تركيا تقيّد حركة «الإخوان» وتُلزم قنوات الجماعة وقف الهجوم على مصر

فرض إقامة جبرية على 30 من القيادات ومنعهم من التصريحات وفحص حسابات بعضهم

تركيا تقيّد حركة «الإخوان» وتُلزم قنوات الجماعة وقف الهجوم على مصر
TT

تركيا تقيّد حركة «الإخوان» وتُلزم قنوات الجماعة وقف الهجوم على مصر

تركيا تقيّد حركة «الإخوان» وتُلزم قنوات الجماعة وقف الهجوم على مصر

ألزمت السلطات التركية القنوات التلفزيونية التابعة لـ«الإخوان» المسلمين، التي تبث من إسطنبول، بالالتزام بميثاق الشرف الصحافي والإعلامي، وتجنب الشأن السياسي والتهجُّم والتطاول على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والحكومة المصرية، والتخلي عن أسلوب التحريض والإساءة للدولة المصرية ودول الخليج، في أول خطوة عملية تترجم التصريحات المتتالية على مدى الأسابيع الماضية، حول الرغبة في فتح صفحة جديدة في العلاقات مع مصر.
وعمدت القنوات الثلاث الناطقة بلسان الإخوان («الشرق»، و«مكملين»، و«وطن») إلى تغيير خريطة برامجها، وإلغاء بث بعض البرامج السياسية التي تتسم بحدة الخطاب تجاه الحكومة المصرية، ليل الخميس - الجمعة الماضي، عقب اجتماع عقده مسؤولون بوزارة الخارجية التركية في أنقرة مع رؤساء القنوات الثلاث، طالبوها خلالها بتغيير السياسة التحريرية للقنوات، لتناسب المرحلة الجديدة التي تعمل فيها أنقرة على التقارب مع القاهرة.
ووجّهت السلطات التركية تعليمات باقتصار تغطيات القنوات الثلاث على الموضوعات الاجتماعية والثقافية، والابتعاد عن الموضوعات السياسية التي تشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية لمصر.
وكشفت مصادر في تلك القنوات لـ«الشرق الأوسط» أن تعليمات الجانب التركي كانت واضحة، بضرورة تغيير السياسة التحريرية لهذه القنوات بما يتناسب مع ميثاق الشرف الصحافي والإعلامي، ووقف حملات التحريض والسباب، مع تحذير من إغلاق القنوات التي لا تلتزم، وترحيل الإعلاميين الذين لا يتجاوبون مع القواعد الجديدة للعمل.
واستبعد رئيس مجلس إدارة قناة «الشرق» أيمن نور، أن يخلو محتوى القنوات من البرامج السياسية تماماً، رداً على ما قيل عن قرار تركي بإغلاق تلك القنوات، لكنه اعترف بأن التقارب السياسي الحاصل بين مصر وتركيا قد يكون له بعض الانعكاسات.
وعبّر نور، الذي غرّد عبر «تويتر» بما معناه أن هناك تضييقاً من جانب السلطات التركية على القنوات الموجهة من إسطنبول، في تصريحات، عن اعتقاده بأن تركيا لن تقْدم على خطوة إغلاق أي قناة، لافتاً إلى أن هناك طلباً من السلطات بالتزام «مواثيق الشرف الإعلامي والصحافي».
ورأى نور، وهو مؤسس حزب «الغد» ومرشح سابق للرئاسة في مصر، كان قد أُوقف لسنوات بتهمة التزوير في أوراق تأسيس حزبه الذي نقله إلى خارج مصر مؤخراً، أن ما يحدث «أزمة» وتمنى تجاوزها. وقال إنه يقدر البلد الذي توجد فيه تلك القنوات (تركيا). وعن التغيير المحتمل في سياسات التحرير في تلك القنوات واقتصار محتوى برامجها على القضايا الاجتماعية والثقافية، قال نور إنه يستبعد عدم وجود برامج سياسية.
بدوره، قال مستشار رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، ياسين أقطاي، إن الخطوة التي قامت بها الحكومة التركية جاءت لضبط أداء تلك القنوات، في إطار التوجه الحالي لتحسين العلاقات مع مصر، بعد أن لاحظت أن هناك محتوى سياسياً غير لائق، ويخالف مواثيق الشرف الصحافية والإعلامية.
