محمد حافظ رجب.. أديب في طي النسيان

رائد التجريب في القصة القصيرة يرتدي عباءة الثمانين

محمد حافظ رجب
محمد حافظ رجب
TT

محمد حافظ رجب.. أديب في طي النسيان

محمد حافظ رجب
محمد حافظ رجب

رغم ارتدائه عباءة الثمانين فإن صاحب «مخلوقات براد الشاي المغلي» لا تزال عيناه تشعان تحديا.. إنه المبدع السكندري المشاكس محمد حافظ رجب الذي قال عنه أدباء جيله «مبدع الهذيان»، لكن قاموس أكسفورد ذكره كأهم مجدد في القصة القصيرة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين.
«طارق ليل الظلمات» معتكفا في منزله الصغير الهادئ في حي الورديان الشعبي، وبعيون الطفل المشاغب وابتسامة متهكمة ولا مبالية بعذابات الماضي، لا يزال يصارع الحياة وتقلباتها رغم وعكاته الصحية المتكررة مؤخرا، إذ لم تعد شرايينه تحتمل قسوة الحياة وقد حاصرته الوحدة بعد موت صديقه الروائي إبراهيم أصلان، فقد كانت تؤنسه المراسلات بينهما، ولعل حرص الأديب السكندري منير عتيبة على التواصل معه يخفف قليلا من شعوره الأليم بالتجاهل من قبل وزارة الثقافة أو اتحاد الكتاب.
بدأ حياته الأدبية في ريعان الشباب بعمر 19 عاما يدفعه نزق جارف للتمرد على واقعه كبائع محمصات في محطة الرمل، أمام سينما ستراند ليحطم القوالب الأدبية في الستينات من القرن الماضي، وجوده في ميدان محطة الرمل وسط باعة الجرائد المعدومين والزبائن الأرستقراطيين ولغات وثقافات مختلفة، كان ذلك الخليط حافزا للكتابة عن متناقضات الحياة، «بالنسبة له فن القص يساعده على إخراج الأفكار والانفعالات التي تدور بداخله»، لذلك ستجد كتاباته اعتمدت على الجمل القصيرة غير المترابطة تضج بالصورة كمشاهد سينمائية ثلاثية الأبعاد والموسيقى والفن التشكيلي فيها استشراف لتشيؤ الإنسان وسيطرة التكنولوجيا. لقد كان مواكبا لأفكار الفيلسوف الألماني الكبير هايدجر، وفلاسفة مدرسة فرانكفورت النقدية التي انبثقت في بدايات القرن العشرين معلنة سقوط الرؤية العقلانية للعالم، فكان رجب مواكبا لأفكار هوركاهيمر وماركيوز وأدورنو وهابرماس دون أن يدري! ولا تزال كتاباته تنضح بحداثية هي أقرب إلى ما نراه الآن من القصة القصيرة جدا والقصة «التويترية» في فن القص.
كتب أول قصة له «الجلباب» بدافع أن يخرج عن شرنقة واقعه الأليم، «كانت الكتابة هي السبب في بقائي على قيد الحياة»، ثم كتب لمجلة «أميركا» مقالا بعنوان «وداعا يا أميركا أيتها الحمقاء المطاعة» التي كانت وقتها تؤيد احتلال فرنسا للمغرب، بعدها ألقي القبض عليه والتحقيق معه، قال له الضابط: «لازم مصر تفخر أن فيها بياع بيكتب بالشكل ده»، وأطلق سراحه.
تشكلت ذائقته الأدبية من قراءته النهمة للأدب العالمي، وخصوصا رفاييل ساباتيني، «كنت أحب أقرأ لتشارلز ديكينز وكان يجعلني أضحك بالساعات، وكذلك برنارد شو وديستوفيسكي، كنت أقرأ لعبد الرحمن الخميسي وتعايشت معه بقوة ثم سيطر علَيّ مكسيم جوركي وتملكني ثم تخلصت من هيمنته وتوحدت مرة أخرى مع ذاتي».
أنصفه بعض النقاد حينما وصفوا أسلوبه بأنه «أنضج من جوركي»، ولكنه لم يرَ في ذلك إنصافا، قائلا: «لولا قصصي ما كتب نجيب محفوظ (ثرثرة فوق النيل)، فقد تأثر بي والعشرات من بعده كتبوا قصصا ترتدي قبعتي، وما جعلني أشعر بالمرارة والغربة، هو عدم وصول كتاباتي إلى عامة الناس الذين أنا منهم.. لأنها شهادة عن الواقع». وظل يصارع هواجسه، «كنت أعكف كل فترة على تغيير أسلوبي والبحث عن أفكار جديدة حتى أغلق عليهم طريق التقليد».
