معماري عمره 92 عاماً لم يتقاعد لأنه «مشغول»

المهندس المعماري فرانك جيري (نيويورك تايمز)
المهندس المعماري فرانك جيري (نيويورك تايمز)
TT

معماري عمره 92 عاماً لم يتقاعد لأنه «مشغول»

المهندس المعماري فرانك جيري (نيويورك تايمز)
المهندس المعماري فرانك جيري (نيويورك تايمز)

كان المهندس المعماري فرانك جيري (92 سنة)، الحائز على جائزة «بريتزكر» قد أكمل طابقه العلوي من مبنى «غراند أفينيو»، واستعد لعرض منحوتات جديدة في معرض «غاغوسيان»، ولم يكن لديه اهتمام كبير بالجلوس للتفكير في هذه اللحظة، التي يحتمل أن تكون ذات مغزى في حياته المهنية وحياته العامة، على حد سواء.
وبدلاً من التفكير بالتقاعد، كان جيري في حالة تنقُّل دائم، حيث قام بأول جولة له في شقته العلوية، منذ تفشي جائحة «كوفيد - 19»، وكان أكثر حماساً لمناقشة التصميمات التي لا تُعدّ ولا تُحصى التي لا يزال معظمها قيد التنفيذ.
تشمل المشاريع نسخة هذه المدينة من «هاي لاين» في نيويورك على طول نهر لوس أنجليس، والمباني المكتبية الجديدة لشركة «وارن بروز» في «بوربانك»، والتصميم الخلاب الذي يقوم به لأوبرا الجاز «أفغينيا» من تأليف واين شورتر وإسبيرانزا سبالدينج المقرر عرضها في ديسمبر (كانون الأول). وعلى بعد ما يقرب من 3000 ميل، من المقرر أن يكشف «متحف فيلادلفيا للفنون» عن أعمال التجديد والتوسع الداخلي التي صممها جيري في مايو (أيار)، وهو الحدث الذي يعتزم المهندس المعماري حضوره.
عندما سُئِل عما إذا كان فكر، بالنظر إلى عمره وإنجازاته، في أخذ قسط من الراحة أو تقليص حجم أعماله، رفض جيري الفكرة قائلاً: «لماذا؟ أنا أستمتع بكل هذه الأشياء».
وفيما كان يتنقل وسط مساحة عمله المترامية الأطراف، قال المهندس المعماري المخضرم إنّه وصل الآن إلى نقطة في حياته المهنية يتمتع فيها برفاهية التركيز على أكثر ما يهمه: المشاريع التي تعزز العدالة الاجتماعية.
يبدو أن تركيز جيري المتزايد على رد الجميل قد كثف من التزامه تجاه هذه المدينة؛ فهو، على سبيل المثال، يصمم مساكن في شارع «ويلشاير» لقدامى المحاربين المشردين. وقبل نحو ست سنوات أسس هو والناشطة ماليسا شرايفر منظمة «تيرن أراوند أرتس كاليفورنيا» وهي منظمة غير ربحية تعمل على تعليم الفنون لأكثر مدارس الولاية احتياجاً، وهو ما علق عليه جيري بقوله: «هذه أعمال تنم عن حب».
تطوع جيري بوقته لتصميم مقر جديد يُعدّ الذراع التعليمية لمؤسسة «لوس أنجليس فيلهارمونك» الذي يرتكز على الشباب والذي حمل اسم «يوث أوركسترا لوس أنجليس»، في «أنغيلوود سيفيك سنتر» جنوب المدينة والمقرر أن يكتمل في يونيو (حزيران).
قال جيري إنّه استوحى الفكرة من برنامج «السيستما» لتعليم الموسيقي الفنزويلي الممول من القطاع العام، الذي يمنح الأطفال المحرومين من الخدمات فرصة العزف في فرق الأوركسترا. كان من نتاج هذا البرنامج ما أطلق عليه غوستافو دودمال، المدير الموسيقي والفني لفريق «لوس أنجليس فيلاهارمونك»، إبداع المهندس جيري الذي يرى أنّ «الجمال مهم».
