أداة ذكاء صناعي جديدة تبتكر وجوهاً بشرية

صور مختلقة تحمل مختلف الصفات الجسدية والعرقية

أداة ذكاء صناعي جديدة تبتكر وجوهاً بشرية
TT

أداة ذكاء صناعي جديدة تبتكر وجوهاً بشرية

أداة ذكاء صناعي جديدة تبتكر وجوهاً بشرية

في البداية، ظهرت تقنية التزييف «ديب فيكس» deepfakes التي تتيح لمستخدمها لصق وجه أحدهم على جسم أي شخصٍ آخر. بعدها، برزت تقنية «ذس بيرسون داز نات إكزيست» This Person Does Not Exist التي تبتكر أشخاصاً على أي موقع إلكتروني مع كلّ تحديثٍ تجرونه لتحميل الموقع. وأخيراً، حان دور «جينريتد فوتوز» Generated Photos، الموقع الذي يخزّن صوراً فوتوغرافية تجارية مصنوعة بكاملها من بشرٍ... ابتكرهم الذكاء الصناعي.

ابتكار صور البشر
يعدّ ابتكار بشرٍ بهيئة حقيقية من أكبر التحديات التي يواجهها الذكاء الصناعي البصري، ولكنّ الباحثين بدأوا يتقنون استخدام هذه التقنية بسرعة كبيرة. وجديد هذه التقنية يحمل اسم «جينريتد فوتوز» التي وصلت عائداتها إلى 15 ألف دولارٍ في الشهر من بيع مكتبة تحتوي على نماذج بشرية مبتكرة بالذكاء الصناعي. وأطلقت الشركة التي تقف خلف هذا الموقع أخيراً تحديثاً جديداً لا يتيح للمستخدم صناعة نسخة بشرية بمساعدة الذكاء الصناعي فحسب، بل يسمح له أيضاً بتحريكها.
يوفّر هذا التحديث ضوابط تحكّم سهلة الاستخدام ليتمكّن من جعل الشخص الذي صنعه يعبس، أو ينظر إلى اليسار، أو يرتدي النظّارات. وكما المصوّر الفوتوغرافي، يمكنكم الاستعانة بواجهة المستخدم المتوفّرة في الموقع لضبط الوضعية التي تريدونها للشخصية التي صنعتموها.

جوانب سلبية
يقول إيفان براون، مؤسس «جينريتد فوتوز»، إنّه يرى «منصّته كبرنامج فوتوشوب، ولكن لتعديل مشاهد وليس بيكسلات؛ لذا يجدر بالمستخدم أن يعتمد على أوامر عالية المستوى وكأنّه يتعامل مع طابعة بشرية».
لا شكّ في أنّ ابتكار أشخاص جدد ليس اقتراحاً مريحاً، لا سيّما أنّنا رأينا الكثير من الانتهاكات مع «ديب فيكس»، فقد تعرّض الكثير من المشاهير، وحتّى الأشخاص العاديين، إلى استغلال وجوههم ولصقها على محتوى غير لائق. ولكنّ «جينريتد فوتوز» لا يسمح لكم بنسخ شخصٍ آخر.
تسعى الشركة المطوّرة لهذه التقنية إلى حماية مستخدميها من الجوانب السلبية لهذا التطوّر وتجنّب حوادث سرقة الهوية الإلكترونية. قبل بضعة أشهر، أطلقت «جينريتد فوتوز» أداة أسمتها «أنونيمايزر» Anonymizer tool يمكنها نسخ صورتكم وصناعة نسخة منكم لا يمكن التعرّف عليها لاستخدامها على مواقع التواصل الاجتماعي وتفادي المراقبة. قد يكون للوجه الجديد نفس الشعر ولون البشرة، ولكن لن تزيّنه العينان كلتاهما، ولا الضحكة المميزة. بمعنى آخر، قد تكون هذه النسخة أقرب إلى قريبٍ يشبهكم وليس إلى أخٍ توأم. (يقول براون أيضاً، إنّه يتعاون مع وكالات الشرطة عند حاجتها إلى رصد وتحديد الصور المزيفة).

طريقة العمل
إذن، كيف تعمل الأداة الجديدة؟ تبدأون العمل بوجهٍ منتقى بشكل عشوائي. يمكنكم اختيار الجنس (رجلاً أو امرأة)، وتغيير وضعية الرأس من خلال جرّ قالبٍ خاص في الاتجاه الذي تريدون للشخص أن ينظر نحوه. بعدها، حدّدوا خياراتكم الأخرى من خلال النقر في المربعات وسحب الشرائح. يمكنكم تغيير لون البشرة والشعر، وجعل الشخص مشمئزاً أو حزيناً، وأن تضيفوا نظارات للقراءة أو ماكياج. يمكنكم حتّى أن تجعلوه أكبر أو أصغر سناً.
بعد الانتهاء، يمكنكم شراء ابتكاركم بصيغة عالية الدقّة لاستخدامه كما تشاؤون (وحتّى للاستعمال التجاري). وتُباع الوجوه ذات التصميم الخاص بثلاثة دولارات، ويحصل الزبون على خصم للطلبات الكبيرة.
يعتبر التنوّع مهمّاً بالنسبة لزبائن براون الذين يبحثون عن وجوهٍ مجهولة الهوية وقابلة للتعديل قد تكون مفيدة للشركات النّاشئة التي تريد وضع صورة إنسان على روبوت محادثة «تشات بوت»، أو حتّى لتسويق موقع مواعدة، دون إدراج الشخص الحقيقي. يدّعي براون أنّ لديه زبوناً في شركة تواصل اجتماعي بارزة تستخدم «جنريتد فوتوز» للمساعدة في تدريب الذكاء الصناعي على رصد الصور المزيفة. كما تحدّث عن شركة صينية لصناعة المواد الغذائية ابتكرت وجهاً بشرياً لتجنّب قوانين التغليف المطبّقة في البلاد.
ويضمّ زبائنه الآخرون باحثين يحتاجون إلى ابتكار وجوه جديدة لتدريب برامجهم الخاصّة بالذكاء الصناعي البصري، وباحثين أكاديميين يشترون الوجوه لاستخدامها في دراساتهم. للسيطرة على الانحياز الثقافي، أو لعزل متغيّر كخطوط الشعر، يمنح اختراع بعض البشر بمواصفات محدّدة الباحثين قدرة أكبر على التحكّم مقارنة بالصور الفوتوغرافية التقليدية.
شارك براون شهادات عدّة من زبائن من الدوائر الأكاديمية، اختلفت فيها حالات الاستخدام من تعليم مادّة حول شهادات شهود العيان في المحاكم الجنائية، إلى تدريب ذكاء صناعي بصري على التعرّف على وجوهٍ ترتدي أقنعة بشكلٍ خاطئ في عصر الجائحة.

