رئيس «يونيتامس» إلى السودان: لسنا مستعمرين جدداً

فولكر بيرتس قال لـ«الشرق الأوسط» إن الشراكة بين العسكر والمدنيين «زواج عقل» وليس حباً

فولكر بيرتس رئيس بعثة «يونيتامس» الأممية إلى السودان (تصوير: مبارك الكردي)
فولكر بيرتس رئيس بعثة «يونيتامس» الأممية إلى السودان (تصوير: مبارك الكردي)
TT

رئيس «يونيتامس» إلى السودان: لسنا مستعمرين جدداً

فولكر بيرتس رئيس بعثة «يونيتامس» الأممية إلى السودان (تصوير: مبارك الكردي)
فولكر بيرتس رئيس بعثة «يونيتامس» الأممية إلى السودان (تصوير: مبارك الكردي)

قال الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (يونيتامس)، فولكر بيرتس، إن المجتمع الدولي على استعداد لمساعدة السودان، ليستمر الانتقال السياسي ويفضي إلى تحول ديمقراطي حقيقي، مع استمرار عملية السلام، ومشاركة الأطراف غير الموقِّعة على اتفاقيات سلام في العملية الانتقالية.
وأوضح فولكر في مقابلة من «الشرق الأوسط»، أن بعثته صغيرة بمهام كبيرة، ولا تقوم بتمويل أي مشاريع تنموية، لكنها تسهم في حثِّ المجتمع الدولي على مساعدة السودان، وتيسير الحصول على المساعدات.
وكشف فولكر عن إجراء مشاورات تمهيدية لتوحيد مقاتلي الفصائل المسلحة، التي قدِمت من الخارج، في جيش واحد، مشيراً إلى أن الأمر في غاية الحساسية، وأن الأجهزة المختصة بهذا الشأن لديها تحفظات على ما تسميه التدخل الأجنبي.
وقال إن النزاع الإثيوبي الداخلي، والحرب في إقليم «تيغراي»، فرضا أعباء إضافية على السودان، وبسببهما استقبلت أراضيه أكثر من 70 ألف لاجئ إثيوبي، ورغم ظروفه قدم السودان مساعدات كثيرة للاجئين، إلى جانب الأمم المتحدة.
واستبعد الممثل الأممي أي احتمالات لتغيير مهمة البعثة من الفصل السادس إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وقال: «إن ذلك لن يحدث، ولن أشارك في أي محاولة لتغيير في مضمون مهمة البعثة»، فضلاً عن أن بعثته ليست تدخلاً أجنبياً في السودان، ولا تشكل نوعاً من أنواع الاستعمار، وأنه ليس حاكماً عاماً للسودان كما تردد وسائط التواصل الاجتماعي.
> أين وصلت البعثة في إنفاذ مهمتها الرئيسية بدعم الانتقال في السودان؟
- بعثة الأمم المتحدة المتكاملة (يونيتامس) لدعم المرحلة الانتقالية في السودان جاءت بطلب من الحكومة السودانية، وبناءً على مضامين الوثيقة الدستورية واتفاقية السلام، للمساعدة في الانتقال السياسي، بما في ذلك الانتخابات وكتابة الدستور، وتأسيس دولة حكم القانون، وإنفاذ وتطبيق اتفاقية السلام، والمساعدة في المفاوضات المقبلة وبناء السلام، ودعم ومساندة السودان للحصول على مساعدات ومعونات خارجية، ومساعدة مفوضية مكافحة الفساد، فضلاً عن تقديم المساعدات الفنية الممكنة للحكومة.
> ما الآليات والأدوات التي تعتمدها البعثة في عملها؟
- تعمل البعثة مع الحكومة والسلطة الانتقالية والمجتمع المدني والمؤسسات الحزبية، وهي بعثة صغيرة جداً، لكن مهامها كبيرة. وحتى الآن هناك نحو 50 شخصاً منها موجودين في السودان. وتعمل البعثة بشكل تكاملي مع وكالات ومؤسسات الأمم المتحدة الموجودة في السودان، وتشارك هذه الوكالات في وضع وتنفيذ البرامج المختصة، كالإحصاء السكاني، والانتخابات والدستور. وسيكون للبعثة قسم للمساعدة على الانتخابات، لتدريب الخبراء في مؤسسات الدولة والموظفين المختصين في لجان الانتخابات، وتدريب المرشحين والمرشحات، كما ستساعد في كتابة قانون الانتخابات. كل هذه المهام ستقوم بها البعثة بالتنسيق مع وكالات متخصصة في الأمم المتحدة.
> ما حجم البعثة الفعلي؟
- الحجم المقرر للبعثة هو 269 موظفاً، حسب الميزانية المرصودة من اللجنة المختصة في الأمم المتحدة. ونسعى للاستعانة ببعض الخبراء الإضافيين، ويساعدنا في ذلك بعض الدول في الأمم المتحدة، وسيكتمل حجم البعثة في العام المقبل.
> أليس هذا الحجم قليلاً مقارنةً بمهام البعثة؟
- بالتأكيد، البعثة صغيرة جداً، بمهام واسعة وكبيرة، وهي لا تتضمن قوات لحفظ السلام، بل لدينا، فقط، خبراء في السياسة وحقوق الإنسان وحماية المدنيين والانتخابات والدستور. بعثة «يونيتامس» لا تقوم بتمويل مشاريع، وهذه ليست وظيفتها، لأن هذه برامج ينفّذها بعض الوكالات المختصة في الأمم المتحدة، أو عن طريق دول خارجية تريد مساعدة السودان. أحياناً، نتوسط هذه الدول والحكومة السودانية لتحصل الحكومة على المساعدات والمعونات الخارجية.
> ما حجم ميزانية البعثة؟
- تُقدَّر ميزانية البعثة بنحو 30 مليون دولار.
> هل هي كافية؟
_ لا أبداً، ليست كافية، لكن البعثة تعمل على قاعدة الإمكانات الموجودة، وما دامت لا تقوم بتمويل مشاريع أو برامج إنمائية، نستطيع أن نشتغل بشكل فاعل حتى مع طاقمٍ صغيرٍ وميزانية صغيرة نسبياً.
> كيف تقيِّم تعاون الأجهزة المختلفة مع مهمة البعثة؟
