفاصيلها في كتابي المعنون «مواطن سابق لوطن مستحيل» الصادر عن دار سائر المشرق.
لقد عرفتُ ميشال عون عن كثب، ولم تكن في أدبياته منازل كثيرة ولا مقالات طويلة. كان يعتمد المختصر المفيد، وصاحبَ قناعات مبنية على مقاصد ونوايا الإصلاح والتغيير. وهنا يكمن سرّ قوّته والرهبة التي كانت تقلق حلفاءه قبل خصومه، خصوصاً إذا لم يتفاعل الحلفاء مع قناعات الجنرال المولودة أو الموعودة.
لكن هذا التزاوج بين الجنرال «القائد المتمرّد» والرئيس المتهافت شكّل خطراً كبيراً على الجمهورية، وتحديداً على المعادلة المركّبة وشبه المستحيلة بين قائد لمعركة التحرير ورئيس متهافت على إرضاء النواب الناخبين.
لذلك فإنني أستكمل في هذا الكتاب حقيقة ولدت من قناعتي أن «الجنرال السابق» الذي رُفّع إلى الرئاسة، دَفنَ حلم الجمهورية، حتى قبل أن يكون مجرّد وكيل للمحتلّ، ويتحالف مع مغتصبيها. فاستحق عضوية الانتساب إلى قافلة الوعد الصادق للعودة إلى جنّة بعبدا ليبيع روح شعبه الذي سمّاه عظيماً، إلى ذئاب وشياطين جهنّم.
- الفرصة الأولى:
- الرئاسة حق سلبه مؤتمر الدوحة
بعد عودته المشروطة من باريس متفاهماً مع السوريين الذين أضافوا بعد استشهاد الحريري إلى الاتفاق مع عون شرطَين: الأول دعم إميل لحّود حتى نهاية ولايته والثاني الدخول في تفاهمٍ مع «حزب الله». وقد افتتح عون عودته بخطابٍ في ساحة الشهداء - بيروت هاجم فيه الإقطاعَين السياسي والمالي. وسرعان ما اعتبر أنه ركب قطار الرئاسة الأسرع بقوّة 70 في المائة من أصوات بيئته المسيحية في انتخابات 2005.
لكن انحياز تيّار الحريري إلى تأييد قائد الجيش ميشال سليمان وموافقة «حزب الله» على ذلك، خطفا منه حق الملكية برئاسة الجمهورية في الدوحة ليبقى تفاهم مار مخايل 2006 وعداً ناقصاً من الرئاسة. وليتخلّف إميل لحّود عن نصرة عون العائد من فرنسا متمسّكاً ببقائه في الرئاسة حتى نهاية عهده.
سقط أمل الجنرال عون في أن يحقّق حلمه بعد انتهاء ولاية إميل لحّود كرئيسٍ وفُجعَ بفقدان هذه الفرصة في مؤتمر الدوحة سنة 2008 الذي قدّم الجنرال ميشال سليمان عليه.
- الفرصة الثانية
خرج ميشال سليمان في آخر ولايته 2014 من بعبدا تاركاً بياناً معلّقاً في غرفة الاستقلال بانتظار عودة رئيس آخر.
شكّل هذا الأمر اندفاعة جديدة لتحقيق رغبة الجنرال عون، فبات متسرّعاً لترجمة فوزه في سبق الرئاسة الذي يعتبره حقاً دائماً بعد أن عيّنه أمين الجميّل قائداً للجيش، واستغلّ وصف البطريرك نصر الله صفير له وحصوله على نسبة 70 في المائة من أصوات المسيحيين في انتخابات سنة 2005، ليستعمل هذه الشرعية الشعبية الانتخابية لاحقاً لتغطية تزوير المسيرة الانتخابية وعيوبها القانونية الشكلية والأساسية.
- منافسة عون وجعجع
تحوّل مسرح «الانتخابات» الرئاسية مسرحاً تنافس عليه في البداية مرشّحان: جعجع وعون.
ولم يوفّر ميشال عون وفريقه الحزبي وحلفاؤه الأساسيون، مناوراتهم لتعطيل الانتخابات واستمرار فراغ وشغور منصب الرئاسة، طالما لم يكن الفوز مضموناً.
فاعتمد «حزب الله» على ضمِّ اسم مرشّحه، ليفسح المجال لتنافس حلفائه على تقديم العروض والتنازلات. ويستعمل ورقة هذا التنافس ليعطّل النصاب القانوني لانعقاد جلسات الانتخاب.
- أرنب برّي «الدستوري»
