الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي

«رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة

الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار):  عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)
الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار): عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)
TT

الحلقة (4): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من عبد الناصر إلى مرحلتي الوعي الانقلابي

الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار):  عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)
الضباط المصريون بعد إعلان قيام النظام الجمهوري في 20 يونيو 1953... وبدا (في الصف الأول من اليسار): عبد اللطيف البغدادي وجمال عبد الناصر ومحمد نجيب وعبد الحكيم عامر وصلاح سالم وأنور السادات (كيستون - أرشيف هالتون - غيتي)

على مدى أربع حلقات، تنشر «الشرق الأوسط» فصلاً من كتاب «رومنطيقيّو المشرق العربيّ» لحازم صاغيّة، والذي سيصدر قريباً عن دار «رياض الريّس للكتب والنشر» في بيروت. الحلقة السابقة تناولت ثنائيّتي «العروبة والإسلام» و«القوميّة والاشتراكيّة». هنا الحلقة الأخيرة.

ما لا شكّ فيه أنّ التطوّرات التي شهدها الوعي الوطني المصري اختلفت عن مثيلتها في العراق وسوريّا، تبعاً لعاملين على الأقلّ. فمن جهة، انحسر مبكراً الأثر العثماني فالتركي عن مصر، وذلك مع الاحتلال الإنجليزي في 1882، وإن عبّرت الوطنيّة المصريّة المبكرة، لا سيّما مع «الحزب الوطنيّ» بقيادة مصطفى كامل ومحمد فريد، عن هوى عثماني أُريدَ استثماره في مواجهة البريطانيين. أمّا الآخر، فيطال تفاوت التجربتين فيما خصّ الأقلّيّات المسلمة غير العربيّة، بين مصر وكلّ من العراق وسوريّا. فمنذ حركة أحمد عرابي في 1881، والتي قامت جزئيّاً ضدّ نفوذ الضبّاط الشركس، لم يعد هؤلاء، وهم ذوو الوجود العسكري العريق الضارب في الحقبة المملوكيّة، يُعرّفون بصفتهم الجمعيّة هذه. لقد اندمجوا في نسيج مصر وسياساتها على النحو الذي يرمز إليه كون علي ماهر، أحد أبرز سياسييهم القوميين، وعزيز علي المصري، أبرز ضبّاطهم القوميين، هما نفسهما من ذوي أصل شركسيّ. أمّا في العراق وسوريّا، فيمكن رسم خطّ فاصل ونافر بين حقبة الضبّاط العثمانيين، غير العرب، والذين برز منهم قائدا الانقلابين الأوّلين في العراق وسوريّا، الكرديّان بكر صدقي وحسني الزعيم، وحقبة الضبّاط العرب ممن ولدوا في أواخر عهد السلطنة العثمانيّة أو بعده بقليل، وتخرّجوا من الكلّيّات الحربيّة في ظلّ الاستقلال العراقي الناقص والانتداب الفرنسي على سوريّا. وهذا، فضلاً عن النسيج المصري الأعلى انسجاماً من مثيليه العراقي والسوريّ؛ ما جعل اقتران الإسلام بالقوميّة، أكانت مصريّة في البداية أم عربيّة لاحقاً، أشدّ سلاسة منه في البلدين المشرقيين الآسيويين.
على أنّ القاسم المشترك هو أنّ هؤلاء جميعاً أطلّوا على الحياة العامّة قُبيل هزيمة النازيّة في الحرب العالميّة الثانية ومعها، وهو ما لبث أن فتح الباب للقطبية الأميركيّة - الروسيّة، ومعها الرأسماليّة/الديمقراطيّة - الشيوعيّة.
فجمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر وأنور السادات، أبرز نجوم العهد الجمهوري في مصر، ولدوا بين 1918 و1919، وتخرّجوا ضبّاطاً بين 1937 و1939. وأدوار هؤلاء جميعاً كانت من ثمار توسّع الجيوش الذي سبق الاستقلالات أو تلاها مباشرة، مستدعياً إليه أبناء البيئات الشعبيّة العميقة في المدن، وخصوصاً في الأرياف. وقد شهد الجيش في مصر، عشيّة الحرب العالميّة الثانية، توسّعاً صاروخيّاً رفع عدده أضعافاً مضاعفة، ما شكّله على هيئة أداة سلطة غير مسبوقة عربيّاً في قوّتها وحجمها، كما في عضويّة ارتباطها بمجتمعها الأهلي العميق. وفي المعنى هذا، انتمى كثيرون من «الضبّاط الأحرار» ممن دخلوا الكلّيّة الحربيّة في الثلاثينات، إلى الطبقة الوسطى على تعدّد شرائحها، دون أن يكون بينهم أي ضابط قبطيّ. وفيما خلا الوطنيّة، بمعنى المناهضة الحصريّة للإنجليز، كان هؤلاء انتقائيين آيديولوجيّاً، فيهم الإسلامي والبراغماتي على شيء من الليبراليّة، والشوفيني المصري على أنواعه.
وكما سبق أن رأينا في حالة العراق، شهدت الثلاثينات، وبتأثير واضح من الحركات الفاشيّة الأوروبيّة، نزوعاً حادّاً إلى تجمّعات وتيّارات قوميّة ووطنيّة مشابهة في المشرق العربيّ، يقف على رأسها زعماء يقلّدون هتلر وموسوليني. وربّما كان الأبرز، فضلاً عن العراقي سامي شوكة، المصري أحمد حسين، مؤسّس «مصر الفتاة»، واللبناني أنطون سعادة الذي أسّس في 1932 «الحزب السوري القوميّ» وذهب بعيداً في انتفاخه الأنويّ، مانحاً نفسه لقب «الزعيم» مدى الحياة، ومتجاوزاً في علمويّته وخطابيّته الرومنطيقيّة سائر نظرائه.
غير أنّ الفرصة التي أتيحت للجيش المصريّ، كمصنع للزعاميّة الجديدة، لا سيّما بعد انقلاب يوليو (تموز) 1952، لم تُتح للبيئات السياسيّة والحزبيّة والعسكريّة الأخرى. ففضلاً عن موقع مصر المركزي في العالم العربيّ، والذي زاده الاحتلال البريطاني مركزيّة وأهميّة، وعمّا أشير إليه من توسّعٍ عرفه جيشها الوطنيّ، ضُغطت في التجربة المصريّة المرحلتان العثمانيّة - الألمانيّة والسوفياتيّة على نحو لم تعرفه التجارب الأخرى، في حين شكّل عام 1956 جسر الانتقال من المرحلة الأولى إلى الثانية تحت تسمية «الاشتراكيّة الديمقراطيّة التعاونيّة» التي تغيّرت لاحقاً. ذلك أنّ هزيمة النازيّة الألمانيّة حوّلت الشيوعيّة السوفياتيّة، المندفعة باتّجاه الشرق الأوسط بعد رحيل جوزيف ستالين، مصدراً متقدّماً في استلهام النظام الجديد، والطوبى التي تراءى أنّ إراديّة الذات وتصميمها يستطيعان استحضارها إلى الواقع.

- إنّها أفعال الأجانب
فجمال عبد الناصر هو «أتاتورك مصر»، كما أسماه محمد نجيب نفسه، وهذا إنّما يصف محوريّة القائد ومصادرته الحراك الاجتماعي والسياسي في بلده. ومن دون أن يلغي تشابُهُهما الفوارقَ الكثيرة التي ينبع معظمها من اختلاف الأوضاع والقوى الدوليّة المؤثّرة؛ مما سنتطرّق لاحقاً إليه، يحضر التكوين الذاتي والرومنطيقي بقوّة في الزعيمين.
