معماري عمره 92 عاماً لم يتقاعد لأنه «مشغول»

المهندس المعماري فرانك جيري (نيويورك تايمز)
المهندس المعماري فرانك جيري (نيويورك تايمز)
TT

معماري عمره 92 عاماً لم يتقاعد لأنه «مشغول»

المهندس المعماري فرانك جيري (نيويورك تايمز)
المهندس المعماري فرانك جيري (نيويورك تايمز)

كان المهندس المعماري فرانك جيري (92 سنة)، الحائز على جائزة «بريتزكر» قد أكمل طابقه العلوي من مبنى «غراند أفينيو»، واستعد لعرض منحوتات جديدة في معرض «غاغوسيان»، ولم يكن لديه اهتمام كبير بالجلوس للتفكير في هذه اللحظة، التي يحتمل أن تكون ذات مغزى في حياته المهنية وحياته العامة، على حد سواء.
وبدلاً من التفكير بالتقاعد، كان جيري في حالة تنقُّل دائم، حيث قام بأول جولة له في شقته العلوية، منذ تفشي جائحة «كوفيد - 19»، وكان أكثر حماساً لمناقشة التصميمات التي لا تُعدّ ولا تُحصى التي لا يزال معظمها قيد التنفيذ.
تشمل المشاريع نسخة هذه المدينة من «هاي لاين» في نيويورك على طول نهر لوس أنجليس، والمباني المكتبية الجديدة لشركة «وارن بروز» في «بوربانك»، والتصميم الخلاب الذي يقوم به لأوبرا الجاز «أفغينيا» من تأليف واين شورتر وإسبيرانزا سبالدينج المقرر عرضها في ديسمبر (كانون الأول). وعلى بعد ما يقرب من 3000 ميل، من المقرر أن يكشف «متحف فيلادلفيا للفنون» عن أعمال التجديد والتوسع الداخلي التي صممها جيري في مايو (أيار)، وهو الحدث الذي يعتزم المهندس المعماري حضوره.
عندما سُئِل عما إذا كان فكر، بالنظر إلى عمره وإنجازاته، في أخذ قسط من الراحة أو تقليص حجم أعماله، رفض جيري الفكرة قائلاً: «لماذا؟ أنا أستمتع بكل هذه الأشياء».
وفيما كان يتنقل وسط مساحة عمله المترامية الأطراف، قال المهندس المعماري المخضرم إنّه وصل الآن إلى نقطة في حياته المهنية يتمتع فيها برفاهية التركيز على أكثر ما يهمه: المشاريع التي تعزز العدالة الاجتماعية.
يبدو أن تركيز جيري المتزايد على رد الجميل قد كثف من التزامه تجاه هذه المدينة؛ فهو، على سبيل المثال، يصمم مساكن في شارع «ويلشاير» لقدامى المحاربين المشردين. وقبل نحو ست سنوات أسس هو والناشطة ماليسا شرايفر منظمة «تيرن أراوند أرتس كاليفورنيا» وهي منظمة غير ربحية تعمل على تعليم الفنون لأكثر مدارس الولاية احتياجاً، وهو ما علق عليه جيري بقوله: «هذه أعمال تنم عن حب».
تطوع جيري بوقته لتصميم مقر جديد يُعدّ الذراع التعليمية لمؤسسة «لوس أنجليس فيلهارمونك» الذي يرتكز على الشباب والذي حمل اسم «يوث أوركسترا لوس أنجليس»، في «أنغيلوود سيفيك سنتر» جنوب المدينة والمقرر أن يكتمل في يونيو (حزيران).
قال جيري إنّه استوحى الفكرة من برنامج «السيستما» لتعليم الموسيقي الفنزويلي الممول من القطاع العام، الذي يمنح الأطفال المحرومين من الخدمات فرصة العزف في فرق الأوركسترا. كان من نتاج هذا البرنامج ما أطلق عليه غوستافو دودمال، المدير الموسيقي والفني لفريق «لوس أنجليس فيلاهارمونك»، إبداع المهندس جيري الذي يرى أنّ «الجمال مهم».
