بري في «الثقب الأسود»: رفيق الحريري كان متوجساً من تقسيمات انتخابية «انتقامية»

«الشرق الأوسط» تنشر حلقات من مذكرات رئيس البرلمان اللبناني (1)

بري والحريري في حديث مع الرئيس السابق إميل لحود عام 2000 (أ.ف.ب)
بري والحريري في حديث مع الرئيس السابق إميل لحود عام 2000 (أ.ف.ب)
TT

بري في «الثقب الأسود»: رفيق الحريري كان متوجساً من تقسيمات انتخابية «انتقامية»

بري والحريري في حديث مع الرئيس السابق إميل لحود عام 2000 (أ.ف.ب)
بري والحريري في حديث مع الرئيس السابق إميل لحود عام 2000 (أ.ف.ب)

تبدأ «الشرق الأوسط» من اليوم، نشر حلقات من مذكرات رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري التي أعدها الزميل نبيل هيثم، وتصدر قريباً عن «دار بلال». اختار بري للمذكرات عنواناً: «الثقب الأسود». وقال إن هاتين الكلمتين تختزنان تشخيصاً لما آل إليه حال لبنان، وخوفاً على وطن كان جميلاً وصار مهدداً بالتشتت والتلاشي والزوال الكارثي.
وفي هذه الحلقة الأولى، يتحدث بري عن اغتيال الرئيس السابق للحكومة اللبنانية رفيق الحريري، وعن لقائه الأخير معه في مجلس النواب يوم اغتياله في 14 فبراير (شباط) 2005، ويصف الاغتيال بالزلزال الذي ضرب لبنان وقلبه رأساً على عقب.

