نهضة السينما المصرية المسكوت عنها

«صندوق الدنيا» يختبر الوضع السائد

رانيا يوسف وعلاء مرسي في لقطة من «صندوق الدنيا»
رانيا يوسف وعلاء مرسي في لقطة من «صندوق الدنيا»
TT

نهضة السينما المصرية المسكوت عنها

رانيا يوسف وعلاء مرسي في لقطة من «صندوق الدنيا»
رانيا يوسف وعلاء مرسي في لقطة من «صندوق الدنيا»

إذا ما جمع الناقد الأفلام المصرية التي تم إنتاجها خلال السنوات العشر الأخيرة، سيلاحظ أنها كافية لتشكيل مجموعة مميّزة من الأعمال التي يطوق إليها الجمهور المثقف والمختلف وهواة السينما المنتشية فنّاً والنقاد الذين يعتبرون أن كل ما عدا ذلك المستوى من الأعمال ما هو إلا ترفيه له فوائد محدودة أهمها تنشيط حركة الإنتاج لأعمال لا ترغب في جني أي فائدة سوى إيرادات رابحة.
ربما مجموع هؤلاء الباحثين عن سينما جيّدة في العالم العربي لا يتعدّى 20 في المائة من روّاد السينما في الصالات والمهرجانات، لكن هذه النسبة هي التي تواجه كذلك العديد من الأفلام التجارية في مصر أو خارجها، نظراً لعمليات طحن استولت فيها شركات قليلة على شؤون الإنتاج والتوزيع وألهبت منافسة بين مجموعة من الممثلين الجدد الذين يمثّلون بعضلاتهم أكثر مما يؤدون شخصيات لها عمق ودلالات. الواحد منهم نجم بعدد التذاكر المبيعة لآخر فيلم قام بتمثيله.
على الجانب الآخر مجموعة طموحة من الأفلام ذات النبرة المختلفة تنقسم إلى قسمين: الأول أفلام جادة في مواضيعها وطروحاتها إنما ضمن الأسلوب التقليدي على غرار «اشتباك» لمحمد دياب، 2016) و«يوم الدين» (أبو بكر شوقي، 2018) و«واحد صفر» (كاملة أبو ذكري، 2010) و«تراب الماس» (مروان حامد، 2018) من بين أخرى.
الثاني لأفلام تختلف عما هو تقليدي في الطرح كما في المعالجة. أفلام مثل «باب الوداع» لكريم حنفي (2015) و«آخر أيام المدينة» لتامر السعيد (2016) و«أخضر يابس» لمحمد حمّاد (2017) و«لا أحد هناك» لأحمد مجدي (2018) ومؤخراً «قابل للكسر» لأحمد رشوان (2020) وآخرها «صندوق الدنيا» لعماد البهات (2020).
هذه المجموعة الأخيرة لافتة بطموحات مخرجيها الكبيرة لتجاوز عقد السرد الكامن في الطريقة المتّبعة للوصول من نقطة «أ» إلى نقطة «ب» وما يليها، وفي صياغة وجهة النظر التي يُراد لها أن تُلقى على المجتمع الذي تقع فيه الأحداث. هذا، وبطبيعة الحال، يتبعه هدوء في النبرة، رؤية فنية تعبر عن طموح لتطوير أدوات التعبير وثقة بألا يتنازل المخرج عن أي من اختياراته لا كحكاية ولا كطريقة معالجتها ولا كأسلوب تصويرها ولا في نطاق ممثليها وطواقمها الفنية الأخرى.

