«متلازمة الاستقالة» من الحياة... ودور الضجيج في القرارات الخاطئة

كتابان عن حالات مرضية غريبة والتفاعلات المعقدة بين «عقلي الإنسان»

«متلازمة الاستقالة» من الحياة... ودور الضجيج في القرارات الخاطئة
TT

«متلازمة الاستقالة» من الحياة... ودور الضجيج في القرارات الخاطئة

«متلازمة الاستقالة» من الحياة... ودور الضجيج في القرارات الخاطئة

الأمراض النفسية - الجسمية (أو السيكوسوماتية) تحدث نتيجة تأثير النفس والفكر على الجسم البشري. ويُعنى ميدان الطب النفسجسمي بهذه الأمراض التي تلعب فيها العوامل الذهنية والنفسية للمريض دورا ً كبيراً في نشوئها وتطورها. وقد ظل كثير من العلماء يطلقون صفة هذه الأمراض على حالات مثل القرحة التي وجد العلماء أخيراً أن 80 في المائة منها تحدث بسبب الجرثومة الحلزونية «هليكوبكْتر»، وكذلك على القولون العصبي، وربما الأكزيما، وحالات كثيرة أخرى.
وحديثاً، استعرضت الصحافة البريطانية كتاباً من تأليف سوزان أوسوليفان المتخصصة في علوم الاعصاب، يتحدث عن ألغاز الأمراض النفسية - الجسمية، بعنوان: «الجميلات النائمات»، مع عنوان فرعي: «وقصص أخرى حول مرض غامض». وكانت الباحثة قد زارت السويد للاطلاع على حالات غريبة لسبات طويل عند عدد من أطفال طالبي اللجوء هناك.
والكتاب هو الثالث في سلسلة ما كتبته أوسوليفان عن هذه الأمراض، إذ أصدرت كتابها الأول الموسوم: «كل الأمور داخل عقلك: قصص حقيقية لأمراض متخيلَة» عام 2015 الذي حاز على جائزة مؤسسة «ويلكوم تراست» الطبية البريطانية المرموقة عام 2016، وعلى جائزة الكتب من الجمعية البيولوجية. كما رشح كتابها الثاني «عاصفة العقل: قصص بوليسية من عالم علوم الأعصاب» الصادر عام 2018 لجائزة أخرى عام 2019.
ومن ضمن ما يسرده الكتاب الجديد ما تسميه الكاتبة «المرض المجنون» (grisi siknis)، وهو المرض الذي كان يصيب الفتيات المراهقات خصوصاً في منطقة «ساحل البق» في نيكاراغوا الممتد إلى هندوراس في أميركا الجنوبية. وتختلف أعراض المرض من حالة لأخرى، إلا أنها تبدأ بالهلوسة، وبزيارة من رجل مخيف يرتدي قبعة يطلق عليه «الشيطان»، ثم تأتي الارتجافات والرعشات، وأخيراً الشعور بقوة خارقة لا يتمكن إلا عدد من الرجال من كبحها لدى الفتيات المصابات.
تقول أوسوليفان إن أعراض المرض حقيقية، إلا أن سكان المنطقة يعتقدون أنها تحدث بسبب الأبالسة، وهي تعتقد أنه بالأساس مرض نفسجمسي، فهو «اضطراب بيولوجي ناجم عن شيء ما روحي».
ولكن هل ينطبق هذا الوصف أيضاً على الفتيات المطعمات بلقاح الفيروس الحليمي البشري اللواتي يشعرن بأعراض غريبة، أو أطفال طالبي اللجوء في السويد الذين ينامون لشهور وسنين، أو على الحالات الخفيفة من اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة لدى الأطفال التي تعتقد الكاتبة -في رأي مثير للجدل- أنها تنتمي إلى هذه الأمراض النفسجسمية؟
يعتقد العلماء عادة أن تشخيص أعراض الأمراض النفسجسمية التي يسميها العلماء اليوم «اضطرابات عصبية وظيفية» يظهر جلياً عند إجراء فحص طبي لا يكشف عن أي أسباب جسدية أو عضوية، أو عند حدوث مرض ناتج عن حالة عاطفية أو مزاجية، مثل الغضب أو القلق أو الكبت أو الشعور بالذنب. ويشيرون إلى أن العوامل الانفعالية والنفسية في الأمراض النفسجسمية تؤدي إلى حدوث خلل في التكوين التشريحي للعضو المصاب، مثل حالات قرحة المعدة أو التهاب المفاصل، بل حتى ارتفاع ضغط الدم أو اضطراب الجهاز العصبي الذاتي وآلام العضلات.
ومن جهتها، تدعم أوسوليفان الرأي القائل إن «فكرة المرض» هي التي تتسبب في حدوثه. وقد زارت الباحثة أماكن عيش طالبي اللجوء في السويد لدراسة حالاتهم، وهي حالات لم توصف علمياً إلا في العقد الأول من هذا القرن، وسميت باسم «متلازمة الاستقالة» من الحياة، على الرغم من أنها كانت معروفة قبل ذلك.
وتصف الباحثة حالة الطفلة نولا اليزيدية السورية، البالغة من العمر 10 سنوات، التي نامت 18 شهراً متتالية وهي في فستانها البنفسجي وجواربها الطويلة السوداء البيضاء، قائلة: «بدت ساكنة مثل أميرة أكلت تفاحة مسمومة». وتضيف: «كانت يدها موضوعة على جانب السرير، وعندما أخذ كلب في مداعبة اليد لم تستجب الفتاة له. والعلامات الوحيدة التي تشير إلى كفاح نولا في حالة سباتها كانت: انقباض عضلات الخد الشديد، والكز على الأسنان بشدة، إلا أن الأنكى من كل ذلك أن أختاً لها انضمت إليها أيضاً ودخلت في سبات عميق». وقد أجريت مسوحات لأجسام هؤلاء الأطفال، وتم نخسهم لإيقاظهم، وحقنهم باللقاحات، ودرست حالاتهم في أبحاث طبية منشورة وفي مقالات صحافية، إلا أن الطب الحديث لا يعدهم مرضى بمعنى الكلمة، ولا توجد تفسيرات بيولوجية لحالتهم. ومع ذلك، فإنهم مرضى بالفعل، كما تقول الباحثة، إذ لا يمكن لأي طفل في العاشرة من عمره، مهما كانت قوة إرادته، أن يزيف حالته.