- منذ وصولنا شرعنا في بناء علاقات مع السلطات الانتقالية، ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، ورئيس الحكومة عبد الله حمدوك، والقضاء والنيابة العامة، وحتى مع منظمات المجتمع المدني، وكذلك مع الصحافة والإعلام. وللإعلام دور فاعل ومهم في التطورات الداخلية، وصوت الصحافة مهم جداً في المرحلة الانتقالية.
وقد أقمنا علاقات مع بعض الجامعات ومراكز السلم والتنمية. وهناك خبراء سودانيون نريد أن يتعاونوا معنا لخلق شراكة طبيعية في مساعدة البلاد للتقدم في الانتقال السياسي. وطيلة الأشهر الماضية، كنا نبني علاقات لاستكشاف وفهم الأوضاع في البلاد، كما قمنا بزيارات إلى ولايات دارفور والشرق والجزيرة، وبدأنا التعاون مع وزارة الداخلية واللجنة الوطنية لحماية المدنيين.
في الميزانية هنالك 21 شرطياً وصل منهم 12 تم ابتعاثهم إلى دارفور ليعملوا على تدريب الشرطة وإعداد المدربين في مجالات مهمة، مثل التحقيقات ومكافحة العنف الجنسي وحماية المدنيين. ونرى أن تمكين الشرطة السودانية من أهم وظائف البعثة، لأننا على قناعة بأن دور الدولة الحقيقي هو حماية المدنيين، والجهاز الذي يحمي المواطنين هو «الشرطة» وليست الميليشيات أو الجيش، وفي أي دولة متطورة يتجه المواطنون إلى جهاز الشرطة.
> هل بدأت البعثة مشاورات في توحيد الجيوش حسب الوثيقة الدستورية واتفاق سلام جوبا؟
- هنالك مشاورات تمهيدية في هذا الشأن. فخلال الأشهر الماضية وصل مقاتلون من بعض التنظيمات العسكرية، من ليبيا وغيرها، إلى الخرطوم. وهنالك مناقشات وخطوات أولية لتأسيس قوات مشتركة لحماية المدنيين في دارفور. حتى الآن، ليس للبعثة دور مباشر في هذه العمليات، لكننا نرفع صوتنا لتسمعه التنظيمات المسلحة والسلطات. فليس لديَّ سلاح غير صوتي وكلماتي.
> أنت مدعوم من المجتمع الدولي.
- وسيلتي هي صوتي في مجلس الأمن الدولي، ونعطي نصائح للسلطات السودانية وشركاء السلام، لكننا ندرك أن مسألة توحيد الجيوش في غاية الحساسية، والأجهزة المختصة بهذا الشأن لديها تحفظات معينة تجاه ما يسمونه التدخل الأجنبي.
> هل لمست استعداداً أو تناغماً بين مكونات السلطة، من المدنيين والعسكريين، إزاء الانتقال السياسي؟
- تحليلي لهذه المسألة هو أن التعاون بين المكونات المختلفة ليس نتيجة «زواج حب»، لكنه «زواج عقل»، والطرفان انتبها باكراً إلى أن أحدهما لا يمكنه السيطرة على الأوضاع دون الآخر. لذلك، بمساعدة المجتمع الدولي وفاعلين خارجيين، توافقا على شراكة في السلطة، وهي تجربة غير موجودة في الدول المحيطة، التي بعد مرور 10 سنوات من اندلاع الثورات والانتفاضات في الدول العربية، لم تتوصل إلى شراكة في السلطة أو تحولٍ ديمقراطي، بل وصلت إلى حروب داخلية أو إلى سلطوية جديدة. بالتأكيد، هناك تناقضات ومتناقضات، لكن الشيء الأهم في السودان هو أنه قدم لدول الجوار والمحيط الإقليمي نموذج هذه الشراكة. فهي حتى لو كانت صعبة، لكنها فعّالة ويمكن أن تمضي إلى الأمام. ووظيفتي أن أساعد السودانيين على الحفاظ على هذه الشراكة.
الآن، المعادلة أصبحت أكثر صعوبة. فبعد أن كان هناك طرفان هما العسكريون من جهة، والمدنيون في قوى الحرية والتغيير من الجهة الأخرى، أصبح يوجد أكثر من طرف. وقد حدث «تشتت» داخل معسكر «الحرية والتغيير»، ودخلت الجماعات العسكرية التي وقّعت على اتفاقية «جوبا» كطرف ثالث في الشراكة، ما جعل المعادلة أصعب. لكن في الوقت نفسه، من المهم جداً أن تصبح كل هذه المكونات داخل المعادلة، وتستمر في الحفاظ على هذه الشراكة.
> يرى البعض أن وجود البعثة هو الضمانة لعدم ارتداد نظام سلطوي ديكتاتوري، أو العودة إلى حكمٍ عسكري. إلى أي مدى يمكن أن تسهم البعثة في الانتقال الآمن في السودان؟
- ليس للبعثة قوات عسكرية، ولا يمكن أن تفرض إرادة دولية أو أن أفرض إرادتي. فنحن نسهم في الحوار السياسي بين الأطراف، ونرفع أصواتنا للتعبير عن مواقفنا ونقدم النصائح، وهذا أمر مهم، لأن السودان قرر أن يكون عضواً فعالاً في المجتمع الدولي، وهي عملية صعبة لكنها مهمة لإعادة ترتيب علاقاته الخارجية، السياسية والاقتصادية.
الأمم المتحدة وبعثة «يونيتامس» تسهم بشكل فعال في إعفاء السودان من الديون الخارجية، عن طريق الإصلاحات الداخلية، والعلاقات مع الخارج. وهي على استعداد لمساعدة السودان، شريطة استمرار الانتقال السياسي، ليُفضي إلى تحول حقيقي واستمرار عملية السلام، بمشاركة الأطراف غير المشاركة حتى الآن.
> كيف يمكن أن تؤثر المتغيرات المستجدة، مثل أزمة سد النهضة والتوتر على الحدود الشرقية مع إثيوبيا، على مهمة البعثة؟
- التغيرات في المحيط الجيوسياسي للسودان، وأزمة إقليم «تيغراي» الإثيوبي، أضافت أعباء جديدة عليه، تتمثل في أكثر من 70 ألف لاجئ إثيوبي دخلوا أراضيه. صحيح أن الأمم المتحدة، عبر وكالة اللاجئين، قدمت مساهمات كبيرة، لكن السودان ساعد كثيراً في هذه الأزمة.