فصول رواية
«قابل للكسر» و«صندوق الدنيا» هما آخر ما تم تحقيقه من هذه المجموعة. ما يشتركان فيه هو الوجهة الثابتة لتقديم حكاية من زاوية سرد مختلفة وهي مختلفة أكثر في فيلم عماد البهات، «صندوق الدنيا»، عن تلك في فيلم أحمد رشوان، «قابل للكسر». لكن كليهما يعكسان الرغبة في تجاوز التقليد والتميّز في الأسلوب والبحث عن المعالجة الأفضل والأكثر التقاءً مع الذات.
في «صندوق الدنيا»، يتبلور كل ذلك في مُلكية المخرج البهات للطريقة النافذة التي يريد سرد الموضوع المكتوب عبرها. الطريقة التي لا تكتفي بحكاية بل تجعلها أرضاً صلبة لما يدور فوقها. للشخصيات المتعددة ولحكاية كل منها ثم كيف تلتقي من حيث لا تدري في رحى وقائع كل يوم لا يشعر بها معظمنا رغم وقوعها بيننا.
عند البداية، لا أحد يمكن له أن يستشرف لما سيقع بعد قليل. باسم السمرة سواق حافلة صغيرة من الريف تقل مجموعة من النساء اللواتي يردن التوجّه لمزار في القاهرة. إنها فرصة الفتى الصغير علي (رابي سعد) ابن السائق لرؤية القاهرة لأول مرّة. والده يقول له «القاهرة لها ألف ميدان». يرغّبه فيها ويحذّره. تصل الحافلة في مطلع الليلة التي ستقع فيها كل أحداث الفيلم اللاحقة). يمنح الأب ابنه بعض النقود لكي يشتري له علبة سجائر من الكشك المواجه، لا يجد الصبي ما يدخّنه والده فينطلق إلى كشك آخر. في اللحظة ذاتها يصل شرير هارب من مطارديه بعدما حصل على مسدس لصالح زبون. يصعد الحافلة عنوة ويأمر السائق بالانطلاق، لكن هذا، وقد تأخر ابنه في العودة يرفض. حيال ذلك يطعن الشرير الأب ويلقيه خارج الحافلة التي غادرتها كذلك راكباتها وينطلق بالسيارة.
لدينا الوضع التالي... أب ميّت. صبي ضائع سيمر بعض الوقت قبل أن يدرك أن والده مات وليلة وميدان.
هذا كله تحت عنوان من أربعة عناوين اسمه «حلم»، وهي تؤطر الأحداث المتشابكة التي تنطلق بشخصيات مختلفة لتصب في ذلك الميدان خلال تلك الليلة الواحدة. هناك المرأة التي تخون زوجها مع رجل اسمه حاتم (عمرو القاضي) يؤمن ممثلي الكومبارس (عنوان الفصل الثاني) الباحث عن فرص مُتاحة في بيئة السينما التقليدية لتوظيفها لصالحه. وخلال ذلك يلعب دور الوسيط بين أحد المنتجين وفتاة ترغب في التمثيل. في الفصل الثالث «ممرات الخوف» نلتقي بزوج الخائنة آدم (خالد الصاوي) الذي لأجله قام الشرير بتأمين المسدس. آدم هو شاعر أصدر كتاباً روائياً أولاً لكنه لم يصب نجاحاً في أي من كتبه الشعرية السابقة ولا يُنتظر له أن يصيب نجاحاً في عمله الروائي. هو يعيش حالة إحباط متجددة. تقول زوجته لعشيقها إن الطموح الأكبر بينها وبين زوجها هو دفع إيجار الشقة. وفوق حالة الإحباط تلك يكتشف أن لزوجته عشيقاً ويود قتلها ويكاد يفعل لولا صديق واحد له اسمه عصفور (أحمد كمال) في مشهد رائع الأداء ومدروس اللقطات والتوليف بينهما.
الفصل الرابع بعنوان «آخر نفس» كانت بعض أحداثه تبلورت في الفصل الثالث: هناك رجل أبكم اسمه مرجيحة (علاء مرسي) واقع في حب فاطمة (رانيا يوسف) التي عرّفها السمسار على المنتج (سامي مغاوري) الذي عقد عليها قراناً عرفياً. مرجيحة وفاطمة يجولان في تلك الليلة: كلاهما فاقد القدرة على البوح بما يجيش في صدره.
طوال الوقت تمر كل شخصية رئيسية من هذه الشخصيات بالصبي علي وهو جالس في ذلك الميدان أو يجول فيه. بعضهم يتحدّث إليه. جميعاً يعودون إلى الميدان ذاته في تلك الليلة الواحدة أو يمرّون به. نهاية الفيلم احتفال بفن الحاوي الشعبي (علي صبحي) الذي يلتف حول عرضه الترفيهي جمع غفير بمن فيها الكاتب آدم وصديقه عصفور والصبي ذاته. ما يلقي الحاوي من أشعار يُصيغ اختصارات لكل ما رأيناه ليس من زاوية أنه يردد ما حدث كونه لا يعلم بشيء مما رأيناه، بل من حيث إنه يغنّي عن الأقدار وهموم الناس وأحزان القاهرة.
تقصير
«صندوق الدنيا» فيلم رائع آخر، إذن، يُضاف إلى ما تجود به السينما المصرية رغم ظروف الإهمال والعزلة. يخبرنا المخرج أنه عاصر سبع سنوات مريرة قبل أن يحوّل أمير جادو إلى فيلم. في أي بلد آخر خارج الحدود العربية تواجه الأفلام غير المُنتجة لأغراض تجارية صعوبات تنفيذ، لكن ليس كما لدينا نحن في العالم العربي. ليس كما في مصر التي يهرع منتجوها صوب الجاهز والحاضر والسريع من الأعمال (ونصفها غير مضمون النجاح) وحيث تكتفي وزارة الثقافة بتمويل مشاريع مهمّة لكن محدودة (تساهم في تمويل مهرجان القاهرة وبإصدار كتب وبضع مجلات). ثم بغياب رغبة المحطات التلفزيونية العربية العمل مع مواهب رائعة وهبت نفسها للفيلم ذي القيمة الفنية أوّلاً.
إلى كل ذلك، هناك تقصير كبير من قِبل النقاد العرب في مصر وخارجها. لا يتوقف دور الناقد على مشاهدة الفيلم والكتابة عنه. هذا هو الحد المعتدل من الاهتمام. ما تتطلبه أفلام مثل «باب الوداع» و«آخر أيام المدينة» و«ورد مسموم» و«لا أحد هناك» وسواها، هو كتابة دؤوبة عن الفيلم المُنتج للفت المنتجين لضرورة أن تدخل أفلام كهذه جداول أعمالهم ولحث المشاهدين على إنجاح هذه المبادرات. لا أعرف فيلماً عربياً شارك في مهرجان سينمائي عربي ثم شاهده أكثر من جمهور ذلك المهرجان ولا تمتّع بأكثر من كتابات (غالبها غير متخصص) سريعة.
هناك نهضة جديدة للسينما المصرية لكنها نهضة مسكوت عنها، واللوم يقع على قطاعات عديدة ترضى، على عكس المخرجين المعنيين، بالوضع كما هو.