وقبل تأسيس اتحاد الكتاب، أسس رجب «رابطة أدباء القطر المصري» مع مصور هو زكريا محمد عيسى. يقول: «كنت سكرتير عام رابطة أدباء القطر المصري، أخاطب الأدباء والأعضاء، وراسلنا الصحف واستجابوا لنا. كانت الرابطة تضم عاملا في دكان هريسة (الحلبي)، وعاملا بمطعم (على كيفك) إبراهيم الوردي، ورضوان محمد رضوان، خادم في فندق. كنت أنا القاص الوحيد وكلهم كتّاب أغانٍ»، لم تنجح الرابطة لتعثر ظروف أعضائها، بعدها أنشأ اتحاد الكتاب.
بدأ نجم حافظ رجب في التوهج ومن هنا بدأت متاعبه مع الوسط الثقافي، حيث اتهمه يوسف عز الدين عيسى بأنه سرق منه قصة، ونشرت جريدة القاهرة وقتها تحقيقا كبيرا وقالت إن كليهما نقلناها عن الروسية. تلك العقبة دفعته إلى مسار جديد في فنه القصصي، «حاولت كتابة ما لا يمكن أن يقال إنه منقول أو مسروق، فكنت أغير وأبحث عن صور ومناطق لم يتطرق إليها أحد من قبل». وبروحه المتمردة أسس رابطة أخرى هي «كتاب الطليعة» 1956، كان يكتب ويبيع السجائر في قهوة خواجة يوناني اسمه «فانجلي»، الذي جسده رجب ببراعة في مجموعته القصصية البديعة «مخلوقات براد الشاي المغلي» عام 1979، تصور معاناته مع صاحب القهوة اليوناني، يقول: «(فانجلي) جعلني أكتب عن عبيد الواقع، عبرت عن قهر الإنسان المصري والأجانب عبدة الأموال».
تميز رجب بأسلوبه السريالي والشخوص والعوالم الغرائبية المنسلخة من الواقع الإنساني، ففي مجموعته القصصية الأولى «غرباء 1968» كانت بوادر التجديد واضحة في قصص مثل «المدية» و«جداران ونصف». وفي نفس العام صدرت مجموعته القصصية «الكرة ورأس الرجل»، وهو عنوان القصة التي نشرها في مجلة القصة برئاسة محمود تيمور، فجاءت المجموعة تضم روائع أدبية، منها «الكرة ورأس الرجل»، «مارش الحزن»، «الثور الذي ذبح الرجل»، و«حديث بائع مكسور القلب». وفي ذلك الوقت سانده الأديب الكبير يحيى حقي ونشر له عددا من قصصه في مجلة «المجلة.. سجل الثقافة الرفيعة»، وكتب عنه: «لقد التقيت بفنان يسبق زمانه، تجده يمسك القلم كريشة في مهب الريح، إنه غير من شكل ومضمون وأسلوب ومضمون القصة»، كما قدم له مجموعة «عيش وملح» مع خمسة من كتّاب جيله في الستينات.
وظهر أيضا يوسف السباعي مصادفة في حياة رجب، وكان لهذه المقابلة أثر في تغيير مسار حياته المهترئة في الإسكندرية، يقول: «اعتبر لقائي به التحطيم الأول لإرادة إنسان أراد أن يكون.. فقد عرضت عليه كتاباتي لم يهتم بها في البداية، ثم التقيته في فندق فلسطين بالإسكندرية وطلبت منه العمل، وحكم علي بالعمل كموظف في أرشيف المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب براتب يكاد يكفي للفرار من وحشية والدي، لكن قبلت ذلك لكي أؤمن وجودي بالقاهرة». استسلم رجب للمسار الجديد الذي رسمه له السباعي، وكان يوزع الملفات على الموظفين ويعود لجمعها رغم إبداعاته الأدبية! وهو الأمر الذي لا يزال يؤلمه كثيرا، «وجدت أدباء يدورون في فلك يوسف السباعي، وآخرين أصبحوا عبيدا للنظام الحاكم، وأنا لم أكن أيا من الفريقين».
