بايدن يعتبر بوتين «قاتلاً» ويهدده بـ«دفع ثمن» سياساته

موسكو استدعت سفيرها في واشنطن لتجنّب «تدهور لا رجعة فيه»

صورة أرشيفية للقاء بين بايدن وبوتين في موسكو عام 2011 (أ.ب)
صورة أرشيفية للقاء بين بايدن وبوتين في موسكو عام 2011 (أ.ب)
TT

بايدن يعتبر بوتين «قاتلاً» ويهدده بـ«دفع ثمن» سياساته

صورة أرشيفية للقاء بين بايدن وبوتين في موسكو عام 2011 (أ.ب)
صورة أرشيفية للقاء بين بايدن وبوتين في موسكو عام 2011 (أ.ب)

شهد التوتر القائم بين الولايات المتحدة وروسيا، تصعيدا جديدا أمس، بعد تصريحات للرئيس الأميركي جو بايدن اعتبرها مجلس الدوما «إهانة لجميع الروس».
وقال بايدن إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيواجه عواقب على ما تعتبره واشنطن جهودا قامت بها روسيا للتأثير على الانتخابات الأميركية التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 لمصلحة الرئيس السابق دونالد ترمب. وقال بايدن في مقابلة مع محطة «إيه بي سي نيوز» أمس، إن بوتين سيدفع الثمن، وإنه حذره من رد محتمل خلال مكالمته الهاتفية المطولة التي أجراها معه أواخر يناير (كانون الثاني) الماضي». وردا على سؤاله عن العواقب التي يقصدها، قال بايدن: «سترون ذلك قريبا»، فيما بدا أنه تمهيد لإعلان إدارته عن فرض المزيد من العقوبات على روسيا على خلفية ملفات عدة، من بينها ملف التدخل في الانتخابات، وشن الهجمات السيبرانية على وزارات أميركية وشركات تكنولوجيا، وقضية تسميم وسجن المعارض الروسي أليكسي نافالني. وعندما سُئل عما إذا كان يعتبر بوتين قاتلا، أجاب بايدن «نعم». لكن ورغم ذلك، أشار إلى أنه «بالإمكان التعاون مع روسيا بشأن العديد من المواضيع التي تقتضي مصلحتنا المشتركة العمل فيها معا»، مشيرا تحديدا إلى تمديد معاهدة ستارت 3 في يناير الماضي.
جاءت تصريحات بايدن في أعقاب تقرير استخباري رُفعت عنه السرية، اتهم الرئيس الروسي بأنه أذن ببذل جهود مكثفة للإضرار بترشيح بايدن خلال انتخابات العام الماضي. وأضاف التقرير الذي نشره مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية أفريل هاينز، أن بوتين أذن أيضا بشن عمليات سرية للتأثير على الأشخاص المقربين من الرئيس ترمب. وقال التقرير إن «الدولة الروسية والعديد من أدواتها الفاعلة التي تخدم جميعها مصالح الكرملين عملت على التأثير على الرأي العام الأميركي».
ويشكل التقرير التقييم الاستخباري الأكثر شمولا للجهود الأجنبية التي بذلت للتأثير على انتخابات 2020، وقال التقرير إنه إلى جانب روسيا، سعت إيران ودول أخرى للتأثير في الانتخابات، في حين أن الصين أعادت النظر بجهودها الخاصة، لكنها خلصت في النهاية إلى أنها ستفشل وقد تؤدي على الأرجح إلى نتائج عكسية.
- «إهانة لجميع الروس»
وأثارت تصريحات الرئيس الأميركي ضد روسيا موجة غضب واسعة لدى الأوساط السياسية والبرلمانية الروسية، خصوصاً أنها حملت للمرة الأولى انتقادات قاسية ومباشرة ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كما استدعت روسيا سفيرها من واشنطن للتشاور. وتجنب الكرملين التعليق بشكل مباشر على التصريحات، فيما بدا أن التريث متعمد لـ«بلورة رد مناسب ومتكافئ» كما قال مصدر روسي لوسائل الإعلام، لكن التصريحات الغاضبة على مستوى السياسيين وأعضاء البرلمان تواصلت خلال ساعات النهار. وأعلن رئيس مجلس الدوما الروسي، فيتشيسلاف فولودين، أن موسكو ستواجه ما وصفها بـ«هستيريا تدل على عجز الإدارة الأميركية»، ورأى أن العبارات التي استهدفت بوتين تشكل «إهانة لجميع الروس». وكتب فولودين: «بايدن أهان مواطني بلدنا بتصريحه. هذه هستيريا ناجمة عن العجز. بوتين هو رئيسنا، والتهجم عليه هو هجوم على بلدنا كله».