«شيء ما خطأ حدث لدى هؤلاء الأطفال. ولا يمكننا أن نضع اللوم على عقولهم التي قادتهم إلى هذه الأفعال نتيجة تعرضهم إلى ضغوطات غريبة جداً في حياتهم، مثلما لا يمكننا أن نضع اللوم على الرئتين في حال الإصابة بـ(كوفيد - 19)... وإضافة إلى ذلك، لا يمكننا أن نتوقع منهم أن يستجمعوا قوتهم مجدداً مثلما لا يمكننا توقع حدوث ذلك من مريض في غرفة الإنعاش».
وتضيف الكاتبة أنه يبدو أن السبب الوحيد في حدوث مرضهم هو أنهم كانوا يعرفون أن أحداً قبلهم قد وقع في المرض. وتشير إلى أنه لا يمثل مرضاً خاصاً بعرق السويديين الأصليين، ولا هو ناجم عن التوتر والإجهاد -على الرغم من أنهما يسببانه على الأرجح- ولا هو مرض خاص بطالبي اللجوء.
ومشكلة هذه الأمراض النفسجسمية أنها لا تخضع لعلاجات طبية محددة، فالأطباء لم يستطيعوا إيجاد علاج لحالات «متلازمة الاستقالة» من الحياة. والحل الأمثل لحالات السبات في السويد هو قبول طلب اللجوء. أما «المرض المجنون» في نيكاراغوا، فلم تستطع أدوية علاج الصرع وعقاقير أخرى شفاءه، بل تمكن «الأطباء السحرة» بطقوسهم الغريبة من تخفيفه!
والخلاصة أن الأمراض النفسجسمية لا تزال تشكل معضلة للمصابين بها، وللطب الحديث. ولذا، فقد تلاقي تحليلات الكاتبة المثيرة بعض الغضب لدى المصابين بوصفها أمراضهم بأنها أمراض نفسجسمية، كأنما تتهمهم بخلق تلك الأمراض بأنفسهم.
لماذا نتخذ قرارات خاطئة؟
«الضجيج: عيب في أحكام الإنسان»... كتاب جديد عن قرارات الإنسان الخاطئة لمؤلفيه الثلاثة: دانيال كاهنيمين وأوليفر سيبوني وكاس آر سنشتاين، يدقق في مكنونات العقل البشري و«ما بعده»، بهدف استكشاف الوسائل التي يوظفها الإنسان عند اتخاذ قراراته.
أحد المؤلفين، وهو كاس سنشتاين، كان قد أشار في كتاب سابق له، بعنوان «الدفعة»، إلى أن التحفيز الرقيق، وليس الأوامر، هو الذي يدفع الإنسان إلى السلوك الحسن. وكشف سيبوني عن «الحماقات الإدارية» في كتابه: «إنك مقدم على قرار جد خاطئ». أما دانيال كاهنيمين، فهو قائد هذه الفرقة الثلاثية المشرفة على الكتاب الجديد، وكان قد أصدر كتاباً بعنوان «التفكير.. بسرعة وببطء» الذي كشف فيه عن التفاعلات المعقدة بين «عقلي الإنسان»: العقلاني (أو الرشيد) والحدسي. ودارت فحوى تلك الكتب حول محور أساسي: إن الإنسان لا يدري في الواقع ما الذي يفعله، إلا أنه ينفذ الأمور كأنه يعرف ذلك. ويبدو ذلك كأنه لا يكتسب أحياناً أي أهمية لأن أوهامنا يمكن أن تشكل قوة إيجابية فعلاً، بل حتى مبدعة... لكن تلك الأفعال قد تحمل في أحيان أخرى أهمية كبرى.
إن الإنسان قد يتخذ قراراته نتيجة عوامل غير عقلانية، وأخرى لا تمت بصلة إلى القرار. وقد رصدت حالات في السبعينيات من القرن الماضي لتفاوت أحكام القضاة الأميركيين على جرائم متشابهة. وقد ساد اعتقاد آنذاك بأن ذلك راجع إلى التحيز إما بسبب التمييز العنصري أو بسبب ازدراء الحاكم للمتهم... إلا أن الكتّاب يعتقدون أن الأخطاء تحدث بسبب أحداث وتأثيرات عشوائية يطلقون عليها مصطلح «الضجيج».
ويشير الكتاب إلى وجود كثير من «الضجيج» في حياتنا المعاصرة، بحيث ربما يكون من الصعوبة ممارسة الحياة! فهذا الضجيج هو الذي يقود الأطباء إلى وضع تشخيصات مختلفة لأعراض الحالة المرضية نفسها، كما أنه يدفع خبراء التوقعات لوضع توقعات متباينة. وفي الإدارة، يدفع الضجيج المديرين إلى قبول أو رفض الموظفين الجدد، وإلى سوء تقييم عمل الآخرين... بل حتى إلى وقوع أخطاء لدى محللي بصمات الأصابع. فهناك، حيث يجب اتخاذ القرار... يوجد الضجيج.
ولإقصاء هذا الضجيج، يقترح الكتاب على المدرسين والأطباء والحكام وضع قائمة بالجوانب المتعلقة بأحكامهم قبل اتخاذ القرار... كما يقترح على الشركات «وضع استراتيجيات لخلق جو صحي نظيف لاتخاذ القرارات، ووضع أطر بنيوية صارمة لمقابلات التوظيف».
وبينما يشعر مؤلفو الكتاب أن هذه المقترحات تبدو ميكانيكية، وحتى غير إنسانية، فإنهم يؤكدون أنه سيكون أمراً غير إنساني عدم استخدام قائمة بالجوانب المتعلقة باتخاذ القرار للحكام والأطباء خصوصاً، إذ إن أي قرار قضائي أو طبي خاطئ سيؤدي إلى نتائج مأساوية.
الكتاب الأول: الجميلات النائمات... وقصص أخرى حول مرض غامض
The Sleeping Beauties: And Other Stories of Mystery Illness
المؤلفة: سوزان أوسوليفان
الكتاب الثاني: الضجيج: عيب في أحكام الإنسان
Noise: A Flaw in Human Judgment
المؤلفون: دانيال كاهنيمين وأوليفر سيبوني وكاس آر سنشتاين