عام 2005، كان الأسوأ في تاريخ لبنان، حيث ضربه الزّلزال العنيف الذي تمثّل في اغتيال الرئيس الشّهيد رفيق الحريري.
الاثنين 14 فبراير 2005؛ قبل ظهر ذلك اليوم، وصل الرئيس رفيق الحريري إلى مجلس النوّاب. كان يقود سيّارته بنفسه، ترجّل منها، وأخذ يرتقي درج المجلس صعوداً...
عجقة (زحمة) نوّاب في القاعة العامّة، وإعلاميّون ممترسون في البهو الخارجي للمجلس لمواكبة الحدث؛ قانون الانتخابات النيابيّة كان مادّة النّقاش في جلسة للّجان النيابيّة المشتركة كانت محدّدة في ذلك اليوم.
الجوّ السياسيّ العام كان مكهرَباً، فتقسيمات الدوائر الانتخابيّة أرخت مناخاً داخليّاً مُربَكاً بالكامل، وأحاطتها تجاذبات سياسيّةٌ هائلةٌ، خصوصاً حول ما يتعلّق بدوائر بيروت، وكان الرئيس رفيق الحريري يحاول أن يواجه، ما اعتبرها آنذاك، تقسيمات يُراد من خلالها تطويقه.
من باحة المجلس الخارجيّة، أخذ الرئيس رفيق الحريري طريقه نحو «الكوريدور» (الممر) المؤدّي إلى جناح رئيس المجلس. وأثناء سيره في هذا «الكوريدور»، صادف أن التقى الوزير علي حسن خليل؛ كان خليل يقف على مقربة من باب القاعة العامّة، حيث تنعقد جلسة اللجان.
سلّم عليه، تمازحَا، ومن ثمّ تأبّط الرئيس رفيق الحريري ذراع الوزير خليل، ومشيا معاً إلى مكتب مدير المراسم في مجلس النوّاب علي حمد، وهو مكتب يقع في آخر «الكوريدور»، في محاذاة صالون الاستقبال الخاص برئيس المجلس، ومكثا في ذلك المكتب لنحو ثلاثة أرباع السّاعة.
في هذا اللقاء، كان القانون الانتخابي جوهر الحديث بينهما. الرئيس رفيق الحريري لم يكن مرتاحاً... كان متوجّساً ممّا سمّاها، تقسيمات انتقاميّة منه في بعض الدوائر، وتحديداً في العاصمة بيروت.
في معرض الحديث بينهما، أسرّ الرئيس الحريري للوزير خليل أنّ من الضروري جدّاً، الوصول إلى قانون انتخابيّ توافقيّ، ذلك أنّ استمرار التشنّج، لن يخدم هذه الغاية، بل إنّه سيبقي الأمور في دوّامة الأخذ والردّ اللذين لن يوصلا إلى أيّ نتيجة. وقال للوزير خليل: أنا منفتح على الحلول لبلوغ توافق، وأنا على استعداد للسّير فوراً في تسوية يتولّد عنها تفاهم على قانون الانتخابات.
كان خليل متناغماً مع الرئيس الحريري، وأشعره بأنّ توجّسه مبالغ فيه، وقال له: بالتأكيد، التفاهم هو المطلوب، ودولة الرئيس نبيه برّي يؤكّد على هذا الأمر، ويشدّد على التوافق، وهو ليس في وارد السّير في قانون يؤدّي إلى كسرِ أحد.
بدا الرئيس رفيق الحريري مرتاحاً لموقف الرئيس برّي الذي عكسه معاونه السياسي، وقال للوزير خليل: أنا مطمئنّ لموقف الرئيس برّي، وبالتأكيد أنا لا أشكّ فيه لحظة، ولذلك أنا بكلّ جِديّة أقول لك إنّني مع أيّ نقاش يؤدّي إلى التوافق على قانون، ومع أيّ مخرج يحقّق هذه الغاية فوراً، وتستطيع أن تحكي في هذا الموضوع مع الوزير سليمان فرنجيّة. (كان فرنجيّة يومذاك وزيراً للداخليّة).
فقال له الوزير خليل إنّه سيقوم بهذه المهمّة، على أن يطلعه على ما سيخلص إليه مع الوزير فرنجيّة.
انتهت الخلوة، وخرج الرئيس الحريري والوزير خليل من مكتب مدير المراسم، فأخذ خليل طريقه نحو باب القاعة العامّة، وأمّا الرئيس الحريري فدخل إلى مكتب رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، حيث مكث لوقت قصير، ومن ثمّ خرج، ليصادف مرّة ثانية، الوزير خليل الذي كان في تلك الأثناء يهمّ بالدخول إلى جلسة اللجان المشتركة في القاعة العامّة. فسارع الرئيس الحريري إلى مدّ يده نحو خليل وقال له: تعالَ نذهبْ معاً إلى القهوة. (كان يقصد مقهى «الإتوال» المواجه لمبنى البرلمان، فقد كان ينتظره هناك بعض الأصدقاء).
فردّ خليل: لا أستطيع ذلك، فأنا أريد أن أدخل إلى اجتماع اللجان.
فمازحه الحريري قائلاً: «يا محتال، بدّك تْفُوْت على الاجتماع، أو إنّك عَمْ تتهرّب لأنّك خايف تمشي معي عالقهوة حتى ما إشْمْسَك».
فردّ خليل ضاحكاً: «لا والله، بدّي أحضر الجلسة».
ضحكا، وتصافحا، ومضى الرئيس رفيق الحريري خارجاً من المجلس، بعدما اقترب من الوزير خليل وهمس له برسالة معبّرة إلى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي.
كانت تلك، آخر محطّة للرئيس رفيق الحريري في مجلس النوّاب، انتقل منها إلى «الإتوال»، وهناك احتسى فنجان قهوة، ومن ثمّ غادر بعد دقائق قليلة، فكانت تلك هي الرحلة الأخيرة التي قادته إلى نقطة الزّلزال في السّان جورج:
[يوم الاثنين 14 فبراير (شباط)؛ عيد العشّاق، حيث يكثر شراء الورد الأحمر، غير أنّ «أحمرَ» من لون آخر كان ينتظر لبنان...
كنت في المجلس النيابي كالعادة، استأذنني النّائب محمّد الصّفدي بلقاء قصير، وما إنْ دخل عليّ وبدأنا الحديث، حتى فُتح قليلاً باب مكتبي، وأطلّ علينا الرئيس رفيق الحريري، قائلاً: هل لديك جمعيّة تنمية كي لا أدخل؟
بسؤاله هذا، كان يشير إلى مصادرة صفائح زيت كانت إحدى الجمعيّات توزّعها كمساعدات في بعض مناطق بيروت، وأُثير حولها جدل سياسيّ وشعبيّ كبير آنذاك.
قلت له: ادخل، هذه القضيّة من مصلحتك.
فدخل، وتقدّم نحونا بخطوات هادئة، وسلّم علينا، وتصافحنا. كان يبتسم من كلّ قلبه، شعرُه كثيف من الخلف، ومن الأمام، مع شيب ظاهر، ولكنّه مهيب.
كنت جالساً على كرسيِّ خلف مكتبي، والصّفدي يجلس على كرسيٍّ أمام مكتبي إلى اليسار، فجلس الرئيس الحريري على الكرسي الثّاني إلى يميني، وبدأ يتحدّث عن قصّة الزّيت...
فأكملتها له وقلت: ... خلص مشي الحال، لقد طلبتُ من الرئيس عمر كرامي أن يشتري الزّيت قبل أن يشتريه الحريري ويوزّعه... وهكذا كان.
لم يعلّق، بل هزّ رأسه، وابتسم...
ثم أخذنا نتحدّث في بعض الأمور، منها ما هو شخصي، ومنها ما هو عام... لقد لفتني في ذلك اليوم أنّه كان كثير الابتسام.
لم يطلْ بقاؤه لأكثر من عشر دقائق، قال بعدها: فلأتركْكَ أنت والأخ محمّد. ونهض عن كرسيّه، وسلّم، ثم تركنا وغادر.
وبعدما خرج من مكتبي، التقى بالنّائب علي حسن خليل، وأرسل لي معه رسالة شفويّة قال فيها: «قلْ لمعلمك، مهما راح... ومهما إجا... مش رح يلاقي أوفى من رفيق الحريري إِلو».
عندما أُبلِغتُ بتلك الرسالة، تعجّبت، و«صفنت» قليلاً، وصرت أفكّر فيها، ولم أعرف لماذا كانت هذه الرسالة.
خرج محمّد الصّفدي من مكتبي، فصرت أراجع بعض الأوراق أمامي، حتى مضى نحو ثلاثة أرباع السّاعة؛ كان الجوّ هادئاً، لم يكن في حسباننا أنّ أمراً ما سيحدث، كان كلّ شيء طبيعيّاً، ولا شيء غير المعتاد، ولكن، فجأة حدث الدويّ الهائل.
كنت أتحدّث على الهاتف مع الرئيس حسين الحسيني، عندما شعرت بهواء قويّ، وعاصف، وبارتجاج باب المكتب مرّات عدّة، وغبار صدر عن الصّوت والصّدى في مجلس النوّاب، إذ سقط من سقف القاعة العامّة بعض الزجاج وتناثر الغبار، كان الدويّ كبيراً جدّاً، حتى خيّل إليّ أنّ الانفجار قرب مبنى المجلس.
قيل لي في تلك اللحظة، إنّ الرئيس رفيق الحريري ترك جلسة اللجان النيابيّة المشتركة التي كانت منعقدة في قاعة الهيئة العامّة لمجلس النوّاب، وتناول فنجان قهوة في مقهى «الإتوال» المقابل للمجلس، قبل أن يستقلّ سيّارته وتحصل الفاجعة.

