«مصدّر الكبتاغون» يحظى بحماية سورية

كان يتحضر للتقاعد وثروته تقدَّر بمئات ملايين الدولارات

السلطات السعودية ضبطت كمية كبيرة من حبوب الكبتاغون المنشطة كانت مخبأة داخل شحنة رمان آتية من لبنان (أ.ب)
السلطات السعودية ضبطت كمية كبيرة من حبوب الكبتاغون المنشطة كانت مخبأة داخل شحنة رمان آتية من لبنان (أ.ب)
TT

«مصدّر الكبتاغون» يحظى بحماية سورية

السلطات السعودية ضبطت كمية كبيرة من حبوب الكبتاغون المنشطة كانت مخبأة داخل شحنة رمان آتية من لبنان (أ.ب)
السلطات السعودية ضبطت كمية كبيرة من حبوب الكبتاغون المنشطة كانت مخبأة داخل شحنة رمان آتية من لبنان (أ.ب)

يقف حسن محمد دقو (سوري الأصل حصل على الجنسية اللبنانية بموجب حكم قضائي صدر عام 2019) على رأس لائحة مصدّري حبوب الكبتاغون إلى عدد من الدول ومن بينها المملكة العربية السعودية، ويكاد يكون المصدّر الأول، لا بل الأوحد، بعد أن أُوقف اثنان من كبار منافسيه في تهريب هذه المواد المخدّرة، وكان يتحضّر ليحيل نفسه على «التقاعد» متوقفاً عن التهريب بعد أن أصبح في عداد الأغنياء، حيث إن ثروته تقدّر بمئات الملايين من الدولارات ما عدا أملاكه الموزّعة بين لبنان وسوريا ومن بينها 4 شقق فخمة تقع في منطقة الرملة البيضاء في بيروت أُوقف في إحداها على يد «شعبة المعلومات» في قوى الأمن الداخلي في عملية نوعية نفّذتها في 6 أبريل (نيسان) الجاري.
لكن دقو كان يتلطى وراء شركات وهمية أسسها ومن بينها عقارية وإنشائية ليست مسجّلة باسمه كحال الشقق التي يملكها في الرملة البيضاء وهو متزوج من محامية لبنانية، وتمكّن من أن يقيم شبكة علاقات واسعة في لبنان موازية لتلك التي أقامها مع أبرز الرموز الأمنية والعسكرية في النظام السوري أتاحت له التخلص من الملاحقة حيناً والتوقيف حيناً آخر، وكان آخرها الإفراج عنه بعد أن أُوقف في البقاع على خلفية تسهيل خطف مواطن سوري معادٍ للنظام وتسليمه للاستخبارات السورية، رغم أن شهوداً اعترفوا بمسؤوليته عن خطفه مع ما توافر من أدلة تثبت ضلوعه في خطفه.
ويتردد أن ملاءته المالية أتاحت له توزيع «خيراته» من أموال وهدايا على بعض النافذين لتبرئته من التهم الموجّهة إليه ومن بينها تهريب كميات كبيرة من الكبتاغون، وكان آخرها تلك التي ضُبطت في جدة والتي أدت إلى اتخاذ السلطات السعودية قرارها بوقف استيراد الخضراوات والفاكهة من لبنان.
لكن دقو فوجئ بتوقيفه بالجرم المشهود على يد القوّة الضاربة في «شعبة المعلومات»، وحاولت زوجته المحامية التدخُّل لكنها لم تفلح في تبرئته من التهم الموجّهة إليه، خصوصاً بعد أن ثبت تورّطه من خلال قيام فرع التحقيق في الشعبة بإجراء مقارنة بين ما لديه من أدلّة وبين هاتفه المحمول الذي احتوى على صورة هي نسخة طبق الأصل عن بوليصة الشحن المتعلقة بشحنة «الكبتاغون» التي ضُبطت في ماليزيا وتبين أنها كانت في طريقها إلى هونغ كونغ ومنها إلى السعودية وبداخلها ملايين الحبوب المخدّرة.
كما أن دقّو الذي تربطه علاقات وطيدة بعدد من أبرز الرموز من أمنيين وعسكريين في النظام السوري، وتحديداً من المسؤولين عن الوحدات السورية المرابطة على طول الحدود السورية مع لبنان، كان يستخدم من حين لآخر الموانئ السورية وتحديداً مرفأ اللاذقية لتهريب «الكبتاغون» ولكن بعد أن يقوم بتزوير شهادات المنشأ والنقل، إضافة إلى أن شحنات التهريب لا تصل مباشرة إلى البلد المحدد لها وإنما تسلك عدة مسالك بحرية، خصوصاً تلك القادمة من الموانئ السورية للالتفاف على «قانون قيصر» الذي يفرض حصاراً اقتصادياً على سوريا من جهة ولتضليل الرقابة المشدّدة للهروب من المفاعيل الاقتصادية لهذا القانون.
إلا أن الشحنة المخدّرة التي ضُبطت أخيراً في السعودية كانت عبارة عن حاويات من حبّات الرمان المبرّد أُدخلت براً من سوريا إلى لبنان بذريعة أنها للاستهلاك المحلي وباسم شركة وهمية لا تحمل اسماً تجارياً وليست مسجّلة لدى الدوائر اللبنانية المعنية، وتم تزوير شهادة المنشأ على أنها من الصنف المنتج في لبنان مع أن الموسم ليس موسماً للرمان، إضافةً إلى أنه لا اكتفاء محلياً يسمح بتصدير الفائض من الرمان الذي يُستورد من سوريا وتركيا ومصر، مع أن استيراد الرمان من الأخيرة توقف بسبب تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية.
