العمل عن بُعد جاء ليبقى

شركات أميركية تخلت عن مكاتبها وأخرى قررت السماح بالعمل في مقرها بالتناوب

TT

العمل عن بُعد جاء ليبقى

يشغل مقر شركة «سبوتيفاي» في الولايات المتحدة الأميركية 16 طابقاً من مبنى رقم 4 بمركز التجارة العالمي، وهو مبنى إداري مرتفع في منطقة لوار منهاتن. ومن المرجح أن تظل مكاتب الشركة شاغرة للأبد، حيث أبلغت موظفيها بأنهم يستطيعون العمل من أي مكان حتى لو كان ذلك في ولاية أخرى. كذلك تعتزم شركة «ميديا ماث»، التي مقرها في نفس المبنى وتعمل في مجال الإعلان والتكنولوجيا، التخلي عن مكاتبها، وهو قرار دعمته الترتيبات الجديدة الخاصة بالعمل عن بُعد التي بدأ العمل بها أثناء فترة انتشار الوباء.
أما في وسط منهاتن، فتعتزم شركة «سيلزفورس»، التي يزين اسمها مبنى ارتفاعه 630 قدماً يطل على متنزه «براينت بارك»، السماح بوجود موظفيها في المكتب لفترة تتراوح من يوم واحد إلى ثلاثة أيام فقط أسبوعياً. كذلك تنظر شركة محاماة قريبة هي «لوينستين ساندلر» فيما إذا كانت ستجدد عقد إيجار مكتبها في «أفينيو أوف ذا أميركاز»، حيث اعتاد محاموها البالغ عددهم 140 العمل لمدة خمسة أيام أسبوعياً. ويقول جوزيف باليرمو، رئيس التشغيل بالشركة: «قليلون، وأنا من بينهم، هم من يعتقدون أننا سنعود إلى سابق عهدنا». بعد مرور عام على تسبب فيروس «كورونا» في مغادرة العاملين بشكل استثنائي للمباني الإدارية، ما بدا أنه وضع استثنائي غير ملائم مؤقت، بات الآن جلياً أنه أصبح تحولاً دائماً بنيوياً في مكان العمل وكيفية القيام به. لقد استمتع أصحاب الأعمال والموظفون على حد سواء بمزايا العمل عن بُعد بما في ذلك انخفاض تكاليف العمل في المكاتب، وإتاحة قدر أكبر من المرونة للموظفين، خاصة ممن لديهم أسر.
على الجانب الآخر، لم تشهد بعض المدن الكبرى خارج نيويورك عودة ملحوظة للموظفين، حتى في المناطق التي كانت قرارات الإغلاق الحكومية بها أقل صرامة؛ وأعلنت بعض الشركات أنها لن تسمح بعودة الموظفين بالكامل للعمل طوال الوقت كما كان في السابق.
وقد صرحت شركات كبرى من بينها «فورد» في ولاية ميشيغان، و«تارغت» في ولاية مينيسوتا خلال الأسابيع القليلة الماضية بأنها ستتخلى عن جزء كبير من مساحتها الإدارية بسبب تغير الممارسات الخاصة بأماكن العمل، في حين صرحت شركة «سيلزفورس»، التي يشغل مقرها أطول مبنى في سان فرانسيسكو، بأن عدداً قليلاً جداً من موظفيها هم مَن سيعملون بدوام كامل في المكتب.
مع ذلك لا ينبغي أن تعول أي مدينة في الولايات المتحدة الأميركية، وربما في العالم أجمع، على هذا التحول أو تضعه في الاعتبار سوى نيويورك، وتحديداً منهاتن، وهي جزيرة استطاع اقتصادها الصمود بدرجة كبيرة، من بائع النقانق إلى مسارح برودواي، في ظل حركة ما يزيد على 1.6 مليون شخص يومياً.
لقد دخل أصحاب المباني التجارية في منهاتن عام 2020 وهم مفعمون بالتفاؤل في ظل وجود طلب ثابت مستمر على المساحات الإدارية، وارتفاع أسعار المعروض من المساحات في بعض الأحياء، وحدوث أكبر حركة ازدهار في البناء منذ الثمانينيات، لكن انهار كل ذلك بين عشية وضحاها، حيث وجد أصحاب العقارات أنفسهم فجأة يلاحقون المستأجرين لتقاضي الإيجارات المستحقة، والتفاوض مع المستأجرين على خطط لسداد المستحقات، ويعرضون تخفيضات كبيرة من أجل شغل المساحات الشاغرة.
ويطالب العمدة بيل دي بلازيو بعودة موظفي المجلس المحلي البالغ عددهم نحو 80 ألفاً في بداية مايو (أيار)، في إشارة إلى الموظفين الآخرين بأن العودة إلى مباني نيويورك أمر أساسي وضروري من أجل تعافي الاقتصاد. مع ذلك يعمل نحو 90 في المائة من الموظفين في مكاتب منهاتن عن بُعد، وهو معدل ظل ثابتاً لأشهر، بحسب مسح أجرته مؤسسة «بارتنرشيب فور نيويورك سيتي» مؤخراً عن أصحاب الأعمال البارزين، والتي تشير تقديراتها إلى عودة أقل من نصف العاملين إلى المكاتب بحلول سبتمبر (أيلول).
