«حارس قبر الجمهورية»: عون عاد إلى بعبدا بقطار إيراني حارساً لا رئيساً

«الشرق الأوسط» تنشر مقتطفات من كتاب جديد للكاتب اللبناني فايز قزي (1 - 2)

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
TT

«حارس قبر الجمهورية»: عون عاد إلى بعبدا بقطار إيراني حارساً لا رئيساً

غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»
غلاف كتاب «حارس قبر الجمهورية»

يركز كتاب «حارس قبر الجمهورية» للكاتب اللبناني فايز قزي، الذي كان مقرّباً جداً من رئيس الجمهورية ميشال عون أكثر من 20 عاماً، على تتبع كل حركات عهد عون الذي سمي «العهد القوي» وسكناته ليثبت بالمواقف والوثائق والتحليل أن عون نقل لبنان إلى وصاية «الولاية الإيرانية»، بدلاً من أن يحقق شعاره «حرية، سيادة، استقلال» الذي رفعه طويلاً في مخاطبة «شعب لبنان العظيم».
وقزي كان مقرباً جداً من عون عندما كان قائداً للجيش ثم رئيساً للحكومة العسكرية عام 1988، واستمر كذلك حتى عام 2006 عندما وقع عون، غداة عودته من المنفى في فرنسا (2005)، ورقة تفاهم مع «حزب الله»، فابتعد قزي عنه لأنه رأى في هذا الاتفاق انتقاصاً من سيادة لبنان وتغييراً في المبادئ والشعارات التي رفعها عون، وذهاباً إلى حضن «ولاية الفقيه» الإيراني.
وتنشر «الشرق الأوسط» اليوم وغداً، مقاطع من الكتاب الذي سيصدر قريباً عن «دار سائر المشرق» في بيروت. وهذا الكتاب الخامس لقزي، الذي كان له دور في تواصل عون مع السوريين قبل عودته من منفاه الباريسي عام 2005.
وكان قزي روى في محطات إعلامية سابقة، تفاصيل دوره في تلك العودة التي بدأت من خلاله، ويقول إن «زيارة عون لسوريا اكتملت من حيث المعنى المجازي، وكنتُ شاهداً على الأمر، في تاريخ 27 ديسمبر (كانون الأول) 2004 حين تمَّ الاتفاق بين عون والسوريين على عودته إلى لبنان وعلى مظاهر العودة وما إلى ذلك، وعلى إثرها زار غابي عيسى (المسؤول في التيار الوطني الحر) الشام (دمشق) والتقى عبد الحليم خدام» نائب الرئيس السوري آنذاك.
ويقول قزي إن «أول (احتكاك) أقمته أنا بالذات في يوليو (تموز) 2004 ربما عن طريق الصدفة أو عن سابق تصور وتصميم من السوريين، من خلال العميد رسم غزالة (قائد جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان آنذاك) الذي سألني عن (الجنرال عون)، وأوصاني أن ينقل إليه سلامه (الحار) عندما أزوره في باريس». ويضيف قزي: «قلتُ له إنَّ الجنرال يفكر في العودة إلى لبنان فقال: أهلاً وسهلاً به». وهنا بعض مما ورد في الكتاب الجديد «حارس قبر الجمهورية»، والذي يركز على عهد عون والظروف السياسية التي سبقت انتخابه رئيساً للجمهورية:
تريّثثُ كثيراً، ورفضتُ نصيحة الصديق ملحم رياشي (وزير الإعلام السابق) الذي زرتُه بعد أيامٍ من تولّيه حقيبة الإعلام في حكومة العهد الأول للرئيس سعد الحريري، مع ممثّلي نقابة المؤسّسات السياحية. فسألني ماذا عندي من جديد؟ قلت: «عندي كتاب جديد. لكني أتمهَل في إكماله ونشره. لأنه يتعلّق بميشال عون». قال: «وما هو عنوانه ومضمونه؟» قلت: «عون... الجمهورية». فقال: «لماذا ثلاث نقاط؟» قلت: «لا أريد أن أتسرّع، فأحكم على عهد الرجل، بعد أن رافقتُه بصدق واقتناع أكثر من عشرين سنة. لذلك سوف أمهله وأنتظر مرور عام من ولايته، على الأقل، لأملأ نقاط الفراغ في العنوان. فأختار بين كلمتَين: حارس أو حامي. علماً بأنني منذ اليوم أميل إلى اختياري الأول: «عون حارس قبر الجمهورية»، وليس: «عون حامي قصر الجمهورية»، فقال: «فوراً ومن دون تردّد أنصحك ألا تنتظر بل تبادر فوراً إلى اعتماد الخيار الأول».