«نحن جيل بلا أساتذة»، مقولته الشهيرة التي تسببت في عداء الوسط الثقافي له، دفعت نجيب محفوظ لأن يقول له: «ما الذي دفعك لتكتب السريالية؟ وكيف تقول نحن جيل بلا أساتذة؟! توفيق الحكيم أستاذ الكل، وأنا أستاذي سلامة موسى».
يمثل حافظ رجب ظاهرة أدبية في تنوعه وتغييره لأساليبه وصوته القصصي بنعومة فكان أحيانا ما يلجأ إلى الرمزية والواقعية السحرية، ورغم تكراره لرموز معينة كـ«المُدية» و«الرأس»، و«العظام» فإنه كان يكسيها مدلولا مختلفا وجديدا، فالقصة عنده «نحت وتشكيل وبحث في الأعماق، القصة تعطيني سرها، فتخرج من داخلي مشاعر الشعور بالغبطة والصراع والانفجار، لذا هي لم تأخذ شكل السرد التقليدي، والمشاهد الوحشية هي نتيجة ما عايشته من عنف قاهر.. فالوحشية هنا كانت بحثا عن الحل والاستقرار النفسي».
ترجمت أعمال صاحب «الكرة ورأس الرجل» إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية، وقد قام المترجم الدكتور محمود المنزلاوي بترجمة أعماله، وكذلك هشام مطاوع الذي قدم رسالة دكتوراه عنه وعن كاتب ألماني يكتب بأسلوب مماثل لرجب.
يتابع صاحب «طحالب رمادية سلاحف تئز» الإنتاج الثقافي الآني وكتابات الشباب، لكنه يقول عنهم: «شباب ماحق لم يعرف نقطة الارتكاز.. عندهم ضياع مع (بجاحة).. يرفعون شعار (الغموض هو الحل)، والكل ينصّب نفسه كاتبا وفيلسوفا.. في الحقيقة لا يضيفون شيئا!».
وعن غواية الكتابة وتأثير ثورة يناير 2011 على طبيعته المتمردة، وهو الذي كان مدافعا عن ثورة الضباط الأحرار 1952 ويحث الجموع الشعبية على مساندتهم، قال: «كنت مراقبا وكفى.. وجدت تلقائية الشارع المصري في النزول إلى الشارع وشعرت حقا بالثورة، في 1952 كانت ثورة حظ، أما ثورة يناير فكانت ثورة حق، ولكنها تفتقد القائد والتنظيم والكاتب الثوري الذي (يزغد) الثوار ليفيقوا من غيبوبتهم».
ولا يتوقع صاحب «ظل الحرب.. الألم القبيح» أن تحدث ثورة في الأدب أو انبثاق أدب مغاير لأنه يجد «البشر أصبحوا أسوأ».
لا تزال النزعة الصوفية مسيطرة على صاحب «النبي والبوذية وأهل بيافرا» رغم أنها لم تظهر إلا في قصة واحدة، فعلى مدار 50 عاما عاش حافظ رجب زاهدا متصوفا متقربا إلى الله، ودائما ما يقول: «هو الباقي وهو الحقيقة والخلاص، ولكن علاقتنا لا يمكن التعبير عنها بأشكال الكتابة».
توقف حافظ رجب عن الكتابة منذ 4 سنوات، لكن لديه في جعبته قصصا كثيرة لم تُنشر بعد، وسيرته الذاتية بعنوان «مقاطع من سيرة ميم في سطور»، وبعض اليوميات التي لم تنشر. يبدأ حافظ رجب يومه باكرا مع آذان الفجر، ثم يتابع النشرات الإخبارية، لكنه لا يقرأ الجرائد ومنعها من المنزل.
وفي عام 2011 صدرت «الأعمال الكاملة لمحمد حافظ رجب» عن «دار العين»، وإذا قرأت له أيا من قصصه ستصاب بدهشة كبيرة ممزوجة بالألم أحيانا جراء دقته في تصوير معاني الجوع والقهر المجتمعي والوحشية، بل إنك ستتجرع معاني الحزن.. ورغم ذلك لم يحظَ بقدر كافٍ من التكريم، اللهم إلا جائزة أفضل قاص من اتحاد الكتاب عام 2007 واحتفاء مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية به عام 2012 كرائد التجديد في القصة العربية بمؤتمر وكتيب عنه، والآن يسعى للحصول على منحة من وزارة الثقافة لإعانته على نفقات العلاج، لكن تغيير وزير الثقافة حال دون ذلك، فهل تلبي وزارة الثقافة احتياجات رائد التجديد في القصة القصيرة أم أنها كعادتها ستتخلى عنه كسابق عهودها؟!



جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن
TT

جاك لندن... من راوي المغامرة إلى شخصية تسكنها التناقضات

جاك لندن
جاك لندن

تحلّ هذا العام الذكرى المائة والخمسون لميلاد جاك لندن الكاتب المعروف، فتعود إلى واجهة النقاش الأدبي والثقافي واحدة من أكثر الشخصيات الأميركية تعقيداً وإثارةً للجدل. وبهذه المناسبة تُبادر دور النشر الفرنسية والأميركية إلى إعادة إصدار أعماله، بينما تتسابق الصحف ذات الثقل الفكري إلى تقديم قراءات جديدة لإرثه.

والواقع أن هذه العودة ليست مجرد طقس احتفالي أو واجب ذكرى، بل هي دعوة ضمنية لمراجعة الصورة النمطية التي رسختها عقود من القراءات المبسِّطة، والسؤال المطروح الذي تناولته الكثير من المنابر الثقافية في هذه المناسبة هو: هل كان لندن حقاً كاتب المغامرة والطبيعة الجامحة أم أن في الأمر قراءة ناقصة، إن لم تكن خيانة أدبية صريحة؟

وقبل الإجابة، كان الإجماع هو أن لندن قد منح القراء حول العالم متعةً أدبية خالصة، فرواياته الكبرى عن ألاسكا وعن ذئاب اليوكون وعن قسوة الطبيعة التي تبتلع الضعفاء جعلت منه اسماً لا يُنسى في الأدب المكتوب بالإنجليزية، غير أن هذه الشهرة كانت في الوقت ذاته حجاباً سميكاً غط جانباً آخر من شخصيته وكتابته؛ لندن الآخر هو ذاك الذي نشأ في أحضان الفقر، وعمل في المصانع وعلى أرصفة الموانئ قبل أن يكتب، والذي انتسب إلى الحزب الاشتراكي الأميركي ولم يرَ في ذلك أي تناقض مع أدبه.

ولاحظت صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» في موضوع نشر بمناسبة ذكرى ميلاده أن «لندن كثيراً ما يُربط بالمغامرة والفضاءات الواسعة والحياة البرية، في حين أن ما يميّزه فعلاً هو حسٌّ اجتماعي حاد جعل منه أديباً يلتقط ما تحجبه الأساطير من حقائق»، ويكشف هذا التصويب النقدي أن المجلة تدعو القارئ إلى إعادة النظر في لندن: لا كاتبَ المناظر الطبيعية بل المراقب الاجتماعي الذي يخترق المجتمع الأميركي من الداخل. وتعتبر رواية «شعب القاع» أو People of the Abyss الصادرة في 1903، تجسيد قوي لهذا التوجه، ففيها لا يقف لندن خارج المشهد لينقله، بل يرتدي ملابس العاطل ويقتحم أحياء الفقر في حي «إيست إند» اللندني ليعيش من الداخل ما كان يصفه غيره من الخارج: الجوع اليومي والسكن الرديء والبطالة المزمنة، وهو ما منحه طابعاً شبه وثائقي يجعله أقرب إلى الصحافة الاستقصائية منه إلى الرواية التقليدية. وقد أشارت قراءات فرنسية متعددة إلى هذه الخاصية بدقة لافتةً، مشيرة إلى أن جاك لندن لا يراقب البؤس بل «يعبره»، وأن هذا التماس المباشر مع العالم السفلي للمجتمع الصناعي هو ما يحوّل كتابته إلى فعل استقصاء حقيقي. فالأدب عنده لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يُصبح أداة معرفية من الدرجة الأولى.

على أن هذه الذكرى قد منحت الصحافة الفرنسية فرصة أخرى لا تقل أهمية، وهي الإمساك بالتناقض الجوهري الذي يجعل لندن أغنى من أي تعريف أحادي. فقد اختارت صحيفة «لوفيغارو» بهذه المناسبة عبارة كاشفة، إذ وصفته بـ«المغامر صاحب الحيوات المتعددة»، وهي عبارة ذات وجهين، فهي تُضيء البعد الأسطوري في سيرته وتُجلّيه، لكنها في الوقت ذاته تُلمّح إلى رجل لا يمكن حبسه في هوية واحدة، ولا اختزاله في قناع بعينه، حيث كان العامل واليتيم والمتسكع والبحار والمستكشف والاشتراكي والمزارع والكاتب الأكثر مبيعاً. أما مجلة «ماريان»، فقد ذهبت أبعد وأجرأ، حين قدّمت لندن بوصفه «الكاتب الاشتراكي غير المفهوم» وهي صيغة تلتقط بدقة التوتر الكامن في مشروعه الأدبي والفكري. فهو من جهة منحاز بوضوح إلى الفقراء والمقهورين، حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي وخطب في التجمعات العمالية وكان أكثر الكتاب الأميركيين قراءة في الاتحاد السوفياتي، ومن جهة أخرى كان معجباً بالقوة الغريزية وفكرة الصراع وبأسطورة الإرادة الفردية، حتى إنه اقتنى مزرعة فارهة في كاليفورنيا ويخت خاص من النوع الفاخر، وكأنه يدين الرأسمالية بقلمه، لكنه يمتلك بيده ما تمنحه من امتيازات.