وسعياً لتحويل مبنى أحد البنوك في الستينات إلى قاعة حفلات موسيقية لأوركسترا الشباب، قال جيري إنّه دفع المنظمة لجمع القليل من المال الإضافي لإنشاء مسرح بطول 45 قدماً، وهو نفس حجم قاعة حفلات «والت ديزني» التي يرى أنّها ستكون «منارة للمجتمع».
جيري الذي صمم مركزاً لسيمفونية العالم الجديد في ميامي بالإضافة إلى مبنى متحف «غوغنهايم» في بلباو بإسبانيا وفرع المتحف المخطط له في أبوظبي، لا يزال نشطاً من خلال المشاريع الثقافية ذات المكون التعليمي.
ربما يكون جيري أكثر نشاطاً بشأن «مشروع النهر»، وهو جهد مُموّل من قبل دائرة الأشغال العامة في لوس أنجلس لتنشيط القناة التي يبلغ طولها 51 ميلاً، والتي تمتد من «كانوغا بارك» إلى «لونغ بيتش» وجرى تمهيدها في عام 1938 لمنع الفيضانات.
قامت مجموعة «ريفر لوس أنجلس» غير الربحية - بدعم من العمدة إريك إم غارسيتي - بالعمل مع جيري لوضع خطة رئيسية للموقع. ومن هذا المنطلق جاءت فكرة إنشاء حديقة أرضية حضرية فوق الخرسانة ذات المساحات العشبية ومركز ثقافي بقيمة 150 مليون دولار.
يُطلق على مشروع الحديقة أو المتنزه اسم «مركز سيلا الثقافي» (سمي على اسم موقعه في جنوب شرقي لوس أنجليس)، وسيُموّل من الأموال العامة والخاصة، وسيكون بمثابة مساحة للفنانين المحليين، وكذلك للمحترفين.
ومن المرجح أن يساهم في البرمجة كل من مايكل جوفان، مدير متحف مقاطعة لوس أنجليس للفنون، وبنيامين ميليبيد، مؤسس مشروع لا دانس بروجيكت.
لم يتخذ هذا المكون الثقافي شكلاً محدداً بعد، وأفاد ميليبيد بأنّه سيبدأ «بتحديد فرق الرقص المحلية الجيدة، وفهم أفضل طريقة للتعاون معها ودعمها».
لكن البعض انتقد مشاركة جيري في المشروع على اعتباره غير متخصص به، ويفتقر إلى الخبرة في المساحات الخارجية. وحذر مقال رأي نُشر مؤخراً في صحيفة «لوس أنجليس تايمز» من «احتمالية كبيرة لحدوث نتائج عكسية مأساوية. يمكننا ضخ ملايين الدولارات العامة في خطة تبدو مثيرة للإعجاب، ولكنّها لا تصل إلى جمهورها المستهدف، وهو المجتمعات التي واجهت صعوبة في البقاء في العقود الأخيرة».
حاول جيري معالجة مثل هذه المخاوف، وأكد في مقابلة أن تركيزه كان على إنشاء مساكن بأسعار معقولة ومساحات مفتوحة، مؤكداً: «نحن نعمل على توفير فرص الإسكان الاجتماعي لتعزيز ملكية المنازل بين السكان الحاليين».
ومع ذلك، لا يزال نشطاء غير راضين عن نهج جيري للمشروع، مفضلين إعادة النهر إلى حالته الأصلية. وقالت ماريسا كريستيانسن، المديرة التنفيذية لمجموعة «أصدقاء النهر»، وهي مجموعة مناصرة، «رغم شهرة جيري، وبقدر ما جذبت تلك الشهرة الانتباه إلى النهر، فلا يوجد مهندس معماري أفضل من الطبيعة الأم».
