روحاني يعلن تشبث طهران بحقوقها النووية

رضا النجفي سفير إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية يجري مكالمة هاتفية خلال اجتماع جرى أمس بمقر المنظمة في فيينا (أ.ف.ب)
رضا النجفي سفير إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية يجري مكالمة هاتفية خلال اجتماع جرى أمس بمقر المنظمة في فيينا (أ.ف.ب)
TT

روحاني يعلن تشبث طهران بحقوقها النووية

رضا النجفي سفير إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية يجري مكالمة هاتفية خلال اجتماع جرى أمس بمقر المنظمة في فيينا (أ.ف.ب)
رضا النجفي سفير إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية يجري مكالمة هاتفية خلال اجتماع جرى أمس بمقر المنظمة في فيينا (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني أن بلاده «لن تتخلى قيد أنملة» عن حقوقها النووية، وذلك في كلمة ألقاها أمام أئمة الصلاة في البلاد، على ما نقلت وكالة «مهر» للأنباء أمس. وقال روحاني إن «حكومتنا لن تتخلى قيد أنملة عن حقوقها المطلقة» في المجال النووي. كما أكد حسن روحاني «أن الموضوع السوري يحظى بالأولوية بالنسبة لنا، لأن سوريا هي الخط الأمامي للمقاومة، وأن دعاة الحرب على سوريا الساعين لها والمشاركين فيها، سيدفعون الثمن غاليا».
ومن المقرر أن يلتقي وزير خارجيته محمد جواد ظريف وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون قبل نهاية سبتمبر (أيلول) الحالي في نيويورك لتحريك المفاوضات حول الملف النووي الإيراني الشائك.
ومحليا، أصدر روحاني أمس مرسوما عين بموجبه الأدميرال علي شمخاني أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي بدلا من سعيد جليلي. وشغل شمخاني عدة مناصب بينها قائد القوات البحرية لحرس الثورة والجيش، وكان زيرا للدفاع في حكومة الرئيس الأسبق محمد خاتمي، وعضوا في المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إضافة إلى رئاسة المركز الاستراتيجي الدفاعي للقوات المسلحة.
في غضون ذلك، أعلن مستشار رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) للشؤون الدولية عن زيارة رئيس البرلمان العراقي أسامة النجيفي إل إيران لعقد عدة اجتماعات مع روحاني ونظيره الإيراني علي لاريجاني تلبية لدعوته.
وتابع حسين شيخ الإسلام في تصريحاته لوكالة أنباء الطلبة الإيرانية «إيسنا» أن النجيفي سيصل إل إيران في 14 سبتمبر الحالي في زيارته التي تستغرق ثلاثة أيام عل رأس وفد رفيع المستو بمرافقة عدد من النواب العراقيين.
وأضاف أن هذه الزيارة ترمي إل البحث في سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون بين طهران وبغداد في مختلف المجالات. كما أنه من المقرر أن يضع المسؤولان الإيراني والعراقي الملف السوري والتطورات الإقليمية عل رأس مشاوراتهما.
في سياق منفصل، قالت مصادر دبلوماسية مطلعة في طهران إن الرئيس الأميركي باراك أوباما وجه رسالة إلى القيادة الإيرانية، بعدما شكل الرئيس روحاني حكومته، تبدي رغبة واشنطن في فتح «صفحة جديدة» بين البلدين، حسب تقرير نشرته وكالة «فارس» للأنباء أمس. وأوضحت المصادر أن الرسالة التي نقلها إلى طهران سلطان عُمان قابوس بن سعيد، تركز على أربعة محاور، هي إشادة الإدارة الأميركية بنتائج انتخابات الرئاسة الإيرانية التي نُظمت أخيرا، وإعرابها عن استعدادها لتخفيف الحظر الاقتصادي المفروض على طهران، وتشديدها على أهمية التعاطي الإيراني الإيجابي خلال المحادثات النووية مع الدول الست (الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا)، بما يساهم في استعادة إيران (ما سماه) ثقة المجتمع الدولي، عبر اتخاذ خطوات عملية تنأى عن الأقوال وتنحو في اتجاه الأفعال، إضافة إلى إبداء الولايات المتحدة استعدادا لحوار مباشر مع إيران.
