ترمب مصمم على الإمساك بسيطرته على الحزب الجمهوري

تمثال ذهبي يمثل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أمام القاعة التي ينعقد فيها مؤتمر العمل السياسي للمحافظين (رويترز)
تمثال ذهبي يمثل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أمام القاعة التي ينعقد فيها مؤتمر العمل السياسي للمحافظين (رويترز)
TT

ترمب مصمم على الإمساك بسيطرته على الحزب الجمهوري

تمثال ذهبي يمثل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أمام القاعة التي ينعقد فيها مؤتمر العمل السياسي للمحافظين (رويترز)
تمثال ذهبي يمثل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أمام القاعة التي ينعقد فيها مؤتمر العمل السياسي للمحافظين (رويترز)

أثار تثبيت تمثال ذهبي يمثل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب أمام القاعة التي ينعقد فيها مؤتمر العمل السياسي للمحافظين، تعليقات سياسية، سواء من مناصريه أو معارضيه، خصوصاً أنه تضمن رفع شعارات من إنجيل العهد القديم. واعتبر رفع التمثال بمثابة أيقونة لموقع ترمب ومرتبته ونظرة الجمهوريين إليه. وفيما تابع المؤتمر أعماله، حيث ألقى عدد من قادة الحزب الجمهوري كلمات عدة فيه، وصف العديد من المعلقين بأن الحزب الذي كان يجمع فيما مضى الليبراليين والمحافظين والاجتماعيين ومؤسسة الحزب التقليدية ومتشدديه في السياسات الخارجية، تحول إلى حزب ترمب بلا منازع. وبدا أن ترمب مصمم بالفعل على الإمساك بسيطرته على الحزب الجمهوري، وقد يكون في طريقه للإعلان عن ترشحه رسمياً لانتخابات الرئاسة عام 2024 أمام المؤتمر الذي سيتحدث أمامه اليوم، حيث يتوقع أن يخطف الأضواء، ويعيد الجدال السياسي داخل الولايات المتحدة وخارجها. ومن المتوقع أن يشدد ترمب في خطابه على أنه يريد لعب دور يدعم جهود الجمهوريين لاستعادة الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات 2022. وفي تأكيد استباقي منه على ذلك، أعلن ترمب للمرة الأولى عن دعمه لمرشح من أنصاره في مواجهة نائب جمهوري صوت ضده لعزله في مجلس النواب. وكان ترمب قد هدد كل من اختلف معه بمعاقبته عبر حرمانه من الترشح مرة جديدة في انتخابات 2022 النصفية. وأعرب ترمب عن دعمه «الكامل» لماكس ميلر، الذي كان نائب مدير حملته الانتخابية في 2020 ومستشار البيت الأبيض، في وجه منافسه النائب أنتوني غونزاليز في ولاية أوهايو، الذي كان بين عشرة جمهوريين صوتوا لصالح عزل ترمب.
وقال ترمب في بيان إن ماكس ميلر شخص رائع قام بعمل عظيم في البيت الأبيض وسيكون عضواً رائعاً في الكونغرس. وأضاف أن «النائب الحالي أنتوني غونزاليز لا يجب أن يمثل أهالي الدائرة الـ16 نظراً إلى أنه لا يمثل مصالحهم ولا تمنياتهم». وقال ميلر في تغريدة: «لن أتراجع ولن أخون دائرتي الانتخابية قط». ونقلت وسائل إعلام أميركية عدة عن قيام ترمب بزيادة تحركاته السياسية واستقبالاته لشخصيات حزبية وإعلامية ومن مانحين، لبدء بناء عمليته السياسية، وتعزيز دوره كزعيم فعلي للحزب الجمهوري. وبدأ في إضفاء الطابع الرسمي على هيكل من المستشارين السياسيين من حوله، ووضع خططاً لبدء بناء لجنة سياسية جديدة قادرة على جمع التبرعات لدعم المرشحين الذين سيدعمهم. وبدأ فريقه بعمليات مراجعة للشخصيات السياسية وللمرشحين المحتملين في مواجهة خصومه أو المشكوك بولائهم. وناقش ترمب صياغة أجندة جديدة «لأميركا أولاً»، عبر التركيز على قضايا مثل أمن الحدود والتجارة، لتوجيه الحزب، حسب السيناتور النافذ ليندسي غراهام أحد أكبر مناصريه. وقال غراهام إن ترمب سيكون حاضراً ومنخرطاً للغاية في حياة الحزب. ورغم ذلك لا تزال الشكوك تحيط بحظوظ ترمب أو نياته لإعلان ترشحه أمام مؤتمر المحافظين. فقدت تسارعت مجريات التحقيقات القضائية ضده، بعد تسلم مدعي عام نيويورك سايروس فانس ملفات ترمب الضريبية له ولعائلته وشركاته. وباشر فانس تكليف شركات تدقيق لمراجعة ما يقرب من عدة ملايين من الأوراق والملفات. وقد تستغرق العملية شهوراً عدة، وتحتاج إلى قيام المحققين بعمليات استجواب مباشرة مع أشخاص في شركات المحاسبة التي تولت وتتولى حسابات ترمب الضريبية، فضلاً عن أشخاص يقولون إنهم تعرضوا للأضرار والأذى بسبب تعاملهم معه ومع شركاته. ويرى البعض أن المشكلات القانونية المستمرة قد تقضي على محاولته الترشح، لكن مما لا شك فيه أن ترمب سيقوم بتغيير الحزب الجمهوري وإعادة تشكيل صورته السياسية. وظهر ذلك في تصريحات عدد كبير من الذين ألقوا كلمات في أعمال المؤتمر، علماً بأن كبير الجمهوريين في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل، قد تراجع خطوة إلى الوراء في خلافه مع ترمب، عندما قال إنه سيدعمه إذا كان مرشح الحزب الرسمي عام 2024، ووضع حاكم ولاية فلوريدا رون ديسانتيس، ما وصف بالملخص الموجز للغاية عن المحافظين، قائلاً: «لا يمكننا ولن نقوم بالعودة إلى قرارات العام الماضي الفاشلة». وأضاف «فلوريدا واحة للحرية» في بلد يعاني من «نير عمليات الإغلاق القمعي».
السيناتور تيد كروز الذي تعرض لانتقادات شديدة خلال العصفة الثلجية التي ضربت ولايته، بينما قام هو عائلته برحلة استجمام في كانكون في المكسيك، وصف المحافظين بأنهم «متمردون» جدد ضد «الانصياع الصارم» لليسار الاشتراكي. وأضاف كروز: «هناك الكثير من الأصوات في واشنطن تريد محو السنوات الأربع الماضية فقط، وتريد العودة إلى العالم الذي كان قبلها... لكن دعوني أقول لكم، دونالد ترمب لن يذهب إلى أي مكان». دعوته هذه لا تعني أنه قد لن يرشح نفسه للرئاسة، بل هي رسالة للقاعدة الشعبية التي لا تزال تؤيد بشكل كاسح ترمب. ويرى العديد من الجمهوريين الطامحين لوراثة ترمب أن الحزب الجمهوري وقاعدته الشعبية تجاوزوا المبادئ المحافظة الماضية، ويميلون إلى دعم سياسات ترمب وشعاراته، حتى ولو لم يترشح للرئاسة عام 2024. ويرى هؤلاء أن الفوز بدعم الحزب من الآن فصاعداً يكمن في تمسكهم بشعارات ترمب الذي يبدو أنه قطع شوطاً كبيراً في السيطرة على الجمهوريين.