مقالات ذات صلة

«سيجيء يوم آخر»: صوت حيّ من فلسطين إلى العالم

يوميات الشرق أخرجت قعدان أصوات الفلسطينيين في الداخل إلى الشاشة الكبيرة (صور المخرجة)

«سيجيء يوم آخر»: صوت حيّ من فلسطين إلى العالم

يمرُّ الفيلم على مشاهد البحر والشاطئ وأشجار السرو، بينما تتردّد في الخلفية رسالة صوتية تقول إنّ ملامح فلسطين الحقيقية طُمست تحت طبقات الإسفلت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق عُرض الفيلم للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

«كونتيسة الدم»... عودة أسطورة قديمة برؤية سينمائية معاصرة

عودة غامضة لـ«كونتيسة الدم» بعد اختفاء طويل، حيث تظهر من جديد في قلب فيينا الحديثة، وكأنها خرجت من زمن آخر لتستأنف وجودها وسط عالم تغيّر كثيراً.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى في سويسرا (الشركة المنتجة)

«ثمن الشمس»... فيلم وثائقي يسلط الضوء على أمازيغ المغرب

يقدم الفيلم الوثائقي البلجيكي «ثمن الشمس» توثيقاً لكيفية تغير نمط حياة مجموعة من السكان المحليين في المغرب مع تنفيذ مشروع ضخم للطاقة النظيفة.

أحمد عدلي (القاهرة )
لمسات الموضة أبطال الفيلم في لقطة جماعية خلال حفل افتتاح الفيلم بلندن (أ.ب)

«The Devil Wears Prada 2»: عندما تتحول الموضة إلى اقتصاد كامل

كان الفيلم، لا سيما الجزء الثاني، نقطة تحوُّل في كيفية تعامل هوليوود مع الموضة بوصفها طرفاً أساسياً وشريكاً يمكن أن يجمعهما الفني والاقتصادي بشكل ذكي ومتكامل.