ويؤثر الصراع الداخلي الإثيوبي، بما في ذلك النزاع الحدودي بين السودان وإثيوبيا، على السودان. ودوري، كممثل خاص للأمم المتحدة، إبلاغ الأمين العام بهذه التطورات. لكنني لا أملك سلطة لعب دور في الوساطة بين البلدين، لأن هذه المهمة هي من صلاحيات الأمين العام. ومن المؤكد أنني لو تدخلت، سينظر الإثيوبيون إليَّ كطرف غير محايد.
ففي قضية «سد النهضة»، اقترح السودان الوساطة الرباعية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، لكن يبدو أن إثيوبيا غير مقتنعة بهذا الاقتراح. لكن، من حيث المبدأ، الأمم المتحدة قبلت الاقتراح السوداني.
> إلى أي مدى يمكن أن يؤثر انسحاب قوات حفظ السلام المشتركة (يوناميد) من إقليم دارفور على مهام بعثتكم؟
- لم يتبقَّ لبعثة «يوناميد» مهام في السودان. والعناصر الباقية تؤدي مهام لوجيستية محددة، ولا دور لها في حماية المدنيين، بل هم يحمون أنفسهم فقط، وقد شرعوا في الانسحاب وتسليم المعسكرات والمباني إلى السلطات. وبالتأكيد سيكون هناك أثر لانسحاب «يوناميد»، فمهمتها في حماية المدنيين في معسكرات النازحين داخلياً، تقوم بها حالياً الشرطة وأجهزة الأمن السودانية. ومع ذلك، رأينا النزاعات في مدينة «الجنينة» في ولاية غرب دارفور وغيرها من المناطق، لأن حماية المدنيين مهمة كبيرة جداً، وتمثل تحدياً للأجهزة الرسمية السودانية. وقد سمعتُ الكثير من الآراء التي كانت تتمنى استمرار بعثة «يوناميد»، لكن القرار اتُّخذ في مجلس الأمن ولا رجعة فيه، ومسؤولية المجتمع الدولي أن يساعد في بناء قدرات الحكومة السودانية لتقوم بمهمة حماية المدنيين. فقدرات الشرطة السودانية في دارفور دون المطلوب، وهناك ضرورة حقيقية لبناء قدرات هذه القوات بالتدريب، ونحن نقوم بجزء من هذه المهمة. بعض المسؤولين السودانيين لم يلحظوا حجم التحدي الناتج عن انسحاب قوات «يوناميد»، وما قد يحدث للمعسكرات التي سلّمتها البعثة للسلطات السودانية. فقد شهدت المباني عمليات نهب حالت دون استفادة المجتمع المحلي منها. هذه مسائل تؤثر على صورة السودان الخارجية.
> ما الصعوبات التي تواجه بعثة «يونيتامس»؟
- بسبب تاريخ معقّد بين السودان والبعثات المختلفة، راجت شائعات من جهات معينة بأننا «مستعمرون جدد»، أو أنني حاكم عام للسودان. وأنا أطَّلِع على هذه الشائعات في مواقع التواصل الاجتماعي، لكنني لا أوليها أهمية. فأنا رئيس بعثة، ومنسّق بين كل وكالات الأمم المتحدة، ولست حاكماً، ولا سلاح لديّ ولا قوة حفظ سلام. فأقوى أسلحتي هي كلمتي وتقريري.
هذه الشائعات التي يتم ترديدها أحياناً، ليست موجهة ضدي، وإنما يوجهها طرف داخلي سوداني ضد طرف داخلي آخر، ويستخدمون «يونيتامس» ككرة قدم بينهم. وعادةً، لا أردّ على مثل هذه الشائعات.
نحن الآن في المرحلة الأخيرة من التفاوض مع الحكومة السودانية على وضع البعثة، فنحن بعثة دبلوماسية ولسنا سفراء لأي دولة، وعادةً تتفاوض الأمم المتحدة مع الدول في ذلك، وقد أخذ هذا الأمر وقتاً أكثر من المتوقع، لكننا توصلنا، تقريباً، إلى اتفاق، وأتوقع بعد أسبوع توقيع الاتفاق مع الحكومة.
> هل لدى البعثة أي اتصالات مع الحركات التي لم تشارك في مفاوضات السلام؟
- نحن على اتصال معهم، وسألتقي خلال زيارتي لجوبا (وصل بيرتس لاحقاً إلى جوبا) الوسطاء في دولة جنوب السودان، والأطراف التي لم توقِّع على اتفاقية سلام، والممثلين عن حركتي عبد العزيز آدم الحلو وعبد الواحد النور.
> هل تواصلتم مع رئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد النور؟
- نعم، هناك اتصالات لا أستطيع الاسترسال في تفاصيلها، أما فيما يتعلق بحركة عبد العزيز الحلو، فستبدأ المفاوضات في 24 مايو (أيار) الجاري، وستكون البعثة موجودة بصفة «ميسِّر» للتفاوض، وسنناقش مع الوسطاء والحركة تفاصيل مساهمتنا في طاولة التفاوض.
> السودان على أعتاب مؤتمر الشركاء في باريس. هل للبعثة دور في المؤتمر؟
- ستشارك «يونيتامس» في المؤتمر، وسيلقي الأمين العام للأمم المتحدة خطاباً. وقد قدمنا بعض النصائح والاستشارات للحكومة والقطاع الخاص.
> هل هناك احتمالات بنقل مهمة «يونيتامس» من الفصل السادس إلى الفصل السابع، وفي أي ظروف يتم ذلك؟
- لن يحدث هذا لأسباب عدة. فالدولة المضيفة لا تريد ذلك، وأي مشروع قرار بهذا الصدد يحتاج للحصول على عدد الأصوات المطلوبة في مجلس الأمن، وموافقة الدول الخمس دائمة العضوية. وأنا لن أشارك في أي محاولة لتغيير مهمة البعثة، لأنني جئت وفقاً لنص القرار 2524، أي كبعثة سياسية خاصة تساعد السودان، وليست بعثة سلام تأتي ضد إرادة السودانيين. وأنا واثق من أن هذا الأمر لن يحدث.



مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
TT

مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)

يعيش اليمنيون في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حالة من الترقب على وقع الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتتزايد مخاوفهم من وصول آثار هذه المواجهة إليهم في حال ذهب الحوثيون إلى المشاركة فيها، والتسبب في مزيد من المعاناة على مختلف المستويات.

وبينما يبدي السكان في مناطق سيطرة الجماعة، قلقاً واضحاً من حدوث تأثيرات على الأوضاع الاقتصادية في ظل ما تشهده هذه المناطق من تدهور معيشي وخدمي، ظهرت ملامح نزوح من المدن الرئيسية أو داخلها، خصوصاً من المناطق القريبة من المواقع العسكرية والمقرات والمنشآت التابعة للجماعة، خوفاً من تعرضها للقصف.

وترتبط هذه المخاوف باحتمال عودة التوترات والاضطرابات إلى البحر الأحمر، على الرغم من أن الجماعة الحوثية لم تدخل المواجهة الدائرة حالياً في المنطقة، واكتفت بتصريحات وتلميحات بالمشاركة فيها، ووصف العملية الأميركية - الإسرائيلية بالانتهاك الصارخ لسيادة إيران والتجاوز الخطير للأعراف والقوانين الدولية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، أن عدداً من الناشطين السياسيين والإعلاميين والأفراد المنتمين إلى الأحزاب أو المنظمات الحقوقية، لجأوا إلى مغادرة المدن الرئيسية التي تسيطر عليها الجماعة، والانتقال إلى منازل أقاربهم في الأرياف، أو في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها خوفاً من اتهامهم بالتجسس، في حال مشاركة الجماعة في الحرب الدائرة.

مظاهرة حوثية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء بعد مقتل علي خامنئي (إعلام حوثي)

ومقابل مغادرة هؤلاء الناشطين يعجز العشرات من نظرائهم وزملائهم عن الاقتداء بهم، نظراً لوضعهم تحت الإقامة الجبرية وإخضاعهم للرقابة وتقييد تحركاتهم.