وزعم أقطاي، الذي يمثل حلقة الوصل بين السلطات التركية وجماعة الإخوان، وأعضاء تيارات الإسلام السياسي الأخرى من مختلف الدول العربية، والذي تكرر ظهوره على هذه القنوات، أن السلطات التركية لم تكن تتابع ما تقدمه هذه القنوات، حتى تبلغها تنبيهاً من الحكومة المصرية بأن هناك تجاوزات في برامجها، وتم التحقق من هذه التجاوزات.
وأثارت هذه التصريحات تهكماً واسعاً من جانب المتابعين، كون أقطاي هو أقرب المسؤولين الأتراك من قيادات الإخوان وقنواتهم.
في السياق ذاته، ذكرت وسائل إعلام تركية، أن السلطات فرضت إقامة جبرية على قيادات إخوانية وإعلاميين من العاملين بتلك القنوات، وطالبت 30 من القيادات بالتزام الصمت وعدم الإدلاء بتصريحات سياسية، مشيرة إلى أن الأيام القادمة قد تشهد تدقيق حسابات بعض القيادات والإعلاميين في البنوك، وترحيل بعضهم، وتسليم أعداد من المطلوبين من جانب السلطات المصرية لإدانتهم بجرائم في مصر.
لكنّ أقطاي نفى أن يكون هناك اتجاه لتسليم أيٍّ من العناصر المقيمة على الأراضي التركية، وأن تركيا لن تسلمهم إلى بلادهم. وأضاف: «كل ما هنالك هي مطالبة بإعادة النظر في الخطاب الإعلامي الموجه لمصر، وضبط الألفاظ، تحت طائلة القوانين المتعارف عليها إعلامياً»، نافياً شائعات عن وضع إعلاميين في قنوات الإخوان قيد الإقامة الجبرية.
وقوبلت الخطوة التركية، التي جاءت بعد سلسلة من التصريحات من جانب الرئيس التركي وعدد من وزرائه حول أهمية عودة العلاقات مع مصر إلى طبيعتها، بترحيب مصري أعرب عنه وزير الدولة المصري للإعلام أسامة هيكل. ورأى هيكل الخطوة التركية «بادرة طيبة من الجانب التركي تخلق مناخاً ملائماً لبحث الملفات محل الخلافات بين الدولتين، على مدار السنوات الماضية»، مضيفاً أن صدور قنوات من دولة لتعادي دولة أخرى «ليس مقبولاً في العلاقات الدولية، ومن المهم جداً لكل دولة أن تبحث عن مصالحها ومصالح شعبها، ولا أعتقد أن الخلافات السياسية بين تركيا ومصر تصب في مصالح الشعبين».
وأكد هيكل أن مصر دولة لا تعادي أحداً، وأن الموقف المصري ثابت في علاقاتها الدولية، حيث تعمل على تطوير علاقاتها مع الجميع، على أساس من التفاهم والحفاظ على المصالح المشتركة.
وكان وزير الخارجية المصري سامح شكري، قد أعلن الأحد الماضي، أن بلاده تتفاعل مع جميع الشركاء الدوليين والإقليميين، وفقاً لسياسة التوازن في العلاقات المبنية على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشأن الداخلي للدول. وقال شكري، خلال اجتماع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، فيما عُدّ أول رد مصري رسمي على تصريحات التودُّد التركية، إنه «لا توجد علاقات مع تركيا خارج القنوات الطبيعية»، مضيفاً أن مصر «حريصة على العلاقة بين الشعبين المصري والتركي، والمواقف السياسية السلبية من الساسة الأتراك لا تعكس العلاقة بين الشعبين».
وأضاف شكري: «إذا ما وجدنا أن هناك تغييراً في السياسة التركية تجاه مصر، وعدم تدخل في الشؤون الداخلية، وانتهاج سياسات إقليمية تتوافق مع السياسة المصرية، قد تكون هذه أرضية ومنطلقاً للعلاقات الطبيعية»، مشيراً إلى أن أنقرة يجب أن تترجم الأقوال إلى أفعال.
إلى ذلك، واصل المسؤولون الأتراك رسائل التودُّد إلى مصر، إذ أكد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، أن بلاده تسعى إلى علاقات جيدة مع كل دول جوارها، بما في ذلك مصر. وقال أكار في كلمة في أثناء مشاركته في فعالية نظّمتها وزارة الدفاع في أنقرة مساء الخميس، إن تركيا ترغب في علاقات حسن جوار مع كل دول المنطقة، بما في ذلك مصر واليونان.