وأضافت أنّ اقتراح جيري الحالي «يظهر نقصاً في الابتكار والفهم الشامل لتجمعات المياه التي تغذي النهر، فهي لم تُدرس بالكامل حتى الآن لمعرفة ما إذا كانت هناك احتمالات أخرى».
لا يزال جيري، كوجه لشركته، هدفاً لمثل هذه الانتقادات، لكن مجموعة «غيرى بارتنرز» تتكون من أعضاء خدموا لفترة طويلة ويعملون معه عن كثب، بما في ذلك زوجته بيرتا، وميغان لويد، وديفيد نام، وكريغ ويب، وتينشو تاكيموري، ولورنس تيغ، وجون باورز، وجنيفر إيرمان.
أصبحت المهمة شأناً عائلياً، فبالإضافة إلى بيرتا جيري، رئيسة الشؤون المالية، فإنّ سام ابن جيري هو أيضاً مهندس معماري، وابنه الآخر، أليخاندرو، فنان يساهم في العمل في مشاريع والده.
ورغم انشغاله بمشروع النهر، فإنه منهمك أيضاً في المزيد من النشاطات المرحة.
استوحي جيري فكرة إقامة حفل شاي من قصة «أليس في بلاد العجائب» من حفيدته البالغة من العمر 5 سنوات، التي تطلق عليه اسم «نانو» وصنع من الحدث منحوتة ستوضع جنباً إلى جنب مع مصابيح الأسماك العمودية الضخمة المصنوعة من البولي فينيل والنحاس المعلقة من السقف لتعرض في معرض غيري للمنحوتات، الذي سيفتتح في 24 يونيو (حزيران) في ساحة بيفرلي هيلز في «غوغسيان».
في هذا السياق، قالت ديبورا ماكليود، مديرة المعرض «هو حر في هذه المرحلة المتأخرة من حياته في أن يكون مبدعاً من دون تنازلات أو تعاون من أحد. كم هو ممتع لفرانك جيري أن يصنع ما يريد».
كان جيري يرتدي قميصاً أزرق اللون وسروالاً قصيراً بني اللون، ويضع نظارات القراءة فوق رأسه، وتحدث عن مدى استمتاعه بالأخذ والعطاء مع جيفري وورث، مطور «مشروع وارنر براذرز»، الذي عمل جيري له أيضاً تصميم مجمع فندقي في «أوشن أفينيو» في «سانتا مونيكا»، مؤكداً أنّه «يهتم بالهندسة المعمارية».
من جانبه، قال وارث إنه فوجئ بانفتاح جيري على المدخلات وتوفير التكاليف «فهو لم يكن يؤمن بذلك». وفي حديثه عن متحف الفن المعاصر الشهير الذي صممه لمؤسسة «لوي فيتون» في عام 2014. قال المهندس المعماري: «أعتقد أنّنا اقتصدنا فيه جيداً».
ومن الواضح كذلك أنه يفخر بتصميم منازل خاصة لعملاء بارزين، مثل المجمع العائلي الأنيق في «كابو سان لوكاس» بالمكسيك لصالح حسن منصور من «مجموعة سورمان للسيارات».
ولعل أبرز ما في الأمر هو أن مشروع متحف «غوغنهايم بلباو» قد سلط الضوء على أنّ جيري يركز على التحديات المقبلة، وليس ما أنجزه بالفعل، حين قال: «أنا فخور بما قمت به، ولكن يمكنني أن أنظر إلى المشاريع، وأرى كل الأشياء التي كان ينبغي أن أفعلها بشكل مختلف».
ويقول جيري: «يوجد في نيويورك مركز روكفلر، فهو قطعة معمارية متماسكة وستدوم»، مضيفا أنّه يأمل أن تدوم جهوده في شارع كينغ ستريت بنفس الصورة». ويختتم أنّ «شارع جدتي موجود هناك»، مشيراً إلى رسم على الحائط. «كان متجر أدوات جدي هنا. لذلك توقفت في هذا الشارع».