فاجأني رأي ملحم رياشي، وهو من صنّاع «اتفاق معراب» وروّاده الأوائل. رفضت الأخذ به. وفضَلتُ التريّث والسيطرة على قناعتي. ورويت له وللحاضرين، تعقيباً على رفضي، كيف التقيتُ يوماً بالقاضي ورئيس معهد القضاة الوزير السابق سليم الجاهل في باريس وسألته: «لماذا لا تعود إلى بيروت، لاستعادة موقعك المتقدّم في القضاء؟» فأجابني: «أشعر بالخوف بسبب العلاقة المتينة التي تربطني بالشيخ بشير الجميّل، وأخشى أن يؤثّر ذلك على قراراتي وأحكامي، لذلك رفضت وبقيت في باريس».
تمهيداً لهذا الكتاب، وخلافاً للخطأ الشائع الذي يناسب أذواق المتزلّفين والانتهازيين، المتحلّقين بصورة مستمرّة حول الجنرال ميشال عون خلال عشرين سنة، وكنتُ بينهم مثل النعجة الغريبة عن قطيعها، فإنني لم أكن يوماً أعتبر نفسي مستشاراً له بل مشاركاً. ولم أكن حليفاً متضامناً مع جميع أفكاره بل متعاطفاً. ولا قبلتُ يوماً أن أخلع عقيدتي لألبس أفكاراً بدائية عونية. بل كنت أقدّم دعمي لرجل توفرت له ظروف مادية تسمح بمواجهة خطر الميليشيات التي نمت في الحرب الأهلية، فساندتُه لمحاولة إعادة تكوين السلطة واستعادة قومية الشعب والأرض.
فقد كان الجنرال قائد الجيش قادراً أكثر من سواه على تحقيق حاجة ملحّة لحماية مشروع إعادة المهجّرين إلى قراهم بعد تهجير سنة 1985. وهذا كان همّي الأول والمشروع الوحيد الذي أخذني في مغامرة سياسية جديدة اسمها التجربة العونية التي ارتكبتُها حتى الثمالة.
هذا التوضيح بات لازماً وواجباً، فمن دونه لن يستطيع القارئ أن يفهم مسيرة علاقتي بالجنرال عون، خصوصاً عندما يكتشف كم كانت العلاقة أحياناً وثيقة جدّاً، بحيث لا تبدو للناظر حدود متميّزة للقائنا وكأننا وحدة متكاملة؛ وأحياناً باردة، وأحياناً أخرى عاصفة، إلى أن فاجأني في 6 فبراير (شباط) 2006 بتوقيع ورقة التفاهم بين «التيّار الوطني الحرّ» و«حزب الله» في كنيسة مار مخايل. أَسْقَطتُ إذّاك تفاهمي معه ليتحوّل كلّياً إلى خصومة عقائدية. وهنا تحضرني مرّة أخرى، خلاصة كتابي الأخير لأكرّر: «إن النظام الإيراني وحزبه في لبنان ضخّا في عروقه السمّ الكافي لنقله إلى حالة الموت السريري، ولن يسلم منها حليفٌ أو متعاملٌ أو متفاهمٌ». وإذا كان الجنرال ميشال عون في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1990. أثبت معادلة وطنية، فطرد من قصر بعبدا واغتصبت شرعيته السياسية من دون شرعيته الشعبية، فهو في 31 أكتوبر 2016 قَلَبَ الأرقام والمعادلة، فأعادوه فاقداً شرعيتَه الشخصية، في قطارٍ إيراني برتبة حارسٍ لا رئيس إلى قصرٍ يحوّله قبراً، وجمهورية تسبح في عالم الممانعة، ووطن شعبه مقسّم وأرضه ساحة سائبة.
كنت أظنّ أن شعار القيادة أقرب إلى قلب ميشال عون من لقب رئيس الجمهورية. فبعد إسقاط تجربة قائد الجيش، ورئيس الوزراء، يُصرّ الجنرال ميشال عون في غالبية إطلالاته الإعلامية، على التذكير بأن طموحه كان «بناء جمهورية لبنانية». ويتعمّد ترداد ذلك راوياً أنه تبلغ من القيادة السورية في أوائل مارس (آذار) 1989 رسالة مفادها بأنهم يقبلون به رئيساً للجمهورية. فرفض وطالب بالجمهورية أولاً قبل الرئاسة، مصرّاً على تسميتي شاهداً على هذه الواقعة. ويقول: «اسألوا فايز قزّي»، واستمرّ حتى بعد الافتراق الشامل بيننا منذ فبراير 2006 يستدعيني للشهادة، رغم أنني أوضحتُ أنها لم تكن سوى وعد كاذب ومفخَخ، ورويت تفاصيلها في كتابي المعنون «مواطن سابق لوطن مستحيل» الصادر عن دار سائر المشرق.
