ليندركينغ في جولة وقف التصعيد بمأرب وتشجيع الملف الإنساني

مسؤول غربي لـ«الشرق الأوسط»: صبر المجتمع الدولي تجاه الحوثيين «بدأ ينفد»

وزير الخارجية الأميركي لدى لقائه تيم ليندركينغ في واشنطن عشية جولته الخليجية (الخارجية الأميركية)
وزير الخارجية الأميركي لدى لقائه تيم ليندركينغ في واشنطن عشية جولته الخليجية (الخارجية الأميركية)
TT

ليندركينغ في جولة وقف التصعيد بمأرب وتشجيع الملف الإنساني

وزير الخارجية الأميركي لدى لقائه تيم ليندركينغ في واشنطن عشية جولته الخليجية (الخارجية الأميركية)
وزير الخارجية الأميركي لدى لقائه تيم ليندركينغ في واشنطن عشية جولته الخليجية (الخارجية الأميركية)

مع استمرار الصراع في المحافظة اليمنية النفطية مأرب، يواصل المجتمع الدولي جهوده في التوسط لإنهاء الصراع هناك ووقف «آلة الحرب»؛ وهو ما دفع بالمبعوث الأميركي تيم ليندركينغ إلى السفر مرة أخرى إلى المنطقة للمرة الخامسة منذ توليه المنصب، وذلك بالتزامن أيضاً مع زيارة للمبعوث الأممي مارتن غريفيث.
وسيعمل المبعوثان على ملف وقف التصعيد في مأرب بالتوازي مع تشجيع الملف الإنساني وفقما علمت «الشرق الأوسط» من مصادر متعددة.
من ناحيته، قال وزير الخارجية وشؤون المغتربين اليمني الدكتور أحمد بن مبارك لـ«الشرق الأوسط»؛ إن هناك جهوداً إقليمية ودولية كبيرة للدفع بإنهاء الحرب وتحقيق السلام في اليمن إلا أنها جميعاً تصطدم حتى اللحظة بتعنت الميليشيات الحوثية واستمرار إصرارها على العمليات العسكرية والهجمات الصاروخية والطيران المسيّر، سواء في مأرب أو على المملكة العربية السعودية. وأضاف: «نأمل أن تنصت هذه الميليشيات لصوت العقل وتنحاز لمصلحة اليمن، خاصة في ضوء النداءات الأخيرة والرسائل الإيجابية من الحكومة اليمنية ومن المملكة العربية السعودية».
وأوضحت وزارة الخارجية الأميركية في بيان أمس، أن المبعوث الخاص تيم ليندركينغ سيزور السعودية وسلطنة عمان، حيث سيعقد اجتماعات مع كبار المسؤولين الحكوميين، ويعمل بالاشتراك مع مبعوث الأمم المتحدة الخاص لليمن مارتن غريفيث، مفيدة بأن مناقشات المبعوث الخاص للولايات المتحدة ليندركينغ ستركز على ضمان التسليم المنتظم ودون عوائق للسلع والمساعدات الإنسانية في جميع أنحاء اليمن، وتعزيز وقف دائم لإطلاق النار.
وأشار البيان إلى أن التسوية التفاوضية والحل السياسي في اليمن أحد أهداف المبعوث الأميركي خلال زيارته، ونقل الأطراف إلى عملية سياسية، كما سيعتمد المبعوث الأميركي الخاص على الإجماع الدولي لوقف هجوم الحوثيين على مأرب، «والذي لا يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة الإنسانية التي تهدد الشعب اليمني».
وقال مسؤول غربي واسع الاطلاع لـ«الشرق الأوسط»، «على الحوثيين أن يدركوا بأنهم لم يكسبوا مأرب، وأن صبر المجتمع الدولي والولايات المتحدة آخذ في النفاد»، في حين علمت «الشرق الأوسط»، أن التوجه الغربي يؤيد فتح ميناء الحديدة للمشتقات النفطية، وسبق أن تحفظ ليندركينغ على إطلاق مصطلح «حصار»، مستدلاً بدخول السلع والأغذية، وأنها ليست ممنوعة من الدخول إلى الحديدة، وذلك في إحاطته الأخيرة للجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي، التي قال فيها أيضاً إنه يثير هذه القضية بانتظام، «وأنه تم السماح لسفن بإفراغ حمولتها في الحديدة، وأن هناك الحاجة إلى المزيد»، وقال متحدث باسم الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط»، إن المبعوث «يواصل إثارة القضية ولكن علينا أيضاً أن نعترف بأن الأزمة الإنسانية لن يتم حلها إلا من خلال حل دائم... وأن كل الأطراف تتحمل المسؤولية».
ويرى باحثون، أن المبادرة السعودية الأخيرة لوقف النار وفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة تضع الحوثيين أمام مأزق، خصوصاً إذا ما تم فتح ميناء الحديدة، ولن يكون لديهم لاحقاً مكان آخر للتهرب من مسألة وقف النار، فهم لم يكبسوا مأرب، والحصار المزعوم الذي تحدثوا عنه لم يعد موجوداً.
وبدا الموقف الأميركي واضحاً جلياً في الأحداث المتسارعة التي يمر بها اليمن، خصوصا وقف العمليات القتالية في مأرب، والتي تشهد تصعيداً حوثياً ضد الجيش اليمني الذي يركز في عملياته العسكرية على الجانب الدفاعي بإسناد التحالف وبعض القبائل.
وكان أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركي، تساءل خلال لقائه بالمبعوث تيم ليندركينغ أول من أمس قائلاً «لماذا يواصل الحوثيون على الحل العسكري في مأرب على الرغم من الأزمة الإنسانية الفظيعة في اليمن»، وذلك في تغريدة له على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر».
وبحسب معلومات «الشرق الأوسط»، فإن الاهتمام الأخير الواضح في المواقف الأميركية التنفيذية والتشريعية على حدٍ سواء تجاه الوضع في مأرب، جاء بعد تحركات مستمرة في أروقة الكونغرس خلال الأيام الماضية لحشد موقف قوي تجاه القتال المستمر في المحافظة اليمنية النفطية.
وتشير المعلومات إلى أن عدداً من المشرّعين الأميركيين في مجلسي الشيوخ والنواب، ناقشوا الوضع الإنساني في اليمن، واستمرار القتال في مأرب؛ وهو ما انعكس ذلك في اهتمامهم بالجلسات التي أجراها تيم ليندركينغ في الكونغرس خلال الإحاطات وجلسات الاستماع الأسبوع الماضي؛ مما دفع بالمبعوث ليندركينغ بالتوجه للمرة الخامسة إلى المنطقة وتكثيف الجهود الدبلوماسية.
ومن المحتمل أن يلتقي ليندركينغ بجماعة الحوثي في عمان، على الرغم من عدم اعترافه بلقائهم رسمياً بخلاف التسريبات الصحافية والتأكيدات من الحوثيين أنهم التقوا به في أواخر فبراير (شباط) الماضي، فإن ليندركينغ قال خلال جلسات الاستماع في الكونغرس الأسبوع الماضي، إنه «التقى بهم في السنوات الماضية»، ولا مانع لديه من لقائهم مستقبلاً.
بدورها، أشارت «رويترز» في تقرير لها، إلى أن معركة منطقة مأرب الغنية بالغاز في اليمن تؤدي إلى تعقيد جهود الولايات المتحدة للتوصل إلى وقف لإطلاق النار ضروري لإنهاء الحرب، وقالت وزارة الخارجية الأميركية، إن ليندركينغ «سيبني على الإجماع الدولي لوقف هجوم الحوثيين على مأرب، والذي لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمة الإنسانية التي تهدد الشعب اليمني».
في الأسبوع الماضي، وصف ليندركينغ المعركة من أجل منطقة مأرب بأنها أكبر تهديد منفرد لجهود السلام، وقال إن دعم إيران لحركة الحوثي «مهم للغاية وقاتل»، بالمقابل نفت إيران دعمها للحوثيين.
وفي مقال على موقع «مجلس العلاقات الخارجية»، قالت الباحثة في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي كالي روبنسون، إنه بسبب إصرار الحوثيين على مواصلة المعارك العسكرية، أدّى الصراع إلى نزوح أكثر من مليون شخص، وأدى إلى تفشي الكوليرا ونقص الأدوية والتهديدات بالمجاعة، تصف الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية في اليمن بأنها «الأسوأ في العالم»، كما سمحت الفوضى لفرع القاعدة في المنطقة بتوسيع موطئ قدمه.
واعتبرت الباحثة أن مفاوضات السلام التي تدعمها الأمم المتحدة حققت تقدماً محدوداً، كما تجنب اتفاق استوكهولم لعام 2018 اندلاع معركة في مدينة الحديدة الساحلية الحيوية، لكن لم يكن هناك نجاح يذكر في تنفيذ بنود الاتفاقية، والتي تشمل تبادل أكثر من 15 ألف سجين وتشكيل لجنة مشتركة لتهدئة العنف في البلاد بمدينة تعز.
وتضيف «يشعر المراقبون بالقلق من أن الخلاف بين الجهات الإقليمية، قد يطيل الحرب كما تدهورت الأوضاع أواخر عام 2019، عندما أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجوم صاروخي على منشآت نفطية سعودية، على الرغم من مراقبو الأمم المتحدة خلصوا إلى أن الحوثيين لم ينفذوا الهجوم لكنهم لم يذكروا من يقف وراءه، إلا أن الإدارة الأميركية الحالية اتخذت على عاتقها إنهاء هذه الحرب».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي جانب من لقاء المكونات الوطنية ورجال المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) (الشرق الأوسط)