- الخبر المفجع
صارت الأفكار تتزاحم في رأسي، تأخذني في هذا الاتّجاه وذاك... دقائق قليلة وتحين لحظة الحقيقة، ويأتيني الخبر المفجع؛ لقد استشهد رفيق الحريري...
كان خبر استشهاده صاعقاً، لوهلة شعرت بصدمة عنيفة إلى حدّ أنّها جمّدتني في مكاني، في الحقيقة مرّت لحظات لم أعد أرى أمامي، وصار تفكيري مشلولاً ومشتّتاً، ولبستني حالة لا توصف من الحزن، ثمّ وجدتُني أترحّم عليه وأردّد مرّات ومرّات؛ رحمة الله عليك يا رفيق... لا حول ولا قوّة إلّا بالله.
بصعوبة، تمالكتُ نفسي، واستجمعتُ شتات تفكيري، فتواصلت مع رئيس الجمهوريّة إميل لحّود ومع قائد الجيش العماد ميشال سليمان، وقلت ما قلته حول وجوب التنبّه، واتّخاذ الاحتياطات الأمنيّة الضروريّة والسّريعة للإمساك بالوضع، فقد انتابني خوف عظيم من انفلات الأمور.
في تلك اللحظة، أيقنت أنّ زلزالاً ضرب لبنان، وقلبه رأساً على عقب، وأدخله أتون الخطر الشّديد والمصير المجهول.
بقيت في مكتبي لبعض الوقت، ومن ثمّ انتقلت إلى مقرّ رئاسة المجلس في عين التّينة، وسط إجراءات أمنيّة بالغة الشدّة، على عكس الطريقة التي حضرتُ فيها إلى مجلس النوّاب.
بوصولي إلى عين التّينة، لازمت مكتبي، وأقفلتُ على نفسي، وتابعت الاتّصالات في كلّ اتّجاه، محذّراً، وداعياً إلى اليقظة والانتباه لما يُحاك للبنان واللبنانيّين، ثمّ سارعت وسط هذا الإرباك إلى كتابة بيان نعي للرئيس الشّهيد ورفاقه الذين استشهدوا معه، وقلت فيه:
باسمي وباسم المجلس النيابي اللبناني، أنعى إلى الشّعب اللبناني والأمّتين العربيّة والإسلاميّة، استشهاد دولة الرئيس رفيق الحريري؛ النّائب، والزميل، والصديق، ورائد الإعمار، وإحدى ركائز الوفاق الوطني.
إنّ هذه العمليّة الجبانة تستهدف لبنان، في وحدته الوطنيّة، واقتصاده، ورسالته، واستقراره الأمني. وأدعو اللبنانيّين إلى التنبّه لهذه المؤامرة التي تستهدف لبنان، من خلال هذه الجريمة المروّعة، وإلى رصِّ الصّفوف والارتفاع إلى مستوى المسؤوليّة الوطنيّة، التي تتطلّبها هذه المرحلة الدقيقة.
الأربعاء 16 فبراير (شباط) 2005، كان يوم دفن الرئيس الشّهيد، وحدي من بين الرؤساء شاركت في مراسم الدّفن، وجلست بين الرئيس أمين الجميّل وعبد الحليم خدّام، الذي كان قد أتى إليّ في عين التّينة، ونزل معي في سيارتي إلى مأتم الشّهيد، وكان معنا أيضاً عمرو موسى.
كانت الفوضى عارمة، والحشود كبيرة جدّاً وضخمة، والمشهد مهيب ومحزن...
بعد الدفّن، تولّيت شخصيّاً إجلاس الرسميّين في مقاعدهم، ومن ثمّ فتحت ممرّاً بين الحشود، وتأبّطت كلّاً من موفد الملك السعودي الأمير سعود الفيصل، وبعض الرسميّين الآخرين وأوصلتهم إلى سيّاراتهم، ما عدا خدّام، الذي ذهب معي في سيارتي إلى منزلي، مع ولديه جهاد وجمال، وتناولنا الغداء معاً.
ومن عين التّينة، عدنا وانتقلنا إلى قريطم قبل السّاعة الثّالثة بعد الظّهر، حيث التقينا السيّدة نازك الحريري وأولاد الرئيس الشّهيد. وتقدّمت من أفراد العائلة بخالص عزائي بالرئيس الشّهيد، وعبّرت عن بالغ تأثّري لغيابه، ولفَقدي صديقاً عزيزاً، وقلت إنّ جهد الجميع يجب أن ينصبّ لكشف المجرمين ومعاقبتهم.
مكثتُ في قريطم نحو ثلث ساعة، ثمّ غادرت إلى المنزل، وبعدي بقليل غادر عبد الحليم خدّام إلى دمشق؛ كان خدّام حريصاً على ألّا يلتقي بالرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي وصل إلى المطار للتعزية.
لقد شعرت بحزنٍ كبير على الرئيس رفيق الحريري. سألوني مرّة عن علاقتي به، فقلت إنّ تاريخاً طويلاً جمعنا معاً؛ تصادقنا، وتخاصمنا، وتصالحنا، مرّات ومرّات... وباختصار، لا أقول عن رفيق الحريري أكثر من كلمة صديق، أنا صديقه وهو صديقي، وكان له الفضل دائماً في أيّ تشابك في الآراء كان يحصل بيني وبينه، أنّه هو كان يبادر إلى الكلام معي. قد أكون أنا شخصيّاً قد بادرت مرّة أو مرّتين لأصالحه، إنّما هو كان المبادر دائماً إلى المصالحة.
لقد أحببت الرجل، وهذه العاطفة كانت مشتركة بيننا... وقد سألوه مرّة: هل لديك صديق خارج السياسة؟ فقال لهم: «بلى عندي صديق اسمو نبيه برّي، لا أنا قادر عيش معو، ولا أنا قادر عيش بلاه»... وهذا صحيح.
وسألوني مرّات عديدة: من المستفيد من اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟ وجوابي كان بديهيّاً وبكلّ وضوح: المستفيد الوحيد هو عدوّ لبنان، المستفيد الوحيد هو من يريد ضرب لبنان وتدميره. فرفيق الحريري كان يعيش مستقبل لبنان، ويراه بكلّ وجدانه وبكلّ كيانه وبكلّ ما يملك، فمن تكون له مصلحة في أن يغتاله، أليس عدوّ لبنان؟... إنّ اللبنانيّين يعرفون من هو عدوّهم... ألا وهو إسرائيل.