هواجس الاعتقال والاتهام

في ظل هذه المخاوف والقيود الحوثية، يخضع العشرات من العاملين في الوكالات الأممية والمنظمات الدولية، إضافة إلى مئات من الناشطين السياسيين والحقوقيين للإقامة الجبرية وإجراءات رقابة مشددة، ويخشى هؤلاء من تعرضهم للاعتقال وتوجيه اتهامات لهم بالتجسس على غرار ما يواجهه نظراؤهم في السجون.

وتتضاعف هذه المخاوف في ظل الاتهامات للجماعة باتباع هذا النهج، لتأكيد مزاعمها بوجود مؤامرة كبرى عليها، وتبرير الخسائر التي تلحق بها، إلى جانب استغلالها سابقاً للضربات الأميركية والإسرائيلية لتوسيع حملات الاعتقالات وتبريرها.

السكان في مناطق سيطرة الحوثيين متخوفون من نقص الوقود جراء الحرب الإقليمية (رويترز - أرشيفية)

وكانت الجماعة الحوثية اعتقلت خلال الأعوام الماضية، عشرات العاملين في المنظمات الأممية والدولية، إضافة إلى عشرات آخرين من السكان في مختلف المهن والتخصصات، ووجهت لهم تهماً بالتجسس والتخابر لصالح دولاً خارجية، ونقل إحداثيات المواقع التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأصدرت محاكم حوثية أحكاماً قاسية، بحق عدد من هؤلاء المختطفين، بعد محاكمات وصفتها جهات حقوقية بغير العادلة والمسيسة.

واكتفى زعيم الجماعة الحوثية بإعلان وقوف جماعته مع إيران، وعدّ الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها استهدافاً مباشراً لـ«محور المقاومة»، مؤيداً الهجمات الإيرانية على مختلف الدول في المنطقة، وتوعد بمواصلة المواجهة مع إسرائيل، واستمرار «التأهب والاستعداد» لأي خيارات ضرورية تفرضها طبيعة المواجهة الحالية.

وكشفت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداداً كبيرة من العائلات بدأت التحضير للنزوح من قرب المعسكرات والمقرات الأمنية التابعة للجماعة الحوثية، خصوصاً تلك التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي خلال العام الماضي، وأن أغلب هذه العائلات كانت ممن تعرضت مساكنها لأضرار أو تعرض بعض أفرادها لمخاطر ذلك القصف.

المخاوف تتزايد في أوساط اليمنيين من تصعيد الحوثيين حملات الاعتقالات واتهامات التجسس (إ.ب.أ)

واستهدفت إسرائيل بالضربات الجوية عدداً من المنشآت الحيوية والاقتصادية عدة مرات خلال العام الماضي، وتسببت ضرباتها في سقوط مدنيين وإصابة بنايات سكنية بأضرار متفاوتة، إلى جانب اغتيال عدد من قيادات الجماعة وتدمير مقرات ومنازل خاصة بها.

مخاوف السلامة والمعيشة

على الرغم من أن الضربات الأميركية استمرت نحو شهرين خلال ربيع العام الماضي، فإنه لم تُسجّل إصابات في أوساط المدنيين سوى في مرات معدودة وعلى نطاق محدود.

ويقول أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إنه، ومنذ بدء التحضيرات الأميركية - الإسرائيلية للحرب الجارية الآن، بدأ هو وعدد من أقاربه التحضير للانتقال إلى منازلهم في الريف، بعد أن عاشوا صدمة قاسية وأوقاتاً صعبة خلال استهداف الطيران الإسرائيلي لمقر الإعلام الحربي التابع للجماعة وسط العاصمة المختطفة صنعاء في سبتمبر (أيلول) الماضي، بسبب وقوع منازلهم هناك.

منذ سنوات تواصل الجماعة الحوثية إعلان تمسكها بدورها ضمن المحو الإيراني (إ.ب.أ)

من جهته، يبدي محمود، وهو طالب دراسات عليا في صنعاء، قلقاً شديداً من عودة الجماعة الحوثية للمواجهة مجدداً مع إسرائيل، نظراً لفقد أحد أصدقائه في استهداف إسرائيلي سابق، وتسبب تلك الحادثة في صدمة شديدة لوالدته وحالة طبية لم تتعافَ منها حتى الآن.

ويبين لـ«الشرق الأوسط»، أنه كان على موعد مع صديقه في مؤسسة بالقرب من المبنى لإجراء أبحاث خاصة بدراستهما، إلا أن تأخره عن الوصول إلى المكان أنقذه من مصير صديقه الذي أصيب في القصف وتوفي في الحال، وبمجرد سماع والدته بالحادثة تعرضت للإغماء ونُقلت إلى المستشفى، حيث اتضح تعرضها لجلطة دماغية.

وشهدت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وعدد من المدن التي تخضع لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، عودة للطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، في حين شهدت الأسواق حركة شراء متزايدة، رغم عدم ظهور بوادر أزمات تموينية بعد أيام من اندلاع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط نهاية فبراير (شباط) الماضي.