ويقدّم كتيّب «فلسفة الثورة»، الذي شاع أنّ عبد الناصر أملاه على الصحافي محمد حسنين هيكل، بعض الإحاطة بمخيّلته ووعيه إبّان استيلائه على السلطة وبُعيده. فـ«لقد كنت أتصوّر قبل 12 يوليو (تموز) أنّ الأمّة كلّها متحفّزة متأهّبة، وأنّها لا تنتظر إلا طليعة تقتحم أمامها السور، فتندفع الأمّة وراءها صفوفاً متراصّة منتظمة تزحف زحفاً مقدّساً إلى الهدف الكبير». ولئن تكرّرت صورة «الصفوف المتراصّة» التي أتى على ذكرها سامي شوكة وأنطون سعادة وسواهما بعبارات مختلفة، فإنّ الجنديّة هي ما يجعل «للجيش واجباً واحداً هو أن يموت على حدود وطنه». أمّا مشاكل مصر، «البلد الطيّب الوديع»، فلا تظهر عند عبد الناصر إلا بوصفها نتاج أفعال الأجانب. ذاك أنّ الشعب «شاءت له الظروف أن يعاني الذلّ تحت سنابك خيول الطغاة القادمين من المغول والشركس. كانوا يجيئون إلى مصر عبيداً فيفتكون بأمرائهم ويصبحون هم الأمراء. وكانوا يساقون إليها مماليك فلا تمضي عليهم فترة في البلد الطيّب الوديع حتّى يصبحوا ملوكاً (...) وكانت أرواحنا وثرواتنا وأراضينا هي الغنيمة». وهنا أيضاً يكرّر عبد الناصر التهم التي كان قد وجّه مثلَها قومي عربي آخر، هو السوري ميشيل عفلق، الذي أسّس «حزب البعث العربيّ» في الأربعينات، إلى الأتراك والفرس. ومثل الأجانب والأغراب، هناك التعدّد الذي يفتك بالوحدة الأصليّة للشعب، ويستوطن المدينة الكوزموبوليتيّة غالباً، حاضاً الوطنيين على صهره وتذويبه. فعبد الناصر الشابّ إذ ينظر «إلى أسرة مصريّة عاديّة من آلاف الأُسر التي تعيش في العاصمة»، يجد أنّ «الأب مثلاً معمم من صميم الريف، والأمّ منحدرة من أصل تركيّ، وأبناء الأسرة في مدارس على النظام الإنجليزيّ، وفتياتها في مدارس على النظام الفرنسيّ، كلّ هذا بين روح القرن الثالث عشر ومظاهر القرن العشرين». وإذ يفهم حينذاك «الحيرة التي نقاسيها والتخبّط الذي يفترسنا»، يقول لنفسه «سوف يتبلور هذا المجتمع وسوف يتماسك، وسوف يكون وحدة قويّة متجانسة».
وعمليّة كهذه، مقرونة بتوسّع الإدارة والجيش والاقتصاد البضاعي الصغير، في مقابل تفاقم الأزمة الزراعيّة في الريف، تتطلّب الزعيم بالضرورة، حيث يُلحّ البحث عمّن يقود هذه المجتمعات المختلطة والمشوّشة وحديثة النشأة فيما هي تباشر الخروج من كنف الاستعمار إلى أفق الصيرورة التاريخيّة المرتجاة. فزعيم كاريزمي كهذا هو من يسدّ النقص الكامن في خلائط التكوين الآيديولوجي البسيط والمتناقض ذاتيّاً، والذي حين يتحوّل، بعد إحراز السلطة، إلى آيديولوجيا رسميّة، كالقوميّة العربيّة في مصر الناصريّة أو البعثيّة في العراق وسوريّا، تتفاقم أزمته من غير أن تتنامى جاذبيّته الشعبيّة.
وكان أحد القواسم المشتركة بين أتاتورك وعبد الناصر (والذي يطيب للمحلّلين الماركسيين إسباغه على جميع القادة «البورجوازيين الصغار» تبعاً لتمثيلهم مصالح طبقيّة متنافرة بعيداً عن الأبعاد الأخرى التاريخيّة والثقافيّة والشخصيّة) هو ملء هذا الفراغ بخليط من الانتهازيّة والضجيج الخطابي اللذين يعزّزان التعويض الزعامي المطلوب.
