سلسلة غارات إسرائيلية على غزة... ومواجهات القدس تنتقل إلى الضفة

36 صاروخاً من القطاع تلغي رحلة كوخافي إلى واشنطن... والوسطاء لاحتواء التصعيد في كل مكان

الشرطة الاسرائيلية تعتقل فلسطينياً خلال مواجهات في القدس أول من  أمس (د.ب.أ)
الشرطة الاسرائيلية تعتقل فلسطينياً خلال مواجهات في القدس أول من أمس (د.ب.أ)
TT

سلسلة غارات إسرائيلية على غزة... ومواجهات القدس تنتقل إلى الضفة

الشرطة الاسرائيلية تعتقل فلسطينياً خلال مواجهات في القدس أول من  أمس (د.ب.أ)
الشرطة الاسرائيلية تعتقل فلسطينياً خلال مواجهات في القدس أول من أمس (د.ب.أ)

أشعلت شرارة المواجهات الواسعة في القدس، مواجهات في الضفة الغربية كذلك، وأخرى بالصواريخ في قطاع غزة، في جولة هي الأسوأ منذ شهور طويلة.
وفيما اشتبك فلسطينيون مع الجيش الإسرائيلي عند نقاط التماس في الضفة في مشهد لم يعد متكرراً كثيراً في الفترات الماضية، أطلقت الفصائل الفلسطينية من القطاع 36 صاروخاً تجاه مستوطنات الغلاف في ليلة واحدة، قبل أن ترد إسرائيل بسلسلة غارات جوية ومدفعية، فيما بدا مواجهة متزامنة في القدس والضفة والقطاع، أجبرت رئيس الأركان الإسرائيلي أفيف كوخافي على إلغاء رحلة كانت مقررة للولايات المتحدة ليلة السبت.
وأجرى كوخافي جلسة خاصة لتقييم الوضع الميداني أمس، أوعز خلالها «باتخاذ سلسلة خطوات وردود فعل محتملة بالإضافة إلى الاستعداد لحالة تصعيد»، بحسب بيان للجيش الإسرائيلي. وجاء في البيان: «نظراً للأحداث والتطورات المحتملة قرر رئيس الأركان تأجيل زيارته إلى الولايات المتحدة في هذه المرحلة».
وبعد ذلك ترأس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جلسة تقييم أخرى في مقر وزارة الجيش لدرس الموقف ووجه جيشه كذلك للاستعداد لأي تطور.
وجاء الاستعداد لتصعيد محتمل على جبهة غزة تحديداً، والتدهور الأمني في الضفة والقدس، رغم الجهود الواسعة التي يبذلها وسطاء لمنع التصعيد.
وقالت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن اتصالات أجرتها مصر والأمم المتحدة وأطراف أخرى مع السلطة وإسرائيل والفصائل الفلسطينية لتجنب تصعيد محتمل في القطاع والحيلولة دون أن تتدحرج هذه الجولة من المواجهة إلى حرب أوسع، ومن أجل تهدئة الموقف في القدس أيضاً.
وأكدت المصادر أن الاتصالات بدأت وتقوم على أساس تقييم مؤكد أن الطرفين، إسرائيل أو «حماس»، لا يرغبان بتصعيد أكبر في غزة.
وأكد الموفد الأممي لـ«الشرق الأوسط» تور فينسيلاند أنه يعمل مع جميع الأطراف على احتواء التصعيد في المنطقة، مطالباً بوقف جميع «الأعمال الاستفزازية» في القدس والكف عن إطلاق القذائف الصاروخية من غزة. ودعا المسؤول الأممي جميع الأطراف إلى الحفاظ على ضبط النفس ومنع التصعيد خاصة في شهر رمضان وفي ظل الفترة السياسية الحساسة التي يمر بها الجانبان.
وشهد قطاع غزة تصعيداً هو الأسوأ منذ عدة شهور استمر حتى الفجر بعدما دخلت الفصائل الفلسطينية على خط المواجهة في القدس، وأطلقت 36 قذيفة صاروخية باتجاه المستوطنات الإسرائيلية في رسالة دعم للمقدسيين.
وقال الناطق باسم حركة «حماس»، فوزي برهوم، إن «ما تقوم به المقاومة من رد على هذا العدوان، يأتي في إطار القيام بواجبها الوطني والقيمي في حماية مصالح شعبنا، وكسر معادلات الاحتلال». وحذّر برهوم الاحتلال الإسرائيلي من الاستمرار في التصعيد، ومن «ارتكاب أي حماقات» من شأنها المساس بأهالي القدس، وبالمسجد الأقصى.
وحمّل برهوم في بيان الاحتلال مسؤولية وتداعيات «الأعمال الاستفزازية العنصرية» التي يقوم بها جنوده والمستوطنون بحق المقدسيين والمصلين في باحات الأقصى المبارك.
كما أكدت حركة «الجهاد الإسلامي»، بدورها، أن «المقاومة» ردت على الاعتداءات الإسرائيلية التي يتعرض لها المقدسيون والمسجد الأقصى وسترد على أي اعتداء بالمثل و»لن تسمح للعدو بتجاوز قواعد الاشتباك مطلقاً».