ومع تزايد عدد الشركات التي تؤجل موعد عودة الموظفين إلى المكاتب، وتجعل عمل بعض الموظفين على الأقل عن بُعد سياسة دائمة، قد تكون العواقب التي ستواجهها نيويورك واسعة النطاق، بحيث تتجاوز المطاعم والمقاهي وغيرها من الأعمال الصغيرة بها، لتشمل عائدات المجلس المحلي التي تعتمد كثيراً على العقارات التجارية.
تؤدي سارة باتيلوس، وهي واحدة من أعضاء فريق «سبوتيفاي» الموسيقي، عملها على منضدة عشاء في تروكي بكاليفورنيا، وهي بلدة جبلية تقع بالقرب من بحيرة تاهو، قضت بها أكثر أيام العام الماضي بعد سفرها إلى هناك في رحلة قصيرة خلال شهر مارس (آذار) 2020، حيث علقت هناك بسبب قرارات الإغلاق التي فرضتها الحكومة. وتقول سارة التي كانت تعيش في بروكلين: «أحب الوجود في المدينة، لكن المرء يفكر في حياته، والتجارب التي يرغب في معايشتها، أو المراحل المختلفة التي يريد المرور بها. الوضع مختلف كثيراً حالياً؛ إن هذا يُحدث تحولاً كبيراً في الحياة».
لطالما جعلت المباني الإدارية، التي تصطف في شوارع منهاتن، من نيويورك مركزاً عالمياً وعاصمة للعديد من الصناعات، من مجال الإعلانات إلى مجال المال والأعمال.
وقد أبلغت بعض الشركات الكبرى وأكثرها استقراراً وقوة، من بينها «جي بي مورغان تشيز أند كامبني»، التي يعمل بها ما يزيد على 20 ألف موظف في المدينة، موظفيها بأن العمل طوال أيام الأسبوع قد بات من الماضي. وينظر المصرف، الذي رفض التعليق من أجل هذا المقال، في تطبيق نموذج عمل عقلاني، مما يعني عمل الموظفين عن بُعد ومن داخل المكتب بالتناوب. وقال دانييل بينتو، أحد رؤساء «جيه بي مورغان» ورئيس التشغيل في مقابلة على «سي إن بي سي» خلال شهر فبراير (شباط): «أعتقد أنه لا يوجد أي احتمال لعودة الموظفين إلى المكاتب بالكامل بدوام كامل».
كذلك تسبب فقدان العاملين في انخفاض القيمة السوقية للعقارات التجارية، التي تشمل المباني الإدارية، بنسبة 16 في المائة تقريباً أثناء انتشار الوباء، ما أدى إلى انخفاض حاد في عائدات الضرائب التي تمول خدمات ضرورية بالمدينة من المدارس إلى الصرف الصحي.
وقد دفع الانخفاض الحاد العاملين في مجال التطوير العقاري إلى الاحتشاد وراء فكرة بدت بعيدة كل البعد عن الخاطر قبل ظهور الوباء، وهي تحويل المباني الإدارية البائسة في منهاتن إلى مساكن منخفضة الدخل. ويُعزى هذا المعدل الكبير لخلو المباني إلى اكتشاف عدد كبير من الشركات في جميع المجالات تقريباً من الإعلام إلى الأزياء مزايا العمل عن بُعد.
إلى جانب توفير التكاليف عند تشغيل مكتب على نطاق محدود، أو الاستغناء عنه تماماً، سمحت التكنولوجيا الحديثة والاتصالات للعاملين بالاتصال والتعاون عن بُعد، مع تحقيق قدر أكبر من الإنتاجية دون الاضطرار إلى الانتقال المضني إلى أماكن العمل في ظل مطالبة الآباء بالمزيد من المرونة للتمكن من رعاية أبنائهم. ويقول ألكسندر ويستردال، نائب رئيس الموارد البشرية في «سبوتيفاي» العملاقة في مجال الموسيقى ومقرها ستوكهولم ويعمل بها أكثر من 6.500 موظف في مختلف أنحاء العالم: «نعتقد أننا مقبلون على تغير جديد، وهو (العصر الموزع) حيث يستطيع الناس التمتع بقيمة أكبر في طريقة العمل التي لن يمثل فيها مكان قضاء الوقت أمراً مهماً».
لا تخطط «سبوتيفاي» حتى هذه اللحظة للحد من وجودها على الأرض في نيويورك، لكن الشركة أبلغت موظفيها في الولايات المتحدة الأميركية، الذين يعمل 2100 منهم في مكتب منهاتن، بأنه بداية من فبراير سوف يعملون من أي مكان يريدونه. وتحفز العولمة والتحول الرقمي حدوث هذا التغير، حيث يضيف ويستردال قائلاً: «باتت وسائلنا أفضل كثيراً في تحقيق إمكانية عمل الناس من أي مكان يريدونه».
خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
TT