مأرب: دعوات لتوحيد الجهود السياسية والعسكرية لاستعادة صنعاء

دعا عدد من القوى الوطنية وقيادات المقاومة في محافظة مأرب (وسط اليمن) إلى توحيد الجهود السياسية والعسكرية، والعمل الجاد من أجل استعادة العاصمة اليمنية صنعاء.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص قوات تابعة لـ«حماية حضرموت» بمدينة المكلا شرق اليمن (الشرق الأوسط)

خاص حضرموت: دعوات لإدراج أبو علي الحضرمي في قوائم الإنتربول

تصاعدت في حضرموت مطالب قبلية وميدانية بملاحقة قائد «لواء الدعم الأمني»، صالح بن الشيخ أبو بكر، المعروف بـ«أبو علي الحضرمي»، وجلبه عبر الإنتربول الدولي.

عبد الهادي حبتور (المكلا (اليمن))
العالم العربي سجن انفرادي حسب ما وثقته اللجنة الوطنية اليمنية في سقطرى (اللجنة الوطنية)

لجنة يمنية تختتم توثيق ومعاينة مراكز اعتقال وانتهاكات في سقطرى

اختتمت اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولها الميداني إلى محافظة أرخبيل سقطرى، ضمن إطار ولايتها القانونية للتحقيق في…

«الشرق الأوسط» (عدن)

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.