جميلة حلفيشي (لندن)
يوميات الشرق جعفر جاكسون يؤدي دور البطولة في الفيلم الذي يتصدر شباك التذاكر السعودي (imdb)

«مايكل» و«الشيطان يرتدي برادا 2» يسيطران على نصف إيرادات شباك التذاكر السعودي

في خطوة غير معتادة على شباك التذاكر السعودي، سيطر فيلمان على صف إيرادات الأسبوع، حيث استحوذ كل من «مايكل» و«الشيطان يرتدي برادا 2» على 58 % من إجمالي الإيرادات.


«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
TT

«الشيطان يرتدي برادا 2»... أناقة قاتمة لعالم يتغيّر

‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩
‎⁨يتناول الجزء الثاني للفيلم التحوُّلات التي عصفت بالصحافة وصناعة الأزياء (imdb)⁩

بعد طول انتظار، يعود فيلم «الشيطان يرتدي برادا 2» (The Devil Wears Prada 2)، لتعود معه صراعات ميرندا بريستلي وآندي ساكس، ولكن في عالم تغيَّرت قواعده؛ حيث لم تعد المجلات تحتفظ بمكانتها كما قبل عقدين، وأصبح التأثير موزعاً بين المنصات الرقمية وسلطة المُعلنين. يعكس الفيلم هذه التحولات الكبرى مقارنة بزمن صدور الجزء الأول عام 2006.

⁨آن هاثاواي وميريل ستريب في مشهد من الفيلم (imdb)⁩

يبدأ العمل بآندي ساكس (آن هاثاواي) على أعتاب لحظة انتصار مهني بعد فوزها بجائزة صحافية، قبل أن تتلقى في اللحظة نفسها خبر فصلها عبر رسالة قصيرة، بسبب قرار صحيفتها «نيويورك فانغارد» تسريح عدد من محرريها لتقليص الميزانية. وخلال التكريم، تلقي خطاباً حاراً عن تراجع قيمة الصحافة في ظل المتغيرات الراهنة، ومن هنا تأتي الدقائق الأولى للفيلم لتعيد تعريف موقع آندي بعد عقدين قضتهما في العمل الصحافي الجاد.

أما ميرندا بريستلي (ميريل ستريب)، فلا تزال على كرسي رئاسة تحرير «رَنواي» (Runway)، التي لم تعد مجلة تقليدية، بل منصة تسعى وراء الانتباه. غير أن سلطتها لم تعد مطلقة؛ إذ باتت محكومة بتوازنات مع المُعلنين ودور الأزياء. وتظهر منذ البداية وسط أزمة حادة بسبب فضيحة تتعلق بتقرير نشرته «رَنواي» أثار عاصفة من الجدل، مما يضع اسم المجلة تحت ضغط حاد من الإدارة والرعاة.

من غرفة تحرير إلى غرفة أرقام

⁨ميريل ستريب بشخصية ميراندا بريستلي المرأة الحديدية في عالم الأزياء (imdb)⁩

تعود آندي إلى «رَنواي» بصفتها محررة تحقيقات، في موقع متقدم مقارنة بالماضي. ويأتي لقاؤها الأول مع ميرندا مشحوناً بتوتر مكتوم، يعكس صراعاً بين خبرة متراكمة وسلطة قائمة. كما تبدو المجلة بملامح جديدة؛ حيث يدور الحديث في الاجتماعات عن نسب المشاهدة والتفاعل، والعناوين الجاذبة، وتتحوَّل طاولة التحرير التي كانت تنشغل بقصَّات الأقمشة وألوان المواسم إلى لغة رقمية باردة.

في هذا السياق، يظهر نايجل (ستانلي توتشي)، ذاكرة حية للمكان، بنبرة تمزج بين السخرية والمرارة، مستعيداً زمن الرحلات الطويلة للتصوير، مقارنة بإيقاع اليوم المضغوط. ورغم ثباته النسبي، يمنح حضوره الفيلم توازناً بين الحنين إلى الماضي والوعي بالحاضر.