كيف تؤثر نصائح «تيك توك» على الخيارات الغذائية للمستخدمين؟

شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)
شعار منصة «تيك توك» (د.ب.أ)

أصبح الشباب مؤخراً يستقون نصائحهم الغذائية من وسائل التواصل الاجتماعي. فقد أظهر استطلاع نُشر حديثاً أن مستخدمي تطبيق «تيك توك» يختارون ما يأكلونه وأين يأكلونه بناء على الوجبات والوصفات التي يعرضها التطبيق على المستخدمين أثناء تصفحهم لمحتوى المنصة، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويقول الباحث أرتور سترتسيليكي، من جامعة كاتوفيتشي للاقتصاد في بولندا: «يمكن للاتجاهات الغذائية المعروضة في فيديوهات (تيك توك) أن تحدد ما سيأكله الشباب، والمطاعم التي يرتادونها، وكيف يقيمون الوصفات المعروضة».

وكان سترتسيليكي ضمن فريق أجرى استطلاعاً لمستخدمي «تيك توك» في العام الماضي، وخلص إلى أن التطبيق «أداة فعالة في تشكيل تفضيلات المستهلكين الغذائية وسلوكياتهم».

ويؤكد سترتسيليكي أنه «في الوقت الحاضر، يميل الشباب إلى جعل معظم عاداتهم الغذائية متوافقة مع المحتوى الذي قد يشاهدونه على وسائل التواصل الاجتماعي».

وأشارت دراسة نُشرت في المجلة الدولية لدراسات المستهلك، إلى أن «الآليات الخوارزمية» لمنصة «تيك توك» تعد عاملاً رئيسياً في تحديد ما يراه المستخدمون، والذي غالباً ما يقدمه المؤثرون الذين يتقاضون أجراً مقابل الترويج للعلامات التجارية والأماكن.

ووفقاً لبرونو لوريو، مؤلف كتاب «تاريخ علم التغذية - من أبقراط إلى مؤشر التغذية» المنتظر صدوره قريباً، فإن النصائح الغذائية المُعاصرة تعاني من «جو من القلق» وتتأثر بـ«انتشار قادة الرأي».

وكان لوريو يتحدث إلى المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، ناشر الكتاب، حيث أشار إلى أن مجموعة من «الخبراء، وأشباه الأطباء، ومنظمات المستهلكين، والمؤثرين» يقدمون نصائح حول الطعام والنظام الغذائي على وسائل التواصل الاجتماعي.

كما كشفت دراسة أن «تيك توك» هي أكثر منصات التواصل الاجتماعي استهلاكاً لوقت المستخدمين، حيث يقضي المستخدمون عليها ما معدله 97 دقيقة يومياً، وفقا لمنصة «بلايرزتايم» للتوعية بمخاطر القمار، بينما تأتي «يوتيوب» في المرتبة الثانية بـ85 دقيقة يومياً.


عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
TT

عادتان «مزعجتان» تدلان في الواقع على الذكاء

بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)
بعض السلوكيات قد تكون علامة على عقل نشط (رويترز)

كثيراً ما نعدّ عادات مثل شرود الذهن أو لحظات «الذهول التلقائي» عيوباً. ويرى معظم الناس أنها علامات على ضعف التركيز، أو قلة الانضباط، أو حتى تراجع القدرات الإدراكية، لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تصوراتنا تتأثر بثقافة الإنتاج المتواصل والمكافآت المادية التي تحيط بنا.

ومن هذا المنظور، تبدو هذه العادات الذهنية وكأنها عوامل تشتيت تحتاج إلى تصحيح، بدلاً من كونها عمليات إدراكية تحتاج فقط إلى فهم، وفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية.

وتُشير الأبحاث النفسية إلى أنه في ظل الظروف المناسبة قد تعكس هذه السلوكيات التي تبدو غير مُنتجة، مرونة معرفية وقدرة على حل المشكلات بطرق إبداعية ومهارة دماغية في التكيف مع أنماط التفكير المختلفة.

بعبارة أخرى، بدلاً من كونها خللاً ذهنياً، قد تكون هذه السلوكيات علامات على الذكاء وعلى عقل نشط يقوم بمهام أساسية مهمة. وفيما يلي سلوكان شائعان يتجاهلهما الكثيرون أو يحاولون كبتهما، رغم أنهما قد يكونان مفيدين، وكيفية التعامل معهما بفهم أعمق للفروق النفسية الدقيقة.

عادة شرود الذهن

لطالما عُدّ شرود الذهن، أو انصراف الانتباه عن المهمة الحالية نحو أفكار ذاتية، علامة واضحة على قلة التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تُظهر أنه قد يُسهم أيضاً في تعزيز التفكير الإبداعي والمرونة المعرفية.

فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة، أُجريت عام 2025 وشملت أكثر من 1300 بالغ، أن شرود الذهن المتعمد (أي سماح الشخص لنفسه عمداً بالتفكير في أحلام اليقظة) يُنبئ بأداء إبداعي أعلى. وأشارت بيانات التصوير العصبي إلى أن هذا التأثير مدعوم بزيادة الترابط بين شبكات الدماغ واسعة النطاق المسؤولة عن التحكم التنفيذي وشبكة الوضع الافتراضي، وهي نظام مرتبط بالتفكير الذاتي والخيال.

كما يُظهر الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن التلقائي أداءً أفضل في نماذج تبديل المهام، مما يعني قدرتهم على تغيير أنماط تفكيرهم بسرعة أكبر، وهو دليل واضح على مرونة التفكير. أيضاً يرتبط الأشخاص الذين لديهم ميل أكبر لشرود الذهن بقدرة أكبر على التفكير التلقائي.

مع ذلك، من المهم ملاحظة أن شرود الذهن ليس حلاً سحرياً، ولن تظهر فوائده إلا عند موازنته مع التحكم في الانتباه. وإذا وجدت ذهنك شارداً في كثير من الأحيان، وكنت تتمتع أيضاً بتركيز جيد ووعي ذاتي، فقد تكون بذلك تستخدم نمطاً ذهنياً يدعم الإبداع والتفكير المرن وحل المشكلات.

عادة التحدث مع النفس

قد يبدو التحدث مع النفس، سواءً كان صامتاً أو بصوت خافت، غريباً من وجهة نظر الآخرين. مع ذلك تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى أن الحديث الداخلي مع الذات يُمكن استخدامه لدعم التنظيم الذاتي والتخطيط والتفكير التأملي (أي التفكير في أفكارك).

ووفقاً لدراسة أُجريت عام 2023 على طلاب جامعيين، توجد علاقة وثيقة بين استخدام الحديث الداخلي ومقاييس التنظيم الذاتي ووضوح مفهوم الذات. بعبارة أخرى، يُظهر الأفراد الذين يتحدثون مع أنفسهم أكثر من غيرهم وضوحاً أكبر في هويتهم الذاتية، فضلاً عن تنظيم ذاتي أفضل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الحديث مع النفس يدل على ذكاء أعلى، بل يُشير إلى أن الحديث الداخلي قد يعمل بوصفه دعامة معرفية، أو وسيلة لتنظيم الأفكار المعقدة، وتسلسل الأفعال، ومتابعة الأهداف.