- سنوات صعبة
اغتيال الرئيس رفيق الحريري أدخل لبنان في وضع داخليّ في منتهى الخطورة والتعقيد، وبلغ التأزّم السياسي حدّاً لا سابق له، أشعلته اتّهامات قاسيةٌ ومباشرة ضدّ ما سُمِّي آنذاك «النّظام الأمني اللبناني - السوري». وتعرّض الجسم اللبناني إلى انقسام عاموديّ عميق بين اصطفافين؛ انضوى الأوّل تحت اسم فريق «8 آذار»، والثّاني تحت اسم فريق «14 آذار».
تمترس الفريقان في جبهتين متصادمتين، وأمضى لبنان سنوات صعبة، في ظلّ مناكفاتهما وتناقضاتهما وصراعاتهما حول عناوين متعدّدة؛ من المحكمة الدوليّة، إلى الانسحاب السوري من لبنان، إلى سلاح المقاومة والقرار 1559، وأيضاً حول انتخابات رئاسة الجمهوريّة ما بعد انتهاء ولاية الرئيس إميل لحّود، حتى استنفدا كلّ أسباب التناكف، إلى أن وصل الأمر بهذين الفريقين في السّنوات التالية، إلى حدّ فقدانهما سبب وجودهما واستمرارهما، فأصيبا بما سمّاه الرئيس نبيه برّي «الموت السَّريريّ»، حتى ذابا بالكامل، ولم يعد لهما وجود سوى بالاسم فقط...
قبل اغتيال الرئيس الحريري، كنّا بصدد إعداد قانون انتخابيّ جديد، وكان التوجّه الغالب هو للعودة إلى «قانون الستّين»، مع بعض التعديلات، وكان قد باشر في إعداده وزير الداخليّة آنذاك سليمان فرنجيّة.
لم تكن العودة إلى «قانون الستّين» ميسّرة في تلك الفترة، فقد حصلت مناكفات عديدة حول تقسيم الدوائر الانتخابيّة. وأكثر الدوائر حساسيّة، كانت دوائر بيروت على وجه الخصوص.
كان الرئيس الشّهيد رفيق الحريري يعارض تقسيم بيروت إلى دوائر تأخذ منه وتخسّره. وكان البحث جارياً في هذا الموضوع، حتى يوم استشاده في ذلك الاثنين المشؤوم، بعد أن شارك في جلسة اللجان النيابيّة المشتركة، التي كانت تبحث في هذا القانون.