صور حسب الأعراق
يقول براون، إنّه طوّر هذه المزايا التخصيصية في المنصّة بناءً على طلب الزبائن منذ اليوم الأوّل. عند انطلاقه عام 2019، قدّم الموقع قاعدة بيانات تحتوي على 10 آلاف نموذج من أصول عرقية متنوّعة، ولكنّها كانت جميعها شابّة بعمر 25 سنة تقريباً، بضحكة جذّابة، تنظر دائماً إلى الكاميرا.
يقول براون، إنّ «طلب أحد الزبائن كان: هل يمكنه التوقّف عن الابتسام لثانية واحدة حباً بالله؟»؛ لهذا السبب، وبعد ستّة أشهر من العمل، شهران منها لوضع الذكاء الصناعي في قلب الخدمة، طوّر الفريق البحثي المنتج الذي ترونه اليوم. جرّبته بنفسي ويمكنني القول، إنّه مثيرٌ جداً عندما يعمل. يشعرك أنّك صاحب قوّة خارقة لأنّك تصنع الإنسان الخاص بك. من النّادر جداً أن يستطيع المستخدم التحكّم بخوارزمية غامضة بهذه السهولة والدقّة.
ولكنّ الخدمة أصبحت أسوأ بسبب الانحرافات البصرية التي لم تكن موجودة في مكتبة الموقع قبل التحديث. يعود هذا الأمر إلى دفع هذه الأداة بقوّة أكبر بكثير مما كانت عليه قبلاً، وتغذيتها بزوايا أكثر تعقيداً للرأس وتسريحات الشعر. يقول براون، إنّ الأمر هو عبارة عن «توازن بين الانحراف والشّكل الموحّد»، مشيراً إلى أنّ أفواه وأنوف البشر سهلة المحاكاة؛ لأنّ معظم الأنوف متشابهة جداً. ولكن عندما يتعلّق الأمر بشيء كالشعر، لا يعود للمعايير أهميّة.
خلال تجربة الموقع، لاحظتُ أنّ الصور العائدة لأصحاب البشرة السوداء كانت بشعر أملس وكأنّه مصفّف بأداة خاصة، رغم أنّ شعور هؤلاء تكون عادة سميكة وكثيفة. لم أجد أي خصل مجعّدة أو سميكة أو جدائل. وعندما سألت إذا كان هذا الموضوع عابراً، وما إذا كانت نسقات البيانات التي يغلب عليها العرق الأبيض التي درّبت الذكاء الصناعي قد تكون هي المؤثّرة على تقديم الشخصيات ذات البشرة السوداء، أصرّ براون على أنّ الأمر ليس كذلك.
وأجاب بأنّ «المثير للسخرية هو أنّ هذه الحالة هي نتيجة الطلب المعاكس. راسلنا أشخاصٌ من البشرة السوداء يشكون من فبركة صور أشخاص بتسريحات شعر تنميطية، معتبرين أنّه يجب أن تتوفّر لدينا أنواع شعرٍ عديدة ومن بينها الشعر الأملس. لذا؛ فإن المبالغة في التفاعل مع هذا الطلب ربّما تكون هي المشكلة».
في جميع الأحوال، يستحقّ التحديث الجديد من «فيس جنرايتور» التجربة ولو للحصول على نظرة خاطفة على مستقبل أدوات الذكاء الصناعي. قبل خمس سنواتٍ مضت، كان احتمال ابتكار بشرٍ بهيئة حقيقية أشبه بأفلام الخيال العلمي. أمّا اليوم، فلم يصبح بإمكاننا صناعتها فحسب، بل يمكننا أن نطلب منها أن تأخذ وضعية معيّنة».
في خطوتها التالية، تعتزم «جنريتد فوتوز» السماح لمستخدميها وضع وجوههم على أجساد بشرية كاملة؛ ما سيساهم في توسيع سوق مخازن الصور من جهة، ويدفع الحرب على ما هو حقيقي إلى المزيد من الالتباس من جهة ثانية.
* موقع «فاست كومباني»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

«إنتل» لـ«الشرق الأوسط»: التحدي المقبل في السعودية ليس الحوسبة بل تحويلها إلى قيمة اقتصادية

خاص ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)