مقالات ذات صلة

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق جانب من تجهيزات افتتاح الدورة الـ57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (صفحة المعرض على «فيسبوك»)

«القاهرة للكتاب» يستقبل جمهوره بـ«حقيبة نجيب محفوظ»

يستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، المقرر افتتاحها الأربعاء، 21 يناير (كانون الثاني) الحالي، زواره بـ«حقيبة نجيب محفوظ».

محمد الكفراوي (القاهرة )
ثقافة وفنون «حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

«حياتي كعامل توصيل في بكين» تكشف الوجه المظلم للمعجزة الاقتصادية

في الوقت الذي تحتفي فيه وسائل الإعلام بالنمو التكنولوجي للعملاق الصيني، تأتي رواية «حياتي كعامل توصيل في بكين» لتعرض الجانب المظلم من المعجزة الاقتصادية الصينية

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون نادية هناوي...مشروع  معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

نادية هناوي...مشروع معرفي شكَّل مرحلة مفصلية في النقد

بدأت الريادة الحقيقية لمسيرة النقد العراقي مع مشروع الدكتور علي جواد الطاهر النقدي الذي لفت الأنظار إلى متانته ومنهجيته ومواكبته الدؤوب للنتاج الأدبي العراقي.

جهاد مجيد

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.