- خدمة «نيويورك تايمز»



أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

أعمال يونسكو ولورنس وداريو فو تجدد دماء المسرح المصري

جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)
جانب من عروض المهرجان (وزارة الثقافة)

شهدت الدورة 41 لمهرجان المسرح العالمي الذي تنظمه أكاديمية الفنون المصرية في القاهرة عرض مجموعة مسرحيات مقتبسة من نصوص عالمية، من بينها «الكمامة»، تأليف ألفونسو ساستري، و«موت فوضوي صدفة» لداريو فو، و«قصة الحي الغربي» لأرثر لورنس، و«منظمة آل يونسكو»، عن مسرحية ليوجين يونسكو، و«ليزي أنبل من الجميع»، عن مسرحية لجان بول سارتر. وقد قدّم كل عرض رؤية خاصة أسهمت في إثراء الحالة المسرحية، بما يسهم في تجديد دماء المسرح المصري.

واحتضنت الدورة الجديدة المواهب الشابة لتصبح منصة فاعلة لإطلاق الطاقات الإبداعية؛ إذ تنافست 7 عروض مسرحية قدّمت رؤى فنية متنوعة، عكست وعياً جمالياً متطوراً وقدرة لافتة على الاشتباك مع أدوات المسرح المختلفة، من إخراج وتمثيل وتصميم بصري وموسيقي، وفق بيان لأكاديمية الفنون، الأحد.

وأسفرت نتائج الجوائز عن مشهد تنافسي ثري؛ إذ حصد عرض «آل يونسكو» جوائز في أكثر من فرع، من بينها أفضل بوستر وأفضل دراماتورج، إلى جانب تقاسمه جوائز في مجالَي الملابس والديكور. في حين برز عرض «ماذا لو؟»، محققاً جوائز نوعية شملت الإخراج والتمثيل، إلى جانب حصوله على جائزة أفضل عرض ثانٍ.

ونال شادي نجم جائزة أفضل موسيقى عن «موت فوضوي صدفة»، ومارينا بيرزي أفضل مكياج عن «ليزي أنبل من الجميع»، في حين تُوّج محمد الديب بجائزة أفضل استعراض عن «قصة الحي الغربي»، الذي حصد أيضاً جائزة لجنة التحكيم الخاصة للمخرج مازن نادر.

وفي مجال التمثيل، عكست النتائج بروز جيل جديد من الموهوبين؛ إذ حصلت أمنية حسن على المركز الأول (للبنات)، في حين تصدّر سعيد سلمان جوائز التمثيل (للرجال).

وتقاسم جائزة أفضل مخرج أول كل من ماركو نبيل ومحمد عادل، ونال حسام قشوة جائزة أفضل مخرج ثانٍ عن عرض «الكمامة»، الذي حصد بدوره جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

وتُوّج عرض «منظمة آل يونسكو» بجائزة أفضل عرض أول، ليختتم المهرجان بصورة تعكس توازناً بين الجرأة الفكرية والاحترافية الفنية، ويؤكد أن المسرح الجامعي لا يزال قادراً على إنتاج تجارب لافتة ومؤثرة، وفق بيان «الأكاديمية».

جانب من حفل ختام مهرجان المسرح العالمي (أكاديمية الفنون المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «مهرجان المسرح العالمي الذي أقيم في أكاديمية الفنون قدم أعمالاً عالمية مهمة جداً، وتم الاحتفاء بها بشكل كبير»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الأعمال قُدمت في إطار محدود ضمن المهرجان، لكنها حين تُعرض للجمهور العام لا شك أنها ستجد إقبالاً كبيراً عليها»، وتابع: «أكبر دليل على ذلك أن أعمال ويليام شكسبير الذي يعدّ (أبا الدراما والمسرح)، حين يعاد تقديمها على مسارح الدولة تشهد قبولاً كبيراً».

ويأتي هذا المهرجان في سياق رؤية أكاديمية الفنون التي تستهدف بناء جيل جديد من الفنانين يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويكون قادراً على تجديد دماء الحركة المسرحية في مصر، عبر تجارب حقيقية تتجاوز حدود التعلم النظري إلى فضاءات الممارسة والابتكار.

وأكد سعد الدين أن الروايات العالمية حين يعاد إنتاجها بدماء جديدة فهي تجدد دماء المسرح، وأوضح: «لو نُفذت مسرحية (هاملت) أو (ماكبث)، أو غيرهما، سيجذبان جمهوراً كبيراً، رغم تقديمهما قبل 30 أو 40 سنة في مصر، لكن من حق الجمهور الجديد أن يراهما وهو يضمن أنه سيرى في كل منهما عملاً جيداً؛ لما لهما من صدى عالمي، مما يسهم في تجديد دماء المسرح بشكل كبير».


عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
TT

عصر الانفلات... الذكاء الاصطناعي يزاحم عقول البشر

غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)
غلاف كتاب «عصر الانفلات» (الشرق الأوسط)

في ظل ما يتعرض له العالم من تطورات متسارعة في كل المجالات الحيوية في الطبيعة والاقتصاد والسياسة والاجتماع، وحتى في منظومة القيم، يصطدم الواقع البشري بأن لديه قوانين وتشريعات تتطور بوتيرة بطيئة تشبه المشي، في حين يتطور العالم بتقنياته الحديثة بسرعة الضوء.

هذه الفجوة بين نمط الحياة البشري وإيقاع الحياة التكنولوجي المتطور الذي تحكمه عناصر عدة أهمها الذكاء الاصطناعي، هو ما يطرحه الدكتور منصور الجنادي، في كتابه الأحدث «عصر الانفلات... حياتنا اليوم ومستقبل الإنسان» الصادر أخيراً عن دار العين في القاهرة.

على طريقة «أيام الإنسان السبعة»، ينقسم الكتاب إلى سبعة أبواب كل باب يتضمن فصلاً عن توقعات العلم وتطوراته وتقنياته وآلياته المختلفة وتأثيراته على الكرة الأرضية، وفصلاً عن الإنسان وتأثره بهذا التطور العلمي أو التقني أو التكنولوجي. فيما عدا الباب السابع المخصص للإنسان فقط من خلال رصد الأزمات التي تناولها الكتاب وتشريحها لفهم أبعادها المختلفة، والبحث عن حلول وعلاج لها أو طرق لمواجهتها.

الكاتب المتخصص في الفلسفة، وصاحب الإنتاج الفكري والعلمي المعروف ومن بينه كتابه السابق «خرافة العقل» متناولاً مقاربة فلسفية لحياتنا قبل وبعد الذكاء الاصطناعي، يعتمد في كتابه الأحدث على علوم المستقبل، فهو لا يطلق الافتراضات أو الأفكار على علاتها وإنما بالدلائل والحجج والبراهين المختلفة، مشفقاً على القارئ من البرودة والملل الذي تسربه الأرقام الإحصائية والأبحاث العلمية الجافة منزوعة الروح، ليقدم لنا رؤية تنطلق من تجربة شخصية أو ما يمكن اعتباره سيرة ذاتية لشخص نشأ في قرية مصرية، لا تفرق عاداتها وتقاليدها كثيراً عن حياة المصريين القدماء، ثم انتقل إلى القاهرة ليواجه كل ما تخبئه المدينة من زخم يخطف الأنفاس، ثم يتعلم فن الباليه، ثم يقرر الهجرة إلى الخارج ويكرس وقته لدراسة الفلسفة وعلم النفس ثم العمل مع شركات عابرة للقارات، ثم العودة بكل خبرات السنين الطويلة لكتابة هذه التجربة الثرية من منظور عام يتصل بالوجود البشري وليس شخصه المفرد.

يأتي ترتيب أبواب الكتاب ليقدم لنا رؤية علمية للواقع الذي نعيشه من خلال عناصر بعينها هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياتنا مثل الطبيعة، وتشير توقعات العلم فيها إلى «اغترابنا في كرتنا الأرضية»، بينما يتمثل حضور الإنسان في البحث عن وسائل للحياة مع الأرض لا فوقها، بمعنى مصالحة الطبيعة والاستفادة منها والتعايش معها بتوازن دقيق.

وفي الفصل التالي عن «العلم والتكنولوجيا»، تأتي توقعات العلم تحت عنوان «عندما يصنع العلم صانعه»؛ في إشارة إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التي بدأت تسيطر على الكثير من المجالات ومرشحة للتغول والتمدد لمساحات أوسع، في المقابل يظهر الإنسان الهجين الحائر بين وجوده البشري وبين الابتكارات الحديثة والبدائل التكنولوجية.

وفي باب الاقتصاد تتحدث توقعات العلم عن التحول من الرأسمالية إلى الذهنوية، فنحن أمام اقتصاد جديد يعتمد على تقنيات وتكنولوجيا المعلومات بالدرجة الأولى، ليجد الإنسان نفسه أمام عمل بلا زمن وهوية بلا مكان.