في المقابل، تدخل إيميلي شارلتون (إميلي بلنت)، من موقع نفوذ داخل دار «ديور» للأزياء، حيث تتشكل علاقتها مع «رَنواي» عبر الإعلانات والشراكات، مما يجعل «ديور» داخل الفيلم لاعباً رئيسياً؛ وجهة قادرة على التأثير في قرارات المجلة، إلى جانب علامات أخرى تظهر في خلفية الفيلم، لتؤكد أن الصناعة أصبحت شبكة مصالح متداخلة.

«لم تعد رَنواي مجلة»

⁨آندي ونايجل وحديث من داخل غرفة الأزياء لمجلة «رَنواي» (imdb)⁩

يقدِّم الفيلم الذي يأتي من إخراج ديفيد فرانكل، وسيناريو ألين بروش ماكينا، تحية ضمنية للصحافة المطبوعة. ورغم التركيز التسويقي على عودة الأبطال، تكمن مفاجأة الفيلم في نبرته الرومانسية تجاه الصحافة وصناعة الأزياء بوصفها فناً، بدلاً من «إنتاج المحتوى». في أحد المشاهد، يختصر نايجل الفكرة بقوله: «لم تعد رَنواي مجلة»، في إشارة إلى نسخة مطبوعة بالكاد تُقرأ مقابل محتوى رقمي سريع الزوال.

لا يبدو الفيلم معنياً بجذب جمهور جديد بقدر ما يخاطب متابعيه القدامى، من خلال استدعاء مستمر لأحداث الجزء الأول. كل شخصية تستعرض مسارها وتحولاتها، ما يمنح العمل طابعاً أقرب إلى مرثية ساخرة لواقع ما بعد 2006، وهيمنة الشركات الكبرى، يتجلى ذلك في مشهد جنازة رمزي لما آلت إليه الصناعة.

ميلانو وليدي غاغا في قلب القصة

تبلغ الأحداث ذروتها في مدينة ميلانو خلال عرض أزياء تنظمه «رَنواي»، حيث تتصاعد الضغوط نتيجة تقليص الميزانية. ويظهر ذلك في مشهد ساخر تسافر فيه ميرندا على الدرجة الاقتصادية، في مفارقة تعكس تغيُّر الأولويات.

ويفاجئ الفيلم جمهوره بظهور النجمة ليدي غاغا، في مشهد يجمعها بميرندا، يكشف توتراً قديماً بينهما، ويعكس تحولات موازين القوة داخل هذا العالم.

⁨تعود آندي إلى مجلة «رَنواي» في الجزء الجديد وبتحديات أكبر (imdb)⁩

كما يقدم أحد أكثر مشاهده تأملاً خلال عشاء فاخر تستضيفه قاعة تاريخية مزينة بلوحة «العشاء الأخير» الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، إذ يجلس الحضور تحت اللوحة في تكوين بصري متقارب، في حين تتحدث ميرندا عن تفاصيلها إلى آندي، ليضع الفيلم الفن في مواجهة الاستهلاك، وتتحول لوحة تاريخية إلى خلفية لعشاء فاخر.

في الختام، لا يغيِّر الفيلم مواقع شخصياته جذرياً؛ تبقى ميرندا على رأس «رَنواي»، وتعود آندي إلى المجلة، لكن التحول الحقيقي يكمن في طبيعة العمل نفسه: من صناعة الفن إلى ملاحقة التفاعل، وهي الفكرة التي يرسِّخها الفيلم عبر تفاصيله.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
TT

حميد بن عمرة: السينما هي كل شيء عدا المنطق

بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف
بن عمرة (إلى اليمين) مع المخرج نيكيتا ميخالكوف

تنطلق ما بين 3 و17 مايو (أيار)، عروض أفلام للمخرج حميد بن عمرة في بلد ولادته الجزائر، التي غادرها قبل عقود إلى فرنسا حيث يعيش ويعمل مستقلاً ومثابراً.

من يشاهد أفلامه يكتشف أن كل فيلم فريد في نوعه وطريقة تناوله، وهذا يتضمّن ما يقدمه الفيلم وكيفية تقديمه. البراعة في أفلامه (ومنها «هواجس الممثل المنفرد بنفسه»، 2015، و«حزام»، 2016، و«كوكيو: موسم حصاد الأفلام»، 2023) تكمن في شغله على حرية التناول، منتقلاً بين ما يختاره من مشاهد ولقطات على نحو مغاير تماماً عما يعمد إليه آخرون من جيله أو ما قبله. لذا، فإن أفلامه خارج التصنيف وطريقته في تنفيذها ليست مطلقاً تقليدية.

