الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي

«رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة

الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار):  عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)
الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار): عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)
TT

الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي

الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار):  عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)
الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار): عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)

على مدى أربع حلقات، تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً من كتاب «رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة، والذي سيصدر قريباً عن دار «رياض الريّس للكتب والنشر» في بيروت. الحلقة السابقة تناولت ثنائيّتي «العروبة والإسلام» و«القوميّة والاشتراكيّة». هنا الحلقة الأخيرة.

ما لا شكّ فيه أنّ التطوّرات التي شهدها الوعي الوطني المصري اختلفت عن مثيلتها في العراق وسوريّا، تبعاً لعاملين على الأقلّ. فمن جهة، انحسر مبكراً الأثر العثماني فالتركي عن مصر، وذلك مع الاحتلال الإنجليزي في 1882، وإن عبّرت الوطنيّة المصريّة المبكرة، لا سيّما مع «الحزب الوطنيّ» بقيادة مصطفى كامل ومحمد فريد، عن هوى عثماني أُريدَ استثماره في مواجهة البريطانيين. أمّا الآخر، فيطال تفاوت التجربتين فيما خصّ الأقلّيّات المسلمة غير العربيّة، بين مصر وكلّ من العراق وسوريّا. فمنذ حركة أحمد عرابي في 1881، والتي قامت جزئيّاً ضدّ نفوذ الضبّاط الشركس، لم يعد هؤلاء، وهم ذوو الوجود العسكري العريق الضارب في الحقبة المملوكيّة، يُعرّفون بصفتهم الجمعيّة هذه. لقد اندمجوا في نسيج مصر وسياساتها على النحو الذي يرمز إليه كون علي ماهر، أحد أبرز سياسييهم القوميين، وعزيز علي المصري، أبرز ضبّاطهم القوميين، هما نفسهما من ذوي أصل شركسيّ. أمّا في العراق وسوريّا، فيمكن رسم خطّ فاصل ونافر بين حقبة الضبّاط العثمانيين، غير العرب، والذين برز منهم قائدا الانقلابين الأوّلين في العراق وسوريّا، الكرديّان بكر صدقي وحسني الزعيم، وحقبة الضبّاط العرب ممن ولدوا في أواخر عهد السلطنة العثمانيّة أو بعده بقليل، وتخرّجوا من الكلّيّات الحربيّة في ظلّ الاستقلال العراقي الناقص والانتداب الفرنسي على سوريّا. وهذا، فضلاً عن النسيج المصري الأعلى انسجاماً من مثيليه العراقي والسوريّ؛ ما جعل اقتران الإسلام بالقوميّة، أكانت مصريّة في البداية أم عربيّة لاحقاً، أشدّ سلاسة منه في البلدين المشرقيين الآسيويين.
على أنّ القاسم المشترك هو أنّ هؤلاء جميعاً أطلّوا على الحياة العامّة قُبيل هزيمة النازيّة في الحرب العالميّة الثانية ومعها، وهو ما لبث أن فتح الباب للقطبية الأميركيّة - الروسيّة، ومعها الرأسماليّة/الديمقراطيّة - الشيوعيّة.
فجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأنور السادات، أبرز نجوم العهد الجمهوري في مصر، ولدوا بين 1918 و1919، وتخرّجوا ضبّاطاً بين 1937 و1939. وأدوار هؤلاء جميعاً كانت من ثمار توسّع الجيوش الذي سبق الاستقلالات أو تلاها مباشرة، مستدعياً إليه أبناء البيئات الشعبيّة العميقة في المدن، وخصوصاً في الأرياف. وقد شهد الجيش في مصر، عشيّة الحرب العالميّة الثانية، توسّعاً صاروخيّاً رفع عدده أضعافاً مضاعفة، ما شكّله على هيئة أداة سلطة غير مسبوقة عربيّاً في قوّتها وحجمها، كما في عضويّة ارتباطها بمجتمعها الأهلي العميق. وفي المعنى هذا، انتمى كثيرون من «الضبّاط الأحرار» ممن دخلوا الكلّيّة الحربيّة في الثلاثينات، إلى الطبقة الوسطى على تعدّد شرائحها، دون أن يكون بينهم أي ضابط قبطيّ. وفيما خلا الوطنيّة، بمعنى المناهضة الحصريّة للإنجليز، كان هؤلاء انتقائيين آيديولوجيّاً، فيهم الإسلامي والبراغماتي على شيء من الليبراليّة، والشوفيني المصري على أنواعه.
وكما سبق أن رأينا في حالة العراق، شهدت الثلاثينات، وبتأثير واضح من الحركات الفاشيّة الأوروبيّة، نزوعاً حادّاً إلى تجمّعات وتيّارات قوميّة ووطنيّة مشابهة في المشرق العربيّ، يقف على رأسها زعماء يقلّدون هتلر وموسوليني. وربّما كان الأبرز، فضلاً عن العراقي سامي شوكة، المصري أحمد حسين، مؤسّس «مصر الفتاة»، واللبناني أنطون سعادة الذي أسّس في 1932 «الحزب السوري القوميّ» وذهب بعيداً في انتفاخه الأنويّ، مانحاً نفسه لقب «الزعيم» مدى الحياة، ومتجاوزاً في علمويّته وخطابيّته الرومنطيقيّة سائر نظرائه.
غير أنّ الفرصة التي أتيحت للجيش المصريّ، كمصنع للزعاميّة الجديدة، لا سيّما بعد انقلاب يوليو (تموز) 1952، لم تُتح للبيئات السياسيّة والحزبيّة والعسكريّة الأخرى. ففضلاً عن موقع مصر المركزي في العالم العربيّ، والذي زاده الاحتلال البريطاني مركزيّة وأهميّة، وعمّا أشير إليه من توسّعٍ عرفه جيشها الوطنيّ، ضُغطت في التجربة المصريّة المرحلتان العثمانيّة - الألمانيّة والسوفياتيّة على نحو لم تعرفه التجارب الأخرى، في حين شكّل عام 1956 جسر الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية تحت تسمية «الاشتراكيّة الديمقراطيّة التعاونيّة» التي تغيّرت لاحقاً. ذلك أنّ هزيمة النازيّة الألمانيّة حوّلت الشيوعيّة السوفياتيّة، المندفعة باتّجاه الشرق الأوسط بعد رحيل جوزيف ستالين، مصدراً متقدّماً في استلهام النظام الجديد، والطوبى التي تراءى أنّ إراديّة الذات وتصميمها يستطيعان استحضارها إلى الواقع.