وفي باب عن الهجرة يتحدث المؤلف عن التحول من غريزة الترحال التي كان يتمتع بها الإنسان في الماضي إلى الهجرة المبرمجة، ومن ثم تصبح النتيجة أننا جميعاً مهاجرون، حتى لو لم نتحرك من أماكننا.

ويخصص الكاتب باباً للسياسة والمجتمع يتوقع فيه العلم مستقبل الحرية والسلطة، ويتحول فيه الإنسان من المجتمع إلى الذات الناقدة. كما يتناول الباب السادس القيم والهوية، ويتوقع العلم الانتقال من هوية الزمان والمكان إلى «ملف البيانات»، بمعنى أن الوجود البشري سيتم تكثيفه أو تركيزه في ملفات للبيانات تحدد الهويات والقيم، لتنتهي صلاحية البوصلة القيمة لأفكار الهوية والقيم التي كان يحفظ بها الإنسان في الماضي.

ويكرس الكاتب الفصل السابع والأخير لمستقبل الإنسان، من خلال التحديات التي تواجه ومدى سيطرته على حياته وعلى مظاهر الطبيعة وانتفاء فكرة أنه مركز الكون، ثم أدوات التأقلم أو ما يسميه الكاتب «الحكمة 2.0» أو تكنولوجيا البقاء، وصولاً إلى المستقبل أو المصير المنتظر للإنسان في مواجهة تقنيات العصر الحديث، بكل ما تحمله من التباسات ذهنية وفكرية وفلسفية واغترابات روحية ونفسية قد تؤثر على مستقبل البشر بطريقة أو بأخرى إذا لم يتم فهمها بطريقة صحيحة والتعايش معها، داعياً القارئ في نهاية كتابه إلى كتابة «سيرة مستقبلية» لتوقعاته في ظل التغيرات المتواترة التي يمر بها العالم.


مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
TT

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)
واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)

قال المخرج الجنوب أفريقي مايكل جيمس إن فيلمه «قضاء الرب» ولد من احتكاك مباشر بعالم المهمشين، لإعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع لهؤلاء الأشخاص، مع رغبته في استعادة إنسانيتهم بعيون الآخرين.

وتدور أحداث الفيلم الذي حصد جائزة أفضل فيلم يتناول قضية أفريقية وعرض للمرة الأولى في مصر ضمن فعاليات مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» في شوارع مدينة ديربان بجنوب أفريقيا، حيث يجد عدد من الرجال المشردين ملاذاً هشاً داخل مبنى متهالك، يجمعهم نوع من التضامن الصامت في مواجهة عالم قاسٍ تحكمه اللامبالاة والعنف، وتتشابك حيواتهم بين الشارع والذكريات، بينما تتحول تجاربهم اليومية إلى مزيج من الواقع والخيال، في محاولة مستمرة لفهم العالم والبقاء داخله.

وفي امتداد هذه الرحلة، يغوص الفيلم في العوالم الداخلية للشخصيات، حيث تصبح الأحلام والهواجس والذكريات جزءاً لا ينفصل عن الواقع، بل ربما أكثر تأثيراً منه، ليقدم العمل صورة مركبة عن الإنسان.

المخرج الجنوب أفريقي (الشرق الأوسط)

وأكد مايكل جيمس أن الفيلم لا يتوقف عند حدود الحكاية، بل يطرح سؤالاً أوسع حول دور السينما نفسها، وهو ما يجعله يظهر داخل العمل بشخصه مخرجاً يصنع فيلماً عن هؤلاء الرجال، قبل أن يتحول السرد إلى نوع من النقد الذاتي، ليعيد النظر في علاقته كونه صانع أفلام بموضوعه، وفي الحدود الأخلاقية والإنسانية لهذه العلاقة.

وأضاف جيمس لـ«الشرق الأوسط»: «من أبرز التحديات التي واجهتني كانت محدودية الإمكانيات الإنتاجية، فلم نمتلك الوقت الكافي لإجراء بروفات تقليدية، وهو ما دفعني إلى العمل بشكل مكثف مع الممثلين قبل التصوير، من خلال بناء علاقة إنسانية قائمة على الفهم والثقة، وهو أسلوب انعكس على الأداء، بمنح الممثلين مساحة للأداء التلقائي القائم على الصدق».