التالي مقابلة معه تتضمن إيضاحاً شاملاً لمنهجه بمناسبة الاحتفاء الذي سيشهده في بلد مولده.

من «كيوكو: موسم حصاد الأحلام»

اخترع لغتك

> ما الذي يعنيه لك عرض أفلامك في الجزائر على هذا النحو الاحتفائي؟

- الرجوع إلى الجزائر فضيلة، ولقاء المشاهد الجزائري فريضة. يصادف كل ذلك مجيء البابا إلى الجزائر ويتزامن مع انفتاح البلاد على العالم بشكل أكبر. إنها فرصة ثمينة للتواصل مع جمهور أعتقده جاهزاً اليوم أكثر من أي وقت مضى لاكتشاف الجديد.

> قبل عروض أفلامك في الجزائر شاركت في مهرجانات عدة، لكن هل تعتبر العروض الجزائرية احتفاءً بك؟

- أنا من يحتفي بالجمهور الذي كان شاهداً على عرض فيلمي الأول سنة 1981، كما أحتفي بمدير السينماتيك، الأستاذ بوجمعة كارش، الذي كان سنداً وداعماً. سأحتفي بشاشات الجزائر التي تحوَّلت في بعض المدن إلى كفن للأفلام. سأحتفي بعيون المشاهدين 24 مرة في الثانية، لأن قاعدة السينما بيتي، وأنا الذي أستقبل الجمهور على شاشتي.

> من الصعب وضع أفلامك في خانات تقليدية. بل من غير الممكن. كيف تقوم أنت بتصنيفها؟

- في الأمور الإدارية، ولضرورة الترتيب، يتفنن الموظف في وضع كل ملف في مكانه الصحيح لتسهيل الاطلاع عليه. في السينما، العارف بماهية هذا الفن لا يحتاج إلى خانة كبوصلة. من يعرف السينما يستطيع الارتقاء إلى مصاف قراءة حرية السرد، التي ليست عفوية وعشوائية، وإنما حرية تبتكر منطقها. هيتشكوك يقول: «اخترع لغتك، فقط أعطني أبجديتك كي أقرأ». هناك فرق بين الأسلوب المتفرد وتلصيق اللقطات ببعضها. التفسير للقرآن وللعلوم، لكن السينما لا تُفسَّر لأنها دوام الأسئلة البصرية. سينما «ڤيرتوف» والموجة السوفياتية لم تكن صامتة، وإنما غير ناطقة. أبيات المتنبي تُسمع لمن به صمم، ويراها الأعمى. التفسير للأطفال، وللمبتدئين، ولغير العارف بأدغال السينما.

آسيا غمرة من فيلم «حزام»

سينما جميلة

> تناولت أفلامك، مثل «هواجس الممثل المنفرد بنفسه» و«حزام» و«كوكيو: موسم حصاد الأحلام»، قضايا اجتماعية وشخصية، لكنها ليست أفلام قضايا كما ليست أفلاماً تسجيلية. ما هو تعريفك لذلك؟- ليس هناك تعريف دائم وثابت، بل المعرفة بوزن كل لقطة. كل لقطة لها عيار وعمر. لقطات تذوب في المشهد وأخرى تُحنّط. السينما إلمام بمعارف شتى تُصقل لترويض العين وشحذها كي تنتقي للمشاهد نافذة جديدة تفتح فكره وذوقه. أفلامي بها قضية واحدة هي السينما.

إنه الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون كي يوجد. ما يستفز ويغري ويثير ويصدم في السينما ليس المواضيع، وإنما فسيفساء اللقطات واتزانها في فضاء خارج عن معايير الهندسة المنطقية. السينما هي كل شيء عدا المنطق، لكني أضفت إلى منطق دزيغا ڤيرتوف السردي بلاغة اللغة العربية بأسلوبها السهل الممتنع. طرّزت إطاري بمجهريات الزخرفة المغاربية، وحصَّنت المشاهد بإيقاع الموشح الأندلسي.