فمنذ أشاع جمال عبد الناصر تلك العبارة التي وردت في «فلسفة الثورة»، عن «دور هائم على وجهه يبحث عن بطل»، والطلب على «البطل» يعادل إعلان التمرّد على حقائق الواقع الموضوعيّ، بالسلبي منها والإيجابيّ. وهذا «البطل» الذي استعيد معه رونق البطولة كاملاً بعدما شوّهته الخيبة بأتاتورك، هو من سيقود «عائلته» على طريق «تحدّي القدر». فهو، بالتالي وبالضرورة، «الأب» القوي والمحبوب في آن معاً، والذي على رغم تشدّقه بثوريّة تطيح الكثير من القيم السائدة، إنّما يرسّخ إحدى أكثر القيم التقليديّة، بل الرجعيّة، صلابة بإسباغه المنطق المحافظ المستَمدّ من حياة العائلة الأبويّة على الحياة السياسيّة والعامّة. وهذا ما رأيناه لاحقاً على نحو أشدّ توسّعاً وشدّة في حالة زعماء كصدّام حسين وحافظ الأسد في العراق وسوريّا. غير أنّه في الحالات جميعاً، وخصوصاً في استهدافه الأطفال وتلامذة المدارس، أو البالغين بوصفهم «أبناء»، إنّما يلبّي ذاك الحنين الرومنطيقي إلى العائلة الأبويّة المنسجمة التي شرعت الحداثة تتهدّدها وتقضم أطرافها.
وهنا يحضر «الحب» الذي كان عبد الناصر أوّل من نقله، في المشرق العربيّ، «من مجال العلاقات الشخصيّة إلى مجال الدولة والسياسة، و(يحضر) توقّعُ أن يكون الرئيس محبوباً كأنّما هو أب أو حبيب، والمثابرة دونما كلل على إشهار ذلك عبر وسائل الإعلام العامّة». فعبد الناصر، وفق الكاتب السوري ياسين الحاج صالح، كان «حبيب الشعب، حبيب الملايين وأمل الملايين، يُغنَّى له في الإذاعات، ويُهتَف باسمه في المسيرات، وتتكرّس إذاعات وصحف لا منافس لها لتعظيمه والإشادة به وبحكمه»، علماً بأنّ الخلط «عظيم الضرر»، كما ينبّه الحاج صالح، بين الحبّ الذي يُزاوَل في الدوائر الخاصّة والشخصيّة، والسياسة، حيث ينبغي في السياسي أن يكون موثوقاً، لا محبوباً. فإذا كان ماكيافيللي قد فضّل في توصيته الشهيرة إخافة الحاكم على محبوبيّته، فإنّنا هنا حيال الإخافة والمحبوبيّة معاً. ولربّما كان من أبرز نتائج تغليب هذا الحبّ في السياسات العسكريّة المصريّة وأشدّها أذى علاقة عبد الناصر بـ«صديق حياته» و«حبيب قلبه» عبد الحكيم عامر، التي لعبت دورها الذي بات معروفاً في هزيمة 5 يونيو (حزيران) 1967.
بيد أنّ إعلاء الحبّ بالمعنى المشار إليه لا يكتفي باستبعاد الاختلاف كشرط للسياسة، بل يخوّنه أيضاً، كما يخوّن حامليه ويجيز إنزال أقصى العقاب بهم. وبهذا الخليط من سحر الحبّ كآيديولوجيا مهيمنة والخوف من التبعات الأمنيّة التي ترتّبها خيانة الحبيب، يتعطّل النقد وتتعطّل الحياة العامّة، التي لا تعود تتّسع إلا للخضوع.