- إنّها أفعال الأجانب
فجمال عبد الناصر هو «أتاتورك مصر»، كما أسماه محمد نجيب نفسه، وهذا إنّما يصف محوريّة القائد ومصادرته الحراك الاجتماعي والسياسي في بلده. ومن دون أن يلغي تشابُهُهما الفوارقَ الكثيرة التي ينبع معظمها من اختلاف الأوضاع والقوى الدوليّة المؤثّرة؛ مما سنتطرّق لاحقاً إليه، يحضر التكوين الذاتي والرومنطيقي بقوّة في الزعيمين.
ويقدّم كتيّب «فلسفة الثورة»، الذي شاع أنّ عبد الناصر أملاه على الصحافي محمد حسنين هيكل، بعض الإحاطة بمخيّلته ووعيه إبّان استيلائه على السلطة وبُعيده. فـ«لقد كنت أتصوّر قبل 12 يوليو (تموز) أنّ الأمّة كلّها متحفّزة متأهّبة، وأنّها لا تنتظر إلا طليعة تقتحم أمامها السور، فتندفع الأمّة وراءها صفوفاً متراصّة منتظمة تزحف زحفاً مقدّساً إلى الهدف الكبير». ولئن تكرّرت صورة «الصفوف المتراصّة» التي أتى على ذكرها سامي شوكة وأنطون سعادة وسواهما بعبارات مختلفة، فإنّ الجنديّة هي ما يجعل «للجيش واجباً واحداً هو أن يموت على حدود وطنه». أمّا مشاكل مصر، «البلد الطيّب الوديع»، فلا تظهر عند عبد الناصر إلا بوصفها نتاج أفعال الأجانب. ذاك أنّ الشعب «شاءت له الظروف أن يعاني الذلّ تحت سنابك خيول الطغاة القادمين من المغول والشركس. كانوا يجيئون إلى مصر عبيداً فيفتكون بأمرائهم ويصبحون هم الأمراء. وكانوا يساقون إليها مماليك فلا تمضي عليهم فترة في البلد الطيّب الوديع حتّى يصبحوا ملوكاً (...) وكانت أرواحنا وثرواتنا وأراضينا هي الغنيمة». وهنا أيضاً يكرّر عبد الناصر التهم التي كان قد وجّه مثلَها قومي عربي آخر، هو السوري ميشيل عفلق، الذي أسّس «حزب البعث العربيّ» في الأربعينات، إلى الأتراك والفرس. ومثل الأجانب والأغراب، هناك التعدّد الذي يفتك بالوحدة الأصليّة للشعب، ويستوطن المدينة الكوزموبوليتيّة غالباً، حاضاً الوطنيين على صهره وتذويبه. فعبد الناصر الشابّ إذ ينظر «إلى أسرة مصريّة عاديّة من آلاف الأُسر التي تعيش في العاصمة»، يجد أنّ «الأب مثلاً معمم من صميم الريف، والأمّ منحدرة من أصل تركيّ، وأبناء الأسرة في مدارس على النظام الإنجليزيّ، وفتياتها في مدارس على النظام الفرنسيّ، كلّ هذا بين روح القرن الثالث عشر ومظاهر القرن العشرين». وإذ يفهم حينذاك «الحيرة التي نقاسيها والتخبّط الذي يفترسنا»، يقول لنفسه «سوف يتبلور هذا المجتمع وسوف يتماسك، وسوف يكون وحدة قويّة متجانسة».
وعمليّة كهذه، مقرونة بتوسّع الإدارة والجيش والاقتصاد البضاعي الصغير، في مقابل تفاقم الأزمة الزراعيّة في الريف، تتطلّب الزعيم بالضرورة، حيث يُلحّ البحث عمّن يقود هذه المجتمعات المختلطة والمشوّشة وحديثة النشأة فيما هي تباشر الخروج من كنف الاستعمار إلى أفق الصيرورة التاريخيّة المرتجاة. فزعيم كاريزمي كهذا هو من يسدّ النقص الكامن في خلائط التكوين الآيديولوجي البسيط والمتناقض ذاتيّاً، والذي حين يتحوّل، بعد إحراز السلطة، إلى آيديولوجيا رسميّة، كالقوميّة العربيّة في مصر الناصريّة أو البعثيّة في العراق وسوريّا، تتفاقم أزمته من غير أن تتنامى جاذبيّته الشعبيّة.
وكان أحد القواسم المشتركة بين أتاتورك وعبد الناصر (والذي يطيب للمحلّلين الماركسيين إسباغه على جميع القادة «البورجوازيين الصغار» تبعاً لتمثيلهم مصالح طبقيّة متنافرة بعيداً عن الأبعاد الأخرى التاريخيّة والثقافيّة والشخصيّة) هو ملء هذا الفراغ بخليط من الانتهازيّة والضجيج الخطابي اللذين يعزّزان التعويض الزعامي المطلوب.
فمنذ أشاع جمال عبد الناصر تلك العبارة التي وردت في «فلسفة الثورة»، عن «دور هائم على وجهه يبحث عن بطل»، والطلب على «البطل» يعادل إعلان التمرّد على حقائق الواقع الموضوعيّ، بالسلبي منها والإيجابيّ. وهذا «البطل» الذي استعيد معه رونق البطولة كاملاً بعدما شوّهته الخيبة بأتاتورك، هو من سيقود «عائلته» على طريق «تحدّي القدر». فهو، بالتالي وبالضرورة، «الأب» القوي والمحبوب في آن معاً، والذي على رغم تشدّقه بثوريّة تطيح الكثير من القيم السائدة، إنّما يرسّخ إحدى أكثر القيم التقليديّة، بل الرجعيّة، صلابة بإسباغه المنطق المحافظ المستَمدّ من حياة العائلة الأبويّة على الحياة السياسيّة والعامّة. وهذا ما رأيناه لاحقاً على نحو أشدّ توسّعاً وشدّة في حالة زعماء كصدّام حسين وحافظ الأسد في العراق وسوريّا. غير أنّه في الحالات جميعاً، وخصوصاً في استهدافه الأطفال وتلامذة المدارس، أو البالغين بوصفهم «أبناء»، إنّما يلبّي ذاك الحنين الرومنطيقي إلى العائلة الأبويّة المنسجمة التي شرعت الحداثة تتهدّدها وتقضم أطرافها.
وهنا يحضر «الحب» الذي كان عبد الناصر أوّل من نقله، في المشرق العربيّ، «من مجال العلاقات الشخصيّة إلى مجال الدولة والسياسة، و(يحضر) توقّعُ أن يكون الرئيس محبوباً كأنّما هو أب أو حبيب، والمثابرة دونما كلل على إشهار ذلك عبر وسائل الإعلام العامّة». فعبد الناصر، وفق الكاتب السوري ياسين الحاج صالح، كان «حبيب الشعب، حبيب الملايين وأمل الملايين، يُغنَّى له في الإذاعات، ويُهتَف باسمه في المسيرات، وتتكرّس إذاعات وصحف لا منافس لها لتعظيمه والإشادة به وبحكمه»، علماً بأنّ الخلط «عظيم الضرر»، كما ينبّه الحاج صالح، بين الحبّ الذي يُزاوَل في الدوائر الخاصّة والشخصيّة، والسياسة، حيث ينبغي في السياسي أن يكون موثوقاً، لا محبوباً. فإذا كان ماكيافيللي قد فضّل في توصيته الشهيرة إخافة الحاكم على محبوبيّته، فإنّنا هنا حيال الإخافة والمحبوبيّة معاً. ولربّما كان من أبرز نتائج تغليب هذا الحبّ في السياسات العسكريّة المصريّة وأشدّها أذى علاقة عبد الناصر بـ«صديق حياته» و«حبيب قلبه» عبد الحكيم عامر، التي لعبت دورها الذي بات معروفاً في هزيمة 5 يونيو (حزيران) 1967.