وقالت الحركة في تغريدات عبر «تويتر»: «المسجد الأقصى خط أحمر والمقدسيون ومن خلفهم كل شعبنا لن يسمحوا» للمستوطنين بأن «يدنسوا الأقصى».
وانطلقت الصواريخ من غزة بعد مظاهرات كبيرة جابت القطاع تضامناً مع المقدسيين. وأعلنت عدة فصائل منها كتائب «الشهيد أبو علي مصطفى» الجناح العسكري لـ«الجبهة الشعبية» و»كتائب المقاومة الوطنية» الجناح العسكري لـ«الجبهة الديمقراطية»، ومجموعات تابعة لـ«كتائب الأقصى» منها أيمن جودة، ولواء العامودي، مسؤوليتهم المنفصلة عن الهجمات الصاروخية التي «تأتي في إطار الرد على جرائم الاحتلال، ونصرة للقدس والأقصى، ولأهل المدينة المنتفضين في وجه اعتداءات الاحتلال».
ورغم أن «حماس» لم تطلق صواريخ لكن في إسرائيل يدركون أن الحركة سمحت للآخرين بإطلاق هذه الصواريخ وهي مسؤولة عن كل كبيرة وصغيرة تجري في القطاع، ولذلك استهدفت الغارات الإسرائيلية مواقع تابعة لـ«حماس» بما في ذلك «موقع عسكري وبنى تحتية تحت أرضية ومنصات إطلاق قذائف صاروخية»، بحسب بيان للجيش الإسرائيلي.
وكانت «كتائب القسام» الجناح المسلح للحركة، هددت إسرائيل بأن «لا تختبر صبرها»، مضيفة: «قدسنا دونها الدماء والأرواح وفي سبيلها نقلب الطاولة على رؤوس الجميع ونبعثر كل الأوراق».
لكن في إسرائيل يعتقدون أن «حماس» لا تريد أن تذهب للنهاية، وهو ما ترجمه قرار الجبهة الداخلية الإسرائيلية أمس بإلغاء التقييدات في غلاف غزة التي شملت إلغاء طرق ومنع الزراعة أو التجمهر وإغلاق شاطئ زيكيم المحاذي لحدود شمال غربي القطاع والبقاء بالقرب من المناطق المحمية المحصنة، وتجنب الذهاب إلى المعابد والكنس اليهودية.
وقالت القناة العامة الإسرائيلية «كان 11» إن اتصالات جرت لاحتواء الموقف والعودة إلى الوضع السابق. وقالت «القناة 13» الإسرائيلية إن «حماس» أبلغت مصر بأنها لا ترغب بالتصعيد، ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مسؤولين في الجيش تقييمهم بأن حصر مدى القذائف الصاروخية في مناطق «غلاف غزة»، جاء لـ«تقييد التصعيد». أما صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية فذكرت أن التقديرات هي أن القذائف ستتوقف بعد أن أوضحت «حماس» رسالتها وأظهرت الدعم لأهل القدس.
وتشهد مدينة القدس منذ مساء الخميس مواجهات ليلية عنيفة بين الفلسطينيين من جهة، والشرطة الإسرائيلية ومستوطنين من جهة أخرى، خلفت أكثر من 100 إصابة وعشرات الاعتقالات في المدينة المتوترة، وإصابات لدى الجنود الإسرائيليين والمستوطنين.
وتحولت المدينة إلى ساحة مواجهات ليلية في الميادين والشوارع والأزقة وأمام بوابات المسجد الأقصى بعدما تدافع الفلسطينيون يوم الخميس لصد مجموعات كبيرة من أنصار اليمين المتطرف شنوا هجمات استهدفت مصلين ومدنيين في بيوتهم وهم يهتفون «الموت للعرب» ثم تدحرجت الأحداث.
وخلال اليومين الماضيين توسعت الاشتباكات وأظهرت مقاطع فيديو متطرفون يهود يهتفون الموت العرب والانتقام ويلقون الحجارة ويشعلون النار عند تقاطع طرق في القدس، ويهاجمون منزلاً لعائلة عربية داخل البلدة القديمة كما هاجموا عمالاً عرباً في سوق للخضار.
ومعظم هؤلاء اليهود ينتمون لمنظمة «لهافا» اليهودية المتطرفة التي دعت إلى مسيرات في القدس تحت عنوان «الموت للعرب» و«العرب إلى الخارج».
ومقابل ذلك، هاجم الفلسطينيون متطرفين يهود وأشبعوهم ضرباً في غمرة المواجهات التي اتسعت مع الشرطة الإسرائيلية أيضاً التي قررت منع الفلسطينيين من الجلوس على درجات باب العامود وواجهتهم بالرصاص والغاز والهروات واعتقلت الكثير منهم.
وسرعان ما انتقلت المواجهات إلى الضفة الغربية التي شهدت اشتباكات في بين متظاهرين والجنود الإسرائيليين في رام الله وطولكرم وبيت لحم خلفت العديد إصابات ثم إلى مسيرات في غزة وصواريخ على مستوطنات قريبة.
ودعم الرئيس الفلسطيني محمود عباس المقدسيين وكذلك المتظاهرين في الضفة.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.