«إنتل» لـ«الشرق الأوسط»: التحدي المقبل في السعودية ليس الحوسبة بل تحويلها إلى قيمة اقتصادية

ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بتحويل القدرة الحاسوبية إلى تطبيقات تجارية، وكفاءات محلية، وبنية تقنية قابلة للتصدير.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا يشمل نطاق التعاون مجالات مثل التقنية الحيوية وعلوم المواد والنفط والغاز والتصنيع مع دراسة تقديم الحوسبة عالية الأداء كخدمة متخصصة للقطاعات (هيوماين)

«هيوماين» و«كاوست» تستكشفان إتاحة قدرات الحاسوب العملاق «شاهين 3» عبر السحابة

تستكشف «هيوماين» و«كاوست» إتاحة قدرات «شاهين 3» عبر السحابة لدعم الذكاء الاصطناعي والبحث والتطبيقات كثيفة الحوسبة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا شاشة "اوتوكاست" الالكترونية

شاشة مطورة وكاميرا لمراقبة الأطفال داخل السيارة

يعتبر جهاز «بلاي تو فيديو ألترا» (Play2 Video Ultra)، من شركة «أوتوكاست»، الإضافة الأمثل لتحويل شاشة سيارتك إلى مركز ترفيهي متكامل. في ظل التطور المستمر لشاشات

غريغ إيلمان (واشنطن)
تكنولوجيا «وول ستريت» معك أينما ذهبت.. بهذه التطبيقات

«وول ستريت» معك أينما ذهبت.. بهذه التطبيقات

يجدر بأي شخص يستثمر أمواله في الأسواق المالية أن يضع في اعتباره تلك النصيحة الشهيرة التي أسداها المستثمر ومدير الصناديق والمؤلف بيتر لينش: «اعرف ما تملكه،

جي دي بيرسدورفر (نيويورك)
تكنولوجيا تحديث «iOS 27» يغيّر تجربة «آيفون» بمزايا ذكية وأدوات جديدة (أبل)

«أبل» تطلق تحديث «iOS 27» للآيفون رسمياً… وإليك أبرز المميزات والأجهزة المدعومة

تحديث جديد يعيد تشكيل تجربة «الآيفون» بمزايا أوسع للذكاء الاصطناعي والتخصيص والكاميرا والصور.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

ما هو الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا يثير مخاوف؟

الحرفان «AI» (اختصاراً لمصطلح الذكاء الاصطناعي) على شاشة حاسوب محمول (أ.ف.ب)
الحرفان «AI» (اختصاراً لمصطلح الذكاء الاصطناعي) على شاشة حاسوب محمول (أ.ف.ب)
TT

ما هو الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا يثير مخاوف؟

الحرفان «AI» (اختصاراً لمصطلح الذكاء الاصطناعي) على شاشة حاسوب محمول (أ.ف.ب)
الحرفان «AI» (اختصاراً لمصطلح الذكاء الاصطناعي) على شاشة حاسوب محمول (أ.ف.ب)

أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية خلال العقد الماضي؛ إذ تتخذ هذه التقنية أشكالاً عدّة، من تخصيص محتوى وسائل التواصل الاجتماعي إلى التعرف على الأصدقاء في صور الهواتف الذكية، فضلاً عن تسريع وتيرة الاكتشافات الطبية.

لكن ظهور برامج الدردشة الآلية، مثل «شات جي بي تي» و«أوبن إيه آي»، أثار مخاوف بشأن تأثيرها البيئي، وتداعياتها الأخلاقية، واستخدامها للبيانات. كما أدت الادعاءات الأخيرة بأن الذكاء الاصطناعي قد يصبح قوياً جداً ويهدد البشرية إلى دعوات لإبطاء وتيرة تطويره وتشديد الرقابة عليه، وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

يأتي ذلك في الوقت الذي يتفاعل فيه النقاش عالمياً، وبخاصة من مطوري التكنولوجيا الجديدة على المخاطر التي قد يشكّلها الذكاء الاصطناعي على العالم، كما دعت الأمم المتحدة، الاثنين، إلى «تحرك طارئ» لكبح تقنيات الذكاء الاصطناعي «الرائدة» (أي المتطورة للغاية).

ما هو الذكاء الاصطناعي... وما هي استخداماته؟

يُمكّن الذكاء الاصطناعي أجهزة الكمبيوتر من معالجة كميات هائلة من البيانات، وتحديد الأنماط، واتباع تعليمات دقيقة حول كيفية التعامل مع هذه المعلومات. ولا تستطيع أجهزة الكمبيوتر التفكير أو التعاطف أو الاستدلال، ومع ذلك، طوّر العلماء أنظمة قادرة على أداء مهام تتطلب عادةً ذكاءً بشرياً، في محاولة لمحاكاة كيفية اكتساب البشر للمعرفة واستخدامها.

وقد يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتوقع المنتجات التي قد يشتريها المتسوق عبر الإنترنت، بناءً على مشترياته السابقة، بهدف اقتراح منتجات مناسبة.

وتُستخدم هذه التقنية أيضاً في المساعدين الافتراضيين الذين يعملون بالصوت، مثل «سيري» من «أبل» و«أليكسا» من «أمازون»، كما تُستخدم في تطوير أنظمة السيارات ذاتية القيادة. ويساعد الذكاء الاصطناعي أيضاً منصات التواصل الاجتماعي، مثل «فيسبوك» و«تيك توك» و«إكس»، في تحديد المنشورات التي تُعرض للمستخدمين. وتستخدم خدمات بث الموسيقى، مثل «سبوتيفاي وديزر»، الذكاء الاصطناعي لاقتراح الموسيقى.