بيد أنّ إعلاء الحبّ بالمعنى المشار إليه لا يكتفي باستبعاد الاختلاف كشرط للسياسة، بل يخوّنه أيضاً، كما يخوّن حامليه ويجيز إنزال أقصى العقاب بهم. وبهذا الخليط من سحر الحبّ كآيديولوجيا مهيمنة والخوف من التبعات الأمنيّة التي ترتّبها خيانة الحبيب، يتعطّل النقد وتتعطّل الحياة العامّة، التي لا تعود تتّسع إلا للخضوع.
وهكذا، فالموثوقيّة التي يقترحها الحاج صالح بديلاً من الحبّ، هي ما يغيب عن سلوك الزعيم، بل هي بالضبط ما تلافتْه محاولاته النظريّة والفكريّة. فعلى رغم تشديد الناصريّة على «التنظيم» وإقامتها ثلاثة «تنظيمات» (هيئة التحرير، والاتّحاد القوميّ، والاتّحاد الاشتراكي العربيّ)، ففي «الباب الأوّل» من «الميثاق» الذي أُقرّ عام 1962، نقرأ الاعتداد التالي بـ«الإرادة» المنفلتة من كلّ قيد: «إن قوّة الإرادة الثوريّة لدى الشعب المصريّ، تظهر في أبعادها الحقيقيّة الهائلة إذا ما ذكرنا أنّ هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثوري من غير تنظيم سياسي يواجه مشاكل المعركة. كذلك، فإنّ هذا الزحف الثوري بدأ من غير نظرة كاملة للتغيير الثوريّ». وهذا الإكبار للعفويّة التي تنتجها بطولة الشعب والزحف الثوري «من غير تنظيم»، هو ما حرّر، منذ البداية، مواقف الزعيم وسلوكياته من كلّ قيد قد يندرج في المبدئي والموثوق. فوفقاً للمؤرّخ المصري طارق البشري وآخرين، «كانت لعبد الناصر سابقة اتّصال سياسي بالحركات الحزبيّة. اتّصل بـ(مصر الفتاة) تلميذاً في الثلاثينات، ثم اتّصل بالإخوان المسلمين في بداية الأربعينات، ثم اتّصل بالحركة الشيوعيّة في منتصف الأربعينات». وإذا كنّا سنتناول لاحقاً علاقة عبد الناصر بالإخوان، وهي كما يبدو تتعدّى منتصف الأربعينات، يكفي هنا استرجاع ما يذكره أحد كبار «الضبّاط الأحرار»، عبد اللطيف البغدادي، عن تجربة انضمام بعض أولئك الضبّاط إلى التنظيم الإسلامي المذكور: «كنّا نحضر حديث الثلاثاء (الإخوانيّ) كلّ أسبوع، واتّبعنا نظام الأُسَر (الذي يعتمده الإخوان تنظيميّاً)، كلّ أسرة من خمسة». بل إنّ موعد الانقلاب نفسه أُجّل من 22 إلى 23 يوليو (تموز) كي يُتاح «استطلاع رأي قيادة الإخوان المسلمين في الموافقة على قيام حركة الجيش». ووفقاً للكاتب المصري شريف يونس، كان الضبّاط «يستعملون خطاباً إسلاميّاً كجانب من محاولتهم بناء شرعيّتهم»، وقد جاء قَسَم «هيئة التحرير»، أي التنظيم السياسي الأوّل الذي أنشأه الانقلابيّون، متأثّراً باللغة الإخوانيّة والدينيّة. فحين شرح جمال عبد الناصر الانقلاب في خطبة له، رأى أنّها «كانت غضبة لله، وصدى للشعور الشعبي المكبوت، ومن هنا تولّتها العناية الإلهيّة»، كما أكّد «أنّنا نحقّق ما ينادي به القرآن».
وترافقت هذه اللغة البسيطة، المتحرّرة من كلّ إلزام، مع إرساء الأسس لتعطيل النقاش، حيث بلغة البغدادي، «لم نكن نشأ الدخول في تفصيلات هذه الأهداف العامّة خشية اختلاف الرأي بيننا، وحتّى لا يتسبب عنه فرقة وانقسام». وبدوره، اكتفى يوسف صدّيق، أحد «الضبّاط الأحرار» البارزين، «بأن يذكر لجنوده أنّهم سيقومون بعمل خطير لصالح الوطن، ولم يدركوا من ذلك بطبيعة الحال أنّهم يقومون بانقلاب عسكريّ، وأنّه يستهدف السلطة وخلع الملك». ثمّ جاءت البيانات التي صدرت في الأيّام الأولى للانقلاب تناشد «الجماهير أن تخلد إلى الهدوء والسكينة والنظام دون دعوة للتحرّك، ودون طرح أهداف سياسيّة محدّدة يمكن أن تساهم الجماهير في صنعها مع القيادة». ويمضي البشري: «وقد جاء في البيان الذي أذيع ويحمل نبأ تنازل الملك عن العرش في 26 يوليو 1952، «إن نجاحنا للآن في قضية البلاد يعود أوّلاً وأخيراً إلى تضافركم معنا بقلوبكم، وتنفيذكم لتعليماتنا، وإخلادكم إلى الهدوء والسكينة».
لكنّ «التضافر بالقلوب» و«تنفيذ التعليمات»، أي الحبّ والخضوع، كانا مطلوبين لنشر الضباب حول مجريات الواقع الفعلي والأدوات المطروحة لتغييره. هكذا يروي «ضابط حرّ» بارز آخر هو أحمد حمروش، أنّه في اجتماع عُقد في 17 يوليو (تموز)، «تأرجحت الآراء (بين الضبّاط) وظهرت فكرة الاغتيالات الجماعيّة لقادة الأحزاب ورجال السراي وبعض كبار الساسة الآخرين. وشاعت الفكرة بين عدد من المجموعات، وتشكّلت فعلاً مجموعة للقيام بذلك. ثمّ تراجعت هذه الفكرة بعد أن جدّ ما استدعى التعجيل بالحركة إلى 22 يوليو، ووضّح صعوبة ضمان تنفيذ الاغتيالات بصورتها الجماعيّة واحتمال قيام حملة اعتقالات واسعة بعد تنفيذها». ويرى البشري أنّ مذكّرات عبد اللطيف البغدادي «تكشف عن مادّة ثريّة في موضوع الاغتيالات، الذي لم يُعدَل عنه نهائيّا إلا في 17 يوليو 1952. ويشير من قبل ذلك إلى الاتّصال بعبد العزيز علي والتفكير في إعداد تنظيم فدائي وصنع القنابل وإعداد الأسلحة، مع مغامرة عزيز علي المصري التي ساهم فيها بعض الضبّاط للاتّصال بالألمان، ومع اقتراح إنشاء خلايا سرّيّة لقتل من يعتبرونهم ساسة منحرفين بعد حادث 4 فبراير (شباط) 1942، وعرضهم على رئيس الديوان الملكي وقتها قتل مصطفى النحاس احتجاجاً على ذلك الحادث».