مقالات ذات صلة

إسلاميو الأردن يبدلون الاسم أملاً بتوفيق الأوضاع

المشرق العربي من التصويت على التعديلات المقدمة من مجلس شورى «جبهة العمل الإسلامي» على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

إسلاميو الأردن يبدلون الاسم أملاً بتوفيق الأوضاع

صوتت الهيئة العامة لحزب «جبهة العمل الإسلامي» على تغيير اسمه التاريخيّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992، واختيار اسم «حزب الأمة»، وذلك في فعاليات الجلسة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
المشرق العربي إدارة الجلسة الاستثنائية للمؤتمر العام لـ«جبهة العمل الإسلامي» سابقاً في الأردن السبت لمناقشة التعديلات على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

الأردن: «العمل الإسلامي» يخلع اسمه التاريخي ويتحوّل إلى «حزب الأمة»

غادر أقدمُ الأحزاب الأردنية؛ حزبُ «جبهة العمل الإسلامي»، اسمَه التاريخيَّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
شمال افريقيا مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

ضربات تتواصل لجماعة «الإخوان المحظورة» ما بين قرارات حظر أميركية لأفرع الجماعة بعدة بلدان، وصولاً لحراك برلماني في هولندا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تحليل إخباري حكم التيار الإسلامي في السودان بقبضة من حديد طيلة 30 عاماً... وأطاحته ثورة شعبية عارمة انطلقت 19 ديسمبر 2018 (رويترز)

تحليل إخباري بعد إدراجها على قائمة الإرهاب... «إخوان السودان» أمام خيارات صعبة

لاذت جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان، بصمت مطبق إزاء قرار الولايات المتحدة تصنيفها «منظمة إرهابية»... فما الأسباب وما الحلول؟

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا مقر «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

اتساع دائرة الحظر الدولي يُزيد الضغوط على «إخوان مصر»

يتسع الحظر الدولي ضد «الإخوان» بعد قرار هولندا تصنيفها «إرهابية» مما يُزيد الضغوط على الجماعة في مصر بعد أكثر من 13 عاماً على حظرها بها.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )

الحرب تفرِّق آلاف الأسر السودانية... والأمم المتحدة تبحث عن ذوي 58 ألف طفل

حشد من الأطفال السودانيين اللاجئين يتدافعون للحصول على الطعام بمخيم أدري فيما رجل يحمل سوطاً يحاول السيطرة عليهم (نيويورك تايمز)
حشد من الأطفال السودانيين اللاجئين يتدافعون للحصول على الطعام بمخيم أدري فيما رجل يحمل سوطاً يحاول السيطرة عليهم (نيويورك تايمز)
TT

الحرب تفرِّق آلاف الأسر السودانية... والأمم المتحدة تبحث عن ذوي 58 ألف طفل

حشد من الأطفال السودانيين اللاجئين يتدافعون للحصول على الطعام بمخيم أدري فيما رجل يحمل سوطاً يحاول السيطرة عليهم (نيويورك تايمز)
حشد من الأطفال السودانيين اللاجئين يتدافعون للحصول على الطعام بمخيم أدري فيما رجل يحمل سوطاً يحاول السيطرة عليهم (نيويورك تايمز)

مع دخول الأزمة السودانية عامها الرابع، حذّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من تفاقم الكارثة الإنسانية واتساع نطاقها، مؤكدة أن ما يجري في السودان تحوّل إلى أكبر أزمة نزوح في العالم، في ظل تداعيات مدمّرة طالت ملايين المدنيين، وعلى رأسهم الأطفال.