لقد عرفتُ ميشال عون عن كثب، ولم تكن في أدبياته منازل كثيرة ولا مقالات طويلة. كان يعتمد المختصر المفيد، وصاحبَ قناعات مبنية على مقاصد ونوايا الإصلاح والتغيير. وهنا يكمن سرّ قوّته والرهبة التي كانت تقلق حلفاءه قبل خصومه، خصوصاً إذا لم يتفاعل الحلفاء مع قناعات الجنرال المولودة أو الموعودة.
لكن هذا التزاوج بين الجنرال «القائد المتمرّد» والرئيس المتهافت شكّل خطراً كبيراً على الجمهورية، وتحديداً على المعادلة المركّبة وشبه المستحيلة بين قائد لمعركة التحرير ورئيس متهافت على إرضاء النواب الناخبين.
لذلك فإنني أستكمل في هذا الكتاب حقيقة ولدت من قناعتي أن «الجنرال السابق» الذي رُفّع إلى الرئاسة، دَفنَ حلم الجمهورية، حتى قبل أن يكون مجرّد وكيل للمحتلّ، ويتحالف مع مغتصبيها. فاستحق عضوية الانتساب إلى قافلة الوعد الصادق للعودة إلى جنّة بعبدا ليبيع روح شعبه الذي سمّاه عظيماً، إلى ذئاب وشياطين جهنّم.
- الفرصة الأولى:
- الرئاسة حق سلبه مؤتمر الدوحة
بعد عودته المشروطة من باريس متفاهماً مع السوريين الذين أضافوا بعد استشهاد الحريري إلى الاتفاق مع عون شرطَين: الأول دعم إميل لحّود حتى نهاية ولايته والثاني الدخول في تفاهمٍ مع «حزب الله». وقد افتتح عون عودته بخطابٍ في ساحة الشهداء - بيروت هاجم فيه الإقطاعَين السياسي والمالي. وسرعان ما اعتبر أنه ركب قطار الرئاسة الأسرع بقوّة 70 في المائة من أصوات بيئته المسيحية في انتخابات 2005.
لكن انحياز تيّار الحريري إلى تأييد قائد الجيش ميشال سليمان وموافقة «حزب الله» على ذلك، خطفا منه حق الملكية برئاسة الجمهورية في الدوحة ليبقى تفاهم مار مخايل 2006 وعداً ناقصاً من الرئاسة. وليتخلّف إميل لحّود عن نصرة عون العائد من فرنسا متمسّكاً ببقائه في الرئاسة حتى نهاية عهده.
سقط أمل الجنرال عون في أن يحقّق حلمه بعد انتهاء ولاية إميل لحّود كرئيسٍ وفُجعَ بفقدان هذه الفرصة في مؤتمر الدوحة سنة 2008 الذي قدّم الجنرال ميشال سليمان عليه.
- الفرصة الثانية
خرج ميشال سليمان في آخر ولايته 2014 من بعبدا تاركاً بياناً معلّقاً في غرفة الاستقلال بانتظار عودة رئيس آخر.
شكّل هذا الأمر اندفاعة جديدة لتحقيق رغبة الجنرال عون، فبات متسرّعاً لترجمة فوزه في سبق الرئاسة الذي يعتبره حقاً دائماً بعد أن عيّنه أمين الجميّل قائداً للجيش، واستغلّ وصف البطريرك نصر الله صفير له وحصوله على نسبة 70 في المائة من أصوات المسيحيين في انتخابات سنة 2005، ليستعمل هذه الشرعية الشعبية الانتخابية لاحقاً لتغطية تزوير المسيرة الانتخابية وعيوبها القانونية الشكلية والأساسية.
- منافسة عون وجعجع
تحوّل مسرح «الانتخابات» الرئاسية مسرحاً تنافس عليه في البداية مرشّحان: جعجع وعون.
ولم يوفّر ميشال عون وفريقه الحزبي وحلفاؤه الأساسيون، مناوراتهم لتعطيل الانتخابات واستمرار فراغ وشغور منصب الرئاسة، طالما لم يكن الفوز مضموناً.
فاعتمد «حزب الله» على ضمِّ اسم مرشّحه، ليفسح المجال لتنافس حلفائه على تقديم العروض والتنازلات. ويستعمل ورقة هذا التنافس ليعطّل النصاب القانوني لانعقاد جلسات الانتخاب.