وفي هذا السياق تبين أن حمولة الرمان أُدخلت على دفعات من معبر شرعي يربط لبنان بسوريا وأُخضعت بعد حشو أكثر من ألف حبة من الرمان بحبوب «الكبتاغون» لعملية «تزوير شرعي» لشحنها إلى السعودية، وهذا ما تم اكتشافه في الاجتماع الأمني برئاسة الرئيس ميشال عون الذي خُصّص للبحث في تداعيات القرار السعودي، وتخلل الاجتماع تبادل رمي المسؤوليات بين وزيري الزراعة عباس مرتضى، والاقتصاد والتجارة راوول نعمة حول مسؤولية التوقيع على شهادات منشأ مزوّرة.
كما تبين -حسبما توافر من معلومات لـ«الشرق الأوسط»- أن حبات الرمان المسمومة أُدخلت إلى لبنان باسم ثلاثة أشخاص لبنانيين، اثنان منهم من طرابلس والثالث من البقاع الغربي، وتردد أن الأخير لجأ إلى سوريا بينما لجأ الآخران إلى تركيا.
وحسب المعلومات فإن عدد الموقوفين رهن التحقيق في ملف الرمان الملغوم بلغ سبعة أشخاص من بينهم أشقّاء للأشخاص الفارين إلى تركيا وسوريا، وأنكروا لدى إخضاعهم للتحقيق معرفتهم بوجود «الكبتاغون» داخل حاويات الرمان وأن دورهم اقتصر على الجانب اللوجيستي، فيما يُفترض بالتحقيق أن يتوسّع لجلاء الأسباب الكامنة وراء التوقيع على شهادات المنشأ المزوّرة لـ«تشريع» شحن الرمان الملغوم إلى الخارج على أساس أنه مُنتج محلي، مع أنه يُفترض بالمعنيين التنبُّه لأمرين: الأول أن الموسم الآن ليس موسم الرمان، والآخر أنه لم يسبق تصديره إلى الخارج لعدم توفر الاكتفاء الذاتي.
وبالنسبة إلى المعامل التي تتولى تصنيع «الكبتاغون» تمهيداً لتهريبه إلى الخارج، علمت «الشرق الأوسط» من مصادر مواكبة للاتصالات التي تجريها السعودية ودول الخليج بالمعنيين الأمنيين في مجال مكافحة المخدرات أن هذه المعامل كانت موجودة في عدد من المناطق الممتدة ما بين البقاع الشمالي والحدود المتداخلة بين لبنان وسوريا، لكنها دُمّرت بعد إخراج المجموعات الإرهابية منها ولم يبقَ منها إلا القليل التي تتولى تصنيع «الكبتاغون» بكميات محدودة لعدم توافر الأجهزة المتطورة لصناعتها، وبالتالي فإن ما تنتجه يبقى محصوراً في الترويج لـ«منتجاتها» في الداخل اللبناني.
وأكدت المصادر نفسها أن مصانع «الكبتاغون» موجودة الآن في المناطق الحدودية داخل الأراضي السورية، وقالت إن دقو يتمتع بنفوذ من المنظومة الأمنية السورية الفاعلة، ولفتت إلى أن «داعش» و«جبهة النصرة» كانتا خلال وجودهما في البقاع وجرود عرسال على تواصل مع جهات سورية نافذة تؤمّن لها مسالك التهريب عبر الأراضي السورية ومعابرها إلى دول الخليج. وكشفت أن دقو فوجئ بدهم إحدى شققه في الرملة البيضاء من شعبة «المعلومات» التي صادرت منه أكثر من ثلاثة ملايين دولار، وكان يستعد لوقف تصنيع «الكبتاغون»، وهو استبق قراره بإحالة نفسه على التقاعد بملء إرادته وقام بتصنيع مئات الملايين من حبوب «الكبتاغون» تمهيداً لتهريبها إلى الخارج لزيادة ثروته التي تقدّر حالياً بمئات الملايين من الدولارات.
وأكدت أن ممثلين من السعودية ودول الخليج العربي يترددون من حين لآخر على بيروت لملاحقة وقف عمليات تهريب «الكبتاغون» إلى بلدانهم، وهم يتواصلون مع الجهات الأمنية المعنية بمكافحة المخدرات التابعة لقوى الأمن الداخلي، ورأت أن الدول المتضررة من تدفق «الهدايا المسمومة» إلى أراضيها تتعامل مع تهريبها من خلفية سياسية وأمنية تتجاوز نظر البعض إليها في لبنان على أنها مجرد تدابير وقائية وليست سياسية، انطلاقاً من الأخطار التي تهدد مجتمعاتها.
ورأت هذه المصادر أن اجتماع بعبدا عُقد من باب رفع العتب، ولم تصدر عنه إجراءات وتدابير جذرية تتجاوز التقصير الحاصل من وزارتي الزراعة والاقتصاد والجمارك حيال عدم التدقيق في الشحنة المخدّرة، ليس لغياب الأجهزة الكاشفة على الحاويات فحسب، وإنما لتغييب أي تدبير لضبط الحدود بين البلدين ولقطع الهواء عن المصانع لإقفالها والتشدد في ملاحقة التهريب «المنظّم» الذي قد ينطوي على خلفية سياسية.
وتصر أطراف رئيسة في «محور الممانعة» على استخدام لبنان منصة لاستهداف أمن السعودية وسلامة شعبها والمقيمين على أراضيها. وعليه فإن توقيف «رجل الكبتاغون الأول»، أي دقو، وإن كان يحمل أهمية خاصة، فإن معالجة مفاعيل وتداعيات استهداف السعودية لن يتحقق بالاتصالات أو بالنيات الحسنة ما لم تكن مقرونة بإجراءات سياسية، وهذا ما تُشدّد عليه الهيئات الاقتصادية وأركان الجالية اللبنانية في السعودية ودول الخليج.