وكشفت المفوضية عن وجود نحو 58 ألف طفل سوداني لاجئ يعيشون في دول اللجوء من دون مرافقة ذويهم، بعدما فرّقت الحرب بينهم وبين عائلاتهم، بينما يعاني عدد كبير منهم من إصابات جسدية وصدمات نفسية عميقة نتيجة العنف والنزوح.

وقالت المتحدثة الإقليمية باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيث كاسينا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المفوضية، ورغم عدم قدرتها على تقديم معلومات تفصيلية بشأن الأطفال غير المصحوبين بذويهم لأسباب تتعلق بالخصوصية، تعمل بشكل متواصل على تتبّع أفراد أسرهم المباشرين أو العائلات الممتدة والأقارب بهدف إعادة لمّ شملهم».

نازحات سودانيات فررن من مخيم زمزم يتجمعن قرب بلدة الطويلة في شمال دارفور فبراير2025 (أ.ف.ب)

وأضافت كاسينا أن الأطفال الذين يتم العثور عليهم من دون ذويهم يُنقلون مؤقتاً إلى أسر حاضنة مختارة، تتلقى دعماً من المنظمات الإنسانية والإغاثية، إلى حين التوصل إلى أسرهم الأصلية أو أقاربهم. وأكدت أن المفوضية تواصل مطالبة المجتمع الدولي بتوفير مزيد من الدعم والخدمات المتخصصة للأطفال غير المصحوبين والمنفصلين عن عائلاتهم، إضافة إلى الفئات الأكثر ضعفاً وذوي الاحتياجات الخاصة.

نقص في التمويل

وفيما يتعلق بأزمة التمويل، أوضحت كاسينا أن المفوضية وشركاءها من المنظمات الإنسانية يواصلون بذل كل الجهود الممكنة لمواجهة النقص الحاد في تمويل الاستجابة الإنسانية للأزمة السودانية، عبر إطلاق نداءات دولية تهدف إلى توفير الحماية والمساعدات لملايين اللاجئين والنازحين داخلياً والعائدين والمجتمعات المضيفة. وبيّنت أن المفوضية والمنظمات الإنسانية وشركاء التنمية يحتاجون خلال العام الحالي إلى 1.6 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 5.9 مليون شخص في سبع دول تستضيف اللاجئين الفارين من السودان.

نازحون من مدينة الجنينة بمنطقة دارفور على شاحنة للجيش الفرنسي تنقلهم إلى ملاجئ مؤقتة على مشارف أدري بتشاد (رويترز)

ورغم أن حجم التمويل الذي تم توفيره حتى الآن لا يتجاوز 10 في المائة من إجمالي الاحتياجات المطلوبة، شددت كاسينا على التزام المفوضية بمضاعفة جهودها مع الجهات المانحة لضمان استمرار الاستجابة الإنسانية، وتمكين الشركاء من تلبية الاحتياجات العاجلة للمتضررين من النزاع.

وأشارت إلى أن المؤتمر الدولي الثالث بشأن السودان، الذي عُقد في برلين منتصف أبريل (نيسان) الماضي، بدعوة من ألمانيا والاتحاد الأوروبي وفرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي، أسفر عن تعهدات مالية تجاوزت 1.5 مليار يورو لدعم جهود الاستجابة الإنسانية في السودان ودول الجوار.

كما أوضحت أن المؤسسات التنموية الدولية رفعت مستوى استثماراتها المخصصة للسودان ودول اللجوء، مشيرة إلى أن محفظة البنك الدولي الخاصة بالسودان ارتفعت من 130 مليون دولار خلال عام 2024 إلى 540 مليون دولار متوقعة بحلول نهاية عام 2026، مع توقعات باستمرار نموها خلال السنوات المقبلة.

تحديات العودة

وأكدت كاسينا أن مؤسسات التنمية في دول الخليج، إلى جانب شركاء دوليين مثل البنك الأفريقي للتنمية والاتحاد الأوروبي، كثّفت مشاركتها لدعم المجتمعات المضيفة، وتعزيز قدرة اللاجئين والنازحين على الصمود، وتحقيق الاعتماد على الذات على المدى الطويل.