ما هو أبعد من ذلك وأوسع دلالة، أنّ عدد «الضبّاط الأحرار» الذين أسهموا في انقلاب 1952 لم يزد على تسعين ضابطاً، «وكان ثلثاهم، وفقاً للإحصاء الفعليّ، من الضبّاط الأصغر من رتبتي النقيب والملازم. وهذه النسبة لا تزيد على 4 في المائة من مجموع ضبّاط الجيش... كما أنّ الوحدات التي اشتركت لم تكن تشكّل إلا نسبة صغيرة من أسلحة الجيش وتشكيلاته ووحداته المنتشرة في مختلف المناطق العسكريّة». وهكذا تغدو إرادة 4 في المائة من مجموع ضبّاط الجيش هي، وفق أدبيّات الانقلاب، إرادة الله والشعب التي لا تُردّ.
ويذهب شريف يونس خطوة أبعد، فيخفض نسبة تمثيل «الضبّاط الأحرار» إلى 3 في المائة من مجموع الضبّاط، لكنّ الأهمّ تدليله على ضعف مجمل القوى الراديكاليّة، المتقاطعة يومذاك على نحو أو آخر مع «الضبّاط الأحرار». ذاك أنّ «الإخوان لم يسبق لهم رغم قوّتهم أن حصلوا على مقعد في البرلمان، وكذلك الشيوعيّون. وحصلت (مصر الفتاة) على مقعد واحد بعصبيّة إبراهيم شكري العائليّة».
وبالاستناد إلى مصادرة التمثيل هذه، تمنح القيادة العليا نفسها، هي التي لا تملك حتّى تلك اللحظة أي تاريخ، تفويضاً شاملاً ومنزّهاً، فتُصدر بياناً في 31 يوليو (تموز)، أي بعد أسبوع فقط على الانقلاب، «يرفع شعار التطهير لكلّ المؤسسات، ويدعو الأحزاب إلى تطهير نفسها والإعلان عن برامجها».
وهذا الاعتباط الذي تُمليه إرادة شخص واحد، أو بضعة أشخاص من المتآمرين، إنّما ولد مع تفرّد عبد الناصر «منذ البداية (...) بقرارات وإجراءات لم يُعلِم بها زملاءه، كإدخال أنور السادات تنظيم الضبّاط الأحرار وتسميته أحد أعضاء هيئته التأسيسية أو انفراده بتخطيط وتنفيذ محاولة اغتيال اللواء حسين سري عامر، مدير سلاح الحدود، يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1952».
وهو ما كان له مقابله المكمّل في العلاقات الخارجيّة. فقبل طوره السوفياتي البادئ في أواسط الخمسينات، عرف عبد الناصر طوراً أميركيّاً لم يحل قصره الزمني دون عمقه وتشعّبه، وذلك بالاستناد إلى أنّ الولايات المتّحدة لم تكن «استعماراً قديماً» كبريطانيا، بل تناقضت مع هذا الاستعمار وسعت إلى إزاحته والحلول محلّه.
فلم يعد سرّاً، أقلّه منذ صدور كتاب «لعبة الأمم» لضابط «سي آي إيه» مايلز كوبلاند، الذي عُرف بعلاقاته الوثيقة مع الزعيم المصريّ، حصول تعاون واسع بين الأخير ووكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة (سي آي إيه) يعود إلى ما قبل انقلاب يوليو، وكان صلة الوصل حسن التهامي، أحد «الضبّاط الأحرار» المقرّبين من عبد الناصر، ولاحقاً من أنور السادات (حيث رافقه في رحلته الشهيرة، عام 1977، إلى تلّ أبيب) في تحوّل لا يقلّ عن تحوّلات السادات نفسه.
وقد شملت الاتّصالات بين عبد الناصر والأميركيين كيرميت روزفلت، مدير الـ«سي آي إيه»، الذي سافر إلى القاهرة، علماً بأنه هو نفسه ما لبث أن أشرف على إطاحة محمد مصدّق في إيران، الذي يُفترض، تبعاً للأدبيّات النضاليّة، أنّه حليف موضوعي لعبد الناصر في مواجهة الإمبرياليّة. وعلى العموم، خُلّد اسم روزفلت سلباً بوصفه أحد أكبر «المتآمرين» على الشعوب وحركات تحرّرها. أمّا موضوع الاتّصالات الثنائيّة المصريّة - الأميركيّة، فدار حول إقناع الأميركيين حلفاءهم البريطانيين بالابتعاد عن مصر مقابل ضمانة من عبد الناصر بتحديث الاقتصاد وقمع الشيوعيين. وأمّا الشخص المكلّف استئناف هذه الاتّصالات مع مساعد الملحق العسكري الأميركي ديفيد إيفانس فلم يكن سوى علي صبري، الذي بات لاحقاً «رجل السوفيات»، في تبدّل للأدوار الوظيفيّة يعاكس التبدّل الذي طرأ على أدوار التهامي. وفي مطلق الأحوال، سارع الرئيس الأميركي هاري ترومان إلى الترحيب بانقلاب 1952 المصري محذّراً البريطانيين من التدخّل، في حين كان السفير الأميركي في القاهرة يسمّي «الضبّاط الأحرار» «صُبياني» (my boys). وقد ذكر لاحقاً خالد محيي الدين، وهو بدوره من قادة «الضبّاط الأحرار»، أنّ الأميركيين ضغطوا على القاهرة للإسراع في إنجاز الإصلاح الزراعيّ، لقناعتهم بأنّ الثورتين البلشفيّة والصينيّة اعتمدتا على الفلاّحين المحرومين من الأرض. وكان جون فوستر دالاس، وزير الخارجيّة، أوّل رسمي أميركي كبير يزور الجمهوريّة الجديدة، بحيث احتجّ رئيس حكومة بريطانيا ونستون تشرشل، في رسالة إلى الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، على العلاقة الأميركيّة الجديدة مع عبد الناصر.
وكانت «سي آي إيه» قد طوّعت بعض رجال الـ«إس إس» والـ«غستابو» السابقين لمساعدة النظام المصري الجديد، جرياً على السياسة التي اتّبعتها واشنطن في الاستفادة من خبرات النازيين، وقد هُزموا وشُرّدوا، ضدّ السوفيات في الحرب الباردة. وبالفعل، وصل إلى القاهرة وفد كبير من الضبّاط والخبراء النازيين، كان في عدادهم ألواس أنطون برونّر، مساعد أدولف أيخمان الذي انتقل لاحقاً إلى دمشق وبقي ومات فيها.
وقد لا يكون عديم الدلالة، في الطور السوفياتيّ، أن تتولّى ألمانيا الشرقيّة وجهازها الأمني الشهير «شتازي»، دوراً مميّزاً في العلاقة بمصر الناصريّة، ولاحقاً بالعراق وسوريّا البعثيين؛ ما يوحي باحتمال استمراريّة ألمانيّة، ولو رمزيّة، مُسيطَر عليها هذه المرّة، وفّرتها العلاقة مع واشنطن ثمّ مع موسكو.

الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة
الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

 


مقالات ذات صلة

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون «خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار

جمال القصاص
ثقافة وفنون بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب لطفية الدليمي

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها...

فخري كريم
كتب إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي

رانية حمّاد

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي
TT

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها التي تركتها مفتوحةً على المستقبل. لقد أنجزته وهي تدرك، على الأرجح، أن المعرفة لا تتوقف عند حدود العمر، وأن الكتاب يستطيع أن يصل إلى قارئه حتى بعد غياب صاحبه؛ ولذلك فإن نشره اليوم لا يمثّل إضافة جديدة إلى رصيدها الغني فحسب إنما يحمل أيضاً معنى الوفاء لكاتبة اقترن اسمها طوال أكثر من نصف قرن بالكتابة والحرية والفضول المعرفي والدفاع عن حق الإنسان في التفكير.

رحلت لطفية الدليمي في عمّان في الثامن من مارس (آذار) عام 2026، بعد يوم واحد من بلوغها السابعة والثمانين، تاركةً وراءها منجزاً واسعاً توزّع بين الرواية والقصة والمسرح والدراسة والمقالة والترجمة. ولم تكن وفاتها غياباً لروائية عراقية بارزة فحسب إنما لشخصية ثقافية نادرة استطاعت أن تجمع بين حساسية المبدعة، ودقة المترجمة، وشغف الباحثة، وصلابة المثقفة المدافعة عن المرأة والحرية المدنية.

منذ مجموعتها القصصية الأولى «ممرّ إلى أحزان الرجال» عام 1970، شقّت لطفية الدليمي لنفسها طريقاً متفرّداً في السرد العراقي. لم تتعامل مع المرأة بوصفها موضوعاً اجتماعياً جاهزاً، ولا بوصفها ضحيةً صامتة، بل جعلتها ذاتاً تفكر وترغب وتقاوم وتعيد بناء عالمها الخاص وسط عالم مضطرب. وفي أعمال مثل «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«بذور النار» و«حديقة حياة» و«سيدات زحل» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مشروع أومّا»، تتداخل الذاكرة الفردية بالتاريخ العراقي، ويصبح مصير المرأة مدخلاً إلى مساءلة الحرب والمنفى والعنف والمدينة والسلطة والخراب.