مقالات ذات صلة

متلازمة «سكروميتينغ»... ما أعراض الاستخدام المتكرر للقنب؟

صحتك نبات القنب (رويترز)

متلازمة «سكروميتينغ»... ما أعراض الاستخدام المتكرر للقنب؟

كشف تقرير أميركي عن ارتفاع حاد في حالات زيارة أقسام الطوارئ بسبب الغثيان الشديد والقيء اللذين لا يمكن السيطرة عليهما نتيجة تعاطي نبات القنب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ «جزر غالاباغوس» أكثر حساسية بسبب موقعها المعزول (غيتي)

هجمات غامضة على قوارب صيد قرب غالاباغوس تقود إلى برنامج سري لـ«CIA»

هجمات غامضة استهدفت قوارب صيد قرب غالاباغوس تقود إلى برنامج سري محتمل لـ«CIA»، وسط تساؤلات عن صلة العملية بمكافحة تهريب المخدرات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أميركا اللاتينية وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث خلال زيارة إلى بنما (أ.ب)

واشنطن تخطط لشن هجمات برية ضد عصابات المخدرات في أميركا اللاتينية

أوضح هيغسيث للصحافيين أن خطط تنفيذ عمليات برية لمكافحة المخدرات مدرجة على جدول أعمال تحالف يضم 19 دولة بقيادة ترمب.

