رافاييل غروسي... أمين وكالة الطاقة المولج بإبقاء إيران تحت المجهر

الدبلوماسي الأرجنتيني قليل الكلام ويرفض الخوض في السياسة

رافاييل غروسي... أمين وكالة الطاقة المولج بإبقاء إيران تحت المجهر
TT

رافاييل غروسي... أمين وكالة الطاقة المولج بإبقاء إيران تحت المجهر

رافاييل غروسي... أمين وكالة الطاقة المولج بإبقاء إيران تحت المجهر

بقدر ما هو مليء بالحيوية، فإن رافاييل غروسي، أمين عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مليء بالمفاجآت. والواقع أن هذا المسؤول الأرجنتيني وجد نفسه في خضمّ معركة بين إيران والمجتمع الدولي فور تسلمه منصبه في ديسمبر (كانون الأول) 2019. ورغم أنه يرفض الخوض في السياسة ويقول إن عمله تقني بحت، فهو يعترف بتأثير السياسة على عمله. وعلى عكس سلفه الياباني الأمين العام السابق يوكيا أمانو، وكان قليل الكلام، فإن غروسي يحب الترويج لعمله عبر الإعلام بشكل مستمر. وهو غالباً ما يدخل غرفة الصحافيين في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعاصمة النمساوية فيينا، من دون أن يكون في جعبته تصريح معين، بل يقول إنه مستعد للإجابة عن أي سؤال. وهذا، مع أن إجاباته غالباً ما تكون عامة، ولا سيما عندما يتحدث عن إيران. ولكن هذه المقاربة «الحيوية» تقول الكثير عن أسلوبه.
والحقيقة أنه خلال الأشهر القليلة منذ تسلم غروسي منصبه، نجح الرجل في إعادة تسليط الضوء على عمل الوكالة الذرية بشكل أكبر مقارنة مع أيام سلفه... وليس فقط أعمالها المتعلقة بالتفتيش النووي والملف الإيراني. فهو دائم الترويج لنشاطات الوكالات «الإيجابية»، مثل تلك المتعلقة بالطاقة البديلة بهدف تخفيف انبعاثات ثاني أوكسيد الكاربون لمواجهة التغير المناخي، أو نشاطات متعلقة باستخدام الطاقة النووية في الطب ومكافحة الأوبئة العالمية في المستقبل بناءً على ما يشهده العالم بسبب جائحة «كوفيد - 19». غير أن هذه «الحيوية الإيجابية»، كما يقول بعض منتقديه، تشتت تركيزه بعيداً عن العمليات الأهم للوكالة، وهي المتعلقة بعمليات التفتيش لضمان الطاقة النووية السلمية خاصة في إيران.
إلا أن غروسي نفسه يبدو واثقاً من قدرته على إدارة كل هذه الملفات بنجاح في الوقت نفسه.
من تابع مسيرة رافاييل غروسي (60 سنة) منذ انتخابه أمين عام المنظمة الدولية للطاقة الذرية، لم تغب عنه ملاحظة الحيوية الكبيرة التي حملها معه للمنصب، كما يقول أحد الصحافيين الذين يغطون بشكل دائم أعمال الوكالة في فيينا. لذلك؛ لم يتفاجأ هؤلاء عندما سافر غروسي إلى طهران يوم 21 فبراير (شباط) الماضي، بمبادرة شخصية منه وفي اللحظات الأخيرة «لمحاولة إنقاذ إيران من نفسها»، وذلك بعدما هددت بوقف التعاون مع المنظمة يوم 23 فبراير الماضي ما لم ترفع واشنطن العقوبات عنها.
هناك، في العاصمة الإيرانية، أجرى غروسي مفاوضات منهكة استمرت لـ11 ساعة مع المسؤولين الإيرانيين. وعاد بعدها إلى فيينا ليعقد مؤتمراً صحافياً فور وصوله إلى المطار، وفيه أطلع الصحافيين على أنه توصل إلى «اتفاق مبدئي» مع إيران لإكمال عمليات التفتيش لمدة ثلاثة أشهر إضافية. وهي في واقع الأمر فترة يعطي خلالها المجال للاعبين السياسيين بالتفاوض على إنقاذ الاتفاق النووي، والإبقاء بالتالي على عمليات التفتيش.
ثم، بعد أقل من أسبوعين من عودته من طهران، أثار غروسي مفاجأة أخرى بتأجيل انفجار الأزمة بين إيران والمجتمع الدولي للمرة الثانية خلال أيام. وحينذاك كانت الدول الأوروبية تعد لتقديم مشروع قرار مع الولايات المتحدة أمام مجلس المحافظين التابع للوكالة تدين فيه إيران لخفيضها تعاونها مع الوكالة، وكانت تلك خطوة نادرة للمجلس وذات دلالات كبيرة.
- مفاوض بارع
في المقابل، كانت إيران تهدد من جديد بوقف تعاونها مع الوكالة، بل وحتى وقف الاتفاق التقني الذي توصلت إليه مع غروسي قبل أيام، في حال صدرت إدانة بحقها من مجلس المحافظين. ومجدداً، عشية موعد تقديم مشروع القرار، دعا غروسي إلى مؤتمر صحافي عقده على عجل ليعلن فيه أنه توصل إلى اتفاق مبدئي مع إيران لإكمال المشاورات معها في مطلع أبريل (نيسان) لتوضيح المسائل العالقة، وأنها أكدت له استعداها الكامل للتعاون. وبذلك؛ قال غروسي لم تعد هناك حاجة إلى بيان إدانة من قبل مجلس المحافظين. وعندما سئل لماذا يختلف «الوعد» الإيراني هذه المرة عن سابقيه، لم تكن لدى الأمين العام إجابة إلا بأن عليه منح إيران «فرصة» مع أن النتيجة قد لا تكون مختلفة في النهاية. وتابع أنه بالنسبة إليه، فوظيفته هي الإبقاء على «قنوات التواصل حيّة».
ولكن، مقابل محاولات غروسي هذه منح الإيرانيين فرصة وراءها فرصة لإثبات «حسن نياتها» فيما يتعلق ببرنامجها النووي، فهو لا يتردد من جهة أخرى في الضغط عليها واستخدام كامل نفوذه انطلاقاً منصبه كأمين عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وحقاً، كانت من أولى مبادراته بعد انتخابه للمنصب، الضغط على إيران كي تسمح للمفتشين الدوليين بدخول مواقع سرية تشتبه الوكالة بأنها شهدت نشاطات نووية غير معلن عنها. وعندما لم يلق غروسي أي تجاوب من السلطات في طهران، لجأ إلى مجلس المحافظين في الوكالة ورفع إليه تقريرا مفصلا عن «عرقلة» إيران عمل المفتشين. ودفع هذا التقرير بالمجلس لتبني أول قرار إدانة ضد إيران منذ عام 2012.
ولم تمض أيام على قرار الإدانة هذا، حتى أعلن غروسي أن إيران سمحت بالفعل للمفتشين بدخول موقعين سرّيين من أجل أخذ عينات منها وتحليلها لمعرفة النشاطات التي شهدتها. وتبين لاحقاً بأن المفتشين عثروا على آثار يورانيوم غير مخصّب؛ ما يدل على أنه كانت هناك نشاطات نووية لم تعلن عنها إيران في مخالفة صريحة لـ«اتفاق فيينا»، رغم إنكارها المستمر للأمر.
اعتبر هذا الإنجاز نصرا بيّنا لغروسي، خاصة، أنه نجح بدفع إيران إلى الرضوخ في مكان حيث لم ينجح سلفه أمانو، الذي لطالما واجه اتهامات بأنه لا يضغط بشكل كافٍ على إيران للكشف عن ماضيها النووي. ومعلومٌ أن الولايات المتحدة تحث منذ سنوات الوكالة الدولية للضغط على إيران للكشف عن نشاطاتها النووية السرّية في مواقع عدة، منها موقع توركوز آباد بمحيط العاصمة طهران، الذي وصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في عام 2018، بأنه «موقع نووي سرّي».
- السياسة... و«كوفيد - 19» والطاقة البديلة
من ناحية ثانية، رغم أن رافاييل غروسي يعتبر نفسه «تقنياً» فهو لا يتردد في لعب الورقة السياسية لتحقيق أهدافه. ومثلما انتزع قرار إدانة من مجلس المحافظين لكي يحقق هدفه بدخول مواقع إيران السرية، نجح قبل ذلك بالحصول على تأييد الولايات المتحدة لتوليه منصب الأمين العام. إذ الرجل الآتي من الأرجنتين والذي رشحته دولته للمنصب، كان ينافس الروماني كورنال فيروتا الذي كان مقرباً من أمانو، وفاز في الجولة الثانية بفارق صوت واحد فقط.
ومنذ فوزه، حرص غروسي على تجنب تركيز جهوده على «العمل السلبي» للوكالة، أي عمليات التفتيش والمراقبة النووية، بل راح يطلق مبادرات تتعلق بالتكنولوجيا النووية الطبية والبيئية وغيرها. وفي خضم أزمة جائحة «كوفيد - 19»، التي رفض غروسي أن تقيد تحركات المفتشين وعملهم، فإنه أطلق مبادرة طموحة سماها «زودياك» تهدف لاستخدام التكنولوجيا النووية لمواجهة الأوبئة في المستقبل وتدمير الفيروسات التي تشكل تهديداً قبل انتشارها. وقال عن المبادرة لمجلة «فورين بوليسي»، أنه «بحلول الصيف ستكون الوكالة جاهزة لتسليم معدات وتأمين تدريب لمناطق أساسية في أفريقيا وآسيا ودول حوض الكاريبي وأميركا اللاتينية».
ومبادرة غروسي هذه تبني على جهود سابقة للوكالة لبناء شبكة تساعد الدول على تحسين قدرات المختبرات للكشف المبكر عن الأمراض التي تهدد الثروة الحيوانية والصحة العامة ومكافحتها. وفي خضم إطلاق هذه المبادرة في فبراير الماضي، كانت أزمة مع إيران تلوح في الأفق مع اقتراب تاريخ 23 فبراير الذي حددته طهران لنفسها لوقف التزاماتها النووية في حال لم تعد واشنطن إلى الاتفاق وتبادر إلى رفع العقوبات.
وبينما كان غروسي يتلهى بمشروع «زودياك»، كانت الأزمة تقترب من الانفجار. غير أنه، كما سبقت الإشارة، تدارك الأمر قبل يومين بسفره المفاجئ إلى طهران وحصوله على اتفاق مؤقت أجل الانفجار. وهذا بالنسبة إليه، دليل، على أن بإمكان الوكالة فعلاً أن تتعاطى مع كل التحديات من دون أن تؤثر واحدة على أخرى. وهو دائماً يقول بأن «الوكالة الدولية لا تتوقف عن العمل لدقيقة واحدة». وبالفعل، في أوج أزمة «كوفيد - 19» في النمسا، ورغم إغلاق المؤسسات والعمل من المنازل، كانت الوكالة الدولية ما زالت تستقبل الصحافيين والموظفين داخل مقرها، إلى أن دفعت الإصابات المتكررة لطاقمها بالفيروس الوكالة إلى تخفيف العمل... ونقله إلى خارج جدار المبنى.
في أي حال زاد هذا الفيروس من إصرار رافاييل غروسي على العمل أكثر وتوسيع أفق الوكالة لتحارب الأوبئة. وهو يقول، إنه عندما بدأ الفيروس في الانتشار لجأ إلى فريق العلماء والخبراء لدى الوكالة وطلب رأيهم في كيفية مساهمة الوكالة بمكافحة ما تحوّل بالفعل إلى جائحة. وهكذا جاءت فكرة التواصل مع شبكة مختبرات بيطرية لتعزيز التعاون وتمكنيهم من الكشف عن فيروسات حيوانية خطيرة بشكل أسرع في المستقبل، وتدميرها قبل انتشارها.
من ناحية ثانية، يركز غروسي كذلك على الترويج للطاقة النووية كبديل عن الطاقة البترولية التي تلوث الكرة الأرضية وتساهم في التغير المناخي. وإبان إدارته الوكالة، أشرف على انتهاء العمل في معمل البراكة الذي يولّد الطاقة النووية في دولة الإمارات العربية المتحدة، ليصبح المعمل الأول من نوعه في العالم العربي. وهو الآن يعمل مع المملكة العربية السعودية التي تطور معامل نووية لتوليد الطاقة الكهربائية.
النشأة والمسيرة
ولد رافاييل غروسي يوم 29 يناير (كانون الثاني) 1961، في العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس. وهو متزوج وأب لـ9 أطفال، بحسب ما تقول سيرته الذاتية على موقع الوكالة الرسمي.
تلقى تعليمه الجامعي في الجامعة الباباوية الكاثوليكية في الأرجنتين، حيث حاز شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية. ولاحقاً تخرّج في المعهد العالي للدراسات والتنمية الدولية في جنيف بسويسرا حاملاً دكتوراه في العلاقات العامة والتاريخ والسياسة الدولية. ودخل فور تخرجه السلك الدبلوماسي في الأرجنتين خلال منتصف الثمانينات عندما كانت البلاد قد خرجت للتو من الحكم العسكري الديكتاتوري. ولعب دوراً في اهتمام غروسي بقضايا مكافحة الانتشار النووي، أن بلاده تحت الحكم العسكري حصلت على أسلحة نووية تخلت عنها بعد سقوط الديكتاتورية وبدء مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية عام 1983. وعن هذا الجانب يقول، إن ذلك كان درساً للخطر الذي يمكن أن تشكله التكنولوجيا المتطورة عندما تقع في الأيدي الخطأ. ثم بين عامي 1997 و2000 كان غروسي رئيس فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة والمعني بسجل الأسلحة الدولية، وشغل بعد ذلك منصب مستشار الأمين العام المساعد للأمم المتحدة بشأن نزع الأسلحة.
عام 2002 انضم غروسي إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية كرئيس موظفين في البداية، وبقي في المنصب حتى عام 2007. وفي نطاق عمله هذا، زار مرات عديدة مواقع نووية في كوريا الشمالية، وشارك في الاجتماعات التي سبقت التوصل لاتفاق مع إيران حول برنامجها النووي عام 2015. وشغل أيضاً منصب نائب أمين عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية بين العامين 2010 و2013، قبل أن تسميه رئيسة الأرجنتين - آنذاك - كريستينا فيرنانديز كيرشنير سفيراً إلى النمسا وممثلاً للأرجنتين في الوكالات الدولية التابعة للأمم المتحدة في فيينا.
وصول غروسي إلى قيادة الوكالة عام 2019، كان طموحه منذ سنوات، وبتحقيقه أصبح أول أميركي لاتيني يشغل هذا المنصب. وتجدر الإشارة، إلى أنه عادة تنتهي ولاية الأمين العام بعد 4 سنوات، ولكن لم يسبق لأحد قاد الوكالة في السابق أن غادر بعد ولايته الأولى باستثناء أمينها العام الأول. وعندما توفي يوكيا أمانو – سلف غروسي – فإنه كان في منتصف ولايته الثالثة. ولذلك؛ فإن بقاء غروسي على رأس الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد يستمر لسنوات، يطمح خلالها هذا الدبلوماسي الأرجنتيني لإحداث «ثورة» تكنولوجية داخل الوكالة. ولكن يبقى أن نرى إلى أي مدى سينجح باللعبة السياسية مع إيران، وبإبقائها على التزاماتها مع الوكالة.
زيارته المقبلة إلى طهران، ستكون بلا شك، امتحاناً جديداً له ولمدى قدرته على التلاعب بين السياسة ووظيفته «التقنية» التي حددها لنفسه.