غلاف الكتاب

لم تكن رواياتها منفصلة عن أسئلتها الفكرية؛ فقد ظلّت لطفية الدليمي تكتب كما لو أن الرواية مختبرٌ للمعرفة، وأن الخيال ليس نقيضاً للفكر إنما أحد أكثر أشكاله عمقاً؛ ولهذا انتقلت بحُرية بين السرد والفلسفة والعلوم وتاريخ الحضارات وقضايا المرأة، من غير أن ترى بين هذه الحقول حدوداً مغلقة. كانت تؤمن بأن الثقافة الحقيقية تنشأ عند تقاطع المعارف، وأن الكاتب لا يستطيع فهم الإنسان إذا عزل الأدب عن تحولات العلم والتقنية والمجتمع.

وتكشف ترجمتها الأخيرة «التحوّل الكبير» عن هذه الروح بأوضح صورها. فهو يضم مجموعة منتقاة من المقالات والدراسات المترجمة عن الإنجليزية، كتبها علماء وفلاسفة وروائيون ومفكرون معاصرون، وتدور حول أسئلة الذكاء السردي، والثورة الصناعية الخامسة، والذكاء الاصطناعي، والوعي، والفيزياء، والاقتصاد، ومستقبل الجامعات، والحرية، والحظ، والكتابة، ومعنى الحياة الجيدة. لا تجمع هذه النصوص أطروحة مغلقة، بل يجمعها القلق المعرفي والرغبة في إعادة النظر في المسلّمات.

لقد كتبت لطفية الدليمي في تقديمها لهذا الكتاب أن القراءة نوعان: قراءة تلبي حاجة وظيفية عابرة، وقراءة تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وكانت ترى أن كتابها ينتمي إلى النوع الثاني، فهو لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله: الكتابة في نظرها ليست وسيلة لتوزيع الأجوبة إنما طريقة لتوسيع السؤال وزعزعة اليقين وتدريب العقل على الشك الخلّاق.

أما الترجمة، فلم تكن عند لطفية الدليمي عملاً موازياً للكتابة أو نشاطاً ثانوياً في مسيرتها. كانت جزءاً جوهرياً من رؤيتها الثقافية. لقد نظرت إليها بوصفها فعلاً لاستضافة الأفكار داخل العربية، وتوسيعاً لحدود المكتبة والقارئ معاً. ومن خلال ترجماتها نقلت أعمالاً في الرواية والفلسفة والعلوم والنقد والدراسات المستقبلية، من «بلاد الثلوج» لياسوناري كاواباتا و«ضوء نهار مشرق» لأنيتا ديساي و«من يوميات أناييس نن»، إلى كتب كولن ولسون وتيري إيغلتون وستيفن هوكينغ ونك بوستروم وبول ديفيز ومارتن ريس، فضلاً عن مختاراتها من حوارات كبار الروائيين والعلماء والفلاسفة.

كانت تختار ما تترجمه وفق حاجة ثقافية واضحة، لا وفق شهرة الاسم وحدها؛ فقد انشغلت بأسئلة الرواية الحديثة، والعلاقة بين الأدب والفلسفة، والثقافتين العلمية والأدبية، ومستقبل الإنسانية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات المعرفية الكبرى؛ ولهذا تبدو ترجماتها، عند قراءتها اليوم، أجزاءً من مشروع واحد متكامل: إدخال القارئ العربي إلى النقاش العالمي المعاصر، مع الحفاظ على وضوح اللغة وكرامة الفكرة.

ارتبطت لطفية الدليمي بدار المدى بعلاقة ثقافية وإنسانية طويلة، ولم تكن بالنسبة إليها مجرد مؤلفة أو مترجمة تتعاقد الدار على نشر كتاب لها. كانت واحدة من الكتّاب الذين أسهموا في تكوين هوية المدى ومشروعها الثقافي. وقد احتفت بها الدار ككاتبة ومترجمة ومثقفة عراقية كبيرة، وحرصت على نشر كتبها وإعادة طباعة أعمالها السابقة، لتبقى متاحة للأجيال الجديدة من القرّاء.

أعادت المدى تقديم أعمالها السردية والفكرية والترجمية، من «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«موسيقى صوفية» و«شريكات المصير الأبدي»، إلى «مسرّات النساء» و«إذا كنت تحب» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مملكة الروائيين العظام» و«عصيان الوصايا» و«إضاءة العتمة» و«كاليدوسكوب» و«مشروع أومّا» و«آفاق لا نهائية» و«كراساتي الباريسية» و«بعيداً عن ضوضاء العالم»، إلى جانب عدد كبير من ترجماتها. وهكذا لم تحتفِ المدى باسمها في مناسبة عابرة، بل عملت على حفظ مشروعها الأدبي والمعرفي كاملاً، ونشره وإعادة طباعته وإيصاله إلى القارئ العربي.

الكتاب لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله

يأتي كتاب «التحوّل الكبير» اليوم ليواصل هذه العلاقة حتى بعد رحيلها؛ ففي هذا الكتاب نسمع صوتها في الاختيار، وفي ترتيب الموضوعات، وفي ملاحظاتها التي تسبق النصوص، وفي اللغة التي تمنح الأفكار المعقّدة وضوحاً من دون أن تسلبها عمقها. إنها حاضرة فيه بوصفها مترجمة، ولكنها حاضرة أيضاً بوصفها قارئةً كبيرة تقود قارئها إلى الكتب والأسئلة التي رأت أنها جديرة بالبقاء.

لم تتمكن لطفية الدليمي من رؤية هذا الكتاب مطبوعاً، لكن الكتاب يحمل أثرها كاملاً. وربما كان من العزاء أن يكون آخر ما يصل منها إلى القراء كتاباً عن العالم الآتي فهي التي أمضت حياتها تنظر إلى ما وراء اللحظة، وتبحث عن المعرفة القادرة على مقاومة العزلة والخوف واليقين. لقد رحلت الكاتبة، لكن الأسئلة التي اختارتها ما زالت حية، والكتب التي كتبتها وترجمتها ما زالت تفتح نوافذها على العالم.