كما توجد تطبيقات عدّة للذكاء الاصطناعي في المجال الطبي، حيث يستخدمه العلماء للمساعدة في الكشف عن السرطانات، ومراجعة نتائج الأشعة السينية، وتسريع التشخيص، وتحديد علاجات جديدة.

ما هو الذكاء الاصطناعي التوليدي؟

يُستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء محتوى جديد يبدو وكأنه من صنع البشر. ويتم ذلك من خلال التعلم من كميات هائلة من البيانات المتاحة، مثل النصوص والصور الموجودة على شبكة الإنترنت.

يُعدّ كل من «شات جي بي تي» وروبوت المحادثة «ديب سيك» (المنافس الصيني له) من الأدوات الشهيرة للذكاء الاصطناعي التوليدي، حيث يمكن استخدامهما لإنتاج نصوص وصور وأكواد برمجية ومواد أخرى. وبالمثل، يمكن لخدمات مثل« جيميناي» من «غوغل» أو «ميتا آيه آي» إجراء محادثات نصية مع المستخدمين، كما أن هناك تطبيقات مخصصة لإنشاء الصور أو مقاطع الفيديو انطلاقاً من أوامر نصية بسيطة، مثل «ميدجورني» أو «فيو3».

كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنتاج موسيقى عالية الجودة. وقد انتشرت على نطاق واسع أغانٍ تحاكي أسلوب أو صوت موسيقيين مشهورين؛ ما أثار أحياناً حيرة المعجبين بشأن أصالتها.

لماذا يثير الذكاء الاصطناعي الجدل؟

على الرغم من الإقرار بالإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، يبدي بعض الخبراء قلقهم إزاء تداعيات نموه المتسارع. وقد أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يؤثر على ما يقرب من 40 في المائة من الوظائف، ويفاقم التفاوت المالي العالمي.

وحذّر البروفسور جيفري هينتون - وهو عالم حاسوب يُعدّ أحد «الآباء الروحيين» لتطوير الذكاء الاصطناعي- من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية قد تؤدي حتى إلى انقراض البشر، وهي مخاوف استبعدها زميله «الأب الروحي» الآخر للذكاء الاصطناعي، يان ليكون.

وفي سبتمبر (أيلول) الحالي، تجددت مخاوف مماثلة بعد أن حذّر بعض الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي من أن هذه التقنية قد تهدد البشرية في المستقبل القريب، غير أن الخبراء شدَّدوا على ضرورة التركيز على المخاطر الراهنة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل احتمالية إعادة إنتاج معلومات متحيزة أو ممارسة التمييز ضد فئات اجتماعية معينة.

ويعود ذلك إلى أن البيانات العامة المستخدمة لتدريب كثير من أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تعكس تحيزات مجتمعية قائمة بالفعل، مثل التحيز الجنسي أو العنصرية. ورغم تزايد كفاءة أدوات الذكاء الاصطناعي، فإنها لا تزال عرضة للوقوع في الأخطاء.

الهلوسة و«خطأ» الذكاء الاصطناعي

وأنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي تشتهر بقدرتها على «الهلوسة» (أي اختلاق معلومات) وتقديم ادعاءات كاذبة على أنها حقائق، بل إنها قد تخترع أحياناً مصادر لمعلومات غير دقيقة.

ففي أوائل عام 2025، سحبت شركة «أبل» ميزة تعتمد على الذكاء الاصطناعي بعد أن قامت بتلخيص إشعارات تطبيقات الأخبار بشكل خاطئ، كما واجهت «غوغل» انتقادات بسبب عدم الدقة في ملخصات البحث التي يولدها الذكاء الاصطناعي الخاص بها.

وهناك مخاوف بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس وأماكن العمل؛ إذ يستخدم الطلاب هذه الأدوات «للغش» في الواجبات الدراسية أو يتعرضون لاتهامات باطلة باستخدامها، في حين يقوم الموظفون «بإدخالها خلسة» إلى بيئة العمل. كما أبدى الكُتّاب والموسيقيون والفنانون اعتراضهم على هذه التقنية لأسباب أخلاقية.

فقد أصدر الكثير منهم بيانات أو وقَّعوا على رسائل مفتوحة تتهم مطوري الذكاء الاصطناعي باستخدام أعمالهم لتدريب الأنظمة دون الحصول على موافقتهم أو تقديم تعويضات لهم.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، وقَّع الآلاف من المبدعين -بمن فيهم بيورن أولفايوس (المغني وكاتب الأغاني في فرقة «آبا»)، والكاتبان إيان رانكين وجوان هاريس، والممثلة جوليان مور- على بيان يصف الذكاء الاصطناعي بأنه «تهديد كبير وغير عادل» لمصادر رزقهم.

كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي على البيئة؟

ليس من الواضح تماماً مقدار الطاقة التي تستهلكها أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكن بعض الباحثين يقدّرون أن هذا القطاع بأكمله قد يستهلك قريباً كمية من الطاقة تعادل ما تستهلكه دولة هولندا بأكملها.

يتطلب تصنيع رقائق الحاسوب المتطورة اللازمة لتشغيل برامج الذكاء الاصطناعي قدراً كبيراً من الطاقة والمياه. كما أدى الطلب المتزايد على خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى زيادة في أعداد مراكز البيانات التي تشغّل هذه الخدمات.