وسعياً لتحويل مبنى أحد البنوك في الستينات إلى قاعة حفلات موسيقية لأوركسترا الشباب، قال جيري إنّه دفع المنظمة لجمع القليل من المال الإضافي لإنشاء مسرح بطول 45 قدماً، وهو نفس حجم قاعة حفلات «والت ديزني» التي يرى أنّها ستكون «منارة للمجتمع».
جيري الذي صمم مركزاً لسيمفونية العالم الجديد في ميامي بالإضافة إلى مبنى متحف «غوغنهايم» في بلباو بإسبانيا وفرع المتحف المخطط له في أبوظبي، لا يزال نشطاً من خلال المشاريع الثقافية ذات المكون التعليمي.
ربما يكون جيري أكثر نشاطاً بشأن «مشروع النهر»، وهو جهد مُموّل من قبل دائرة الأشغال العامة في لوس أنجلس لتنشيط القناة التي يبلغ طولها 51 ميلاً، والتي تمتد من «كانوغا بارك» إلى «لونغ بيتش» وجرى تمهيدها في عام 1938 لمنع الفيضانات.
قامت مجموعة «ريفر لوس أنجلس» غير الربحية - بدعم من العمدة إريك إم غارسيتي - بالعمل مع جيري لوضع خطة رئيسية للموقع. ومن هذا المنطلق جاءت فكرة إنشاء حديقة أرضية حضرية فوق الخرسانة ذات المساحات العشبية ومركز ثقافي بقيمة 150 مليون دولار.
يُطلق على مشروع الحديقة أو المتنزه اسم «مركز سيلا الثقافي» (سمي على اسم موقعه في جنوب شرقي لوس أنجليس)، وسيُموّل من الأموال العامة والخاصة، وسيكون بمثابة مساحة للفنانين المحليين، وكذلك للمحترفين.
ومن المرجح أن يساهم في البرمجة كل من مايكل جوفان، مدير متحف مقاطعة لوس أنجليس للفنون، وبنيامين ميليبيد، مؤسس مشروع لا دانس بروجيكت.
لم يتخذ هذا المكون الثقافي شكلاً محدداً بعد، وأفاد ميليبيد بأنّه سيبدأ «بتحديد فرق الرقص المحلية الجيدة، وفهم أفضل طريقة للتعاون معها ودعمها».
لكن البعض انتقد مشاركة جيري في المشروع على اعتباره غير متخصص به، ويفتقر إلى الخبرة في المساحات الخارجية. وحذر مقال رأي نُشر مؤخراً في صحيفة «لوس أنجليس تايمز» من «احتمالية كبيرة لحدوث نتائج عكسية مأساوية. يمكننا ضخ ملايين الدولارات العامة في خطة تبدو مثيرة للإعجاب، ولكنّها لا تصل إلى جمهورها المستهدف، وهو المجتمعات التي واجهت صعوبة في البقاء في العقود الأخيرة».
حاول جيري معالجة مثل هذه المخاوف، وأكد في مقابلة أن تركيزه كان على إنشاء مساكن بأسعار معقولة ومساحات مفتوحة، مؤكداً: «نحن نعمل على توفير فرص الإسكان الاجتماعي لتعزيز ملكية المنازل بين السكان الحاليين».
ومع ذلك، لا يزال نشطاء غير راضين عن نهج جيري للمشروع، مفضلين إعادة النهر إلى حالته الأصلية. وقالت ماريسا كريستيانسن، المديرة التنفيذية لمجموعة «أصدقاء النهر»، وهي مجموعة مناصرة، «رغم شهرة جيري، وبقدر ما جذبت تلك الشهرة الانتباه إلى النهر، فلا يوجد مهندس معماري أفضل من الطبيعة الأم».