- إرباك واستقالة
بعد جريمة اغتيال الرئيس الشّهيد، عمّ الإرباك، وتفاقم الوضع على كلّ المستويات. وبدا كأنّ لبنان قد فقد توازنه. استقال الرئيس عمر كرامي جرّاء الضّغط الذي شعر به، وجاءت استقالته بعد كلمة النّائب بهيّة الحريري في جلسة عامّة لمجلس النوّاب كنت قد دعوت إلى عقدها في ذلك الوقت لمناقشة جريمة اغتيال الرئيس الشّهيد وتداعياتها.
كانت تلك الجلسة على جولتين نهاريّة ومسائيّة؛ خيّمت عليها أجواء عاصفة وشديدة التوتّر. في جولة النّهار قدّم كثير من النوّاب مداخلات ركّزت كلّها على إدانة جريمة الاغتيال، وقد رفعتها عند السّاعة الثّانية بعد الظّهر، على أن تُستأنف في السّاعة السّادسة مساء.
خلال فترة الاستراحة بين الجولتين، حضر الرئيس عمر كرامي بعد الظّهر، إلى مكتبي في المجلس، وتبادلنا الحديث حول الوضع المستجدّ، وما يجب أن نقوم به، ولم يقل لي إنّه عازم على تقديم استقالته، كما أنّه لم يوحِ أمامي بأنّه في هذا الوارد، ولم يأتِ على ذكر الاستقالة لا من قريب ولا من بعيد.
في السّاعة السّادسة من مساء ذلك اليوم، استؤنفت الجلسة وسط أجواء التشنّج ذاتها، فأعطيت الكلمة مباشرة إلى النّائب بهيّة الحريري، التي ما إنْ أنهت كلمتها، حتى فوجئتُ بعدها بالرئيس عمر كرامي وهو يعلن استقالته.
أذهلني ما سمعته من الرئيس كرامي، ووجدتني أنتفض في مكاني، وأتوجّه إليه قائلاً: لا... يا دولة الرئيس... ما بيصير هيك؟!!
فساد هرج ومرج داخل القاعة العامّة، وعلا صراخ وهتاف نوّاب «تيّار المستقبل»، ومن ثمّ رفعتُ الجلسة.
بعد استقالة الرئيس كرامي، صرنا أمام وضع أكثر إرباكاً، فدخلنا في مشاورات سياسيّة مكثفة سعياً لاحتواء الموقف، دعا على أثرها الرئيس إميل لحّود إلى الاستشارات النيابيّة الملزمة، فعادت الأكثريّة وسمّت الرئيس كرامي، وتمّ تكليفه تشكيل الحكومة.
إلّا أنّ هذا التكليف لم يدُم طويلاً، وتعثّر لتعذّر التوافق على تشكيلة حكوميّة، فعاد الرئيس كرامي واعتذر عن عدم تأليف الحكومة، فسُمّي الرئيس نجيب ميقاتي رئيساً لحكومة انتقاليّة، محدّدة مهمّتها حصراً بالإشراف على إجراء الانتخابات النيابيّة.