هذا يعني أنه من خلال التعبير عن الأفكار داخلياً أو بصوتٍ خافت، قد يجد الدماغ سهولةً أكبر في تقليل التشويش الذهني، ونتيجةً لذلك قد يُرتب أيضاً المشكلات بكفاءة وفاعلية أكبر.

مع ذلك، وكما هو الحال مع شرود الذهن، فإن الحديث مع الذات لا يُفيد إلا باعتدال، فالحديث المفرط أو السلبي مع الذات، خصوصاً في صورة اجترار الأفكار أو النقد الذاتي القاسي، يُمكن أن يُضعف التركيز والصحة النفسية. أما عند استخدامه بشكل بنّاء فإن هذا الحوار الداخلي نفسه يُمكن أن يُحوّل الأفكار غير المكتملة إلى خطط قابلة للتنفيذ.


أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
TT

أصبحوا مليونيرات لدقائق... شركة كورية تدفع 40 مليار دولار بـ«البيتكوين» لعملائها بالخطأ

مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)
مجسمات لعملات البيتكوين المشفرة (أرشيفية - رويترز)

دفعت منصة تداول عملات رقمية كورية جنوبية بالخطأ ما قيمته أكثر من 40 مليار دولار من عملة البيتكوين لعملائها، مما جعلهم لفترة وجيزة من أصحاب الملايين.

ووفقاً لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)»، فقد كانت المنصة تخطط لمنح العملاء مكافأة نقدية صغيرة قدرها 2000 وون (1.37 دولار أميركي)، لكنها منحتهم بدلاً من ذلك 2000 بيتكوين، يوم الجمعة.

واعتذرت المنصة، "بيثامب"، عن الخطأ، مؤكدةً أنها تداركت الأمر سريعاً واستعادت معظم العملات المفقودة، وأوضحت أنها قيّدت عمليات التداول والسحب لـ695 عميلاً متضرراً خلال 35 دقيقة من حدوث الخلل.

وأفادت بأنها استعادت 99.7 في المائة من الـ620 ألف بيتكوين التي أُرسلت بالخطأ.

وأكدت شركة "بيثومب"، في بيان لها، يوم الجمعة: «نريد أن نوضح أن هذه المسألة لا علاقة لها بأي اختراق خارجي أو خروقات أمنية، ولا توجد أي مشكلة في أمن النظام أو إدارة أصول العملاء».

شعار «البيتكوين» على الباب في صورة توضيحية تم التقاطها بباريس (رويترز)

وفي اجتماع طارئ، عُقد يوم السبت، أعلنت هيئة الرقابة المالية في كوريا الجنوبية أنها ستُجري تحقيقاً في الحادث، وأكدت أن أي مؤشر على نشاط غير قانوني سيستدعي إجراء تحقيقات رسمية.

وتعهَّدت «بيثومب» بالتعاون مع الجهات الرقابية، وقال رئيسها التنفيذي، لي جاي وون: «سنعدّ هذا الحادث درساً، وسنُعطي الأولوية لثقة عملائنا وراحة بالهم على حساب النمو الخارجي».

وتعتزم الشركة دفع تعويضات بقيمة 20.000 وون (13.66 دولار أميركي) لجميع العملاء الذين كانوا يستخدمون المنصة وقت وقوع الحادث، بالإضافة إلى إعفاء العملاء من رسوم التداول، ضمن إجراءات أخرى.

وأعلنت أنها ستُحسّن أنظمة التحقق وتُدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي لكشف المعاملات غير الطبيعية.

ومن المرجَّح أن يُثير هذا الحادث نقاشاً حول تشديد الرقابة التنظيمية على القطاع المالي.

في 2024، قام بنك سيتي غروب الأميركي، عن طريق الخطأ، بإيداع 81 تريليون دولار في حساب أحد عملائه بدلاً من 280 تريليون دولار.

وذكرت صحيفة «فاينانشيال تايمز» أن اثنين من الموظفين لم يكتشفا الخطأ قبل تنفيذه، لكن البنك ألغى العملية في غضون ساعات، بعد أن اكتشفها موظف ثالث.