وشددت على أن الأزمة السودانية لا تزال أكبر أزمة نزوح في العالم، وأكثرها معاناة من نقص التمويل، محذّرة من أن استمرار البرامج الإنسانية سيكون مهدداً بشكل كبير إذا لم يتم توفير الموارد المالية الكافية من قبل الجهات المانحة.

وفي ختام حديثها، جدّدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين دعوات الأمم المتحدة إلى ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وضمان حماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة إلى جميع المحتاجين، خصوصاً في مناطق القتال وممرات النزوح واللجوء.


مصر لتأهيل شبكات الطاقة اللبنانية

مصر تسعى لإعادة إحياء «خط الغاز العربي» عبر تأهيل البنية التحتية اللبنانية (مجلس الوزراء المصري)
مصر تسعى لإعادة إحياء «خط الغاز العربي» عبر تأهيل البنية التحتية اللبنانية (مجلس الوزراء المصري)
TT

مصر لتأهيل شبكات الطاقة اللبنانية

مصر تسعى لإعادة إحياء «خط الغاز العربي» عبر تأهيل البنية التحتية اللبنانية (مجلس الوزراء المصري)
مصر تسعى لإعادة إحياء «خط الغاز العربي» عبر تأهيل البنية التحتية اللبنانية (مجلس الوزراء المصري)

أثمرت اتصالات ولقاءات مصرية لبنانية أخيراً توقيع اتفاقية جديدة في مجال الطاقة بين البلدين، في خطوة من شأنها أن تُعمّق سبل التعاون المشترك، كما تعزز فرص إحياء «خط الغاز العربي» الذي يكتسب أهمية خاصة للبنان بعد توقفه في 2011، بحسب خبراء من البلدين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وتأتي الاتفاقية في وقت يسعى فيه لبنان إلى معالجة أزمات الطاقة المتكررة، ويتوقع خبراء أن يساعد الاتفاق الأخير بيروت على مواجهتها بشكل تدريجي.

ووقعت مصر ولبنان، الأربعاء، اتفاقية جديدة لتنفيذ أعمال إصلاح وإعادة تأهيل خطوط الغاز في لبنان، من خلال قطاع البترول المصري ممثلاً في الشركة الفنية لخدمات تشغيل خطوط الغاز «TGS».

وقّع الاتفاقية كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية المصري، عن الجانب المصري، والدكتور جوزيف الصدي، وزير الطاقة والمياه عن الجانب اللبناني، بحضور عدد من قيادات قطاع البترول المصري، وقطاع الطاقة والبترول اللبناني، وسفير لبنان لدى مصر علي الحلبي، وفق بيان للحكومة المصرية.

إحياء خط الغاز العربي

ويرى نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق صلاح عبد الحافظ، لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتفاقية تحيي «خط الغاز العربي» الذي يمر عبر الأردن وسوريا إلى لبنان من مصر، والذي تعطل بسبب العقوبات الأميركية على سوريا، لافتاً إلى أنه بعدما أصبحت دمشق في وضع متصالح مع أميركا، سيجني لبنان من هذه الاتفاقية منافع عديدة خاصة وهو لا يمتلك وسيلة أخرى لاستقبال الغاز الطبيعي غير هذا الخط.

وأضاف: «هذه أيضاً خطوة ممتازة بالنسبة لمصر، لأنها تعزز من دورها كمركز إقليمي للطاقة الذي نسعى لتأسيسه، وهذا هو جوهر دور مراكز الطاقة».

وأكد المحلل الاقتصادي اللبناني منير يونس، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتفاقية بالنسبة لمصر، هي استكمال «لخط الغاز العربي» الذي يمتد من مصر إلى الأردن وسوريا ثم لبنان، وهذا خط تاريخي وصل إلى لبنان تقريباً في عام 2009، ثم توقف لأسباب لها علاقة بظروف الحرب السورية.

أما الاتفاقية بالنسبة للبنان، فهي عامل مساعد، بحسب يونس، خاصة أنه لا توجد شبكة غاز بالبلاد، لافتاً إلى أن الاتفاقية تتعلق بتأهيل وصلة من الحدود السورية إلى معمل دير عمار في الشمال اللبناني، وهذا المعمل لديه القدرة على التوليد بالغاز، ما قد يزيد ساعات التغذية بالكهرباء في لبنان بحدود 4 ساعات تقريباً.