وهكذا، فالموثوقيّة التي يقترحها الحاج صالح بديلاً من الحبّ، هي ما يغيب عن سلوك الزعيم، بل هي بالضبط ما تلافتْه محاولاته النظريّة والفكريّة. فعلى رغم تشديد الناصريّة على «التنظيم» وإقامتها ثلاثة «تنظيمات» (هيئة التحرير، والاتّحاد القوميّ، والاتّحاد الاشتراكي العربيّ)، ففي «الباب الأوّل» من «الميثاق» الذي أُقرّ عام 1962، نقرأ الاعتداد التالي بـ«الإرادة» المنفلتة من كلّ قيد: «إن قوّة الإرادة الثوريّة لدى الشعب المصريّ، تظهر في أبعادها الحقيقيّة الهائلة إذا ما ذكرنا أنّ هذا الشعب البطل بدأ زحفه الثوري من غير تنظيم سياسي يواجه مشاكل المعركة. كذلك، فإنّ هذا الزحف الثوري بدأ من غير نظرة كاملة للتغيير الثوريّ». وهذا الإكبار للعفويّة التي تنتجها بطولة الشعب والزحف الثوري «من غير تنظيم»، هو ما حرّر، منذ البداية، مواقف الزعيم وسلوكياته من كلّ قيد قد يندرج في المبدئي والموثوق. فوفقاً للمؤرّخ المصري طارق البشري وآخرين، «كانت لعبد الناصر سابقة اتّصال سياسي بالحركات الحزبيّة. اتّصل بـ(مصر الفتاة) تلميذاً في الثلاثينات، ثم اتّصل بالإخوان المسلمين في بداية الأربعينات، ثم اتّصل بالحركة الشيوعيّة في منتصف الأربعينات». وإذا كنّا سنتناول لاحقاً علاقة عبد الناصر بالإخوان، وهي كما يبدو تتعدّى منتصف الأربعينات، يكفي هنا استرجاع ما يذكره أحد كبار «الضبّاط الأحرار»، عبد اللطيف البغدادي، عن تجربة انضمام بعض أولئك الضبّاط إلى التنظيم الإسلامي المذكور: «كنّا نحضر حديث الثلاثاء (الإخوانيّ) كلّ أسبوع، واتّبعنا نظام الأُسَر (الذي يعتمده الإخوان تنظيميّاً)، كلّ أسرة من خمسة». بل إنّ موعد الانقلاب نفسه أُجّل من 22 إلى 23 يوليو (تموز) كي يُتاح «استطلاع رأي قيادة الإخوان المسلمين في الموافقة على قيام حركة الجيش». ووفقاً للكاتب المصري شريف يونس، كان الضبّاط «يستعملون خطاباً إسلاميّاً كجانب من محاولتهم بناء شرعيّتهم»، وقد جاء قَسَم «هيئة التحرير»، أي التنظيم السياسي الأوّل الذي أنشأه الانقلابيّون، متأثّراً باللغة الإخوانيّة والدينيّة. فحين شرح جمال عبد الناصر الانقلاب في خطبة له، رأى أنّها «كانت غضبة لله، وصدى للشعور الشعبي المكبوت، ومن هنا تولّتها العناية الإلهيّة»، كما أكّد «أنّنا نحقّق ما ينادي به القرآن».
وترافقت هذه اللغة البسيطة، المتحرّرة من كلّ إلزام، مع إرساء الأسس لتعطيل النقاش، حيث بلغة البغدادي، «لم نكن نشأ الدخول في تفصيلات هذه الأهداف العامّة خشية اختلاف الرأي بيننا، وحتّى لا يتسبب عنه فرقة وانقسام». وبدوره، اكتفى يوسف صدّيق، أحد «الضبّاط الأحرار» البارزين، «بأن يذكر لجنوده أنّهم سيقومون بعمل خطير لصالح الوطن، ولم يدركوا من ذلك بطبيعة الحال أنّهم يقومون بانقلاب عسكريّ، وأنّه يستهدف السلطة وخلع الملك». ثمّ جاءت البيانات التي صدرت في الأيّام الأولى للانقلاب تناشد «الجماهير أن تخلد إلى الهدوء والسكينة والنظام دون دعوة للتحرّك، ودون طرح أهداف سياسيّة محدّدة يمكن أن تساهم الجماهير في صنعها مع القيادة». ويمضي البشري: «وقد جاء في البيان الذي أذيع ويحمل نبأ تنازل الملك عن العرش في 26 يوليو 1952، «إن نجاحنا للآن في قضية البلاد يعود أوّلاً وأخيراً إلى تضافركم معنا بقلوبكم، وتنفيذكم لتعليماتنا، وإخلادكم إلى الهدوء والسكينة».