وأضافت أنّ اقتراح جيري الحالي «يظهر نقصاً في الابتكار والفهم الشامل لتجمعات المياه التي تغذي النهر، فهي لم تُدرس بالكامل حتى الآن لمعرفة ما إذا كانت هناك احتمالات أخرى».
لا يزال جيري، كوجه لشركته، هدفاً لمثل هذه الانتقادات، لكن مجموعة «غيرى بارتنرز» تتكون من أعضاء خدموا لفترة طويلة ويعملون معه عن كثب، بما في ذلك زوجته بيرتا، وميغان لويد، وديفيد نام، وكريغ ويب، وتينشو تاكيموري، ولورنس تيغ، وجون باورز، وجنيفر إيرمان.
أصبحت المهمة شأناً عائلياً، فبالإضافة إلى بيرتا جيري، رئيسة الشؤون المالية، فإنّ سام ابن جيري هو أيضاً مهندس معماري، وابنه الآخر، أليخاندرو، فنان يساهم في العمل في مشاريع والده.
ورغم انشغاله بمشروع النهر، فإنه منهمك أيضاً في المزيد من النشاطات المرحة.
استوحي جيري فكرة إقامة حفل شاي من قصة «أليس في بلاد العجائب» من حفيدته البالغة من العمر 5 سنوات، التي تطلق عليه اسم «نانو» وصنع من الحدث منحوتة ستوضع جنباً إلى جنب مع مصابيح الأسماك العمودية الضخمة المصنوعة من البولي فينيل والنحاس المعلقة من السقف لتعرض في معرض غيري للمنحوتات، الذي سيفتتح في 24 يونيو (حزيران) في ساحة بيفرلي هيلز في «غوغسيان».
في هذا السياق، قالت ديبورا ماكليود، مديرة المعرض «هو حر في هذه المرحلة المتأخرة من حياته في أن يكون مبدعاً من دون تنازلات أو تعاون من أحد. كم هو ممتع لفرانك جيري أن يصنع ما يريد».
كان جيري يرتدي قميصاً أزرق اللون وسروالاً قصيراً بني اللون، ويضع نظارات القراءة فوق رأسه، وتحدث عن مدى استمتاعه بالأخذ والعطاء مع جيفري وورث، مطور «مشروع وارنر براذرز»، الذي عمل جيري له أيضاً تصميم مجمع فندقي في «أوشن أفينيو» في «سانتا مونيكا»، مؤكداً أنّه «يهتم بالهندسة المعمارية».
من جانبه، قال وارث إنه فوجئ بانفتاح جيري على المدخلات وتوفير التكاليف «فهو لم يكن يؤمن بذلك». وفي حديثه عن متحف الفن المعاصر الشهير الذي صممه لمؤسسة «لوي فيتون» في عام 2014. قال المهندس المعماري: «أعتقد أنّنا اقتصدنا فيه جيداً».
ومن الواضح كذلك أنه يفخر بتصميم منازل خاصة لعملاء بارزين، مثل المجمع العائلي الأنيق في «كابو سان لوكاس» بالمكسيك لصالح حسن منصور من «مجموعة سورمان للسيارات».
ولعل أبرز ما في الأمر هو أن مشروع متحف «غوغنهايم بلباو» قد سلط الضوء على أنّ جيري يركز على التحديات المقبلة، وليس ما أنجزه بالفعل، حين قال: «أنا فخور بما قمت به، ولكن يمكنني أن أنظر إلى المشاريع، وأرى كل الأشياء التي كان ينبغي أن أفعلها بشكل مختلف».
ويقول جيري: «يوجد في نيويورك مركز روكفلر، فهو قطعة معمارية متماسكة وستدوم»، مضيفا أنّه يأمل أن تدوم جهوده في شارع كينغ ستريت بنفس الصورة». ويختتم أنّ «شارع جدتي موجود هناك»، مشيراً إلى رسم على الحائط. «كان متجر أدوات جدي هنا. لذلك توقفت في هذا الشارع».