لا تختلف الصحافة الأميركية في مجملها عن نظيرتها الفرنسية في إعادة تقديم لندن بوصفه أعمق مما تسمح به الصورة الشائعة. ففي اليوم الذي يُصادف عيد ميلاده نشرت مجلة «ذا ساتردي إيفنينج بوست» وهي المجلة الأميركية العريقة التي نشرت «نداء البرية» أول مرة عام 1903 مقالةً بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين» تذكر فيها بأن كثيرين من القراء الأميركيين لم يعرفوا من لندن سوى كاتب المناهج المدرسية، فيما هو في حقيقته «صحافي حرب وكاتب مذكرات، وكاتب فضائح، ومحرّض اشتراكي، ومغامر متسلسل». وقد دعت المجلة إلى قراءة لندن كاملاً: خمسين كتاباً تتضمن الروايات ومجموعات القصص والمقالات والرحلات والشعر، لا مجرد روايتين عن الذئاب والثلج.

وفي الوقت ذاته نشر موقع «بيبلز وورلد» أبرز المنابر اليسارية في الصحافة الأميركية مقالاً تحليلياً للناقدة جيني فارِل بعنوان «جاك لندن في المائة والخمسين: الكعب الحديدي بوصفه أولى ديستوبيات عصر الإمبريالية». وفي هذا النص المطوّل الذي استقطب اهتماماً واسعاً تُقدّم فارِل رواية «االعقب الحديدية» (1908) بوصفها: «أكثر من مجرد رواية سياسية، بل نصاً تأسيسياً في الأدب الديستوبي»، مشيرة إلى أنها ظهرت قبل الفاشية الأوروبية بعقدين كاملين، وتُلاحظ الكاتبة أن لندن رسم في هذه الرواية معالم نظام أوليغارشي يسحق العمال بعنف منظّم، مستنداً إلى تحليله الماركسي لصعود الرأسمالية الاحتكارية في استباق أدبي لما سيشهده العالم بعده.

وتُشير فارِل إلى أن الرواية كانت مصدر إلهام لجورج أوروِل حين كتب «1984»، حسب اعترافه، وهو ما يمنحها موقعاً مركزياً في تاريخ الأدب السياسي الغربي.

أما مجلة «كاونتربنش» الأميركية Counter punch فقد اختارت، قُبيل الذكرى، نبرةً أكثر تعقيداً وأشد جرأة، إذ نشرت موضوع للناقد والمؤرخ الأدبي جوناه راسكين تحت عنوان «جاك لندن الاشتراكي المشهور في عمر المائة والخمسين»

وفي هذه المقالة التي أشعلت جدلاً واسعاً في المشهد الثقافي الأميركي، لم يتوانَ راسكين عن طرح السؤال المُحرج بصراحة: ما الذي يُبقي لندن راسخاً في المناهج الدراسية حين تتجاهل قراءات تلك المناهج جوانب مقلقة في إرثه، من العنصرية إلى التناقض بين خطابه الطبقي وحياته المرفّهة؟، وهنا يُذكّر راسكين بأن إيما غولدمان، الفوضوية الأميركية الروسية الشهيرة وصفته بأنه «الكاتب الثوري الوحيد في أميركا».

على صعيد مختلف، أصدرت «مكتبة أميركا» المرجعية الأكاديمية التي تُعدّ من أرفع مؤسسات التوثيق الأدبي في الولايات المتحدة، في الثالث عشر من يناير (كانون الثاني) 2026 مقالةً بعنوان «رماداً لا غباراً: جاك لندن المتمرد الأدبي في المائة والخمسين» تركز فيها على زوايا من شخصية لندن لا طالما أربكت قرّاءه: كيف يكون المرء ثورياً بالقلم ومترفاً بالسلوك في آنٍ واحد؟

مات جاك لندن عام 1916 وهو في الأربعين من عمره، تاركاً أكثر من خمسين كتاباً وأسطورة أضخم من الكتب. ولعل في رحيله المبكر، شيئاً من المنطق الداخلي لحياة احترقت في الاتجاهين، وفي هذا التوتر بين الجانبين، تكمن فرادة جاك لندن وتظل قراءته اليوم ضرورة لا رفاهية.


الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً
TT

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

الفن التشكيلي مرجعاً قصصيّاً

في مجموعته القصصية «كل الألوان أزرق» الصادرة أخيراً عن دار العين بالقاهرة، لا يكتفي الكاتب والقاص المصري مجدي القشاوي باستلهام الفن التشكيلي كمرجعية جمالية للكتابة، بقدر ما يكتب من داخل عالمه البصري والحسيّ، بحيث لا يتحرك السرد وفقاً لمنطق الحكاية التقليدية بقدر ما يتحرك بمنطق اللوحة؛ الضوء، واللون، والكتلة، والفراغ، والعلاقات الدقيقة بين العناصر، لتبدو قصص المجموعة أقرب إلى تكوينات بصرية أو حالات انطباعية منها إلى نصوص تنهض على الحدث.

منذ عتبة القصة الأولى «طبيعة صامتة» يتشكل عالم البطلين كسطحٍ فني يُبنى تدريجياً، لتصبح استجاباتهما الشعورية نفسها أقرب إلى فعل تشكيلي، يقول السارِد عن البطلة: «وحدها من استطاعت، بضربة واحدة من فرشاتها، أن تفتح الدوائر المعتمة من حولي، فينساب الضوء كريماً وشوافاً»، لتسري العلاقة بين البطلين عبر تحوّلات رقيقة تشبه انعكاسات الضوء.

ولا تبدو «الفُرشاة» في عالم القشاوي مجرد أداة للرسم، بل أداة للكشف وإعادة الرؤية، بقدرتها على إعادة تشكيل المجالين البصري والنفسي معاً، ففي قصة «الخط الأبيض العريض» يبدو العالم وكأنه لوحة بصرية مراوغة إذ يقول البطل: «تحوّلت كل الصور إلى حالة شبحية، كأن هناك من أمسك بفرشاة ومرّ عليها حتى صنع فوقها خطاً عريضاً»، وفي الوقت نفسه تقوم بوظيفة كاشفة، حيث «الفرشاة كانت تُزيح أكثر مما تطمس»، وكأن الكتابة هنا تسعى إلى كشط تراكمات الواقع، للكشف عن هشاشته وتفاصيله الخفية

حساسية انطباعية

من هنا يمكن فهم اقتراب القشاوي من حساسية «الانطباعيين»، حيث النصوص لا تنشغل بالتقاط الأشياء في صورتها النهائية، بقدر ما تنشغل بالتقاط أثرها المتحوّل على الحسّ والوعي، وذلك بنوع من «تحييد المعنى» لصالح الإحساس العابر واللحظة الهاربة، فالضوء يتغير باستمرار، والضباب يُذيب الحدود، والألوان تتحوّل إلى خبرات شعورية، كما في قول بطل إحدى القصص المُغرم بالمدرسة الانطباعية «شاهدت لوحة لخمس تفاحات خضراء متجاورة فوق المنضدة، جميعها بدرجة لون واحدة، وحتى التركيز على الظلال لم يكن ظاهراً في اللوحة، والنتيجة كانت أنني أحسست الأخضر كما لم أحسه في المزارع الكبرى»، بل إن اللون نفسه لا يعود مجرد عنصر بصري، وإنما يتحوّل إلى حمولة حسية ووجدانية: «اللون وقد نجح أن يتحوّل إلى وزن»، وهي تمثيلات تُعزز طموح السرد لالتقاط الانطباعات السريعة قبل الزوال.

تبدو الحساسية الفنية هنا جزءاً عضوياً من بناء شخصيات المجموعة وطريقتها في فهم العالم، فأبطال القشاوي غالباً ما يمتلكون وعياً جمالياً فائقاً، أو يرتبطون بالفعل الفني بصورة مباشرة كما في قصة «أربعون غياباً على حوائط حجرة واحدة».

ففي أكثر من قصة يظهر البطل متأملاً لوحة صامتة، أو مشغولاً بطريقة تشكّل الضوء فوق الأشياء، ويبدو أحد الأبطال كما لو كان يتحدث بنبرة تستدعي رسائل «فان جوخ»، لا سيما في استنطاقه الألوان: «أيها الأصفر، أخبرني تاريخ صحراواتك وعبْر ما تشعر به».