لكنّ «التضافر بالقلوب» و«تنفيذ التعليمات»، أي الحبّ والخضوع، كانا مطلوبين لنشر الضباب حول مجريات الواقع الفعلي والأدوات المطروحة لتغييره. هكذا يروي «ضابط حرّ» بارز آخر هو أحمد حمروش، أنّه في اجتماع عُقد في 17 يوليو (تموز)، «تأرجحت الآراء (بين الضبّاط) وظهرت فكرة الاغتيالات الجماعيّة لقادة الأحزاب ورجال السراي وبعض كبار الساسة الآخرين. وشاعت الفكرة بين عدد من المجموعات، وتشكّلت فعلاً مجموعة للقيام بذلك. ثمّ تراجعت هذه الفكرة بعد أن جدّ ما استدعى التعجيل بالحركة إلى 22 يوليو، ووضّح صعوبة ضمان تنفيذ الاغتيالات بصورتها الجماعيّة واحتمال قيام حملة اعتقالات واسعة بعد تنفيذها». ويرى البشري أنّ مذكّرات عبد اللطيف البغدادي «تكشف عن مادّة ثريّة في موضوع الاغتيالات، الذي لم يُعدَل عنه نهائيّا إلا في 17 يوليو 1952. ويشير من قبل ذلك إلى الاتّصال بعبد العزيز علي والتفكير في إعداد تنظيم فدائي وصنع القنابل وإعداد الأسلحة، مع مغامرة عزيز علي المصري التي ساهم فيها بعض الضبّاط للاتّصال بالألمان، ومع اقتراح إنشاء خلايا سرّيّة لقتل من يعتبرونهم ساسة منحرفين بعد حادث 4 فبراير (شباط) 1942، وعرضهم على رئيس الديوان الملكي وقتها قتل مصطفى النحاس احتجاجاً على ذلك الحادث».
ما هو أبعد من ذلك وأوسع دلالة، أنّ عدد «الضبّاط الأحرار» الذين أسهموا في انقلاب 1952 لم يزد على تسعين ضابطاً، «وكان ثلثاهم، وفقاً للإحصاء الفعليّ، من الضبّاط الأصغر من رتبتي النقيب والملازم. وهذه النسبة لا تزيد على 4 في المائة من مجموع ضبّاط الجيش... كما أنّ الوحدات التي اشتركت لم تكن تشكّل إلا نسبة صغيرة من أسلحة الجيش وتشكيلاته ووحداته المنتشرة في مختلف المناطق العسكريّة». وهكذا تغدو إرادة 4 في المائة من مجموع ضبّاط الجيش هي، وفق أدبيّات الانقلاب، إرادة الله والشعب التي لا تُردّ.
ويذهب شريف يونس خطوة أبعد، فيخفض نسبة تمثيل «الضبّاط الأحرار» إلى 3 في المائة من مجموع الضبّاط، لكنّ الأهمّ تدليله على ضعف مجمل القوى الراديكاليّة، المتقاطعة يومذاك على نحو أو آخر مع «الضبّاط الأحرار». ذاك أنّ «الإخوان لم يسبق لهم رغم قوّتهم أن حصلوا على مقعد في البرلمان، وكذلك الشيوعيّون. وحصلت (مصر الفتاة) على مقعد واحد بعصبيّة إبراهيم شكري العائليّة».
وبالاستناد إلى مصادرة التمثيل هذه، تمنح القيادة العليا نفسها، هي التي لا تملك حتّى تلك اللحظة أي تاريخ، تفويضاً شاملاً ومنزّهاً، فتُصدر بياناً في 31 يوليو (تموز)، أي بعد أسبوع فقط على الانقلاب، «يرفع شعار التطهير لكلّ المؤسسات، ويدعو الأحزاب إلى تطهير نفسها والإعلان عن برامجها».
وهذا الاعتباط الذي تُمليه إرادة شخص واحد، أو بضعة أشخاص من المتآمرين، إنّما ولد مع تفرّد عبد الناصر «منذ البداية (...) بقرارات وإجراءات لم يُعلِم بها زملاءه، كإدخال أنور السادات تنظيم الضبّاط الأحرار وتسميته أحد أعضاء هيئته التأسيسية أو انفراده بتخطيط وتنفيذ محاولة اغتيال اللواء حسين سري عامر، مدير سلاح الحدود، يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1952».
وهو ما كان له مقابله المكمّل في العلاقات الخارجيّة. فقبل طوره السوفياتي البادئ في أواسط الخمسينات، عرف عبد الناصر طوراً أميركيّاً لم يحل قصره الزمني دون عمقه وتشعّبه، وذلك بالاستناد إلى أنّ الولايات المتّحدة لم تكن «استعماراً قديماً» كبريطانيا، بل تناقضت مع هذا الاستعمار وسعت إلى إزاحته والحلول محلّه.
