نظم الذكاء الصناعي... لكل مناحي الحياة

تتميز بالبراعة وتشبك خيوطها البرّاقة مع الإنسان

نظم الذكاء الصناعي... لكل مناحي الحياة
TT

نظم الذكاء الصناعي... لكل مناحي الحياة

نظم الذكاء الصناعي... لكل مناحي الحياة

يعيش كثير منّا اليوم مع نظم الذكاء الصناعي في المنزل، ويرجّح الباحثون أنّ التفاعل مع هذه التقنية سيطغى عليه الطابع الشخصي أكثر فأكثر.
ها أنا أستيقظ في منتصف الليل وأشعر ببرودة الجوّ. أقف في الظلام وأقول: «مرحباً غوغل، ما درجة الحرارة في المنطقة رقم 2؟»، فيجيبني صوتٌ دون جسد: «درجة الحرارة في المنطقة 2 تبلغ 52 درجة فهرنهايت» (11.1 مئوية)، فأطلبُ منه أن يضبطها على درجة 68 (20 مئوية)، وأختم حديثي معه بطلب إطفاء الأضواء.
يعيش كثير منّا اليوم في المنزل نفسه مع جهاز الذكاء الصناعي الذي يصمم بخوارزميات غير مرئية تتحكّم بأجهزتنا المتصلة بالإنترنت... من الهواتف الذكية إلى الكاميرات الأمنية والسيارات التي تدفأ مقاعدها قبل خروج سائقها من المنزل في صباح يومٍ بارد.
براعة النظم الذكية
نشهد اليوم على براعة الذكاء الصناعي، ولكنّنا لم نعِش بعد مرحلة تألّقه الحقيقي. ويشبّه الباحثون الوضع الحالي لهذه التقنية بوضع الهواتف الخلوية في التسعينات: مفيدة ولكن بسيطة وبطيئة. وتسخّر هذه التقنية أكبر نماذج التعلّم الآلي وأكثرها قوّة وتضعها في برامج خفيفة قادرة على تشغيل أصغر الأجهزة وأكثر تطوّراً كأدوات المطبخ والأجهزة القابلة للارتداء، ما يشير إلى أنّ حياتنا تتداخل تدريجياً مع خيوطٍ برّاقة من الذكاء الصناعي.
سينطبع تفاعلنا مع هذه التقنية بمزيد من السمات الشخصية. على سبيل المثال، تتّسم ربوتات المحادثة الشهيرة بـ«تشات بوت» (Chatbots) اليوم بالغباء والأداء المستفز، لكنّها ستصبح في النهاية قادرة على إجراء محادثات حقيقية وعلى تعلّم الكثير حول عاداتنا وشحصياتنا، حتّى إنها قد تطوّر شخصية خاصّة بها. ولكن لا تقلقوا لأنّ حمّى حلم سيطرة الآلات خارقة الذكاء التي شاهدناها في فيلم «2001: ملحمة الفضاء» ستبقى خيالاً علمياً لوقتٍ طويل، لأنّ الإدراك والوعي الذاتي والإرادة الحرّة في الآلات لا تزال بعيدة جداً عن القدرات العلمية المتوفرة في زمننا هذا.
الخصوصية والتشفير
وتبقى أيضاً مسألة الخصوصية لأنّ الذكاء الصناعي يتطلّب بيانات لتعلّم الأنماط واتخاذ القرارات. ولكنّ الباحثين يعملون اليوم على تطوير وسائل لاستخدام بياناتنا دون رؤيتها فيما يعرف بـ«التعلّم المركزي» أو عبر تشفيرها بطريقة لا يمكن اختراقها.
يوماً بعد يوم، ستزداد مراقبة بيوتنا وسيّاراتنا من قبل أجهزة الاستشعار العاملة بالذكاء الصناعي، لا سيما أن بعض الكاميرات الأمنية تعتمد اليوم على برامج التعرف على الوجه لتحديد هوية الزوار المألوفين ورصد الغرباء. ولكن في وقتٍ قريب، سنشهد إقامة شبكات من الكاميرات وأجهزة الاستشعار التي ستتكامل مع بعضها لإنشاء شبكة واحدة كبيرة من «الذكاء المحيط» القادر على مراقبتنا جميعاً طوال الوقت إذا رغبنا. يستطيع الذكاء المحيط التعرف على التغيرات السلوكية ومساعدة كبار السن وعائلاتهم.
ترى في في لي، أستاذة محاضرة بعلوم الكومبيوتر في جامعة ستانفورد ومديرة مساعدة لمعهد ستانفورد للذكاء الصناعي المتمحور حول البشر والذي يعد محرّكاً أساسياً في إشعال شرارة ثورة الذكاء الصناعي الحالية، أنّ «الأنظمة الذكية ستصبح قادرة على فهم أنماط النشاط اليومي لكبار السن الذين يعيشون وحدهم ورصد الأنماط الأولية للمعلومات المرتبطة بصحتهم». تؤكد لي أن معالجة مخاوف الخصوصية لا تزال بحاجة إلى كثير من الجهود، ولكن هذه الأنظمة ستكون قادرة على رصد إشارات الخرف واضطرابات النوم والعزلة الاجتماعية والسقطات وسوء التغذية، بالإضافة إلى إعلام الأشخاص الذين يعتنون بهؤلاء الكبار بكل ما سبق.
ترفيه وموسيقى