وتستهلك هذه المرافق الضخمة -التي تضم آلاف الخزائن المجهزة بخوادم الحاسوب- كميات هائلة من الطاقة، أو تتطلب كميات كبيرة من المياه لتبريدها. وقد استثمرت بعض شركات التكنولوجيا الكبرى في حلول لتقليل استهلاك المياه أو إعادة استخدامها، أو لجأت إلى طرق بديلة مثل التبريد بالهواء. ومع ذلك، يخشى بعض الخبراء والناشطين أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تفاقم مشكلات إمدادات المياه.

في سبتمبر 2024، أعلنت «غوغل» أنها ستعيد النظر في مقترحات إنشاء مركز بيانات في تشيلي، وهي دولة تعاني الجفاف.

هل توجد قوانين تنظم الذكاء الاصطناعي؟

لقد وضعت بعض الحكومات بالفعل قواعد تنظم كيفية عمل الذكاء الاصطناعي؛ إذ يفرض «قانون الذكاء الاصطناعي» الخاص بالاتحاد الأوروبي ضوابط على الأنظمة عالية المخاطر المستخدمة في مجالات مثل التعليم والرعاية الصحية وإنفاذ القانون والانتخابات، كما يحظر استخدام الذكاء الاصطناعي في بعض المجالات تماماً.

يتعين على مطوري الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصين حماية بيانات المواطنين وتعزيز الشفافية ودقة المعلومات، لكنهم ملزمون أيضاً بقوانين الرقابة الصارمة في البلاد.

وسعت دول عدّة، بما في ذلك المملكة المتحدة، إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي من خلال القوانين القائمة بدلاً من سن تشريعات جديدة؛ وذلك وسط مخاوف من أن تصبح هذه التشريعات قديمة بسرعة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقد عدّلت المملكة المتحدة قوانينها للتصدي لمخاطر محددة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل حظر الأدوات التي يمكنها إنشاء صور عارية مزيفة (التزييف العميق) أو إنتاج مواد تتضمن استغلالاً جنسياً للأطفال. كما أنشأت المملكة المتحدة «معهد أمان الذكاء الاصطناعي» المستقل لتحديد المخاطر وتقييم نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، ووقَّعت اتفاقيات مع الولايات المتحدة للتعاون في تطوير أساليب «قوية» لاختبار أنظمة الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، وفي مطلع عام 2025، لم توقّع أي من الدولتين على إعلان عالمي بشأن الذكاء الاصطناعي يتعهد بتبني نهج مفتوح وشامل ومستدام تجاه هذه التكنولوجيا.

دعوات لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي... وترمب ينتقد

في الأشهر الأخيرة، أعلنت شركتا «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» عن حوادث عدة شهدت خروج أنظمة ذكاء اصطناعي من تلقائها من بيئاتها التي يفترض أن تكون مضبوطة وولوجها شبكة الإنترنت لمهاجمة مواقع ومنصات. وأظهرت هذه الأنظمة قدرة على التنسيق فيما بينها وإقامة هرمية داخلية والغش ومحو آثار أفعالها المؤذية.

وحتى الآن، تتمثل الخطوة الفعلية الوحيدة التي أعلنت عنها كل من «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي»، في استقبال مراقبين مستقلين دائمين سيتولون التحقق داخلياً من أعمال هذه الشركات فيما يتعلق بسلامة الذكاء الاصطناعي وأمانه.

ودعا الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي، السبت، إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي لإتاحة فهم أفضل للمخاطر الناجمة عن القدرات الجديدة في هذا المجال. وأيّد اقتراحه كلّ من إيلون ماسك، والرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» سام ألتمان، ورئيس «غوغل ديبمايند» ديميس هاسابيس، والرئيس التنفيذي لمجموعة «مايكروسوفت» ساتيا ناديلا.

وقال أمودي إنه نظراً إلى وتيرة التطور، فإنه يخشى أن يصبح الذكاء الاصطناعي، خلال فترة تتراوح بين ستة و12 شهراً، قادراً على قيادة مجموعة يمكنها السيطرة على شبكة الإنترنت بالكامل. وشارك رجل الأعمال، الذي تقف شركته وراء مساعد الذكاء الاصطناعي «كلود»، خطة من ثلاثة أجزاء لتطوير التكنولوجيا «بوتيرة متوازنة».

ودعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، الاثنين، إلى «تحرك طارئ» لكبح تقنيات الذكاء الاصطناعي «الرائدة» (أي المتطورة للغاية)، محذراً من أن هذه التكنولوجيا تنطوي على «مخاطر غير مسبوقة». وقال تورك في بيان: «نحن على أعتاب تغيير لا رجعة فيه، لن يقتصر تأثيره علينا فحسب، بل سيمتد ليشمل أجيال البشرية المقبلة»، مشدداً على ضرورة القيام بـ«تحرك طارئ يتناسب مع المخاطر غير المسبوقة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي الرائد».

من جهته، انتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، الأصوات التي طالبت في الآونة الأخيرة بإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، واصفاً إياها بـ«السلبية». وقال الرئيس الأميركي في تصريح لصحافيين خلال زيارته آيرلندا: «أعتقد أن هناك الكثير من الأصوات السلبية التي تثير المسألة ولا يجدر بها فعل ذلك وتتحدث عن أمور لن تحدث».

والاثنين، رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب الدعوات إلى فرض مزيد من الضوابط على تطوير الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل صلاحيات تنظيمية وجنائية كافية للتعامل مع أي تجاوزات من شركات التكنولوجيا.