وكان الكرملين رفض تقرير المخابرات الأميركية الذي توصل إلى استنتاجات بأن روسيا تدخلت في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة لصالح الرئيس السابق دونالد ترمب. وشكل هذا التقرير السبب المباشر لعبارات بادين الحادة ضد بوتين. ورأى الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن «التقرير هو على الأرجح مجرد ذريعة لوضع قضية العقوبات المقبلة على جدول الأعمال» ضد روسيا. وزاد أن «السلطات الروسية مجبرة على اتخاذ جميع التدابير اللازمة للتحوط من المخاطر المرتبطة بالعقوبات الأميركية المنتظرة على خلفية هذا التقرير». وأعرب بيسكوف عن أسفه لأنه «في السنوات الأخيرة، ارتبطت أنشطة الرؤساء الأميركيين الجدد مباشرة بعد توليهم المنصب بـإجراءات مختلفة ضد روسيا وفرض عقوبات عديدة». موضحا أن «الحديث عن عشرات القرارات المتعلقة بالعقوبات. بالطبع، نحن مضطرون إلى اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة من أجل التحوط من المخاطر المرتبطة بالعقوبات المحتملة، ولحماية مصالح بلادنا قدر الإمكان».
وبحسب قوله، فإن السلطات الروسية «ليس لديها فهم محدد بطبيعة ومدى العقوبات الجديدة، لكنها تدرس أي احتمالات وأي سيناريوهات محتملة». ووصف بيسكوف الاستنتاجات التي وردت في التقرير الاستخباراتي بأنها «لا أساس لها من الصحة». وزاد: «نحن لا نتفق مع نتائج هذا التقرير فيما يتعلق ببلدنا. ولم تتدخل روسيا في انتخابات سابقة ولم تتدخل في انتخابات 2020 المذكورة في هذا التقرير». وشدد على أنه «لا علاقة لروسيا بأي حملة ضد أي من المرشحين».
وحملت تعليقات وزارة الخارجية نفيا مماثلا، إذ قال نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، إن «تصريحات المخابرات الأميركية حول تدخل موسكو في الانتخابات الأخيرة لا تستند إلى أي أسس». وأضاف أن «(التقرير) يعتمد على معلومات مزورة، ولا يوجد هناك شيء آخر إلا تكهنات على ما يبدو». وقال الدبلوماسي الروسي إن «عمل أجهزة الدولة الأميركية قد وقع فيه استبدال للمفاهيم منذ وقت بعيد». وأوضح: «يصوغون أي تقارير على أساس أي معلومات متوفرة أو غير متوفرة لدى هيئات بناء على استنتاجات معينة ونتائج يتم تحديدها مسبقا». ولفت إلى أن «صياغة العبارات في التقرير الأخير مبهمة، وعدم الدقة المتعمدة للبيانات تستخدم مرة أخرى كأساس للتهديد، بإجراءات وخطوات مادية محددة للغاية».
وفي الوقت ذاته، قال ريابكوف إن «موسكو تنظر بهدوء إلى تهديد واشنطن بفرض عقوبات جديدة بسبب التدخل المزعوم» في انتخابات 2020. وزاد: «الولايات المتحدة ملتزمة بخط زيادة الضغط على روسيا، وللأسف أصبح ذلك قاعدة حياة بالنسبة لهم». وأضاف نائب الوزير الروسي أن بلاده «مرت عبر ذلك أكثر من 90 مرة، تم خلالها فرض عقوبات مختلفة، اعتبارا من العام 2011 ويمكن القول إن الالتزام المهووس بسياسة العقوبات ازداد في العلاقات مع الولايات المتحدة. ولا شك في أن هذا الخط سيستمر لاحقا، ونحن ننظر إلى ذلك بهدوء».
- رزمة عقوبات جديدة
اللافت أن التصعيد حول هذا الملف تزامن، أمس، مع الإعلان عن فرض رزمة عقوبات جديدة على روسيا على خلفية قضية المعارض أليكسي نافالني. كما أعلن عن وقف كل أشكال التعاون مع روسيا في مجال مبيعات الأسلحة والتقنيات المستخدمة في صناعات السلاح، ورأت أوساط روسية أن هذا الإجراء سيكون له تداعيات مهمة على عدد من الصناعات المرتبطة بتعاون ثنائي لم يتم تجميده حتى الآن، رغم تراجع مستويات العلاقة بين الطرفين إلى أدنى مستوياتها. في الوقت ذاته فإن تلويح بايدن بإجراءات أخرى، يمكن أن يترجم للمرة الأولى وفقا لخبراء روس بتدابير تطال قطاعات حيوية مثل القطاع المصرفي أو التعاون المحدود الذي ما زال مستمرا في صناعات الفضاء، فضلا عن احتمال أن تشمل أي رزمة عقوبات جديدة شخصيات مقربة من الكرملين وربما تشمل للمرة الأولى الرئيس فلاديمير بوتين، وهو أمر قال خبراء روس إنه ستكون له تداعيات «لا يمكن معالجتها».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».