- صراع الساحات
على توالي الأيام، صار الشّارع يغلي احتقاناً وتأزّماً، وتعمّق الانقسام بشكل خطير، بعد التجمّعَين الشّعبيَّين، اللذين احتشدا؛ في ساحة رياض الصّلح لفريق «8 آذار»، وفي ساحة الشّهداء لفريق «14 آذار». ومن تلك اللحظة، دخل البلد في صراع السّاحات والشّعارات والمواقف الهجوميّة المتبادلة بين الفريقين، ما وضع لبنان على فوّهة بركان سياسيّ بكلّ معنى الكلمة، حتى كاد يفلت من أيدي الجميع.



ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.


مساعٍ يمنية لتنفيذ الإصلاحات الحكومية وضبط الأمن وتنظيم القوات

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يعقد اجتماعاً مصغراً للحكومة (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يعقد اجتماعاً مصغراً للحكومة (سبأ)
TT

مساعٍ يمنية لتنفيذ الإصلاحات الحكومية وضبط الأمن وتنظيم القوات

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يعقد اجتماعاً مصغراً للحكومة (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي يعقد اجتماعاً مصغراً للحكومة (سبأ)

في خطوة يمنية لمتابعة الإصلاحات الحكومية على المستوى المركزي والمحلي، عقد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي اجتماعاً حكومياً مصغراً بهدف توحيد الجهود لمواجهة التحديات الاقتصادية والخدمية، وتعزيز فاعلية مؤسسات الدولة.

ونقل الإعلام الرسمي أن الاجتماع ضم محافظي المحافظات المحررة بحضور عضوي مجلس القيادة الرئاسي سلطان العرادة، محافظ محافظة مأرب، وسالم الخنبشي محافظ محافظة حضرموت، ورئيس مجلس الوزراء شائع الزنداني.

وذكرت المصادر أن الاجتماع ناقش مجمل المستجدات الوطنية، مع التركيز على آليات التنسيق بين السلطات المركزية والمحلية، بوصفه شرطاً أساسياً لتحسين الأداء الحكومي وتخفيف الضغوط المعيشية. كما استعرض المسؤولون تطورات الاقتصاد الوطني ومؤشرات الأداء المالي، إلى جانب الخطط المعتمدة لإدارة الإيرادات وتنميتها، وضبط النفقات العامة.

وأكدت المجتمعون ضرورة العمل بروح الفريق الواحد لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري، بوصفه المدخل الرئيسي لإعادة التوازن إلى مؤسسات الدولة، وتحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي في ظل ظروف معقدة.

وفي حين احتل ملف الخدمات الأساسية موقعاً متقدماً في جدول أعمال الاجتماع، شددت القيادة اليمنية على ضرورة تحسين قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق، بوصفها الأكثر تأثيراً على حياة المواطنين اليومية.