انضمّ رئيس المجلس النيابي إلى مشروع تعطيل الانتخاب خدمة لمشروع الفراغ، إذ بعد انعقاد الجلسة الأولى واكتمال نصاب الثلثَين وعدم فوز أي مرشّح، رفع الجلسة فوراً إثر انسحاب فريق التعطيل، وفقدان نصاب الثلثَين الذي أصرَّ برّي على توافره، لكي يستمر بالجلسة، فأسقط بدعته هذه انتخاب الرئيس شرعياً وفقاً للأكثرية. واستمرّ برّي مصرّاً على ضرورة توفّر نصاب الثلثَين للانعقاد في جميع الجلسات اللاحقة. فسقطت المادة المسهّلة للانتخاب لتحلّ محلّها استحالة توفّر النصاب لمجرّد غياب الثلث تطبيقاً لبدعة الثلث المعطِّل، التي كانت الحشرة البَرّية التي صَحَّرت المجلس والوزارة طيلة «العقد العهد القوي». ولاقت حجّة المعطّلين هوى لدى المرشّح ميشال عون فاستغلّها لممارسة مناوراته وضغوطه على المرشّحين المحتملين الآخرين.
ساهم عون بدورٍ فعّال في تعطيل الدستور نصّاً وروحاً ليصل إلى الرئاسة معطوباً بالنصّ الدستوري ونظام المجلس النيابي، إذ لو أراد المشترع ضرورة توفير الثلثَين لانعقاد الجلسة المخصّصة لانتخاب الرئيس، لكان نصّ على هذا الاستثناء صراحة وقال: «استثناءً يعتبر النصاب محقّقاً بحضور الأكثرية المطلقة، باستثناء انعقاد جلسة انتخاب الرئيس»، ولكنه لم يفعل. وبالتالي يجب تطبيق النصّ الخاص باكتمال النصاب العام للمجلس.
هكذا «تعتبر» جلسة النصاب مكتملة حتى بالأكثرية المطلقة فقط. وتجرى دورة انتخابية أولى، فإن لم تؤدِّ فعلياً لفوز مرشّح بالدورة الأولى لعدم نيله الثلثَين، تجرى الدورة الثانية، لأن نصاب الانعقاد مكتمل، وينجح من يحصل على العدد الأكبر للأصوات. ولكن الاجتهاد الذي فرضه برّي كشف نيّة تعطيل النصاب الذي استمرّ سنتَين، وأدّى إلى استحالة تطبيق الدستور وانتخاب رئيسٍ للجمهورية، وتكرّس نجاح مشروع الفراغ المضمون من «حزب الله».
كان هذا الاجتهاد الهجين للدستور، فرصة لميشال عون في التعطيل، ليرفد مشروع حليفه «حزب الله» بإسقاط المؤسّسة الشرعية للدولة. فاستغلّه عون بممارسة التهويل بأصوات نوابه، ومحاصرة السياسيين الرافضين، بطرح شرط تفجيري: «عون أو الفراغ». وهذا ما بدأ يتفاعل ليؤدّي إلى تساقط القوى المعارضة، وليغتصب عون المرشّح رئاسة مخالفة للدستور والقانون وروح الديمقراطية الانتخابية.
- مجلسٌ غير شرعي يعيّن لا ينتخب
كانت خاتمة المناورة وبداية الذلّ والهوان والاستسلام، فرحّب الجميع - وبعضهم قسراً - ولكن من دون التنبّه لتخلّي السياسيين اللبنانيين عن مبدأ الانتخاب الديمقراطي الحرّ، وخضوعهم لتسمية رئيس متحالف يزداد خضوعاً لولي الأمر الإيراني. وأعاد الجنرال عون معادلته القديمة والدائمة: «هناك كرسي فارغ، إما أن يعزموني عليه، وإما أن آخذه بالقوّة».
كانت هذه الفترة الغامضة في موقف «حزب الله»، والتزامه بمرشّحٍ للرئاسة، طويلة جدّاً، وفرضت على عون وأتباعه اللجوء إلى مناورات قانونية وسياسية، لم تقتصر على رفض المغامرة بقبول تجارب غير مضمونة النتائج التي تضمّ التصويت بالأكثرية، فعمدوا بالانفراد أو الاتّحاد إلى تكريس شعارات تساعد عون على صعود سلّم الرئاسة متدرّجاً في المواقف التنازلية.
وفي محاولة لدعم الفراغ، سرّبت قوى التعطيل وعبر ميشال عون، واقعة عدم شرعية النواب، فرُفع شعارٌ يقول إن المجلس غير شرعي لأنه مدّد لنفسه خلافاً للنصّ، ويجب اللجوء إلى الانتخابات المباشرة من الشعب. وأضاف عون أن الفراغ أفضل من قانون الستّين. كما رفده مشروع التعطيل ببعض البدع. مرّة ببدعة الغياب غير الشرعي لجلسات عدّة متتالية، خلافاً لنظام المجلس النيابي الداخلي، الذي يسمح بالغياب عن جلستَين متتاليتَين وإنما بعذرٍ شرعي، بعدها يصبح النائب مسؤولاً. ولم يبخل رئيس المجلس النيابي عليهم بفتوى واجتهاد تعطيل النصاب برفعه إلى الثلثَين وقبول الغياب من دون عذرٍ شرعي لأكثر من جلستَين متتاليتَين.