- أرنب برّي «الدستوري»
انضمّ رئيس المجلس النيابي إلى مشروع تعطيل الانتخاب خدمة لمشروع الفراغ، إذ بعد انعقاد الجلسة الأولى واكتمال نصاب الثلثَين وعدم فوز أي مرشّح، رفع الجلسة فوراً إثر انسحاب فريق التعطيل، وفقدان نصاب الثلثَين الذي أصرَّ برّي على توافره، لكي يستمر بالجلسة، فأسقط بدعته هذه انتخاب الرئيس شرعياً وفقاً للأكثرية. واستمرّ برّي مصرّاً على ضرورة توفّر نصاب الثلثَين للانعقاد في جميع الجلسات اللاحقة. فسقطت المادة المسهّلة للانتخاب لتحلّ محلّها استحالة توفّر النصاب لمجرّد غياب الثلث تطبيقاً لبدعة الثلث المعطِّل، التي كانت الحشرة البَرّية التي صَحَّرت المجلس والوزارة طيلة «العقد العهد القوي». ولاقت حجّة المعطّلين هوى لدى المرشّح ميشال عون فاستغلّها لممارسة مناوراته وضغوطه على المرشّحين المحتملين الآخرين.
ساهم عون بدورٍ فعّال في تعطيل الدستور نصّاً وروحاً ليصل إلى الرئاسة معطوباً بالنصّ الدستوري ونظام المجلس النيابي، إذ لو أراد المشترع ضرورة توفير الثلثَين لانعقاد الجلسة المخصّصة لانتخاب الرئيس، لكان نصّ على هذا الاستثناء صراحة وقال: «استثناءً يعتبر النصاب محقّقاً بحضور الأكثرية المطلقة، باستثناء انعقاد جلسة انتخاب الرئيس»، ولكنه لم يفعل. وبالتالي يجب تطبيق النصّ الخاص باكتمال النصاب العام للمجلس.
هكذا «تعتبر» جلسة النصاب مكتملة حتى بالأكثرية المطلقة فقط. وتجرى دورة انتخابية أولى، فإن لم تؤدِّ فعلياً لفوز مرشّح بالدورة الأولى لعدم نيله الثلثَين، تجرى الدورة الثانية، لأن نصاب الانعقاد مكتمل، وينجح من يحصل على العدد الأكبر للأصوات. ولكن الاجتهاد الذي فرضه برّي كشف نيّة تعطيل النصاب الذي استمرّ سنتَين، وأدّى إلى استحالة تطبيق الدستور وانتخاب رئيسٍ للجمهورية، وتكرّس نجاح مشروع الفراغ المضمون من «حزب الله».
كان هذا الاجتهاد الهجين للدستور، فرصة لميشال عون في التعطيل، ليرفد مشروع حليفه «حزب الله» بإسقاط المؤسّسة الشرعية للدولة. فاستغلّه عون بممارسة التهويل بأصوات نوابه، ومحاصرة السياسيين الرافضين، بطرح شرط تفجيري: «عون أو الفراغ». وهذا ما بدأ يتفاعل ليؤدّي إلى تساقط القوى المعارضة، وليغتصب عون المرشّح رئاسة مخالفة للدستور والقانون وروح الديمقراطية الانتخابية.
- مجلسٌ غير شرعي يعيّن لا ينتخب
كانت خاتمة المناورة وبداية الذلّ والهوان والاستسلام، فرحّب الجميع - وبعضهم قسراً - ولكن من دون التنبّه لتخلّي السياسيين اللبنانيين عن مبدأ الانتخاب الديمقراطي الحرّ، وخضوعهم لتسمية رئيس متحالف يزداد خضوعاً لولي الأمر الإيراني. وأعاد الجنرال عون معادلته القديمة والدائمة: «هناك كرسي فارغ، إما أن يعزموني عليه، وإما أن آخذه بالقوّة».
كانت هذه الفترة الغامضة في موقف «حزب الله»، والتزامه بمرشّحٍ للرئاسة، طويلة جدّاً، وفرضت على عون وأتباعه اللجوء إلى مناورات قانونية وسياسية، لم تقتصر على رفض المغامرة بقبول تجارب غير مضمونة النتائج التي تضمّ التصويت بالأكثرية، فعمدوا بالانفراد أو الاتّحاد إلى تكريس شعارات تساعد عون على صعود سلّم الرئاسة متدرّجاً في المواقف التنازلية.