مجمع الأمم المتحدة في صنعاء حيث اعتقل الحوثيون العشرات من موظفي المنظمة (رويترز)

وذكر شهود لـ«الشرق الأوسط»، أن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي ليست طويلة، وتشهد تفاوتاً بين حين وآخر ومن محطة لأخرى، وتضاعفت حركة الشراء في أسواق المواد الغذائية بشكل لم يكن مشهوداً منذ أشهر، بما في ذلك عند دخول شهر رمضان، بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

وطبقاً للمصادر، فإن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز، ورغم أنها لم تكن طويلة أو شديدة الازدحام، فإن ظهورها في هذه الفترة يزيد من حالة القلق والترقب، ويدفع مزيداً من السكان إلى الالتحاق بها مع مرور الوقت.


زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
TT

زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)

في تطور لافت في خطاب الجماعة الحوثية تجاه الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لوّح زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الخميس، بالانخراط في الحرب إلى جانب النظام الإيراني، مؤكداً أن مقاتليه «أيديهم على الزناد»، وأن الجماعة «ستتحرك في أي لحظة تقتضيها التطورات».

وجاءت تصريحات الحوثي، الخميس، خلال محاضراته الرمضانية اليومية؛ إذ أعلن الوقوف إلى جانب إيران. وقال إن الجماعة «تتحرك في مختلف الأنشطة، وأيديها على الزناد فيما يتعلق بالتصعيد والتحرك العسكري في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك»، زاعماً أن المعركة الدائرة «هي معركة الأمة كلها».

وأشاد الحوثي في الوقت نفسه بما وصفها بـ«العمليات القوية» التي نفّذها «حزب الله» اللبناني، لافتاً إلى أن الفصائل العراقية الموالية لإيران «تواصل عملياتها العسكرية». كما دعا أنصاره إلى الخروج في مظاهرات حاشدة، الجمعة، في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الجماعة.

وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من انتظار لافت في موقف الجماعة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو ما فسره مراقبون بحسابات سياسية وعسكرية معقدة تتعلق بمخاطر الانخراط المباشر في مواجهة إقليمية واسعة.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء داعمة للنظام الإيراني (أ.ف.ب)

ترسانة صاروخية

تحولت الجماعة الحوثية خلال السنوات الأخيرة من حركة تمرد محلية إلى قوة عسكرية تمتلك قدرات تسليحية متقدمة نسبياً، جعلتها إحدى أبرز أذرع إيران في المنطقة.

وتشير تقديرات مراكز دراسات عسكرية إلى أن الجماعة تمتلك ترسانة متنوعة من الصواريخ الباليستية والجوالة، بعضها مطور محلياً انطلاقاً من نماذج إيرانية على أيدي خبراء إيرانيين ومن «حزب الله» اللبناني.

وتشمل هذه الترسانة صواريخ بعيدة المدى مثل «طوفان»، الذي يُقدّر مداه بما يتراوح بين 1350 و1950 كيلومتراً، بالإضافة إلى صواريخ «فلسطين» الجوالة في نسخها المختلفة التي يمكن أن يصل مداها إلى نحو 2000 كيلومتر.

أحد الصواريخ ضمن ترسانة الحوثيين خلال استعراض في صنعاء (رويترز)

أما الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى فتشمل منظومات «بركان» المشتقة من عائلة الصواريخ الإيرانية «شهاب» و«قيام»، التي تصل مدياتها إلى نحو 1200 كيلومتر، إلى جانب صواريخ «بدر» قصيرة المدى.

كما طوّرت الجماعة صواريخ مضادة للسفن، مثل «عاصف» و«تنكيل»، وهي نسخ معدلة من صواريخ إيرانية مزوّدة برؤوس حربية ثقيلة، مما منح الحوثيين قدرة على استهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن خلال مدة انخراطهم في الحرب على غزة.

سلاح المسيرات

تُعدّ الطائرات المسيرة الركيزة الأساسية في الاستراتيجية العسكرية للحوثيين، نظراً إلى انخفاض تكلفتها مقارنة بالصواريخ الباليستية وقدرتها على إحداث تأثيرات اقتصادية ونفسية كبيرة.

ومن أبرز هذه المنظومات طائرات «صماد» في نسخها المختلفة، ولا سيما «صماد-3» الانتحارية التي يصل مداها إلى ما بين 1500 و1800 كيلومتر، وقد طُورت نسخ منها لقطع مسافات أبعد. كما ظهرت نماذج أحدث مثل «صماد-4» القادرة على حمل ذخائر موجهة.

أحد أنواع الطائرات المسيّرة الحوثية التي تطلق عليها الجماعة «يافا» (إعلام حوثي)

وتستخدم الجماعة أيضاً طائرات «وعيد» الانتحارية التي تشبه إلى حد كبير الطائرة الإيرانية «شاهد-136»، ويُقدر مداها بما يتراوح بين 2000 و2500 كيلومتر. كما تنتشر طائرات «قاصف-2K» قصيرة المدى التي تستخدم بكثافة في العمليات التكتيكية.

ويقول خبراء عسكريون إن فاعلية هذه المسيرات لا تكمن في قدرتها التدميرية فقط، بل في قدرتها على إرباك الدفاعات الجوية وإحداث خسائر اقتصادية كبيرة عبر استهداف السفن أو المنشآت الحيوية بتكاليف منخفضة نسبياً.