«الشرق الأوسط» (بنما)
شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)

انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

تسلط تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي الضوء مجدداً على اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مصر تطالب بتكثيف المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات المتزايدة بغزة

جولة لوزير الدولة والتنمية البريطاني في مخازن المساعدات اللوجستية بالعريش شمال شرقي مصر يوم الأربعاء (محافظة شمال سيناء)
جولة لوزير الدولة والتنمية البريطاني في مخازن المساعدات اللوجستية بالعريش شمال شرقي مصر يوم الأربعاء (محافظة شمال سيناء)
TT

مصر تطالب بتكثيف المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات المتزايدة بغزة

جولة لوزير الدولة والتنمية البريطاني في مخازن المساعدات اللوجستية بالعريش شمال شرقي مصر يوم الأربعاء (محافظة شمال سيناء)
جولة لوزير الدولة والتنمية البريطاني في مخازن المساعدات اللوجستية بالعريش شمال شرقي مصر يوم الأربعاء (محافظة شمال سيناء)

طالبت مصر، الأربعاء، بتكثيف المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات المتزايدة في قطاع غزة، وسط استمرار الانتهاكات والخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار ووضع قيود على دخول المساعدات من المعابر.

جاءت المطالبة المصرية خلال جولة جمعت محافظ شمال سيناء، خالد مجاور، مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط، ستيفن دواتي، داخل مخازن «الهلال الأحمر المصري» بمدينة العريش، في شمال شرقي مصر قرب الحدود مع القطاع، للاطلاع على آليات استقبال وتجهيز المساعدات الإنسانية تمهيداً لإدخالها إلى غزة.

كما تفقد الجانبان أقسام التخزين الخاصة بالمواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية والإيواء، وشاهدا حجم الجهود التي تبذلها فرق «الهلال الأحمر» على مدار الساعة لضمان سرعة الإعداد والتسليم، حسب إعلام مصري محلي.

وأوضح عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية محمد حجازي، أن زيارة وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط إلى مخازن المساعدات في العريش تحمل دلالة سياسية وإنسانية «تتجاوز مجرد الاطلاع الميداني»، مؤكداً أن العريش أصبحت عملياً إحدى أهم نقاط التجميع واللوجستيات للمساعدات الدولية المتجهة إلى غزة، ولذلك فإن وجود مسؤول بريطاني رفيع المستوى هناك يوجه رسالة بأن أزمة المساعدات لم تعد شأناً مصرياً أو إقليمياً فقط، وإنما أصبحت مسؤولية دولية مباشرة.

والدلالة الأهم، في رأيه، هي الانتقال من معرفة الأزمة إلى اختبار آليات وصول المساعدات، «فوجود كميات كبيرة من الإغاثة في المخازن وعلى الجانب المصري من الحدود، في الوقت الذي تتفاقم فيه الاحتياجات داخل غزة، يطرح سؤالاً مركزياً، وهو أن المشكلة ليست فقط في توفير المساعدات أو تمويلها، وإنما في ضمان نفاذها بصورة منتظمة وآمنة إلى السكان المحتاجين».

وخلال الزيارة، أكد اللواء خالد مجاور أن محافظة شمال سيناء توفر كل التسهيلات والدعم اللوجستي لعمل المنظمات الإغاثية، وأن مخازن العريش تعمل بوصفها مركزاً رئيسياً لتجميع المساعدات من مصر والعالم، قبل نقلها إلى قطاع غزة بالتنسيق مع الجهات المعنية.

وأشار المحافظ إلى أهمية استمرار التعاون الدولي وتكثيف المساعدات لمواجهة الاحتياجات المتزايدة في القطاع.

وقال حجازي إن مصر «تسعى إلى تحويل الملف الإنساني إلى التزام دولي جماعي، بحيث تتحمل الدول الكبرى، وبصفة خاصة الدول ذات التأثير على إسرائيل، مسؤولية الضغط من أجل ضمان وصول الإغاثة إلى غزة».

ويعتقد حجازي أن زيارة المسؤول البريطاني يمكن أن تساعد في هذا الاتجاه على أكثر من مستوى، «فهي توفر أولاً شهادة ميدانية مباشرة على حجم الاحتياجات الإنسانية، كما تضع بريطانيا أمام مسؤوليتها السياسية باعتبارها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن وقوة مؤثرة في النظام الدولي، فضلاً عن إمكانية تعزيز موقف أوروبي ودولي أكثر تماسكاً يربط بين التمويل وضمانات فعلية لحرية وسرعة وصول المساعدات».