مقالات ذات صلة

تصعيد جديد في التوترات التجارية الأميركية - الكندية

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) p-circle

تصعيد جديد في التوترات التجارية الأميركية - الكندية

أصدر الرئيس الأميركي تهديدا صريحا بوقف افتتاح جسر جوردي هاو الدولي، الذي يربط بين أونتاريو الكندية وميشيغان الأميركية، متهما كندا بـ«معاملة غير عادلة» لأميركا.

هبة القدسي (واشنطن)
المشرق العربي رجل فلسطيني يقف أمام جندي إسرائيلي في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز) p-circle 01:48

البيت الأبيض: ترمب يعارض ضم إسرائيل للضفة الغربية

أكد مسؤول في ‌البيت الأبيض، ‌الاثنين، ⁠مجدداً ​معارضة ‌الرئيس الأميركي دونالد ترمب لضم إسرائيل للضفة ⁠الغربية، رابطاً استقرار الضفة بالحفاظ على ​أمن إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس يتحدث خلال مؤتمر صحافي في يريفان اليوم(أ.ب)

فانس: ترمب وحده يحدد «الخطوط الحمراء» في مفاوضات إيران

قال نائب الرئيس الأميركي إن قرار تحديد «الخطوط الحمراء» في أي مفاوضات مع إيران بيد الرئيس دونالد ترمب حصراً، في وقت تصاعد الجدل حول مسار التعامل مع ملف إيران.

هبة القدسي ( واشنطن)
الولايات المتحدة​ رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن فولفغانغ إيشينغر خلال مؤتمر صحافي حول تقرير ميونيخ الأمني لعام 2026 في برلين (رويترز)

«أزمة الثقة» الأميركية - الأوروبية تُلقي بثقلها على مؤتمر ميونيخ

يشارك وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في مؤتمر ميونيخ للأمن على رأس وفد كبير من الولايات المتحدة، مما يعكس أهمية العلاقة عبر الأطلسي رغم أزمة الثقة.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ السيناتورة الجمهورية الأميركية ليزا موركوفسكي (يسار)، برفقة السيناتور المستقل إنغوس كينغ (وسط) والسيناتور الديمقراطي غاري بيترز (يمين)، تتحدث إلى الصحافة خلال مؤتمر صحافي في نوك، غرينلاند 9 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وفد من «الشيوخ» الأميركي في غرينلاند «لإعادة بناء الثقة»

يزور وفد من مجلس الشيوخ الأميركي غرينلاند، الاثنين، بهدف «إعادة بناء الثقة» التي قوّضتها نية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاستحواذ على الجزيرة.

«الشرق الأوسط» (نوك)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