قدرات بحرية

شهدت القدرات البحرية للحوثيين تطوراً ملحوظاً خلال العامين الماضيين؛ إذ أدخلت الجماعة بدعم من خبراء إيرانيين تقنيات جديدة تشمل الزوارق المسيرة والألغام البحرية المتطورة.

وتضم هذه القدرات زوارق انتحارية مسيرة مثل زورق «طوفان»، وهي زوارق سريعة محملة بمتفجرات يمكن التحكم بها عن بعد، بالإضافة إلى مركبات غاطسة مسيرة قادرة على استهداف السفن من الأسفل لتجاوز أنظمة الرصد السطحية.

كما يمتلك الحوثيون أنواعاً متعددة من الألغام البحرية التي تُزرع في الممرات الملاحية، وهو ما يشكّل تهديداً مستمراً لحركة التجارة الدولية في البحر الأحمر.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانة أسلحتهم الموجهة ضد الملاحة (إعلام حوثي)

وحسب تقديرات عسكرية، يعتمد الحوثيون على منصات إطلاق متنقلة مخفية داخل شبكة واسعة من الأنفاق والكهوف في مناطق شمال وغرب اليمن.

وإلى جانب ذلك يملك الحوثيون ترسانة من الأسلحة التقليدية موجهة باتجاه الداخل، مع وجود أكثر من 300 ألف مجند في صفوف الجماعة، فضلاً عن مسلحي القبائل الموالين حيث تنفق الجماعة معظم الموارد في مناطق سيطرتها على التجنيد والتعبئة منذ سنوات.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، قد وصف الجماعة بأنها «مسلحة حتى الأسنان» بأسلحة إيرانية محظورة دولياً، لافتاً إلى أنها تحولت من حركة تمرد محلية إلى «منظمة إرهابية عابرة للحدود» تمتلك ترسانة متطورة.

ويرى مراقبون أن أي قرار حوثي بالانخراط المباشر في الحرب الدائرة في المنطقة قد يفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.


الحكومة اليمنية تقرّ برنامج عمل شاملاً لعام 2026

مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تقرّ برنامج عمل شاملاً لعام 2026

مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)

أقر مجلس الوزراء اليمني، مشروع برنامج عمل الحكومة لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها تمثل إطاراً تنفيذياً لمرحلة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية، وتعزيز الاستقرار السياسي والخدمي في البلاد، وذلك خلال اجتماع للحكومة في العاصمة المؤقتة عدن.

ويرتكز مشروع البرنامج على الالتزام بالهدف العام للدولة المتمثل في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتخفيف معاناة المواطنين، مع التركيز على انتظام دفع الرواتب، وترشيد الإنفاق العام، وحماية العملة الوطنية، وتهيئة الحد الأدنى من اليقين الاقتصادي لضمان استدامة الاستقرار وانعكاسه على حياة المواطنين.

وتترجم خطوة الحكومة اليمنية ما أفصح عنه رئيسها في حوار موسع مع «الشرق الأوسط بودكاست» غداة أداء حكومته اليمين الدستورية في فبراير (شباط) الماضي إنه يرنو لبناء حقيقي.

كما ينطلق البرنامج من رؤية سياسية وإدارية واضحة تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة ورفع كفاءة الأداء الحكومي وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، عبر حزمة إصلاحات هيكلية ومؤسسية شاملة تركز على تحسين الإدارة العامة وتعزيز الشفافية وربط الأداء الحكومي بمؤشرات قياس واضحة.

وحدد برنامج عمل الحكومة اليمنية لعام 2026 ست أولويات استراتيجية متكاملة تشكل الإطار العام للسياسات الحكومية خلال المرحلة المقبلة، في مقدمتها ترسيخ الاستقرار السياسي والأمني، وبسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني.

الحكومة اليمنية تواجه تحديات متشابكة على أصعدة الأمن والاقتصاد والخدمات (سبأ)

كما تشمل الأولويات تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي، واستعادة النمو الاقتصادي المستدام والمنصف، إلى جانب الحفاظ على استدامة الخدمات الأساسية وتحسين جودتها وضمان عدالة الوصول إليها لجميع المواطنين.

وتضمنت الأولويات أيضاً تعزيز الحوكمة المؤسسية والتحول الرقمي وسيادة القانون، إضافة إلى دعم التماسك المجتمعي، وتمكين رأس المال البشري، فضلاً عن تعزيز الشراكة الفاعلة مع المجتمع الدولي، وتطوير علاقات التعاون التنموي والدبلوماسي بما يسهم في تحقيق التعافي والتنمية.

وأشاد مجلس الوزراء اليمني - بحسب الإعلام الرسمي - بجهود اللجنة الوزارية التي تولت إعداد البرنامج برئاسة وزير الإدارة المحلية، مؤكداً أهمية استيعاب الملاحظات التي قدمها أعضاء المجلس بهدف تطوير البرنامج وضمان قابليته للتنفيذ خلال الفترة المقبلة.

التزام وطني

أكد رئيس مجلس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني أن مشروع برنامج عمل حكومته لعام 2026 لا يمثل وثيقة نظرية أو إعلاناً سياسياً عاماً، بل يعد التزاماً وطنياً واضحاً أمام الشعب اليمني ومجلس القيادة الرئاسي والشركاء الإقليميين والدوليين.