مبادرة من «مايكروسوفت»

نشر قسم الذكاء الاصطناعي في شركة «مايكروسوفت»، الاثنين، ميثاق سلوك يحدد طريقة عمل نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، في ظل تزايد المخاوف بشأن مخاطر هذه التكنولوجيا.

وبُنيت هذه الوثيقة استناداً إلى ما تطلق عليه «مايكروسوفت» «الذكاء الاصطناعي الإنساني» (Humanist AI)، وهو أنظمة صُممت لتبقى خاضعة تماماً للسيطرة البشرية بدلاً من العمل بشكل مستقل. وأوضحت الشركة أن الفكرة الموجِّهة هي أن «البشر أهم من الذكاء الاصطناعي».

وربطت «مايكروسوفت» التوقيت جزئياً بمخاوف أمنية، مشيرة إلى حملات القرصنة المنسقة الواسعة النطاق التي نُفّذت أخيراً بمساعدة وكلاء الذكاء الاصطناعي دليلاً على أن هذا القطاع لا يمكنه تحمل التأخير في وضع قوانين منظِّمة.

وسيُطبَّق ميثاق السلوك على نماذج MAI الداخلية الخاصة بـ«مايكروسوفت» والتي طرحتها الشركة بديلاً لتقنية «أوبن إيه آي» التي اعتمدت عليها لسنوات.


بيل غيتس يحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي... ويدعو الحكومات للعمل معاً

الملياردير والمؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت» بيل غيتس (أ.ب)
الملياردير والمؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت» بيل غيتس (أ.ب)
TT

بيل غيتس يحذر من مخاطر الذكاء الاصطناعي... ويدعو الحكومات للعمل معاً

الملياردير والمؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت» بيل غيتس (أ.ب)
الملياردير والمؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت» بيل غيتس (أ.ب)

قال بيل غيتس إنه ليست هناك حكومة في العالم مستعدة للتغييرات التي سيجلبها الذكاء الاصطناعي على المجتمع، محذراً من المخاطر المستقبلية.

وكان الملياردير والمؤسس المشارك لشركة «مايكروسوفت» متفائلاً حتى وقت قريب إزاء الذكاء الاصطناعي، لكنه غير موقفه، وحذر من التهديدات التي تواجه الوظائف، والمخاوف من الهجمات، ومخاطر الإدمان على عشاق الذكاء الاصطناعي.

وقال غيتس في مقابلة مع وكالة «رويترز» للأنباء: «لا أعتقد أن أي حكومة تولي هذا الأمر القدر الكافي من الاهتمام الذي يجب أن توليه له». ومع ذلك، أضاف أن هذه التكنولوجيا تنطوي على إمكانات هائلة لمساعدة أفقر سكان العالم إذا ما أديرت بشكل صحيح، وأتيح الوصول إليها على قدم المساواة.

وأعلنت المؤسسة الخيرية التي تحمل اسم غيتس اليوم (الثلاثاء) أنها تخطط لإنفاق ما لا يقل عن مليار دولار خلال العامين المقبلين على توسيع نطاق الوصول إلى الذكاء الاصطناعي.

وقال غيتس إنه تحدث مع قادة العالم حول مخاوفه، بما في ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه، وأشار إلى أنه يعتزم لقاء الرئيس الصيني شي جينبينغ في وقت لاحق من هذا العام. وأضاف «الحكومات متخلفة كثيراً في هذا المجال».

ولكن رغم مخاوفه، يأمل غيتس ومؤسسته أن يساعد الذكاء الاصطناعي في تضييق الفجوات بين الأغنياء والفقراء، بدلاً من توسيعها.

وقالت المؤسسة إن خطة إنفاق ما يبلغ مليار دولار، والتي تعد جزءاً من خططها المعلنة سابقاً بإنفاق تسعة مليارات دولار سنوياً، ستخصص للشركاء العاملين في مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والزراعة. كما تهدف إلى المساعدة في بناء أسس البيانات التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، مثل ضمان عمل النماذج اللغوية الكبيرة في كل لغة يتحدثها الناس.

وقال غيتس: «في مجال الصحة، من الصعب المبالغة في تقدير الإمكانات»، بدءاً من دعم العاملين في الخطوط الأمامية للرعاية الصحية، ووصولاً إلى اكتشاف أدوية ولقاحات جديدة.

لكنه أشار إلى أن على الحكومات أن تعمل معاً لتجنب المشكلات، مشبهاً ظهور الذكاء الاصطناعي بفيلم عن كارثة. وقال: «هناك جميع أنواع الأفلام التي تأتي فيها كائنات فضائية، وبطريقة سحرية تتحد الولايات المتحدة والصين والجميع لحل المشكلة. الذكاء الاصطناعي يشبه إلى حد ما هذا الذكاء الفضائي. حدث الأمر فعلاً، ومن الأفضل لنا أن نتصرف كما يظهر في تلك الأفلام».


«إنتل» لـ«الشرق الأوسط»: التحدي المقبل في السعودية ليس الحوسبة بل تحويلها إلى قيمة اقتصادية

ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)
ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)
TT

«إنتل» لـ«الشرق الأوسط»: التحدي المقبل في السعودية ليس الحوسبة بل تحويلها إلى قيمة اقتصادية

ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)
ترى «إنتل» أن المرحلة المقبلة في السعودية ستُقاس بقدرة السوق على تحويل الحوسبة المتقدمة إلى تطبيقات ذات قيمة اقتصادية فعلية (أدوبي)

بعد 25 عاماً من حضور «إنتل» في السعودية، لم تعد الشركة ترى السوق المحلية من زاوية حجم الطلب على المعالجات، أو عدد المستخدمين، بل من زاوية أكثر ارتباطاً بما يُبنى داخل المملكة نفسها من تطبيقات ذكاء اصطناعي تدخل الإنتاج، وخوادم تُجمع محلياً، وتصل إلى أسواق إقليمية، وكفاءات سعودية تنتقل من استخدام التقنية إلى تطويرها.