مصر تطالب بتكثيف المساعدات الدولية لتلبية الاحتياجات المتزايدة في قطاع غزة (محافظة شمال سيناء)

وصباح الأربعاء أطلق «الهلال الأحمر المصري»، قافلة «زاد العزة.. من مصر إلى غزة» رقم 260، محملة بالمساعدات الإنسانية المتجهة إلى القطاع، بالتزامن مع اليوم العالمي للعمل الإنساني. وحملت القافلة أكثر من 2577 طناً من المساعدات الإنسانية المتنوعة، شملت سلالاً غذائية ومواد إغاثية ومستلزمات طبية، إلى جانب المواد البترولية اللازمة لتشغيل المستشفيات والمنشآت الحيوية في القطاع.

ويرى حجازي أنه ينبغي أن تتحول المطالبات من مجرد الدعوة إلى «زيادة المساعدات» إلى صيغة أكثر تحديداً، تتضمن فتح ممرات إنسانية فعالة، وإزالة العوائق أمام دخول الشاحنات، وضمان حماية العاملين في المجال الإنساني، وتوفير آلية دولية للرقابة على تدفق المساعدات وتوزيعها.

وأضاف أن الرسالة المصرية الأساسية من هذا النشاط الإغاثي هي أن العريش «تستطيع استقبال وتخزين وتنسيق المساعدات، لكن المجتمع الدولي مطالب بتأمين وصولها إلى غزة، وتحويل التضامن الإنساني من مواقف وتصريحات إلى آلية عملية ومستدامة تضمن تدفق الإغاثة».


ارتياح في مصر بعد تطمينات رسمية باستقرار أوضاع العمالة في الإمارات

جانب من العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
جانب من العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

ارتياح في مصر بعد تطمينات رسمية باستقرار أوضاع العمالة في الإمارات

جانب من العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)
جانب من العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)

بعد أيام من تداول أنباء عبر منصات التواصل الاجتماعي عن استغناء جماعي عن العمالة المصرية في دولة الإمارات، خرجت القاهرة وأبوظبي بتصريحات رسمية تنفي صحة هذه المزاعم، وأكدتا، أن ما يثار حول العمالة غير صحيح. وهي التطمينات التي خلقت حالة من الارتياح داخل مصر، خاصة بين أسر العمالة في الإمارات بشكل خاص، ودول الخليج العربي بوجه عام.

فمن جانبها، أكدت وزارة الخارجية المصرية أن «أوضاع العمالة مستقرة، وأن ما يُثار لا يتجاوز حالات فردية مرتبطة بمخالفة قوانين الإقامة».

وقال مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون القنصلية، السفير حداد الجوهري، إنه «لا صحة لما يتم تداوله بشأن وجود إنهاء جماعي لخدمات العمالة المصرية في دولة الإمارات أو دول الخليج، والحالات المعروضة لا تتعدى كونها وقائع فردية جرى تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي».

وأضاف الجوهري، في تصريحات تلفزيونية، أن الحالات التي أُثيرت مؤخراً «ترجع إلى مخالفة ضوابط وشروط الإقامة أو إجراءات التدقيق التنظيمية»، مشدداً على «عدم وجود أي أزمة عامة أو إجراءات استثنائية تستهدف المصريين هناك».

ويبلغ عدد المصريين في دولة الإمارات نحو 1.3 مليون مصري حتى نهاية عام 2024، وفق «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء» في مصر.

وذكر مساعد وزير الخارجية أن «بعض الأشخاص دخلوا بتأشيرات سياحية ولم يتمكنوا من توفيق أوضاعهم للحصول على إقامات عمل نظامية، وأن السلطات تطبق القواعد القانونية المعمول بها على الجميع دون استثناء».

الرئيس الإماراتي ونظيره المصري أثناء محادثات في أبوظبي يناير الماضي (الرئاسة المصرية)

وأوضح الجوهري أن «وزارة الخارجية تنسق حالياً لتشكيل لجنة قنصلية مشتركة مع الجانب الإماراتي، لبحث واستعراض الملفات الخاصة بالجالية المصرية ومتابعة مستجدات الإقامات والتأشيرات».