> ما هي السينما الجميلة بالنسبة إليك؟

- الجمال في البساطة دائماً، وليس في الاستعراض. طريقة المشي بالنسبة للمرأة أكثر إثارة من جسد مفتول الأعضاء، وخط العاشق أجمل للعشيقة من خطاط محترف، وتدبير الأم لابنها أدق من استراتيجيات لاعب الشطرنج. السينما الجميلة هي تلك التي لا «تستخف» بالمشاهد ولا تتعالى عليه. المعرفة تختلف عن الخبرة، وذاكرة الشعوب تختلف عن ذاكرة الحكومات. أنا أصوّر بالحدس بوصفي شاهداً عن جيله، وليس بتراكمية القواعد. لا أرى المكان وإنما تفاصيله وأهميته التاريخية. لا أهرول نحو الوجه بقدر ما أتوقف عند بشرته. أذكر كل لقطة صورتها منذ 45 سنة. أفهم حين يقول كاسباروف إنه يتذكر كل منازلاته. الذاكرة المرئية تقودني إلى المكان والوجه بتأنٍ، لأن هاجسي الأول هو انتقاء ما بدا لي رفيعاً ونادراً لرسم صورة لحياة تفرز كل يوم لحظات فذة بين الأسلاك الشائكة.

«أفلامي بها قضية واحدة هي السينما؛ الفن الوحيد الذي لا يحتاج إلى مضمون ليوجد»

حميد بن عمرة

> من هم المخرجون الأحب إليك؟ وهل تأثرت بهم؟

- أحب من أعرف والتقي به فعلاً. هناك أسماء ضخمة وأخرى بالوزن نفسه لكنها خارج سلطة النت الخبيثة. أحببت رضوان الكاشف لأنني صورته وتبادلنا الرؤى، وأحب مجدي أحمد علي القريب جداً إلى جزائريتي. أحب نيكيتا ميخالكوف الذي التقيت به حين كنت رئيس لجنة التحكيم بمهرجان مالطا 2019، وكان العراب الحامي والضامن للمهرجان، ولأنني شاهدت كل أفلامه. أحب جورج شمشوم، وبهج حجيج، وناصر خمير، وسعد الشرايبي، وفريدة بليازيد، وإبراهيم تساقي، وبلقاسم حجاج، كما أحب سليمان سيسي، وهايلي غريما، ولاري كلارك. البصمة الشخصية تأتي من الممارسة والبحث المستمر، وليس من النقل المباشر أو المتستر.

> كيف تمكَّنت من تحقيق فيلمك الأول «من أجل حياة أفضل» سنة 1981؟ من هو صاحب الفضل في ذلك؟

- صوَّرت ذلك الفيلم في حي شعبي فقير وكادح، دون أي سند من أي مسؤول، عدا أم ادَّخرت من مصروف البيت مبلغاً غامرت به كي يشتري ابنها أول كاميرا عام 1978. هذه الأم المجاهدة التي وقفت في وجه الاستعمار لم تتراجع أمام حلم ابنها. هي التي أخرجت للجزائر ابناً ورث منها غريزة المثابرة إلى آخر نفس.


شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام تسجيلية من مهرجان «ڤيزيون دو ريل»

 من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)
من «أليا جاكاندراس» (ڤيزيون دو ريل)

ALEA JACARANDAS

★★★1/2

إخراج:‫ حسن فرحاني‬

الجزائر | وثائقي (2026)

عن أب ومدينة وتاريخ

فاز فيلم «أليا جاكارانداس» (Alea Jacarandas) بجائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم في مهرجان «ڤيزيون دو ريل» الذي اختتمت فعالياته في 26 أبريل (نيسان). حظي الفيلم باستقبال جيد، ويرجع ذلك جزئياً إلى نجاح المخرج نفسه في عام 2019 بفيلمه الوثائقي الرائع «143 شارع الصحراء»، الذي رصد حياة امرأة تعيش وحدها وتدير دكاناً على الطريق السريع خارج المدينة، عاكسةً من خلال ذلك عزلة المكان والحياة.