تعتمد خدمات التدفق الإنترنتي الشهيرة كـ«نتفليكس» و«سبوتيفاي» على الذكاء الصناعي في عملها لتحديد تفضيلات مستخدميها وتزويدهم بنظام متواصل من الترفيه الجذّاب، بينما يستخدم «غوغل بلاي» الذكاء الصناعي لتقديم توصيات موسيقية تناسب المزاج والوقت والطقس.
علاوةً على ذلك، يُستخدم الذكاء الصناعي اليوم لاستعادة الأفلام القديمة إلى الواجهة وبث الألوان في الأبيض والأسود، وحتى إضافة الأصوات إلى الأفلام الصامتة، بالإضافة إلى تحسين سرعة التدفق وتماسكه. وقريباً.
بدورها، ستعتمد الوسائط أكثر فأكثر على الذكاء الصناعي. أنشأ مشروع «ماجينتا» (Magenta project) المفتوح المصدر من «غوغل» مجموعة من التطبيقات التي تجعل التمييز بين الموسيقى الآلية والمؤلفين والعازفين البشر مهمة مستحيلة.
وطوّر المعهد البحثي «أوبن إي آي» تطبيق «ميوز نت» الذي يستخدم الذكاء الصناعي لمزج أساليب موسيقية متنوعة في مؤلفات جديدة. كما قدّم المعهد «صندوقاً موسيقياً» يؤلف أغاني جديدة عندما يزوده المستخدم بنوع موسيقي واسم فنان وكلمات يشارك الذكاء الصناعي أحياناً في تأليفها.
ولا تزال هذه الجهود مجرد البداية التي تحققت عبر تغذية ملايين الأغاني في شبكات الأعصاب الصناعية المصنوعة من رموز كومبيوترية لتصبح قادرة على استيعاب أنماط اللحن والانسجام وعلى ابتكار صوت الآلات والأصوات الغنائية.
العاطفة والتعليم
الذكاء الصناعي بتكوينه هو عبارة عن تقنية مكتوبة برموز الكومبيوتر، ولكن معظم الناس يتخيلونه على شكل إنسانٍ آلي. إن الشخصيات الرمزية التي ينتجها الذكاء الصناعي تفبرك محادثات وتنشد أغاني وحتّى تعلّم أطفالنا بالاعتماد على التقنية نفسها. ولن ننسى طبعاً فيديوهات الـ«ديب فيكس» المزيفة التي يتم فيها إسقاط وجه وصوت شخص على شخص آخر. وتجدر الإشارة إلى أن العالم شهد أيضاً على ابتكار الذكاء الصناعي لوجوه أشخاص غير موجودين في الحقيقة.
يعمل الباحثون اليوم على دمج التقنيات لابتكار شخصيات افتراضية ثنائية الأبعاد لأشخاص قادرين على التفاعل في الوقت الحقيقي مع إظهار مشاعر وإيماءات مرتبطة بالسياق. قدّمت شركة «نيون» التابعة لـ«سامسونغ» نسخة أولية من شخصيات مشابهة، ولكن هذه التقنية لا تزال بعيدة جداً عن الاستخدام العملي.
يساعد هذا النوع من الشخصيات على إحداث ثورة في عالم التعليم، لا سيما أن باحثي الذكاء الصناعي بدأوا بتطوير أنظمة تعليم خاص تعتمد على الذكاء الصناعي قادرة على تتبع سلوك الطلاب وتوقع أدائهم وتوصيل المحتوى والاستراتيجيات، بهدف تحسين الأداء ومنع خسارة الطلاب لحماسهم. يعد أساتذة التعليم الخصوصي المدعومين بالذكاء الصناعي بتقديم تعليم يناسب كل طالب حسب شخصيته وبتوفيره لأي شخصٍ في العالم يملك جهازاً متصلاً بالإنترنت، شرط أن يكون هذا الشخص مستعداً للتنازل عن بعض الخصوصية.
من جهته، يرى يوشوا بنجيو، أستاذ في جامعة مونتريال ومؤسّس معهد «ميلا» المتخصص بأبحاث الذكاء الصناعي في توفر التفاعل البصري مع وجهٍ بملامح عاطفية تعبر عن الدعم أمراً مهماً جداً للمعلمين. بدأت شركتا «كوربيت» التي أسسها جوليان سربان، أحد طلاب بنجيو، و«ريد» في كوريا الجنوبية، باستخدام هذه التقنية في التعليم، إلا أن بنجيو يرى أنها لا تزال على بعد عقود وربما أكثر من الوصول إلى مستوى تزويد المعلمين بسلاسة لغوية طبيعية ودلالاتٍ لفظية مفهومة.
أجهزة المستقبل
بدأ الذكاء الصناعي بملامسة حياتنا بطرقٍ لا تعد ولا تحصى من استكشاف المواد الجديد إلى صناعة الأدوية. تلعب هذه التقنية دوراً مهماً في تطوير لقاحات «كوفيد - 19» من خلال حصر احتمالات البحث أمام العلماء وفي اختيار الفواكه التي نتناولها وتصنيف القمامة التي نرميها دون أن ننسى أنّ السيارات الآلية أصبحت حقيقة، ولكنها تنتظر القوانين التي تنظم عملها.
* خدمة «نيويورك تايمز»