وأكد أن حركة إصدار التأشيرات للمواطنين المصريين تسير بانتظام ودون عوائق، وأشار إلى أن «إلغاء إقامات بعض الأفراد ونشرهم مقاطع فيديو توثق ذلك، لا يعكسان الوضع العام».

بالتزامن؛ قال المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، إن «بعض المنصات الموجهة تتداول معلومات كاذبة» حول بلاده، منها يتعلق بـ«إلغاء إقامات العمالة»، مؤكداً أنها «معلومات غير صحيحة وضمن حملات إعلامية يائسة»، وفق منشور له على منصة «إكس»، الأربعاء.

وأضاف: «تظل الحقائق والإنجازات الملموسة أقوى من الإشاعات، ويبقي العمل أقوى من الضجيج».

وهي التصريحات التي استقبلها المصري صبحي فوزي، وهو أب لابن يعمل بأحد المطاعم في دبي، بالارتياح، لافتاً إلى أن أسرته لا تشعر بأي قلق من الشائعات التي تتردد حول ترحيل العمالة المصرية من الإمارات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط»، أن نجله يمارس عمله بشكل طبيعي منذ سنوات، ولم يتلق أي إخطار أو إشارة بإنهاء إقامته أو عمله، مضيفاً أنه «لو كان هناك شيء من هذا القبيل، لكانت الأسرة أول من تعلم».

كانت وسائل إعلام ومنصات مصرية، تحدثت عن إلغاء إقامات العمالة المصرية في الإمارات أثناء وجودها في مصر لقضاء إجازاتها، ما أثار مخاوف بين أفراد الجالية وأسر العاملين هناك، وهو ما دعا إلى تحرك برلماني للمطالبة بتوضيح حقيقة الأمر.

واعتبر النائب إسلام التلواني، عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن الردود الرسمية من الجانبين المصري والإماراتي «حسمت الجدل بنفي تلك المزاعم جملة وتفصيلاً، والأمر لم يتعدَّ أزمة مرتبطة بشركة واحدة فقط، دون وجود أي استغناء جماعي أو واسع النطاق».

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيره الإماراتي في أبوظبي (الخارجية المصرية)

بدوره، قال السفير محمد العرابي، وكيل لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ المصري، ووزير الخارجية المصري الأسبق، إن نفي وزارتي الخارجية في البلدين لما أثير حول العمالة المصرية «يقطع الطريق أمام الشائعات والمعلومات غير الموثقة»، مشدداً على أن ما قد يظهر من حالات فردية أو أوضاع غير قانونية «لا يمثل بأي حال من الأحوال ظاهرة أو توجهاً سياسياً ممنهجاً ضد المصريين على الإطلاق».

وأكد العرابي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجالية المصرية في دولة الإمارات تنعم ببيئة عمل جيدة وأوضاع مستقرة إلى حد كبير في بلد شقيق تربطه بمصر روابط وثيقة».


مسيّرات الجيش اليمني تقلب معادلات المواجهة مع الحوثيين

جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)
جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)
TT

مسيّرات الجيش اليمني تقلب معادلات المواجهة مع الحوثيين

جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)
جنود يمنيون يقفون داخل مخزن للطائرات المسيّرة التي بدأ الجيش اليمني استخدامها أخيراً (إكس)

لم تعدّ الطائرات المسيّرة في الحرب اليمنية مجرد أدوات للاستطلاع ومراقبة تحركات الخصم، بعدما بدأت القوات الحكومية إدخال أنواع أكثر تطوراً إلى عملياتها القتالية، في تحول قد يفتح فصلاً جديداً في طبيعة المواجهة مع الجماعة الحوثية.

وتكشف معطيات حديثة عن امتلاك الجيش اليمني منظومة متدرجة من المسيّرات، تبدأ بالطائرات الصغيرة المستخدمة في الاستطلاع وتصحيح نيران المدفعية والهجمات القريبة، مروراً بمنصات أثقل متعددة المهام دخل بعضها ميدان المعركة، وصولاً إلى مسيّرات هجومية بعيدة المدى لم تستخدم حتى الآن.

وتكتسب هذه القدرة الجديدة أهميتها من كونها تقترب من المجال الذي ظل الحوثيون يمتلكون فيه أفضلية نسبية خلال سنوات الحرب، خصوصاً في استخدام المسيّرات الهجومية والصواريخ بعيدة المدى.

ووفقاً لمنصة «شيبا إنتلجنسي»، فإن الطائرتين اللتين عرضتهما وزارة الدفاع اليمنية تحت اسمي «عيبان» و«نقم» هما من طراز «دبور السماء» SKYWASP، القادر على الوصول إلى مدى يصل إلى 1,500 كيلومتر وحمل رأس حربي يتراوح وزنه بين 30 و50 كيلوغراماً.

وإذا دخلت هذه المنظومة الخدمة القتالية، فإنها لن تضيف سلاحاً جديداً إلى ترسانة الجيش فحسب، بل قد تمنحه للمرة الأولى قدرة على تنفيذ ضربات مسيّرة تتجاوز نطاق الجبهات المباشرة، وتمتد إلى عمق المناطق التي تسيطر عليها الجماعة.

ويقول الباحث العسكري والاستراتيجي اليمني عبد العزيز الهداشي لـ«الشرق الأوسط» إن دخول الطائرات المسيّرة إلى ترسانة الجيش اليمني له تأثير تكتيكي في الوقت الحالي، يسهم في تغيير المعادلة في خطوط التماس مع الجماعة الحوثية، ويمكن أن يتحول إلى سلاح استراتيجي في حال زيادة كثافة ومدة استخدامه، بما يمنع الخصم من إعادة تجميع قواته ونشرها.

ويتميز سلاح الطيران المسيّر للجيش اليمني، وفقاً للهداشي، بأنه يمتلك خاصية الذهاب والعودة بعد تنفيذ الهجمات، على عكس الجماعة الحوثية التي لا تمتلك سوى الطائرات الانتحارية، وهو ما يجعله متفوقاً عليها من ناحية عدم استنزاف هذه القدرات، وإلى جانب ذلك فقد الحوثيون عنصر المباغتة الذي كانوا يتفوقون به خلال السنوات الماضية بفضل القدرات الاستطلاعية لهذه الطائرات.

لحظة إسقاط طائرة مسيّرة تابعة للجيش اليمني مقذوفاً على موقع حوثي (الجيش اليمني)

وإضافة إلى كل ذلك، يذهب الهداشي إلى أن استمرار عمليات الطيران المسيّر للجيش اليمني يدفع الجماعة الحوثية إلى نشر قواتها على مساحات واسعة لتفادي الضربات، ما يفقدها القدرات الهجومية، خصوصاً في الجبهات المفتوحة مثل جبهتي مأرب والمخا. ويتوقع أن الاستمرار في استغلال هذا التفوق سيعطل القدرات الهجومية الحوثية خلال مدة قصيرة.

لكن امتلاك السلاح لا يعني بالضرورة القدرة على تغيير ميزان الحرب، ففاعلية المسيّرات لا ترتبط بمدى الطائرة وحمولتها وحدهما، وإنما بقدرة القوات التي تشغلها على الاستطلاع وتحديد الأهداف والاتصال والتنسيق مع القوات البرية والمدفعية، فضلاً عن قدرتها على حماية منظومة التشغيل من التشويش والاستهداف.

انقلاب معادلة الغموض

من هنا يبرز السؤال الأوسع، هل تستطيع المسيّرات الجديدة نقل القوات الحكومية من مرحلة تحسين الأداء التكتيكي على الجبهات إلى امتلاك قدرة هجومية أعمق وأكثر تأثيراً، أم أنها ستظل إضافة نوعية لكنها محدودة إلى ترسانة عسكرية أكبر لم تتغير قواعدها الأساسية؟

لم يعد الحوثيون يملكون عنصر المفاجأة بعد دخول الطيران المسير ترسانة الجيش اليمني (غيتي)

ويرى عدنان الجبرني، الباحث المختص بشؤون الجماعة الحوثية، أن استخدام الجيش اليمني للطائرات المسيّرة خلال الأيام الماضية فاجأ الحوثيين وأربكهم على مستويي القيادة والميدان، خصوصاً مستوى الكفاءة والفاعلية في استخدام سلاح المسيّرات، وكذلك التزامن في مختلف الجبهات وبالنمط ذاته، في دلالة عملياتية في المواجهة أخطر بكثير من مجرد الخسائر المباشرة للمسيّرات على خطوط النار.