فيلم فرحاني الجديد يختلف بشكل شبه كامل عن السابق. إنه رحلة في حياة والد المخرج، أمزيان فرحاني، ليس فيلم نوستالجي تقليدي، بل سجل لملاحظات وذكريات الأب حول المدينة، كيف كانت وكيف أصبحت، عن شوارعها وأناسها وأشجار الجاكارندا الجميلة التي لم يبق منها إلا القليل. الفيلم لا ينطوي على نقد لاذع، لكنه مشبع بالحنان تجاه الماضي، ممثلاً في الأب. هناك انسجام واضح بين الأب والمدينة؛ كلاهما يحمل تاريخه ويمضي.

من ميزات الفيلم أن المخرج لم يعتمد على النهج النستالجي، بل اتبع مبدأ البحث في ذاكرة الأب، معتمداً على ذكرياته وآرائه، دون اللجوء إلى وثائق رسمية. ونفاجأ، إن لم نكن على علم مسبق، بإعلان وفاة الأب في نشرة الأخبار قبيل نهاية الفيلم. الفيلم ناطق بالفرنسية ربما لأغراض تسويقية، لكن كان من الممكن أن يكون أكثر قرباً من حياة الشخصيات الواقعية لو تم تصويره بالعربية.

DENTRO ★★★

إخراج:‫ إلسا أميل‬

إيطاليا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

خيال السجين يطلقه خارج القضبان

تقع أحداث هذا الفيلم داخل سجن في مقاطعة توسكاني الجميلة، وهو عن مخرج وكاتب مسرحي اسمه أرمانو بونزو يعيش مع سواه في ذلك السجن، وينجز معهم مسرحيات تُقدم فيه. يوحي الفيلم أن بونزو دخل السجن لهذه الغاية طواعية، لكنه لا يتوقف كثيراً عند شرح هذه الخلفية.

من «دنترو» (ڤيزيون دو ريل)

يتحدث بونزو إلى الممثلين عن ضرورة استخدام الخيال كوسيلة لممارسة الحرية، إذ يمكن للسجين من خلاله الخروج من السجن ذهنياً، عبر قراءة النص المسرحي وفهمه. وقد يحتاج بعض السجناء إلى تدريبات ذهنية لتحقيق هذا الهدف، لكنَّ كثيرين منهم ينجحون في فهم الدلالات ويجدون في توجيهاته ملاذاً وقوة نفسية. في الوقت نفسه، تركز المخرجة على جهد بونزو لتحريك الثابت وتغيير الواقع قدر المستطاع، ونراه يتحدث إلى نفسه بصوت عالٍ، يكتب ويفكر ويمارس ما كان يمكنه القيام به خارج السجن طوال الوقت.

FROM DAWN TO DAWN

★★★

إخراج:‫ كجيسي صوفيا يا تشن‬

إسبانيا/ فرنسا | تسجيلي (2026)

الفيلم الفائز بذهبية «ڤيزيون دو ريل»

لا تسعى المخرجة يا تشن إلى تقديم نظرة تعاطفية أو توجيه نقد لأي طرف في عرضها لمصير الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في مدينة برشلونة.

«من فجر لفجر» (ڤيزيون دو ريل)

ما تقدمه هو سرد عن شقيقها، أ. ون، الذي كان يطمح لتحقيق حلمه في العيش في خطر. وفق ما تكشفه المخرجة، كان شقيقها معجباً بحياة أفراد العصابات وانضم إلى واحدة منها، ولاحقاً أدار نادي قمار غير مرخّص في شقة تحت الأرض، ثم دخل السجن. وبعد أن أنهى مدة عقوبته، افتتح مطعماً.

التوليف عدو أسلوب المخرجة؛ فهي تريد منح شخصية شقيقها وكل شخصية الوقت الكافي لتقديم نفسها، حتى على حساب إيقاع الفيلم ووحدته.

الشخصيات تتراوح بين جيلين: المهاجرون الأوائل والجدد. المشاهد تتضمن حوارات مطوّلة، لكنها تعكس رغبة المخرجة في التعريف بكل شخصية ومشاعرها، مع الحفاظ على موقف حيادي ناعم وعاطفي. ومع ذلك، كان بالإمكان تحسين العمل عبر ممارسة قدر أكبر من التحكم الفني.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز