اعتزام حفيدة بيكاسو بيع أعماله الفنية يثير قلق السوق

ورثت نحو 300 لوحة من إجمالي أعمال جدها وتقول إنه «إرث بلا حب»

مارينا بيكاسو أمام لوحة لجدها (أ.ف.ب)
مارينا بيكاسو أمام لوحة لجدها (أ.ف.ب)
TT

اعتزام حفيدة بيكاسو بيع أعماله الفنية يثير قلق السوق

مارينا بيكاسو أمام لوحة لجدها (أ.ف.ب)
مارينا بيكاسو أمام لوحة لجدها (أ.ف.ب)

منذ أن كانت مارينا بيكاسو طفلة صغيرة تعيش على حافة الفقر وتطيل الوقوف على أبواب فيلا فرنسية مع والدها من أجل الحصول على نفقة من جدها بابلو بيكاسو، وهي تعاني من عبء إرث ذلك الفنان. وعندما بلغت العشرينات من عمرها وورثت فيلا «لا كاليفورنيا» التي تعود إلى القرن التاسع عشر فضلا عن مجموعة قيمة من كنوز بيكاسو الفنية، قلبت اللوحات على ظهرها بحيث تواجه الحائط تعبيرا عن الاستياء. وظلت تجتر على مدى 15 عاما من العلاج النفسي ذكريات أسرية مريرة تتعلق بعدم اكتراث جدها كما كانت تراه وانتحار شقيقها. وفي مذكراتها، التي نشرت عام 2011 بعنوان «بيكاسو: جدي» أعلنت عن ألمها. وتقرّ حاليا بعد أن بلغت الرابعة والستين أنها كانت توسع نطاق ثورتها وتمردها من خلال بيع الكثير من أعماله الفنية من أجل تمويل وزيادة نطاق أعمالها الخيرية التي تقدمها لإحدى مستشفيات الأطفال في فيتنام، ومشروعات في فرنسا وسويسرا ينتفع بها العجائز والمراهقون المضطربون نفسيا. وأثارت طريقتها غير التقليدية في بيع الأعمال، التي كان لها صدى كبير في أسواق الفن الدولية، قلق تجار الأعمال الفنية والقائمين على المزادات المعتادين على الاضطلاع بدور بارز أساسي مربح في بيع الأعمال الفنية الشهيرة. وفي مقابلة قالت إنها ستبيع الأعمال على نطاق خاص، وسوف تحدد على أساس منفرد الحاجة والعدد المتبقي من أعمال بيكاسو وأيا منها ستبيعها.
والجدير بالذكر أنها ظلت تبيع أعمال جدها بانتظام لسنوات من أجل الإنفاق على نفسها وعلى أعمالها الخيرية. ومنذ وفاة المسؤول عن بيع الأعمال الذي كانت تتعامل معه عام 2008 تجرب مارينا الكثير من الاستراتيجيات في السوق، مثل عرض لوحتين مهمتين في المزاد عام 2013، وعرض مجموعة من الرسوم العارية من عمل جدها في دار «سوذبي» في باريس العام الماضي.
مع ذلك يشير قرارها تولي عملية بيع الأعمال بنفسها إلى قيامها بمحاولة أكثر عدوانية لتطهير ذاتها من الإرث. وفي الوقت الذي باع فيه ورثة آخرون لبيكاسو أعماله في عدة مناسبات، تعد مارينا هي الوحيدة التي يبدو أنها «تسرع» من وتيرة بيع الأعمال الفنية على حد قول إينريك مالين، أستاذ تاريخ الفن في جامعة «سام هوستن» في تكساس وصاحب مشروع «أونلاين بيكاسو» لمتابعة الحركة الفنية.
وأوضحت مارينا علنا متحدثة عن استراتيجيتها الجديدة لأول مرة قائلة: «من الأفضل لي بيع أعمالي والاحتفاظ بالمال من أجل إعادة توزيعها لأغراض إنسانية». وكان هذا أثناء زيارة مستشفى في مارسيليا تمول بها قسم العلاج النفسي للمراهقين. وأضافت: «بالطبع لدي لوحات يمكنني استغلالها في دعم تلك المشروعات». وتنتشر أخبار هذه الاستراتيجية غير المعتادة الخاصة بها في الدوائر ذات الصلة عن طريق القيل والقال، مما يثير شائعات ومعلومات مغلوطة من بينها تقرير أخير نشر بإحدى الصحف الصفراء يشير إلى عزمها بيع فيلا جدها و7 من أعماله الفنية. وأدى هذا إلى التكهن بأنها قد تغرق السوق بالأعمال وتتسبب في انخفاض الأسعار.
وقال جون ريتشاردسون، مؤرخ لبيكاسو وكاتب لسيرته في نيويورك: «بدلا من أن يكون لديها تاجر يعرض الأعمال، لم يعد أمر وجود أعمال للبيع سرا، وبدأ الناس يسأل بعضهم بعضا إن كان أحد مهتما. وقد أخبرني شخص غريب أن مارينا تبيع كل ما لديها من أعمال».
وفي الوقت الذي يعد فيه تجاوز وتجاهل التجار ودور المزاد في عملية بيع الأعمال الكبرى أمرا غير اعتيادي، قد يكون هناك جانب سلبي في نهج اعتماد البائعين على أنفسهم يتمثل في صعوبة تقدير قيمة الأعمال، والتأكد من مصداقية المشترين ومصدر أموالهم.
في الوقت ذاته، ومع زيادة بعض دور المزاد لأجورها، ربما تكون تلك الخطوة في النهاية خطوة ذكية بالنسبة إلى بائع يتوق إلى جني المزيد من المال.
وأشارت مارينا، التي ورثت نحو 300 لوحة من إجمالي أعمال بيكاسو الفنية البالغ عددها 10 آلاف، والتي تنوعت بين أعمال الخزف والرسوم والنقوش والمنحوتات، إلى عدم اتخاذها أي قرار بشأن عدد الأعمال التي ستبيعها وليست لديها أي نية لعرض الفيلا للبيع. مع ذلك فهي تعلم أي الأعمال ستبيع أولا وهي لوحة «لا فاميلي» وهي تصوير لأسرة على خلفية قاحلة يعود تاريخها إلى عام 1935. وأوضحت قائلة: «إنها تحمل دلالة رمزية لأنني ولدت في أسرة كبيرة، لكنها لم تكن أسرة كالأسرة». وعند وفاته عام 1937 كان عدد أعمال بيكاسو قد وصل إلى نحو 50 ألفا وخلّف ورائه 4 أبناء و8 أحفاد فضلا عن الزوجات والعشيقات الذين خاضوا معركة طويلة على إرثه.
ومارينا هي ابنة باولو بيكاسو وطالما حافظت على مسافة تفصلها عن باقي أفراد أسرتها. وظلت لسنوات تتصرف في الأعمال بحسب إرشادات جان كروغير، تاجر الأعمال الفنية السويسري الذي باع الكثير من أفضل الأعمال في مجموعتها، إلى أن توفي عام 2008، وأصيبت مارينا بخيبة أمل بسبب منافذ البيع الأخرى مثل المزاد لذي أقامته دار «سوذبي» عام 2013 وعرضت خلاله لوحتين مهمتين إحداهما لوحة «السيدة الجالسة ذات الرداء الرمادي». وحصد العملان 6.8 مليون دولار بحسب دار «سوذبي» في باريس، لكن مارينا قالت إنها توقعت مبلغا أكبر لأن المشترين كانوا يعرفون أن المال سيخصص لدعم أعمالها الخيرية. ويعد توقيتها مثاليا، فقد احتلت مبيعات أعمال بيكاسو في المزاد العام الماضي المركز الثاني بعد أعمال أندي وارهول حيث بلغت 449 مليون دولار العام الماضي في السوق الدولية التي تقدر قيمتها بـ16.1 مليار دولار بحسب «أرتنت»، موقع البحث في الفن في نيويورك.
وقالت مارينا إنه ليس لديها أي صور فوتوغرافية تجمعها بجدها، ولم يكن لديها أي من أعماله إلى أن حصلت على إرثها. وتتذكر كيف كان يصنع لها زهورا من الورق، لكن لم يكن مسموحا لها أبدا الاحتفاظ بها.
وكان باولو ابن بيكاسو من زوجته الأولى أولغا كوكلوفا، راقصة باليه روسية.
وروت كيف ما زالت تعاني من ذكريات باولو وهو يعمل لدى جدها سائقا من بين أعمال أخرى دونية ويتسول منه المال. وانفصلت والدتها إيملين عن والدها وظلت تعاني مشكلات مع تعاطي الكحول وكانت تعتمد على الصدقات من طليقها لتتمكن من تربيتها هي وشقيقها بابليتو. وأضافت: «لم أكن أرى والدي كثيرا، ولم يكن لدي جد». وزاد انعزالها عن جدها ودائرته بعد منع جاكلين روغ، زوجة بيكاسو الثانية، لشقيقها من حضور جنازة بيكاسو عام 1937، وبعد بضعة أيام انتحر أخوها بتناول مادة لتبييض الملابس. وأقيمت جنازة شقيقها بابليتو بمساعدات مالية من أصدقاء بحسب مارينا التي كانت تنفق على نفسها بالعمل في مأوى للأطفال المتوحدين والمصابين بأمراض عقلية.
لم يترك بيكاسو وصية عندما توفي في الواحدة والتسعين من العمر، مما أثار صراعا محتدما بين أرملته وأطفاله وأحفاده. وكان من المفاجئ إدراج مارينا ضمن الورثة، حيث حصلت على خمس الإرث واشتمل على الفيلا. وتقول مارينا: «يخبرنني الناس أن علي تقدير إرثي وأنا أقدره بالفعل؛ لكنه إرث بلا حب».
في النهاية تعلمت مارينا من ماضيها، حيث أوضحت قائلة: «لقد كان صعبا حقا أن يكون لدى المرء هذا الاسم الشهير ويعاني شظف العيش. أعتقد أن هذا ما نمَّى بداخلي الحس الإنساني ورغبتي في مساعدة الآخرين».
على الجانب الآخر جاءت نظرة أوليفير ويدماير بيكاسو، أحد أحفاد بيكاسو من عشيقته ماري تيريز والتر، الذي نشر سيرة بيكاسو، لإرث جده أكثر لطفا وودا. وقال عن غضب مارينا، التي اشتبك معها عند محاولته إطلاق اسم بيكاسو على سيارات الـ«سيتروين»، إنه يتفهمه، لكنه يرى أنه في غير موضعه. وأوضح قائلا: «ينبغي أن نكون صادقين. لم يكن بابلو بيكاسو السبب في كل ما حدث. حصلت والدتها على حق الرعاية وحدها ولم يرغب بيكاسو في دفع المال لها لخوفه من عدم إنفاقها على الأطفال. لذا كان يدفع مصروفات مدرستهما مباشرة». وقال إنه فوجئ بالطريقة التي انتهجتها في بيع أعمال بيكاسو. وأوضح قائلا: «يتعامل كل الورثة دائما مع تجار أعمال فنية بارزين مثلما كان يفعل بيكاسو نفسه في حياته. إنهم يعلمون السوق والمشترين ويعملون على تجنب أي خطوات سيئة».
وفي سبعينات القرن الماضي عندما تم تقسيم الإرث من أجل دفع الضرائب، كانت لوحة «لا فاميل» واحدة من أكثر اللوحات قيمة لأسلوبها الواقعي غير العادي، على حد قول أوليفير. وقالت مارينا، التي لديها 5 أطفال، تبنت 3 منهم من فيتنام، إن بيع المزيد من أعمال بيكاسو الفنية لزيادة نطاق أعمالها الخيرية كان أمرا مفيدا، حيث تبرعت خلال العام الماضي فقط بـ1.5 مليون يورو، أي ما يعادل نحو 1.7 مليون دولار، إلى مؤسسة مستشفيات باريس وفرنسا. كذلك تبرعت بجزء إلى وحدة الطوارئ النفسية للمراهقين، وموّلت مشروع لمرضى عجائز في إطار رعاية صحية طويلة الأمد.
وقالت أخيرا: «أنا أعيش الحاضر حاليا، فالماضي أصبح ماضيا. مع ذلك لن أنسى أبدا. أنا أحترم جدي وقيمته فنانا، وأنا كنت حفيدته ووريثته، لكنني لم أكن يوما حفيدة قلبه».

* خدمة «نيويورك تايمز»



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».