فكرّس الغياب عن جلسة، ولو كانت لانتخاب رئيس لملء الفراغ في رئاسة الجمهورية، وكأنه عرفٌ وشرعٌ ودستورٌ عرفناه في خطابات بعض الانقلابات العسكرية، حيث يصبح كلام أو خطاب أو كتاب رئيس مجلس قيادة الثورة بمثابة الدستور. واستمرّ هذا الغموض المشبوه في موقف «حزب الله» فترة طويلة مخفية وغير معلنة. تخلّلته فترة من فراغ عميق وتعطيل للمؤسّسات وما رافقها من انهيارات إدارية واقتصادية ومالية مقصودة ومتعمّدة. راكمت انحلال وانحدار لبنان، إلى أن بدأت، حصون أعداء الجنرال المرشّحين، تتهاوى أمام استمرار الفراغ وأعبائه الكارثية.
التعيين شرط الخروج من الفراغ بعد أن اطمأن ميشال عون لوعود «حزب الله»، أطلق «خراطيش فرده» وشهوته الرئاسية باتّجاه بيادر الآخرين، وجميعهم على أشدّ الخصومة السياسية معه.
فأرسل النائب إبراهيم كنعان لاستجداء اتفاق مع القوّات اللبنانية، ليلاقيه ملحم رياشي. وبدأت جلسات الحوار المتنقّلة بين الرابية ومعراب، لتحبل بولادة اتفاقٍ هجين مستولد من تزاوج المناورة والمؤامرة. كان هدف التيّار من شعار استعادة الرئاسة التي خطفت منه في اتفاق الطائف، وقد تدرّجت في حلقات. بدأت بانتصاره في الانتخابات سنة 2005، فلاقت مشروع حليف الرئيس عون السيّد حسن نصر الله وحزبه، بتعبئة التيّار وتغذيته بمصل الرئاسة، مقابل تعريته من سيادته. فهدف الحزب من ذلك إطالة عمر مرحلة الفراغ، التي بدأت من لحظة خروج ميشال سليمان من القصر سنة 2014. واستمرّت ثلاثة أعوام، كي يصبح لبنان جمهورية بلا رئاسة، تمهيداً لتحويله إلى ولاية. وليكمل «قائد حرب التحرير» رفع راية الاستسلام بدءاً من كنيسة مار مخايل، حيث عانق قائد الاحتلال الإيراني بحثاً عن رئاسة. فكانت الطلقة القاتلة للجنرال عون، لينبعث ويتغوَّل حلم الرئاسة النرجسي فيغتال جنرال «الشرف والتضحية والوفاء...».
في هذا الوقت كان «حزب الله» يحوك المناورات ويتحكّم بها في مقاربة ملفّ رئاسة الجمهورية باكراً. فأوحى أولاً وظاهرياً بحياده بين مرشّحَين: ميشال عون وسليمان فرنجيه لمواجهة ترشيح سمير جعجع، الخصم اللدود. ونسَق هذه المقاربة مع حليفه السوري، وترك باقي الحلفاء في خيارٍ ملتبس يتبادلون التقدير الظاهر لرغبة الحزب في اختيار اسم لملء الفراغ.
واستفاض أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله ببراعته الأدبية واللفظية ليترك ظلالاً محيّرة وكثيفة حول قراره. حتى أنه لم يعلن قراره النهائي الذي يتضمّن أفضلية الفراغ. أما المرشّح ميشال عون فرضي بتأييد «حزب الله» الضمني له، فيما مضى سليمان فرنجيه بمعركته مدعوماً ضمناً من بشّار الأسد. وهكذا وزّع نصر الله والأسد الأدوار ليستمرّ الفراغ ويتحوّل إلى الحلّ الوحيد الملزم لكلّ اللبنانيين، تمهيداً للهيمنة على لبنان.

جعجع: عجزنا عن إحداث خرق في موقف عون

 


مقالات ذات صلة

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

ثقافة وفنون إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» في نسخته الثالثة، وذلك في متنزه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب».

«الشرق الأوسط» (الطائف)
كتب هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا.

لطفية الدليمي
كتب لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي

رشا أحمد (القاهرة)
كتب شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».