وبنشر هذا الكتاب، تودع دار المدى واحدةً من أبرز كاتباتها ومترجماتها، لا بكلمات الرثاء وحدها، بل بالطريقة التي تليق بها أكثر هو أن تضع كتابها بين أيدي القرّاء، وأن تترك صوتها يواصل الحديث إليهم. إنه كتابها الأخير، لكنه هديتها الأثيرة لي شخصياً؛ فقد وجدتها خير من يضعني في قلب الحاضر واستشراف المستقبل من خلال ترجمة كتاب يجعلني أقرب إلى ما يرتقي بي معرفياً إلى مستوى فهم القفزات العلمية والإبداعية في كل الميادين التي جعلت عالمنا مفتوحاً على تحقيق أكبر قفزة في تاريخ العلم والتكنولوجيا والمعرفة الإنسانية، مواجهة تحدي عقل الإنسان ومخلوقاته المثيرة والمريبة... ثورة الذكاء الاصطناعي ومآلاته...!

كأنّها أدركت أن لقاءنا الأخير إنما هو وداعٌ أبدي، وهي تُقبِل بشغفٍ على إعداد وترجمة التحول الكبير!


إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم
TT

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي الرصين والتحليل السياسي. ويكمن إنجازه المحوري في استعادة سؤالٍ طالما أزاحته لغاتُ الدبلوماسية والأمن والتنمية والضرورة الإنسانية: مَن يمتلك السلطة الشرعية لتقرير مستقبل فلسطين السياسي؟

ينطلق الغصين من مفارقةٍ حاسمة: فلسطين لم تفتقر يوماً إلى الإدارة. فقد جرى إحصاء الفلسطينيين وتصنيفهم وتسجيلهم ومسحهم وتمثيلهم وتهجيرهم وإغاثتهم والتفاوض بشأنهم بكثافةٍ استثنائية. أمّا ما حُجِب عنهم فهو الاعتراف بهم مصدراً للسلطة التي تُمارَس على أرضهم وحياتهم. إنهم حاضرون في كل موضعٍ من السجلّ الإداري، لكنهم قلّما يظهرون بوصفهم الذات السياسية صاحبة الحق في القرار. لقد جُعِلوا مرئيين بوصفهم «سكّاناً»، وظلّوا في الوقت نفسه غيرَ مرئيين سياسياً بوصفهم شعباً صاحب سيادة.

هذا التمييز بين الإدارة والسلطة هو ما يمنح الكتاب تماسكه اللافت. ينتقل الغصين من مذكّرة هربرت صمويل عام 1915 ووعد بلفور، مروراً بانتداب عصبة الأمم، وتحطيم المؤسسات الفلسطينية التمثيلية، ونشوء «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومسار أوسلو، وحوكمة المانحين، والإدارة الإنسانية، وصولاً إلى تدمير غزة في زمننا الراهن. ويكشف كيف أنّ أحداثاً يفصل بينها عادةً التسلسلُ الزمني والاختصاصُ المعرفي والمفردات إنما تنتمي إلى بنيةٍ واحدة متصلة: سلطةٌ تُمارَس على الفلسطينيين في حين يظلّ مصدرها خارجاً عنهم.

ويبلغ الكتاب ذروة أهميته حين يقرأ المؤلف الوثائق الرسمية على نحوٍ يناقض ادّعاءاتها الحياد. فالمذكّرات والتصريحات والإحصاءات وتقارير اللجان والقرارات القانونية والخرائط وبطاقات التموين وأنظمة التصاريح... لا يعاملها الغصين بوصفها سجلّاتٍ محايدة ساكنة، بل أدواتٍ يُنظَّم بها الواقع السياسي. يسأل: مَن يُسمَّى، ومَن يُعترَف به، ومَن يُمثَّل، ومَن يُختزَل إلى مجرّد فئة؟ وتأتي مناقشته للانتداب نافذةً حادّة؛ إذ تُشكَّل جماعةٌ واحدة بوصفها ذاتاً سياسية ذات مؤسسات معترَف بها وغايةٍ قومية، في حين تُصاغ الأغلبية العربية عبر التجريد، بوصفها «سكّاناً» أو «طوائف» أو «شرائح من السكّان». وليس هذا الإغفال عرضياً، بل هو ما يؤسّس التمييزَ الذي يقوم عليه النظام الأوسع.

وتكمن قوّة الحجّة في بيان كيف تصمد هذه البنية أمام كل تبدّلٍ في المفردات. فالمذكّرة تصبح إعلاناً، والإعلان يصبح انتداباً، والانتداب يصبح أمراً عسكرياً، والأمر العسكري يصبح تصريحَ مرور، ثم يفسح تصريحُ المرور المجال، لاحقاً، لمعايير المانحين، وأُطر إعادة الإعمار، وعتبات المجاعة، وقواعد البيانات، وسياسات ضبط المحتوى. تغدو المصطلحات أكثر تقنيةً وأكثر إنسانيةً في الظاهر، في حين تبقى العلاقة الكامنة على حالها دون تغيير.

وتُعدّ معالجة الغصين للعمل الإنساني من أهمّ إسهامات الكتاب. فهو لا يشكّك في ضرورة الإغاثة، وإنما يبيّن كيف تُترجَم الحقوق إلى احتياجات. فشعبٌ يطالب بالحرية السياسية يصير «سكّاناً» بحاجة إلى المساعدة، ويصير سلبُ الأرض والملكية «حالة طوارئ» تُدار. وتبرز غزة بوصفها فضاءً مُداراً يُحسَب فيه البقاءُ على قيد الحياة ذاته بالسعرات الحرارية وحمولات الشاحنات والسجلّات والعتبات المؤسسية. وتزداد الآلةُ دقّةً كلما تراجع الاعتراف السياسي.