ولفت إلى أن تجربته مع الأشخاص الذين استلهم منهم الحكاية لم تكن مجرد مادة بحثية، بل تحولت إلى علاقة إنسانية معقدة، وكان حريصاً على قضاء وقت طويل معهم قبل التفكير في تحويل قصصهم إلى فيلم، موضحاً أن هذه العلاقة جعلته يعيد التفكير في موقعه كونه مخرجاً، ليس فقط باعتباره راوياً للحكاية، بل بأنه جزء منها، وهو ما انعكس على طبيعة السرد داخل «قضاء الرب»، على حد تعبيره.

وأشار إلى أن الفيلم يحاول أن يضع المشاهد في مواجهة مباشرة مع ذاته؛ لأن التحدي بالنسبة له لم يكن في عرض المعاناة بقدر ما كان في كيفية جعل الجمهور يرى نفسه في هؤلاء الأشخاص، معتبراً أن الفيلم يسعى إلى كسر المسافة بين «المشاهد» و«الموضوع»، بحيث لا يعود من الممكن النظر إلى الشخصيات من موقع التعاطف فقط، بل من موقع المشاركة الإنسانية.

وأكد مايكل جيمس أن استخدامه لأسلوب يمزج بين الروائي والتوثيقي جاء بسبب طبيعة التجربة نفسها حيث تختلط الحقيقة بالخيال في حياة الشخصيات، مشيراً إلى أن «هذا التداخل كان جزءاً من رؤية أوسع للواقع وتحركه الدائم وتغيير ماهيته، حيث يُعاد تشكيله باستمرار من خلال الذاكرة والتجربة».

حاول المخرج تقديم صورة جديدة عن حياة المشردين (الشركة المنتجة)

وأضاف أن اختياره للممثلين قام على بناء علاقة شخصية معهم قبل أي شيء، موضحاً أنه يحرص على معرفة الممثل كونه إنساناً قبل أن يكون مؤدياً، وهو ما ساعد في تطوير الشخصيات بشكل مشترك، «حيث جاءت بعض التفاصيل الدرامية نتيجة نقاشات مباشرة معهم، ما منح العمل عمقاً إضافياً»، وفق قوله.

وأشار إلى أنهم لجأوا إلى حلول مبتكرة خلال التصوير، من بينها استخدام موقع واحد وتحويله إلى عدة فضاءات داخل الفيلم، مثل المنزل المهجور والكنيسة والشارع، وهو ما ساعدهم على تجاوز ضيق الميزانية دون التأثير على الرؤية الفنية، مؤكداً أن هذه القيود دفعتهم إلى التفكير بشكل أكثر إبداعاً في بناء الصورة.

وأوضح أن تجربة التمويل كانت معقدة، لكونهم اعتمدوا في البداية على دعم محلي من جهات رسمية في جنوب أفريقيا، لكنه لم يكن كافياً لاستكمال الفيلم، قبل أن ينضم منتج مشارك ويوفر التمويل اللازم لمرحلة ما بعد الإنتاج، ما أتاح لهم تنفيذ المونتاج وتصميم الصوت والموسيقى بالتعاون مع فريق دولي.

واجه المخرج صعوبات في خروج الفيلم للنور (الشركة المنتجة)

واعتبر المخرج أن التعاون مع مدير التصوير لعب دوراً كبيراً في تنفيذ رؤيته، حيث اعتمدا على تنويع الأسلوب البصري بما يعكس الحالة النفسية للشخصيات، من خلال استخدام عدسات مختلفة وتغيير نسب الصورة، لا سيما في المشاهد التي تعكس حالات الاضطراب أو التعاطي، ما أضفى بعداً بصرياً متماسكاً مع البناء الدرامي.

وشدد المخرج الجنوب أفريقي على أن فيلمه ليس مجرد عمل عن التشرد، بل محاولة لطرح أسئلة أوسع حول العدالة والإنسانية، معرباً عن أمله في أن يواصل العمل رحلته في المهرجانات الدولية، وأن ينجح في إثارة نقاش حقيقي حول هؤلاء الذين يعيشون على هامش العالم، دون أن يفقدوا إنسانيتهم.