كما بدأ الذكاء الصناعي بإعداد البرامج الرقمية، وقد يتوصل أخيراً إلى صناعة نظم ذكاء صناعي أكثر تعقيداً بنفسه. تملك شركة «ديف بلو» الناشئة التابعة لجامعة أكسفورد نظام ذكاء صناعياً مهمّته أتمتة إعداد اختبارات البرامج الرقمية، هذه المهمّة التي تستحوذ على ثلث وقت المطوّرين في أيّ مشروع. يتصوّر جاستن غوتشليتش الذي يدير مجموعة بحثية لبرمجة الآلات في مختبرات إنتل، يوماً يستطيع فيه أيّ شخص ابتكار برنامج بمجرّد تزويد نظام ذكاء صناعي بطلب يوضح مهمّة هذا البرنامج. ويقول: «أستطيع أنّ أتخيّل أناساً كوالدتي يصنعون البرامج الرقمية على الرغم من أنّها لا تسطيع كتابة سطرٍ واحدٍ من الرموز».


مقالات ذات صلة

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص مراكز البيانات المدارية قد تكون مفيدة عندما تكون البيانات مولودة في الفضاء أو متسامحة مع التأخير (شاترستوك)

خاص مراكز البيانات المدارية... هل تخفف اختناق الذكاء الاصطناعي أم تبقى حلاً متخصصاً؟

تبرز مراكز البيانات المدارية كخيار ناشئ لتخفيف اختناقات طاقة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبدو أقرب إلى حل متخصص، لا بديل شامل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.