وتمتدّ الحجّة بالقوّة ذاتها إلى المجال الرقمي. فالشهادة الفلسطينية تحكمها منصّاتٌ تقرّر ما يجوز أن يُرى أو يُتداوَل أو يُبحَث عنه أو يُحذَف. وتغدو الرؤية ذاتها مسألةً إدارية. فأنظمةٌ خاصة بالترتيب الخوارزمي وضبط المحتوى والتصنيف، تكتسب القدرةَ على تحديد ما إذا كانت التجربة الفلسطينية ستظلّ متاحةً للذاكرة العامة.

وتتّسم لغة الكتاب بالوضوح والانضباط والدقّة الأخلاقية. يكتب الغصين بتحفّظٍ متعمَّد، تاركاً للسجلّ الوثائقي أن يفضح العنف المتواري خلف مصطلحاتٍ مثل «التنسيق» و«الحوكمة» و«إعادة الإعمار» و«الأمن» و«الوصول الإنساني». والحصيلة ليست مجرّد تاريخٍ لفلسطين، بل تشريحٌ للمؤسسات واللغات التي تُظهر القوّةُ الخارجيةُ من خلالها نفسَها بوصفها ضروريةً ومحايدة.

يقدم كتاب توفيق جويد الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم» مساهمة مهمة في حقل الدراسات الفلسطينية والقانون الدولي ودراسة الإمبراطورية. فهو يبرهن أنّ المشكلة الجوهرية ليست مجرّد الاحتلال، أو سلب الأرض، أو انعدام الدولة، وإن كانت تشمل هذه الثلاثة جميعاً، بل هي السؤال غير المحسوم: مَن يملك الحقّ المعترَف به في اتخاذ القرار؟

* أكاديمية فلسطينية


باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض
TT

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

تعد قبيلة وائل من بني حنيفة أول من سكن مدينة الرياض التي كانت تعرف بـ«حجر اليمامة»، وأصبح لها كيان معتبر واستقرار دائم، وكان منهم الملوك والأمراء الذين حكموا وسط الجزيرة العربية بشعار الأرستقراطية القبلية.

جاء اسم آل عساكر كإحدى الأسر العريقة التي سكنت الرياض من عشرات القرون، وتولوا إماراتها في فترات من تاريخها، وسجل أفراد الأسرة حضورهم في المجتمع على مختلف الأصعدة.

الباحث الدكتور راشد العساكر أنجز كتاباً عن الأسرة سماه: «الرياض الزاهر في تاريخ آل عساكر»، رصد فيه تاريخ الأسرة خلال القرون التي مضت مفيداً أن الأسرة تنتسب إلى قبيلة بني حنيفة من وائل ومسكنهم في الرياض - حجر اليمامة - منذ ما يقرب الألفي سنة، وكان أغلب سكان مدينة حجر اليمامة التي عرفت فيما بعد ببلد مقرن (الرياض اليوم) هم من آل يزيد من بني حنيفة ومنهم الدروع، ويظهر أنهم أحد فروع آل يزيد.

سكنت الأسرة في محلة «مقرن» التي تشكل مع محلة «معكال» أكبر محلتين في بلد الرياض مع بعض الأماكن الأخرى التي أطلق عليها في القرن الثاني عشر الهجري اسم الرياض، والمقصود أن هذه الأسرة عاشت في بلد الرياض، ولا نعرف أن أحداً عاش في غيرها، وقد تملكت أسرة آل عساكر أشهر حديقة عرفت في مقرن عند القرن العاشر الهجري، وهي تسمى «الكبيشية»، وتقع اليوم شمال مسجد جامع مقرن - جامع الرياض، كما تملكوا محلة تعرف بـ«فرحة آل عساكر» قبل منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وتملكوا محلة بقرب مسجد الباهلية، وكذلك في محلة الشرقية وغيرهما من الأماكن.

وأما جد الأسرة من الأم فهو عبد المحسن بن سعيد الدرعي الحنفي، أمير بلد مقرن، تولى الإمارة بعد منتصف القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجري.

وهو من قبيلة الدروع المنتسبة إلى بني حنيفة الذين حكموا هذه المنطقة، ويبدو أن عبد المحسن بن سعيد أو أباه هو الذي راسله جد آل سعود مانع بن ربيعة المريدي من الدروع عندما كان في القطيف، وقدم عليه، وأقطعه المليبد وغصيبة المعروفة في الدرعية، وليكون مانعاً له من نفوذ آل يزيد الحنفيين أبناء عمه وبصفة عبد المحسن بن سعيد أمير حجر اليمامة واستقر آل سعود في الدرعية سنة 850هـ.

وقد مدح شاعر - حجر اليمامة - جعيثن اليزيدي الحنفي آل عساكر وعمتهم جليلة، وهجا بها شخصاً يقال له ابن حراش، ويمكن من خلال هذه القصائد التعرف على بعض ملامح تلك الفترة.

وجعيثن عاش في محلة الجزعة جنوب منفوحة، وقيل إنه أميرها من قبل عبد المحسن بن سعيد الدرعي الحنفي. وتعد هذه القصائد أقدم ما عثر عليه من الشعر العامي لدى شعراء الرياض، خصوصاً ومن أوائل القصائد النجدية المدونة.

وقد كانت جليلة معروفة بأفعال الخير والإحسان ومساعدة المحتاجين في الرياض، حتى أن محلة خان شليلة، المعروفة شرق منفوحة، اليوم، تنسب إليها، حيث إن اسمها خان جليلة، ولكن العامة تسهل نطق الاسم فعرفت بذلك، حيث قامت جليلة بعمل استراحات وخانات فيها.

والخان من معانيه في اللغة العربية السوق، حيث عندما يأتي الحجاج وغيرهم من جهة الأحساء وشرق الجزيرة في طريقهم إلى مكة والمدينة يمكثون في الرياض، فيبيتون بها ويتناولون الطعام ويتزودون بالمؤن في هذه المحلة، فعرفت واشتهرت بذلك، واسم خان جليلة قد تغير إلى خان شليلة، وذلك في القرن الثالث عشر الهجري تقريباً.

وقد برزت شهرة حديقة الكبيشية عندما تملكها أمير بلد مقرن بعد منتصف القرن التاسع الهجري عبد المحسن بن سعيد ثم آلت إلى ابنتيه جليلة ومريم.