ومتوسط ساعات التغذية اليومية بالكهرباء في لبنان بين 8 و10 ساعات، والباقي يؤمن من المولدات والطاقة الشمسية والكهربائية، وتختلف من منطقة لأخرى، وفق يونس.

تعاون واسع بين البلدين

والاتفاقية جزء من تعاون واسع، وفق مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء المصري، الذي شهد التوقيع، لافتاً إلى أنها «تأتي في إطار دعم وتعزيز أوجه التعاون مع الحكومة اللبنانية في مختلف المجالات والقطاعات، لا سيما قطاع الطاقة»، بحسب بيان للحكومة المصرية.

وأوضح أنها تعد ترجمة فعلية لنتائج الزيارة التي قام بها إلى بيروت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والتي تعطي أولوية للتعاون في مجال الطاقة وتقديم الدعم اللازم في هذا المجال الحيوي؛ خدمةً للشعب اللبناني.

وأضاف أن «قطاع البترول المصري يضع خبراته الفنية المتخصصة في مجال شبكات الغاز الطبيعي في خدمة الأشقاء في لبنان، في إطار عمل تكاملي يعكس عمق العلاقات بين البلدين، وحرص مصر على دعم قدرات لبنان الشقيق ورفع كفاءة وتأهيل بنيته التحتية في مجال الغاز ومن ثَم استدامة إمدادات الطاقة».

رئيس الوزراء المصري شارك في أعمال التوقيع على اتفاقية الطاقة بين مصر ولبنان (مجلس الوزراء المصري)

وأكد نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للبترول الأسبق صلاح عبد الحافظ أن الاتفاقية خطوة مهمة للغاية تعزز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، وستقوي موقف مصر كمركز إقليمي للطاقة قادر على إيصال الوقود إلى الدول المحيطة.

وسبق أن أعلن البنك الدولي استعداده لتمويل إمدادات الغاز لمساعدة بيروت على إعادة تشغيل محطات الكهرباء، بشرط تنفيذ إصلاحات في قطاع الطاقة، تتضمن رفع كفاءة محطات المحولات والقياس ومحطات التوليد وشبكات التوزيع والتحكم وأنظمة الحماية الفنية المرتبطة بها.

ويرى المحلل الاقتصادي اللبناني منير يونس أن لبنان دائماً يقف أمام مشكلة التمويل، لافتاً إلى أن «هناك رعاية من البنك الدولي بخصوص الطاقة تضع شروطاً متعلقة بالشفافية والحوكمة في هذه المسائل، لكن الاتفاقية مهمة بكل حال بعيداً عن تحديات التمويل المرتبطة بها التي يجب حلها سريعاً».


اتصالات مصرية متواصلة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
TT

اتصالات مصرية متواصلة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء سابق مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الرئاسة المصرية)

تتواصل الاتصالات المصرية مع قادة ومسؤولين في المنطقة بشأن خفض التصعيد، وسط جهود للتهدئة بين واشنطن وطهران، ومؤشرات إيجابية بشأن إمكانية توقيع مذكرة تفاهم تقضي بوقف الحرب.

وفي هذا السياق، شدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال اتصال هاتفي مع سلطان عُمان هيثم بن طارق، على ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى خفض التوتر الإقليمي.

وثمّن السيسي، خلال الاتصال الذي نوقشت خلاله أوضاع المنطقة، الدور البنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، مستعرضاً الجهود المصرية المبذولة لتحقيق الهدف نفسه. وأكد أهمية الحفاظ على السلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وتجنب التصعيد، والعمل على تسوية الأزمة الراهنة عبر الوسائل السلمية، وفقاً لبيان الرئاسة المصرية.

كما جرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ورئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تناول سُبل دفع جهود خفض التصعيد في المنطقة، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية» الأربعاء.

وأكد الجانبان، خلال الاتصال، الأهمية البالغة لاستمرار المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، مع التشديد على أن الحل السياسي والدبلوماسي يمثل السبيل الوحيد والأنجع لمعالجة الأزمة الراهنة.كما رحّب الوزير المصري بالقرار الذي أعلنته الولايات المتحدة بشأن وقف مؤقت لعملية عسكرية مرتبطة بإعادة فتح مضيق هرمز، بهدف إتاحة المجال أمام الجهود الجارية للتوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران.