وأشارت المصادر إلى أن الإدارة ضمنت الرسالة رغبتها في «فتح صفحة جديدة» مع طهران، استنادا إلى فوز روحاني في الانتخابات. وناقش قابوس الأمر مع مرشد الجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي الذي أبدى تجاوبا، شرط أن تغير الولايات المتحدة «سلوكها» حيال إيران.
ولفتت مصادر إيرانية إلى أن القيادة في طهران لا تمانع في لقاء مسؤولين أميركيين، خلال زيارة روحاني نيويورك للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة نهاية الشهر، «شرط أن تكون نتائجها إيجابية».
واعتبرت أن امتناع الولايات المتحدة عن شن هجوم على سوريا سيشكل إشارة إيجابية لإيران التي تحض على تجنب حلول عسكرية والتركيز على الجهود السياسية، لبلوغ مرحلة انتقالية وإحلال هدوء واستقرار في سوريا.
وأكد وزير الخارجية الإيراني لدى عودته إلى طهران من بغداد أمس، أن إيران والولايات المتحدة «تبادلتا رسائل» في شأن سوريا، وأضاف: «إذا كانت هناك ضرورة، فسنتابع هذا الطريق»، لكنه استدرك أن المحادثات المباشرة بين البلدين ليست مطروحة الآن.
من جهته، قال الصحافي البريطاني المخضرم روجر كوهين في مقال له أوردته صحيفة «نيويورك تايمز» أمس، إن على الغرب ألا يخدع نفسه بمجيء «رئيس إيراني معتدل».
ورفضت الصحيفة الأميركية نقلا عن كوهين هذه الفكرة بأن «الرئيس روحاني يغير «اللعب» ووصفتها بفكرة «غبية».
ونصح الصحافي البريطاني الغربيين بعدم التفاعل مع التغريدة المنسوبة إلى الرئيس روحاني عندما هنأ فيها اليهود بمناسبة حلول رأس السنة اليهودية، وأضاف: «ينبغي ألا ننخدع بتغريدة روحاني الأخيرة، كما لم يتأثر رئيس الوزراء الإسرائيلي بها، وعلينا ألا نتصور أن تغييرا كبيرا سيحدث».
ويستند كوهين إلى التغريدة المزعومة في وقت رفض فيه أحد مستشاري الرئيس روحاني أن يكون الرئيس روحاني يمتلك أي صفحة شخصية على «تويتر».
وتابع روجر كوهين أن «ثمة أدلة كثيرة تدفعنا لنبدي شكوكنا إزاء الرئيس روحاني»، مشيرا إلى ما سماه «خدع إيران السابقة» و«انعدام الثقة بين إيران والولايات المتحدة» و«استثمار إيراني لمواجهة أميركا».
في غضون ذلك، أعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس أمس أنه سيجتمع في آخر الشهر الحالي بنظيره الإيراني محمد جواد ظريف، في أول لقاء منذ عامين على هذا المستوى بين البلدين اللذين شهدا خلافات حادة حول البرنامج النووي الإيراني.
وقال فابيوس لإذاعة «أوروبا 1»: «ما زلت أرى أن وراء المأساة السورية لا يزال هناك التهديد النووي الإيراني»، موضحا أنه سيلتقي نظيره الإيراني على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في آخر الشهر الحالي؛ كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وكان فابيوس أشار أخيرا إلى محادثة هاتفية مع ظريف في 28 أغسطس (آب) الماضي، كما التقى السفير الإيراني في باريس في السادس من الشهر نفسه. وكانت الاتصالات المباشرة على هذه المستويات نادرة في السنوات الماضية.



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.