شظايا وكولاج

لكن حساسية المجموعة لا تتوقف عند الانطباعية وحدها، بل تمتد إلى نوع من الجماليات القائمة على التشظي والترميم، ففي قصة «طبيعة صامتة» تصنع البطلة منضدة من قطع موزاييك وشظايا زجاج سيارتها بعد تهشمها في حادث قديم، ليصبح الكسر نفسه جزءاً من التجربتين الإنسانية والفنية معاً، يقول السارِد: «المذهل كان تكسيرها للقطع الصغيرة بمطرقة، الأمر الذي جعل لهشيم العالم مساحة واضحة داخل العمل»، وهي عبارة تكاد تختصر الرؤية الجمالية للمجموعة بأكملها، حيث العالم لا يُرمَّم عبر محو الشروخ، بل عبر إعادة ترتيبها داخل قالب جديد يسمح بالحياة فوق الندبة نفسها.

ويتجاوز التشظي مستوى الصورة إلى البناء السردي ذاته، خصوصاً في قصة «إحدى وعشرون رسالة عن فراشة سوداء فوق وجه عازفة الفلوت»، التي يستعين فيها القشاوي ببنية الرسائل القصيرة داخل الوسيط الرقمي «إنستغرام»، لتبدو الرسائل الشذرية التي يرسلها السارد إلى البطلة وحدات مستقلة تشارك معاً في تشكيل حالة كلية من القلق والهشاشة والزوال، ولذا يقول السارِد إن «الرسائل، على محدودية حجمها، قادرة على حمل فكرة أو دفقة شعورية مكتملة».

يظهر الفن في المجموعة بوصفه محاولة لإبطاء العالم وتدبّر اللحظات الهاربة، ففي قصة «الفراشة السوداء» يتأمل الكاتب اندفاعة الحياة البلهاء، ذلك التيار المتواصل الذي يدفع الأشياء والكائنات نحو الاستهلاك والزوال، بينما تبدو الكتابة نفسها محاولة يائسة للحاق بالأثر قبل اختفائه، كما في تلك المفارقة: «انتهى عمر الفراشة وأنا أكتب».

خبرة الحواس

تبدو العلاقات العاطفية داخل المجموعة نفسها قائمة على إعادة تشكيل الإدراك، لا على الحب بوصفه حكاية تقليدية، فالمرأة في القصص تبدو وسيطاً يُعيد من خلاله الرجل اكتشاف العالم والحواس والألوان، ففي «أربع علامات استفهام في حوار صباحي سريع» يُعبَّر عن الحب عبر تفاصيل صغيرة؛ وسادة طبية، سؤال عن مذاق الطعام، حتى المشاعر نفسها تتحوّل إلى تكوينات حسّية، فيقول البطل حينما باغته الحب أنه «شعر بإصبع حنون تضغط على المنطقة التي تقع بين عينيه».

تعتمد قصص المجموعة بدرجة كبيرة على الحواس بوصفها أدوات للمعرفة؛ الرائحة، والصوت، والملمس، ولا تُستخدم بوصفها فوائض وصفية بقدر ما تطمح إلى فهم العالم والتقاط أثره الداخلي، يقول أحد الأبطال: «الرائحة تحفر داخلي مساراً منفرداً»، وفي قصة أخرى يقول بطلها: «في جلستي التي طالت؛ رأيت خيوطاً من الصوف تخرج من بلوزتها ذات الرقبة المرتفعة، ورأيتني أنظر إليها بتركيز حتى اخترقت النسيج، وأحسست الوبر، وتشبعت مسامي بلون الصوف الأصفر الأدكن الذابل الذي يماثل، حد التطابق، لون أزهار الشجرة الضخمة الوحيدة»، وكأن الشخصيات تتنفس المعنى عبر خبرة الحواس البدائية التي تسبق اللغة ذاتها.

وهكذا، تبدو قصص المجموعة بمثابة زوايا مفتوحة على التأمل، وإعادة النظر في مفهوم الزائل، كما وردة الصحراء، أو الفراشة، أو قطعة زجاج، أو حتى الحب نفسه، عبر كتابة تتلمس النقص وتحتفي به، أو على حد تعبير أحد الأبطال: «عدم اكتمال اللوحة أغنانا».


صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم
TT

صدور المجموعة الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدور المجموعة  الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم

صدرت في بغداد المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر العراقي حميد قاسم، ويعد صدور هذه المجموعة محطة بارزة في توثيق تجربة شعرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، رافقت التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عاشها العراق منذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى اليوم. وهي لا تعني مجرد إعادة نشر قصائد متفرقة في مجلد واحد، بل تمثل إعادة اكتشاف لمسيرة إبداعية متكاملة، وقراءة جديدة لصوت شعري ظل وفياً للإنسان والذاكرة والأسئلة الكبرى التي شغلت الأجيال العراقية المتعاقبة.

وحميد قاسم أحد الأصوات الشعرية التي سعت إلى بناء قصيدتها الخاصة بعيداً عن التقليد والتكرار، فقد اتسم مشروعه الشعري بالنزعة الإنسانية والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة، إلى جانب حسّ تأملي عميق جعل من قصائده مرآة للقلق الوجودي والبحث الدائم عن معنى الحياة. ومن هنا تأتي أهمية صدور أعماله الكاملة، إذ تمنح القارئ فرصة لتتبع تطور تجربته الفنية والفكرية، والوقوف على التحولات الأسلوبية واللغوية التي مرت بها قصيدته عبر السنين.

لقد عكست قصائد حميد قاسم صورة العراق بكل ما فيه من جمال وألم، فكان شاعرًا قريبًا من الناس، منحازًا إلى البسطاء والمهمشين، ومؤمنًا بأن الشعر ليس ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة ضد القبح والنسيان. وفي نصوصه تتجاور صور الطفولة والمدينة والمنفى والحب والحرب، لتشكّل فسيفساء إنسانية تعبّر عن وجدان العراقيين في مختلف مراحلهم التاريخية. لذلك فإن إصدار المجموعة الشعرية الكاملة لا يمثل حدثاً شخصياً يتعلق بالشاعر وحده، بل يُعد إضافة نوعية إلى المكتبة العراقية والعربية، وحفظًا لذاكرة شعرية ترتبط بتاريخ وطن كامل.

وتكمن أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يتيح للأجيال الجديدة الاطلاع على تجربة شعرية ربما لم تتح لها فرصة التعرف إليها بصورة شاملة من قبل. فالكثير من الدواوين القديمة كانت قد نفدت طبعاتها أو توزعت بين مجلات وصحف ودور نشر متباعدة، مما جعل الوصول إليها أمراً صعباً. أما اليوم، فإن جمع هذه النصوص في إصدار واحد يمنح الباحثين والقراء فرصة ثمينة لدراسة منجز الشاعر قراءة متكاملة، والكشف عن الروابط الداخلية بين نصوصه المختلفة، فضلاً عن متابعة تطور رؤيته الشعرية والإنسانية.

ومن المعروف أن الشعر العراقي الحديث يمتلك إرثاً غنياً صنعته أسماء كبيرة تركت أثراً واضحاً في الثقافة العربية، وقد جاء حميد قاسم ضمن هذا السياق الإبداعي الذي احتفى بالتجديد وكسر الأشكال التقليدية. لكنه في الوقت نفسه احتفظ بصوته الخاص، فلم يكن تابعاً لتيار بعينه، بل استطاع أن يخلق توازناً بين الحداثة والوضوح، وبين العمق والبساطة، وهو ما منح قصيدته قدرة على الوصول إلى القارئ دون أن تفقد بعدها الفني والجمالي.

إن صدور الأعمال الشعرية الكاملة لأي شاعر يُعد اعترافاً بقيمة تجربته ومكانته في المشهد الأدبي، وهذا ما ينطبق على حميد قاسم الذي استطاع عبر سنوات طويلة أن يرسخ حضوره بوصفه شاعراً يمتلك حساسية خاصة تجاه اللغة والحياة. فقصيدته لا تعتمد على الزخرفة اللفظية بقدر اعتمادها على الصدق الشعوري والقدرة على التقاط اللحظة الإنسانية بأبعادها المختلفة. ولهذا بقي شعره قريباً من القارئ، قادراً على إثارة التأمل وإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بالوطن والهوية والإنسان.

كما أن هذا الإصدار يشكل خطوة مهمة في حفظ الإرث الثقافي العراقي، خصوصاً في ظل ما تعرضت له الثقافة العراقية من تشتت وضياع خلال العقود الماضية بسبب الحروب والهجرة والظروف السياسية الصعبة. فتوثيق أعمال الشعراء والمبدعين وإعادة نشرها يسهمان في حماية الذاكرة الثقافية من النسيان، ويعيدان الاعتبار للكلمة بوصفها جزءاً من هوية المجتمع وتاريخه.