وفي محاولة لدعم الفراغ، سرّبت قوى التعطيل وعبر ميشال عون، واقعة عدم شرعية النواب، فرُفع شعارٌ يقول إن المجلس غير شرعي لأنه مدّد لنفسه خلافاً للنصّ، ويجب اللجوء إلى الانتخابات المباشرة من الشعب. وأضاف عون أن الفراغ أفضل من قانون الستّين. كما رفده مشروع التعطيل ببعض البدع. مرّة ببدعة الغياب غير الشرعي لجلسات عدّة متتالية، خلافاً لنظام المجلس النيابي الداخلي، الذي يسمح بالغياب عن جلستَين متتاليتَين وإنما بعذرٍ شرعي، بعدها يصبح النائب مسؤولاً. ولم يبخل رئيس المجلس النيابي عليهم بفتوى واجتهاد تعطيل النصاب برفعه إلى الثلثَين وقبول الغياب من دون عذرٍ شرعي لأكثر من جلستَين متتاليتَين.
فكرّس الغياب عن جلسة، ولو كانت لانتخاب رئيس لملء الفراغ في رئاسة الجمهورية، وكأنه عرفٌ وشرعٌ ودستورٌ عرفناه في خطابات بعض الانقلابات العسكرية، حيث يصبح كلام أو خطاب أو كتاب رئيس مجلس قيادة الثورة بمثابة الدستور. واستمرّ هذا الغموض المشبوه في موقف «حزب الله» فترة طويلة مخفية وغير معلنة. تخلّلته فترة من فراغ عميق وتعطيل للمؤسّسات وما رافقها من انهيارات إدارية واقتصادية ومالية مقصودة ومتعمّدة. راكمت انحلال وانحدار لبنان، إلى أن بدأت، حصون أعداء الجنرال المرشّحين، تتهاوى أمام استمرار الفراغ وأعبائه الكارثية.
التعيين شرط الخروج من الفراغ بعد أن اطمأن ميشال عون لوعود «حزب الله»، أطلق «خراطيش فرده» وشهوته الرئاسية باتّجاه بيادر الآخرين، وجميعهم على أشدّ الخصومة السياسية معه.
فأرسل النائب إبراهيم كنعان لاستجداء اتفاق مع القوّات اللبنانية، ليلاقيه ملحم رياشي. وبدأت جلسات الحوار المتنقّلة بين الرابية ومعراب، لتحبل بولادة اتفاقٍ هجين مستولد من تزاوج المناورة والمؤامرة. كان هدف التيّار من شعار استعادة الرئاسة التي خطفت منه في اتفاق الطائف، وقد تدرّجت في حلقات. بدأت بانتصاره في الانتخابات سنة 2005، فلاقت مشروع حليف الرئيس عون السيّد حسن نصر الله وحزبه، بتعبئة التيّار وتغذيته بمصل الرئاسة، مقابل تعريته من سيادته. فهدف الحزب من ذلك إطالة عمر مرحلة الفراغ، التي بدأت من لحظة خروج ميشال سليمان من القصر سنة 2014. واستمرّت ثلاثة أعوام، كي يصبح لبنان جمهورية بلا رئاسة، تمهيداً لتحويله إلى ولاية. وليكمل «قائد حرب التحرير» رفع راية الاستسلام بدءاً من كنيسة مار مخايل، حيث عانق قائد الاحتلال الإيراني بحثاً عن رئاسة. فكانت الطلقة القاتلة للجنرال عون، لينبعث ويتغوَّل حلم الرئاسة النرجسي فيغتال جنرال «الشرف والتضحية والوفاء...».
في هذا الوقت كان «حزب الله» يحوك المناورات ويتحكّم بها في مقاربة ملفّ رئاسة الجمهورية باكراً. فأوحى أولاً وظاهرياً بحياده بين مرشّحَين: ميشال عون وسليمان فرنجيه لمواجهة ترشيح سمير جعجع، الخصم اللدود. ونسَق هذه المقاربة مع حليفه السوري، وترك باقي الحلفاء في خيارٍ ملتبس يتبادلون التقدير الظاهر لرغبة الحزب في اختيار اسم لملء الفراغ.
واستفاض أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله ببراعته الأدبية واللفظية ليترك ظلالاً محيّرة وكثيفة حول قراره. حتى أنه لم يعلن قراره النهائي الذي يتضمّن أفضلية الفراغ. أما المرشّح ميشال عون فرضي بتأييد «حزب الله» الضمني له، فيما مضى سليمان فرنجيه بمعركته مدعوماً ضمناً من بشّار الأسد. وهكذا وزّع نصر الله والأسد الأدوار ليستمرّ الفراغ ويتحوّل إلى الحلّ الوحيد الملزم لكلّ اللبنانيين، تمهيداً للهيمنة على لبنان.

جعجع: عجزنا عن إحداث خرق في موقف عون

 


مقالات ذات صلة

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».