هذا التحول يختصره المهندس طه خليفة، المدير العام الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في «إنتل» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026»، بالقول إن العلاقة مع التقنية في المملكة تغيرت جذرياً. فبعدما كان النقاش قبل عقدين يدور غالباً حول نشر تقنيات طُورت في الخارج، أصبح التركيز اليوم يتجه إلى التطوير المشترك داخل السعودية، بمشاركة مهندسين سعوديين، وبيانات محلية، وأولويات مرتبطة بـ«رؤية 2030».

وبالنسبة إلى «إنتل»، فإن المرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الاتفاقيات، أو المشاريع التجريبية، بل بما يصل فعلياً إلى السوق. وخلال 12 إلى 24 شهراً، تفيد الشركة بأنها تريد رؤية حلول تنتقل من الاختبار إلى الإنتاج، وأرقام واضحة لبرامج تنمية المهارات، ومؤشرات مبكرة على تصدير بنية حاسوبية مصنعة في السعودية إلى أسواق إقليمية. ومن بين برامجها، تستهدف مبادرة «Intel AI Digital Readiness» الوصول إلى 100 ألف مستفيد بحلول 2030.

طه خليفة المدير العام الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في «إنتل» (الشركة)

من مورد للتقنية إلى جزء من دورة الابتكار

هذا التغيير انعكس مباشرة على الدور الذي تسعى «إنتل» إلى لعبه في السوق السعودية. فبدلاً من الاقتصار على توفير المعالجات، والحلول الجاهزة، تشير الشركة إلى أنها أصبحت تشارك في مراحل أبكر من دورة الابتكار، تشمل تصميم البنية التقنية، وتحسين النماذج، وتمكين المطورين المحليين، واختبار الحلول قبل نشرها.

وبحسب خليفة، فإن طبيعة الشراكات في المملكة لم تعد تقتصر على توريد المنتجات، بل امتدت إلى التطوير المشترك، والتصنيع المحلي، وتنمية المهارات، وربط التقنية باحتياجات القطاعات ذات الأولوية. وترى «إنتل» أن ذلك ينقلها من موقع المورد الخارجي إلى جزء من منظومة ابتكار محلية أكثر تكاملاً.

ويظهر هذا التوجه في مبادرة «Saudi Made، Developed، Deployed» التي أطلقتها «إنتل»، و«إتش بي إي»، ووزارة الاتصالات وتقنية المعلومات خلال مؤتمر «ليب 2026» الذي استضافته الرياض نهاية الشهر الفائت. وتجمع المبادرة بين خوادم مجمعة محلياً تعتمد على معالجات «Intel Xeon 6»، وبرمجيات مطورة في السعودية، وكفاءات محلية، بهدف تسريع تطوير الحلول، والتحقق منها، ثم دفعها نحو الاستخدام التجاري.

لكن خليفة يرى أن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد مرحلة التطوير، حيث إن المرحلة التالية تتطلب اختيار حالات استخدام في قطاعات ذات أولوية، واختبار جدواها التقنية، والتجارية، ثم توسيع نشرها لدى عدد أكبر من الشركات. ويؤكد أن النجاح لن يقاس بعدد الحلول التي يجري تطويرها، بل بعدد ما يتحول منها إلى استخدام تجاري مستدام.

«رؤية 2030» والسيادة الرقمية

تربط «إنتل» هذه المبادرات بشكل مباشر بأهداف «رؤية 2030»، ليس فقط من زاوية توطين التقنية، بل عبر الربط بين التصنيع المحلي، وتطوير المهارات، والابتكار التقني، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز السيادة الرقمية، وبناء قطاعات تقنية قادرة على المنافسة إقليمياً، وعالمياً.

ويعني ذلك أن التوطين بالنسبة إلى الشركة لا يقتصر على وجود خطوط إنتاج داخل المملكة، بل يمتد إلى بناء قدرات تسمح بتطوير حلول محلية، وتشغيلها تجارياً، ثم توسيعها خارج السوق السعودية.

ويبرز هذا المنطق أيضاً في «مركز الابتكار السعودي» المخطط له في الرياض. ويحدد خليفة ثلاثة مؤشرات لقياس نجاحه هي: عدد الحلول التي تنتقل من الاختبار إلى النشر التجاري، وعدد الشركات والمطورين المحليين الذين يعتمدون عليه في تطوير منتجاتهم، ثم قدرة الحلول المستضافة داخله على التوسع داخل السعودية، وخارجها.

تسعى المبادرات الجديدة إلى نقل الحلول من الاختبار إلى الاستخدام التجاري مع قياس النجاح بعدد التطبيقات المنتشرة وقدرتها على التوسع داخل المملكة وخارجها (إنتل)

من الإنتاج المحلي إلى التصدير الإقليمي

في جانب التصنيع، بدأت «إتش بي إي» إنتاج خوادم تعتمد على معالجات «Xeon 6» في الرياض لتلبية احتياجات السوق السعودية، وبعض الأسواق الإقليمية. ويرى خليفة أن الإنتاج المحلي يمثل الخطوة الأولى فقط. أما التحول إلى قاعدة تصدير مستقرة، فإنه يتطلب طلباً محلياً مستداماً يسمح بتحقيق وفورات الحجم، إلى جانب بناء ثقة في الأسواق الإقليمية. وبحسب تقييمه، فإن المؤشرات الأولية إيجابية، وإذا استمر الزخم الحالي، فقد تصبح السعودية مركزاً إقليمياً لتصنيع البنية الحاسوبية المتقدمة خلال السنوات المقبلة.