- خدمة «نيويورك تايمز»



رغيف بـ1800 دولار... عندما يصبح الخبز أغلى من الذهب

ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
TT

رغيف بـ1800 دولار... عندما يصبح الخبز أغلى من الذهب

ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)
ليس كل خبز طعام الفقراء فبعض الأرغفة يفوق سعره الحدّ الأدنى للأجور (بكسلز)

هو أوّل الطعام، وأساسُه، وأقلُّه تكلفةً. الخبزُ أكلُ الفقراء الذين إن لم يجدوا ما يقتاتون به، يكتفون برغيفٍ منه. لكن حتى الخبز يتنكّر أحياناً للبسطاء الذين جعلوا منه وجبتهم الأساسية. إنه زمن الـ«ساوردو» (sourdough) والـ«شيباتا» (ciabatta) والـ«بيغل» (bagel)، ومزيدٍ من الابتكارات التي أخذت الخبز من شكله الكلاسيكي وجعلت منه وجبة رفاهية، بعضُها معجونٌ بالذهب.

من إسبانيا إلى نيويورك، مروراً بلندن وباريس، تتعدّد أشكال الخُبز وترتفع أسعاره لتُجاور الـ2000 دولار مقابل الرغيف الواحد أحياناً. فما هي أغلى أنواع الخبز حول العالم، ولماذا قد يتجاوز ثمنُ رغيف راتبَ فرد؟

الابتكارات في أنواع الخبز وأشكاله تُعدّ بالآلاف حول العالم (بكسلز)

خبز مشغول بالذهب

في قريةٍ صغيرة جنوب إسبانيا، مخبزٌ لا يشبه سواه في العالم فمنه يخرج أغلى خبز على الإطلاق. ينتمي مُنتَج «بان بينيا» إلى فصيلة الساوردو، وهو مصنوعٌ من أجوَد أنواع الطحين والخميرة، إضافةً إلى الملح والمياه. إلّا أنّ ما يرفع سعره إلى 1800 دولار مقابل الرغيف الواحد (400 غرام)، هي كمية صغيرة من الذهب الصالح للطعام والخالي من النكهة، التي تدخل في صناعة العجينة وتزيينها على هيئة أوراق رقيقة.

ابتكر الخبّاز خوان مانويل مورينو خبزه المذهّب ذاك، لاجتذاب السيّاح الأثرياء الذين يزورون منتجعات منطقة كوستا ديل سول المجاورة لمخبزه الصغير في بلدة ألغاتوسين الإسبانية.

خبز الساوردو الإسباني المصنوع من الذهب وهو الأغلى عالمياً (إنستغرام)

الخبز الذي شغل نيويورك

قبل 7 سنوات على ولادة الساوردو الإسباني المذهّب، برزَ اسمُ الشيف كريغ ريد لابتكاره خبز البيغل المغطّى بأوراق الذهب القابل للأكل. كان المعدن الثمين حينها لا يزال أرخص سعراً، فاقتصر ثمن الرغيف منه على 1000 دولار. والبيغل الذي كان يُباع حصراً لنزلاء فندق «وستن» في نيويورك، كان يُحشى بجبنة كريميّة بالكمأة البيضاء من صنف «ألبا»، وهو من بين الأغلى، الممزوجة بجبنة ماسكاربوني، إضافةً إلى هلام نبيذ «الريسلينغ» المنكّه بتوت «الغوجي»، مع شرائح رقيقة من الكمأة البيضاء الإيطالية؛ الأمر الذي ضاعف من سعره.

أوراق الذهب تزيّن خبز البيغل وحشوة الجبنة والكمأة (موقع فندق وستن نيويورك)

خبز الزعفران بـ200 دولار

يوم زار سلطان بروناي اسكوتلندا عام 1997، قرّر المخبز المحلّي في مدينة أبردين أن يكّرمه بخبزٍ يحمل بعضاً من نكهة جذوره. إلى خلطة الطحين والحليب والزبدة والسكّر والخميرة والملح، أضاف المخبز كمية سخيّة من الزعفران مانحاً الرغيف لونه الأصفر. وبما أنّ الزعفران هو من أغلى الأعشاب ومطيّبات الطعام، صار الرغيف يُباع إلى العامّة مقابل 200 دولار. فلم تقتصر متعة تَناولِه على سلطان بروناي.

خبز الزعفران الإنجليزي (إنستغرام)

رغيف بالشمبانيا والذهب

ليس بعيداً من اسكوتلندا، ابتكرت ويلز خبزاً خاصاً بها يُباع الرغيف منه مقابل 100 دولار. أما ميزة هذا الخبز فتكمن في أنّ عجينتَه تُمزَج مع مشروب الشمبانيا الفاخر وليس مع الماء. أما اللمسة الختاميّة فتزيينٌ بأوراق الذهب القابل للأكل.

يُغيّر استخدام الشمبانيا كبديلٍ عن الماء طبيعة العجين، إذ يضفي عليه لمسةً خفيفةً تذكّر برائحة الخميرة وتوحي بأجواء الاحتفال، وهي سمةٌ يعجز الماء العادي عن توفيرها. أما رقائق الذهب فليس الهدف منها تعزيز النكهة، بقَدرِ ما أنها تضفي إلى الخبز طابعاً فاخراً مناسباً للاحتفالات الخاصة، وليس للاستهلاك اليومي.