مقالات ذات صلة

غروسي: كوريا الشمالية تُظهر «زيادة خطرة» في قدرتها على صنع أسلحة نووية

آسيا صورة بثتها وكالة الأنباء الكورية المركزية للزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بالقرب من صاروخ باليستي عابر للقارات في مارس 2022  (أ.ب)

غروسي: كوريا الشمالية تُظهر «زيادة خطرة» في قدرتها على صنع أسلحة نووية

حذّر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافايل غروسي، في سيول، الأربعاء، من أن كوريا الشمالية تُظهر «زيادة خطرة جداً» في قدرتها على صنع أسلحة نووية.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
شمال افريقيا وزير الكهرباء المصري خلال لقاء وفد «الدوما» الروسي الجمعة (وزارة الكهرباء المصرية)

مصر وروسيا لتسريع العمل في «الضبعة النووية»

أكد وزير الكهرباء المصري، محمود عصمت، على «التعاون والتكامل بين مختلف المؤسسات والجهات في بلاده وروسيا؛ لإنجاز مشروع محطة الضبعة النووية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شؤون إقليمية محطة بوشهر النووية (أرشيفية - رويترز) p-circle

محطة بوشهر النووية... مشروع الشاه الذي تهدده الحرب

محطة بوشهر النووية هي المنشأة النووية المدنية الوحيدة العاملة في إيران، وشيَّدتها روسيا ودُشّنت رسمياً في سبتمبر (أيلول) 2013، بعد عقود من التأخير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مفاعل نووي في كوريا الجنوبية (أرشيفية - رويترز)

كوريا الجنوبية تعيد تشغيل مفاعل نووي متوقف عن العمل لدعم إمدادات الطاقة

أعادت شركة كوريا للطاقة المائية والنووية تشغيل مفاعل نووي متوقف عن العمل، فيما تسعى البلاد لدعم إمدادات الطاقة بسبب الاضطرابات الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط

«الشرق الأوسط» (سيول)
شؤون إقليمية صورة بالأقمار الاصطناعية لموقع أصفهان النووي في إيران (رويترز) p-circle

غارات أميركية وإسرائيلية تستهدف مصنعاً إيرانياً لمعالجة اليورانيوم

أفادت المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية بأن غارات أميركية وإسرائيلية استهدفت، الجمعة، مصنعاً لمعالجة اليورانيوم وسط إيران، عقب استهداف مفاعل يعمل بالماء الثقيل.

«الشرق الأوسط» (لندن)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.