ويضع خليفة أيضاً إعلان شركة «لينوفو» عن تصنيع أول حاسوب محمول لها في السعودية خلال «ليب 2026» ضمن الاتجاه نفسه. وتخطط الشركة لتوسيع الإنتاج المحلي خلال الأشهر المقبلة ليشمل أجهزة مكتبية، ومحطات عمل، وخوادم، دعماً لنمو الذكاء الاصطناعي في السعودية، ومنطقة الشرق الأوسط، وأفريقيا.

القدرة الحاسوبية ليست عنق الزجاجة الوحيد

رغم التوسع الكبير في مراكز البيانات، والقدرة الحاسوبية المخصصة للذكاء الاصطناعي، ترى «إنتل» أن التحدي المقبل في السعودية لن يكون بالضرورة نقص «الحوسبة الخام».

ويحدد خليفة تطوير تطبيقات تحمل قيمة اقتصادية فعلية، ووجود كفاءات قادرة على تشغيل البنية المتاحة وبناء حلول فوقها كعاملين أكثر حسماً.

فامتلاك قدرة حاسوبية كبيرة لا يكفي إذا لم تكن القطاعات قادرة على تحويلها إلى تطبيقات قابلة للاستخدام التجاري، أو إذا لم تتوافر المواهب القادرة على تشغيل الأنظمة، وتطوير النماذج، والحلول. ولهذا تربط الشركة دعمها للبنية التحتية ببرامج بناء المهارات، وتطوير منظومة الابتكار المحلية.

الطاقة تدخل معادلة القرار

مع توسع الذكاء الاصطناعي تزداد أهمية كفاءة الطاقة. ويقول خليفة إن السؤال لم يعد فقط عن مقدار القدرة الحاسوبية المتاحة، بل عن مقدار ما يمكن تشغيله بكفاءة ضمن موارد الطاقة المتاحة.

وتعمل «إنتل» في تعاون بحثي مع «Think AI» على استكشاف الحوسبة غير المتجانسة، ومقاييس مثل «الرموز لكل واط» (tokens per watt)، وهو مقياس تتوقع الشركة أن يصبح أكثر تأثيراً في قرارات الحكومات، والشركات المتعلقة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

تعتقد «إنتل» أن السعودية تملك فرصة للتحول إلى مركز إقليمي لتصنيع البنية الحاسوبية المتقدمة وتصديرها إلى أسواق المنطقة (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي العربي: اللهجات والتكلفة

في نماذج اللغة العربية، من بينها «علّام» من شركة «هيوماين»، ترى «إنتل» أن التحدي لا يقتصر على فهم العربية الفصحى، بل يشمل التعامل الدقيق مع اختلاف اللهجات، والسياقات الثقافية، سواء بين الدول العربية، أو داخل الدولة الواحدة. ويضاف إلى ذلك تحدي الكفاءة التشغيلية، إذ تحتاج النماذج اللغوية الكبيرة إلى موارد حاسوبية كبيرة، ما يجعل تحسين الأداء لكل واط وخفض تكلفة الاستدلال من الأولويات إذا كان الهدف نقل النماذج من بيئات تجريبية محدودة إلى استخدام واسع النطاق، وبتكلفة قابلة للاستدامة.

جزء من الذكاء ينتقل من السحابة إلى الأجهزة

في المقابل، تتوقع الشركة أن ينتقل جزء متزايد من أحمال الذكاء الاصطناعي من السحابة إلى الأجهزة الشخصية والطرفية داخل السعودية، خصوصاً في الاستخدامات التي تتطلب استجابة فورية، أو معالجة محلية للبيانات الحساسة. ويلفت خليفة إلى المساعدين الأذكياء، ومعالجة المستندات، والاجتماعات، وتطبيقات الأمن السيبراني، باعتبارها من الاستخدامات المرشحة لهذا التحول. كما تبرز قطاعات مثل السلامة العامة، والخدمات المالية، حيث تكون الحاجة إلى معالجة البيانات محلياً، وبسرعة أكبر. ويقدم تعاون «إنتل» مع «موبايلي» و«iOmniscient» في تحليلات الفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمدن الأكثر أماناً واستجابة مثالاً على هذا النوع من التطبيقات.

«stc» والانتقال إلى حالات استخدام محددة

يأخذ التعاون مع مجموعة «stc» مساراً مشابهاً. وتشمل مذكرة التفاهم بين الطرفين استكشاف حواسيب الذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي الطرفي، والذكاء الاصطناعي الهجين، إضافة إلى بنية تحتية من الجيل التالي لمراكز البيانات، مع تحسين استهلاك الطاقة.

أما المرحلة التالية، فإنها تبدأ بتحديد حالات استخدام واضحة، مثل تحليل الشبكات، والصيانة التنبئية، والمساعدين الأذكياء المحليين، بهدف تحسين الإنتاجية، وبيئات الأعمال.

ويرى خليفة أن أكبر فرصة تكمن في الذكاء الاصطناعي المؤسسي، نظراً إلى قاعدة عملاء «stc» الواسعة، وبنيتها التحتية، ما قد يجعلها قناة لنشر حلول الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع عبر قطاعات متعددة.