فلم يعد سرّاً، أقلّه منذ صدور كتاب «لعبة الأمم» لضابط «سي آي إيه» مايلز كوبلاند، الذي عُرف بعلاقاته الوثيقة مع الزعيم المصريّ، حصول تعاون واسع بين الأخير ووكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة (سي آي إيه) يعود إلى ما قبل انقلاب يوليو، وكان صلة الوصل حسن التهامي، أحد «الضبّاط الأحرار» المقرّبين من عبد الناصر، ولاحقاً من أنور السادات (حيث رافقه في رحلته الشهيرة، عام 1977، إلى تلّ أبيب) في تحوّل لا يقلّ عن تحوّلات السادات نفسه.
وقد شملت الاتّصالات بين عبد الناصر والأميركيين كيرميت روزفلت، مدير الـ«سي آي إيه»، الذي سافر إلى القاهرة، علماً بأنه هو نفسه ما لبث أن أشرف على إطاحة محمد مصدّق في إيران، الذي يُفترض، تبعاً للأدبيّات النضاليّة، أنّه حليف موضوعي لعبد الناصر في مواجهة الإمبرياليّة. وعلى العموم، خُلّد اسم روزفلت سلباً بوصفه أحد أكبر «المتآمرين» على الشعوب وحركات تحرّرها. أمّا موضوع الاتّصالات الثنائيّة المصريّة - الأميركيّة، فدار حول إقناع الأميركيين حلفاءهم البريطانيين بالابتعاد عن مصر مقابل ضمانة من عبد الناصر بتحديث الاقتصاد وقمع الشيوعيين. وأمّا الشخص المكلّف استئناف هذه الاتّصالات مع مساعد الملحق العسكري الأميركي ديفيد إيفانس فلم يكن سوى علي صبري، الذي بات لاحقاً «رجل السوفيات»، في تبدّل للأدوار الوظيفيّة يعاكس التبدّل الذي طرأ على أدوار التهامي. وفي مطلق الأحوال، سارع الرئيس الأميركي هاري ترومان إلى الترحيب بانقلاب 1952 المصري محذّراً البريطانيين من التدخّل، في حين كان السفير الأميركي في القاهرة يسمّي «الضبّاط الأحرار» «صُبياني» (my boys). وقد ذكر لاحقاً خالد محيي الدين، وهو بدوره من قادة «الضبّاط الأحرار»، أنّ الأميركيين ضغطوا على القاهرة للإسراع في إنجاز الإصلاح الزراعيّ، لقناعتهم بأنّ الثورتين البلشفيّة والصينيّة اعتمدتا على الفلاّحين المحرومين من الأرض. وكان جون فوستر دالاس، وزير الخارجيّة، أوّل رسمي أميركي كبير يزور الجمهوريّة الجديدة، بحيث احتجّ رئيس حكومة بريطانيا ونستون تشرشل، في رسالة إلى الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، على العلاقة الأميركيّة الجديدة مع عبد الناصر.
وكانت «سي آي إيه» قد طوّعت بعض رجال الـ«إس إس» والـ«غستابو» السابقين لمساعدة النظام المصري الجديد، جرياً على السياسة التي اتّبعتها واشنطن في الاستفادة من خبرات النازيين، وقد هُزموا وشُرّدوا، ضدّ السوفيات في الحرب الباردة. وبالفعل، وصل إلى القاهرة وفد كبير من الضبّاط والخبراء النازيين، كان في عدادهم ألواس أنطون برونّر، مساعد أدولف أيخمان الذي انتقل لاحقاً إلى دمشق وبقي ومات فيها.
وقد لا يكون عديم الدلالة، في الطور السوفياتيّ، أن تتولّى ألمانيا الشرقيّة وجهازها الأمني الشهير «شتازي»، دوراً مميّزاً في العلاقة بمصر الناصريّة، ولاحقاً بالعراق وسوريّا البعثيين؛ ما يوحي باحتمال استمراريّة ألمانيّة، ولو رمزيّة، مُسيطَر عليها هذه المرّة، وفّرتها العلاقة مع واشنطن ثمّ مع موسكو.

الحلقة (1): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... من الخيبة بأتاتورك إلى التجربة العراقيّة المبكرة
الحلقة (2): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... «صناعة الموت» ودورها التأسيسي

الحلقة (3): الطريق إلى الزعامة الراديكاليّة... ثنائيتا «العروبة والإسلام» و«القومية والاشتراكية»

 


مقالات ذات صلة

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».