الخبز الذي يُعجن بالشمبانيا كبديل عن الماء (فيسبوك)

خبز بخميرة معمّرة

أحدثُ ابتكارات الخبز الباهظ ضجّت به نيويورك في صيف 2026. تحوّل الساوردو المصنوع من دقيق الجاودار النمساوي إلى ترند على وسائل التواصل الاجتماعي وإلى رمزٍ للرفاهية. يُباع هذا الخبز حصراً في مخبز الشيف مارتن آور في مانهاتن مقابل 60 دولاراً للرغيف الواحد، الذي يبلغ وزنه كيلوغراماً ونصف الكيلو.

أما ما يجعله باهظ الثمن فأوّلاً الدقيق النمساوي، الذي يُضاف إليه الماء والملح، وثانياً الخميرة المُستخدمة في صناعته والبالغة 57 عاماً. وتُترك العجينة 24 ساعة لتختمر قبل أن تُخبَز.

الخبز المصنوع من دقيق الجاودار النمساوي الفاخر والخميرة المعمّرة (إنستغرام)

«رغيف الراعي»

الرغيف الأرخص ثمناً على هذه القائمة يُباع حصراً في منطقة كوتسوولدز وسط إنجلترا. يُعرف بـ«رغيف الراعي» ويبلغ ثمنه 28 دولاراً ووزنه 2 كيلوغرام.

ابتكره الخبّاز توم هربرت في الأساس لصالح فيلم وثائقي من إنتاج «بي بي سي» حول البحث عن الرغيف المثالي. ويتكوّن رغيف الراعي من دقيق «السبلت» العضوي المعجون بمياه الينابيع من منطقة كوتسوولدز وملح البحر من منطقة كورنوال، إضافةً إلى خميرة طبيعية يتراوح عمرها ما بين 55 و64 عاماً، على أن تستمر عملية تخميره يومين.

رغيف الراعي المصنوع من مكوّنات عضويّة وبطريقة تقليدية (فيسبوك)

رغيف دالي أكلَه كلب بيكاسو

من خارج المنافسة وقائمة الخبز الأغلى سعراً، تبرز منحوتة الفنان الإسباني سلفادور دالي. وهي تجسّد الجزء العلوي من جسم امرأة تحمل فوق رأسها رغيف خبز حقيقي وعليه محبرة، كما تتدلّى الذرة من عنقها. ومن المعروف عن دالي وسائر الرسّامين العباقرة أنهم استلهموا الكثير من لوحاتهم من رغيف الخبز.

ووفق «مؤسسة دالي»، فإنّ كلب الرسّام بابلو بيكاسو التهمَ رغيف الخبز بعد عرض المنحوتة في باريس عام 1933.

منحوتة «تمثال نصفي لامرأة» لسلفادور دالي (موقع متحف الفن الحديث في نيويورك)

كيف يتحوّل الخبز إلى سلعة ثمينة؟

في تركيبته وتعريفه، الخبز سلعة رخيصة الثمن؛ فهو يُصنع من الدقيق والماء والخميرة والملح، ويُنتج بسرعة وعلى نطاق واسع بهدف إطعام أكبر عدد ممكن من الناس. في المقابل، يتعمّد الخبز الفاخر كسر كل تلك القواعد، إذ يعتمد غالباً على أنواع الدقيق التراثية أو المتخصصة بدلاً من الأنواع التجارية المتاحة، كما يرتكز على عملية التخمير الطبيعي البطيء بدلاً من أساليب التخمير التجاري السريع.

تلعب عوامل عدّة دوراً في تحوّل الخبز إلى سلعة ثمينة (بكسلز)

تُعزى الأسعار الخياليّة لبعض أرغفة الخبز حول العالم إلى عوامل عدّة:

* مكوّنات نادرة أو فاخرة مثل رقائق الذهب والفضّة والزعفران والكمأة، ما يرفع التكلفة بشكل كبير.

* اليد العاملة الماهرة: تُعَدّ صناعة الخبز الفاخر حرفة لا يتقنها سوى خبّازين ماهرين مستخدمين تقنيات تقليدية وأساليب دقيقة.

* محدودية التوفر: يُنتج العديد من هذه الأنواع بكميات محدودة، ما يعزز طابعها الحصري وجاذبيتها.

* الإبداع الفني في الطهي: لا تُعد بعض أنواع الخبز مجرد مواد غذائية فحسب، بل أعمال فنية في عالم الطهي، فترتفع أسعارها نظراً لجاذبيتها الجمالية وللوقت الذي يستغرقه تحضيرها.


دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.