وحسب حديث الجبرني لـ«الشرق الأوسط»، يمتدّ ذلك إلى مستوى متقدم من التنظيم والتعاون في إدارة العمليات بطريقة موحدة ومنسّقة؛ ما سيدفع الجماعة إلى محاولة خلق ترياق لهذا المتغير المفاجئ، إلا أن الوقت الذي تحتاج إليه لوضع الحلول ستكون قوات الجيش اليمني قد انتقلت فيه إلى مستويات أخرى أكثر فاعلية ومباغتة.

ويذهب إلى أن الجماعة دخلت هذه المواجهة بعجرفة وأخطأت في قراءة خصومها، فكان الغموض هذه المرة لصالح الحكومة اليمنية بإسناد من قوات تحالف دعم الشرعية، متوقعاً حدوث صدمات أكبر خلال الفترة المقبلة، بفعل تغيّر الموازين التي لم يستوعبها الحوثيون، وتعديل ميزان القوى لأول مرة منذ عام 2017 لصالح الحكومة الشرعية.

من سيدفع التكلفة؟

يفتح دخول هذه القدرات اليمنية الجديدة إلى المعركة سؤالاً آخر لا يقل أهمية يتعلق بالجماعة الحوثية نفسها، إذ كيف سترد على فقدان جزء من التفوق الذي احتفظت به طويلاً في مجال المسيّرات والصواريخ؟

استعراض عسكري للحوثيين قبل 4 أعوام تظهر فيه أنواع من الطائرات المسيّرة والصواريخ (أ.ف.ب)

وإلى جانب ذلك لا يمكن تجاهل السؤال إن كان هذا التطور سيدفع الجماعة الحوثية إلى تطوير وسائل جديدة لمواجهة المسيّرات الحكومية، أو زيادة الاعتماد على الطائرات الانقضاضية والصواريخ، أو الانتقال إلى تكتيكات أكثر اعتماداً على الإخفاء والتمويه وتفريق القوات.

ويشير الباحث السياسي اليمني صلاح علي صلاح إلى أن الجيش اليمني، وبرغم المفاجأة التي خلقها في ميزان القوى، وقدرته على إرباك الجماعة الحوثية، لم يظهر بعد امتلاكه لنوعية الطائرات التي تهدد عمقها الاستراتيجي كما تفعل هي، خصوصاً قدرتها على استهداف منشآت حيوية في محافظات بعيدة عن نفوذها، مثل استهداف ميناء تصدير النفط في حضرموت.

وينوه في تحليله لـ«الشرق الأوسط» بأن قوات الجماعة الحوثية فقدت، بفعل السلاح الجديد للجيش اليمني، القدرة على التحصن والتكتيك الميداني، وبات مقاتلوها مكشوفي الظهر، وهو ما يرفع التكلفة لديها ويزيد من تعقيد المواجهة، برغم أن التكلفة سترتفع بالمقابل لدى الجيش، خصوصاً وأن الحوثيين ما زالوا يتفوقون بامتلاك الصواريخ الباليستية.

الطائرات الإيرانية من دون طيار رفدت ترسانة الحوثيين بأعداد كبيرة خلال السنوات الماضية (أ.ف.ب)

ويُحذر صلاح من لجوء الجماعة إلى تعزيز النشاط الاستخباراتي لاستهداف مواقع إطلاق الطائرات المسيّرة التابعة للجيش اليمني، واغتيال مشغليها وقادة الوحدات المسؤولة عنها، إلى جانب الاستفادة من تجارب جيوش أو ميليشيات في التحصين ضد ضرباتها واستخدام وسائل التمويه والتخفي والمناورة وتخفيف التكلفة من خلال توزيع العناصر على مساحات واسعة.

وبينما تتوسع قدرات الجيش اليمني في استخدام الطائرات المسيّرة على مستويات مختلفة، يبدو الصراع أمام احتمال الدخول في مرحلة جديدة لا يكون فيها السؤال فقط عن عدد الأسلحة التي يمتلكها كل طرف، وإنما عن قدرة كل منهما على تحويل هذه الأسلحة إلى منظومة متكاملة تغير شكل المعركة ومداها وتكلفتها.