المسؤولية والحكمة

وأعرب الجانبان عن تطلعهما إلى أن تتبنى جميع الأطراف المعنية مواقف تتسم بالمسؤولية والحكمة، مع الالتزام الكامل بخيار الدبلوماسية والمفاوضات والحوار بوصفه أداة أساسية لتسوية مختلف الشواغل، مؤكدين أن استدامة الأمن والاستقرار الإقليمي تعتمد في الأساس على تغليب الحلول السياسية، بما يحفظ مقدرات شعوب المنطقة ويصون مصالحها.

وفى ختام الاتصال، اتفق الوزيران على مواصلة جهودهما الدؤوبة والصادقة، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين وبالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة، بسرعة التوصل إلى اتفاق حول المبادئ العامة بين الجانبين الأميركى والإيرانى تعالج كل الشواغل، ثم بدء المفاوضات الخاصة بوضع هذه المبادئ موضع التنفيذ.

وشدد الوزير عبد العاطى على ضرورة الأخذ بعين الاعتبار الشواغل الأمنية لدول الخليج الشقيقة وباقي دول المنطقة.

محادثات مصرية - قطرية سابقة في الدوحة لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على «فيسبوك»)

كما أطلع وزير الخارجية المصري، خلال اتصال هاتفي تلقّاه الأربعاء، من مستشار الأمن القومي الألماني جونتر زاوتر، على الجهود المصرية الرامية إلى وقف التصعيد واحتواء التوتر، مؤكداً الأهمية البالغة لمواصلة المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، باعتباره الخيار الأنسب لتسوية الأزمة الراهنة.

اتصالات متواصلة

وهذه الاتصالات المصرية تتواصل بشكل لافت منذ اندلاع الحرب مع إيران أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث أجرى وزير الخارجية المصري، الثلاثاء، اتصالات هاتفية مع نظرائه في السعودية الأمير فيصل بن فرحان، وعُمان بدر البوسعيدي، والكويت جراح جابر الأحمد الصباح، والبحرين عبد اللطيف الزياني، إضافة إلى المبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.

وتناولت الاتصالات أيضاً تنسيق الجهود الإقليمية والدولية الرامية لخفض التصعيد واحتواء حالة التوتر الراهنة، محذراً من أن استمرار التصعيد يُهدد بجر منطقة الشرق الأوسط بأسرها إلى حالة من الفوضى التي ستطول تداعياتها الأمن والاستقرار الدوليين.

دور مؤثر

وتكتسب تلك الاتصالات المصرية أهمية كبيرة، خصوصاً مع زيادة الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق نهائي لوقف الحرب بين واشنطن وطهران، وفق ما يراه مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير رؤوف سعد.

وشدد سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على أن الدور المصري، سواء المعلن أو غير المعلن، يُعدّ دوراً محسوباً ومؤثراً، ويدرك الجميع في المنطقة أهمية استمراره، مضيفاً أن الاتصالات المصرية المتواصلة لخفض التصعيد تأتي في إطار استمرار الدور الذي تلعبه القاهرة في هذا المسار، سواء بشكل معلن أو غير معلن، مؤكداً أن هذا التحرك ليس رد فعل، بل تدخل محسوب، خصوصاً في ظل زيادة الآمال بالتوصل إلى اتفاق.

وشدد على أن الجميع يدرك، لا سيما منذ حرب غزة، أن الدور المصري ليس خياراً، بل يقع في قلب التوازنات، وأنه لا سبيل لتحقيق الاستقرار والتوازن من دونه، ولا ينبغي ربط ذلك بالموقف الاقتصادي أو الأزمات، مشدداً على أن هذا الدور ليس جديداً، لكنه ازداد كثافة منذ حرب غزة وما أعقبها من توتر مع إيران، خصوصاً مع استمرار الاتصالات بين القاهرة وطهران دون انقطاع، بما يعكس قدرة مصر على التعامل مع مختلف الأطراف.