وأوضح أن الحكومة تعمل وفق منهج واضح يقوم على تحديد الأولويات، وربط الأهداف بالإمكانات المتاحة، ضمن مقاربة واقعية تراعي الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية المعقدة التي تمر بها البلاد.

وأشار الزنداني إلى أن البرنامج يشكل الإطار التنفيذي الذي سيحول الموازنة العامة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، من خلال ترجمة التوجهات العامة للحكومة إلى برامج عمل محددة زمنياً ومرتبطة بمؤشرات أداء قابلة للقياس.

ولفت إلى أن إقرار البرنامج يأتي بعد أيام قليلة من إقرار مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026، التي وصفها بأنها أول موازنة منتظمة منذ سنوات طويلة بعد أن فرضت الحرب وتعقيدات المرحلة واقعاً استثنائياً أربك أدوات التخطيط المالي، وأثر في انتظام المالية العامة.

وأكد أن إقرار الموازنة يمثل خطوة مهمة في مسار استعادة مؤسسات الدولة لدورها الطبيعي في إدارة الموارد العامة، وتحديد أولويات الإنفاق وفق رؤية مسؤولة ومنهج مؤسسي منضبط.

إصلاحات اقتصادية

أوضح رئيس الحكومة اليمنية أن البرنامج يستند إلى الإطار العام لخطة التعافي الاقتصادي لعامي 2025 – 2026، وإلى قرار مجلس القيادة الرئاسي بشأن أولويات الإصلاحات الاقتصادية، مع الاستفادة من التجارب السابقة، ومراجعة التحديات التي واجهت التنفيذ خلال المرحلة الماضية.

وأشار الزنداني إلى عزم حكومته مواصلة العمل على تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي من خلال ضبط الإنفاق العام وترشيده، وتعزيز الإيرادات العامة، إضافة إلى دعم دور البنك المركزي في حماية العملة الوطنية، وتحقيق الاستقرار النقدي.

الزنداني يترأس اجتماع مجلس الوزراء في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وتسعى الحكومة اليمنية بحسب رئيسها إلى استعادة التوازنات المالية، وكبح التضخم، وحماية القوة الشرائية للمواطنين، مع ضمان انتظام صرف الرواتب، وخلق قدر أكبر من اليقين الاقتصادي في الأسواق.

وأكد الزنداني اعتزام تطوير بيئة الأعمال، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، ودعم القطاعات الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة بما يسهم في خلق فرص عمل، وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً واستدامة.

وفي هذا السياق، أشاد رئيس الحكومة بالدعم الذي تقدمه السعودية ضمن «تحالف دعم الشرعية»، مؤكداً أن المساندة المالية السعودية، خصوصاً دعم عجز الموازنة والمساهمة في تمويل الرواتب، شكلت ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة خلال مرحلة معقدة.

وأوضح الزنداني أن حكومته ملتزمة تحسين واستدامة الخدمات الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب رفع الكفاءة التشغيلية لمؤسسات الخدمات، وإعادة تأهيل البنية التحتية في مختلف المحافظات.

وأشار إلى وجود أولوية خاصة للمناطق الأكثر تضرراً والفئات الأكثر احتياجاً، مشيراً إلى أن العاصمة المؤقتة عدن يجب أن تتحول إلى نموذج حقيقي للدولة من حيث مستوى الإدارة والخدمات والانضباط المؤسسي.

وفي إطار الإصلاح الإداري، شدد رئيس الوزراء اليمني على أن نجاح أي برنامج إصلاحي يتطلب إصلاحاً إدارياً حقيقياً يعزز الحوكمة المؤسسية وسيادة القانون، مشيراً إلى أن الحكومة ستعمل على تطوير الهياكل التنظيمية لمؤسسات الدولة وإصلاح نظام الموارد البشرية على أساس الكفاءة والجدارة.

وأوضح الزنداني أن الحكومة ستسعى إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز التحول الرقمي في العمل الحكومي، إضافة إلى إنشاء لجنة عليا للإصلاح المؤسسي، وتعزيز الحوكمة بما يسهم في ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وربط الأداء بالنتائج.

تعزيز الشراكة الدولية

في سياق آخر، عقد رئيس الوزراء اليمني اجتماعاً عبر الاتصال المرئي مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه وعدد من سفراء الدول الأوروبية، حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون لدعم جهود الحكومة في تنفيذ برنامجها لعام 2026.

الزنداني اجتمع عبر الاتصال المرئي مع سفراء الاتحاد الأوروبي لمناقشة دعم حكومته (سبأ)

وأكد الاجتماع أهمية تكثيف الجهود الدولية لدعم مسار السلام والاستقرار في اليمن، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين لدعم التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة.

وأعرب الزنداني عن تقديره للشراكة الاستراتيجية القائمة مع الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية، داعياً إلى توسيع مجالات التعاون لدعم الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية والإنسانية الراهنة.

ونقل الإعلام الرسمي أن السفراء الأوروبيين أكدوا دعمهم الكامل للحكومة اليمنية وخططها للإصلاح، مشيدين بإقرار مشروع الموازنة العامة وبرنامج عمل الحكومة لعام 2026 بوصفهما خطوتين مهمتين في مسار الإصلاح المؤسسي، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.