وفي هذا السياق، تم توجيه الجهات المختصة لإعداد خطة عاجلة لتأمين وقود محطات الكهرباء استعداداً لفصل الصيف، في محاولة لتفادي أزمات انقطاع التيار التي تتكرر سنوياً وتفاقم معاناة السكان.

كما أشار المسؤولون اليمنيون إلى أن تحسين الخدمات لا ينفصل عن نجاح الإصلاحات الاقتصادية، إذ يتطلب ذلك إدارة فعالة للموارد وتوجيهها نحو الأولويات، مع الحد من الهدر وتعزيز كفاءة الإنفاق العام.

ضبط الموارد

برزت مسألة الحوكمة ومكافحة الفساد بوصفها أحد المحاور الأساسية في الاجتماع، حيث شددت القيادة اليمنية على ضرورة الالتزام الصارم بتوريد جميع الإيرادات إلى الحساب العام للحكومة، وإغلاق أي حسابات خارج البنك المركزي، في خطوة تهدف إلى إحكام الرقابة المالية.

كما تم تأكيد تحسين أداء الأجهزة الإيرادية وتعزيز الشفافية، مع اتخاذ إجراءات ضد الجهات التي لا تلتزم بالقوانين، بما يعكس توجهاً نحو فرض الانضباط المالي والإداري.

وأقر الاجتماع استمرار إغلاق الموانئ والمنافذ غير المرخصة، وتشديد الرقابة على الأنشطة غير القانونية، بما في ذلك التهريب وتمويل الإرهاب والجريمة المنظمة، في إطار مساعٍ لحماية الاقتصاد الوطني ومنع تسرب الموارد.

جانب من اجتماع حكومي مصغر لرئيس مجلس القيادة اليمني (سبأ)

في غضون ذلك، أشاد رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي، بالدعم الذي تقدمه السعودية، مؤكداً أنه لعب دوراً محورياً في تخفيف معاناة المواطنين والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة.

وأكد العليمي أن الشراكة مع الرياض تمثل فرصة استراتيجية يجب البناء عليها لتعزيز الاستقرار ودعم مسار الإصلاحات، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها البلاد.

تنظيم القوات وفرض الأمن

في جانب موازٍ، تعمل وزارة الدفاع اليمنية على تنفيذ إصلاحات هيكلية داخل المؤسسة العسكرية، من خلال توحيد بيانات القوات المسلحة وأتمتتها، بما يسهم في تعزيز الانضباط ورفع كفاءة الأداء.

وأكد وزير الدفاع طاهر العقيلي، في اجتماع للقيادات في عدن، أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتف الجهود لتجاوز التحديات، مع الالتزام بمبادئ الشفافية وتفعيل دور الرقابة والتفتيش، لضمان بناء قاعدة بيانات دقيقة تشكل أساساً للإصلاحات المستقبلية.

كما شدد على أهمية تطوير آليات العمل وتحقيق التكامل بين مختلف الوحدات، بما يدعم بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.

على الصعيد الأمني، أكدت اللجنة الأمنية في محافظة مأرب أن أمن المحافظة يمثل أولوية قصوى، مع تعهد باتخاذ إجراءات حازمة ضد أي أعمال تخريبية تستهدف الطرق أو المنشآت العامة والخاصة.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس في عدن اجتماعاً لقيادات عسكرية (سبأ)

ووجهت اللجنة القوات العسكرية والأمنية بالتعامل الصارم مع أي محاولات لزعزعة الاستقرار، وملاحقة المتورطين في أعمال التقطع والحرابة، وتقديمهم إلى القضاء، بما يضمن فرض سيادة القانون. حسبما أورد الإعلام الرسمي.

كما شددت اللجنة على ضرورة ضمان استمرار إمدادات الوقود والغاز المنزلي، محذرةً من اتخاذ إجراءات قانونية بحق أي جهات تعرقل عمليات النقل أو تستجيب لدعوات التخريب، في ظل أهمية هذه الإمدادات لاستقرار الأوضاع المعيشية.

وفي موازاة ذلك، دعت اللجنة المواطنين إلى اللجوء إلى القنوات القانونية لعرض مطالبهم، رافضةً الدعوات التحريضية التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً اتخاذ إجراءات عقابية بحق مروجيها.