قراءة لاحتمالات موسم الجوائز الساخن

مقارنة بين توقعات «الأوسكار» و‬ترشيحات «الغلوبز»

TT

قراءة لاحتمالات موسم الجوائز الساخن

مساء يوم غد، الثالث والعشرين من هذا الشهر، تتم آخر عمليات التصويت بالنسبة لأعضاء «جمعية مراسلي هوليوود الأجانب»، تمهيداً لحفلة منح جوائز «الغولدن غلوبز»، في الثامن والعشرين من الشهر ذاته. هذا في الوقت الذي نحن فيه على بُعد نحو ثلاثة أسابيع، من إعلان الترشيحات الرسمية لجوائز الأوسكار التي ستقام في الخامس والعشرين من مارس (آذار) 2021.
وفي عام مضى، وآخر حاضر بتبعاته، يقترب الخطّان المتوازيان من بعضهما أكثر من أي وقت آخر. الأفلام التي تجري في سباق كل من الجائزتين الكبيرتين غالباً ما كانت واحدة، كذلك الشخصيات السينمائية في شتّى مجالات العمل؛ من الإخراج إلى كتابة السيناريوهات والموسيقى وشتى التصنيفات التي تشهدها سباقات الممثلين.
لكن هذه السنة لا يوجد مفر من ظهور معظم الأفلام في قائمة «غولدن غلوبز» من دون تكرارها في قائمة «الأوسكار»، ومن المستبعد ألا تأتي النتائج ذاتها متقاربة. كل هذا في عام ثريّ بالأعمال المُستحقّة، رغم الوباء المعروف الذي فرض على صناعة السينما حول العالم (بما فيها من إنتاج وتوزيع وعروض ومهرجانات) ظروفاً غير مسبوقة.

- عام المرأة‬
يتضح ذلك أكثر من سواه في سباق أفضل الممثلات الرئيسيات لدى كل من «الأوسكار» و«غولدن غلوبز». وفي الأساس، موسم الجوائز هذا العام هو موسم نسائي بالدرجة الأولى. يتضح ذلك من قوّة المتنافسات في هذه المسابقة وكذلك، وفي حالة غير مسبوقة أخرى، في سباق «غولدن غلوبز» لأفضل مخرج الذي يشهد وجود ثلاث مرشّحات من أصل المرشحين الخمسة.
المرشّحات هن رجينا كينغ، عن «ليلة في ميامي»، وكلوي زاو عن «نومادلاند»، وإميرالد فَنَـل عن «امرأة شابّة واعدة». أما المرشحان الباقيان، فهما ديفيد فينشر عن «مانك»، وآرون سوركِن عن «محاكمة شيكاغو 7».
الغالب هنا هو أن تفوز سيّدة بـ«غولدن غلوب أفضل مخرج»، وأن يقع الاختيار على كلوي زاو عن فيلمها «نومادلاند». هذا الفيلم، كما سبق أن قدّمناه هنا، عمل ممتاز، لكن تحقيقه ليس أسهل على صانعه من تحقيق «ليلة في ميامي» أو «مانك». ما آخذه بعين الاعتبار هو أن هناك عدداً لا بأس به من الأعضاء من ذوي أصول جنوب آسيوية، كمحال كلوي زاو (ذات الأصل الصيني).
الأكثر من ذلك، نجد أنه لولا الالتزام بخمسة مرشحين في مسابقة «أفضل مخرج» في جوائز «غولدن غلوبز» وجوائز «الأوسكار»، لحفلت المسابقة بأسماء أخرى. فصوفيا كوبولا قدّمت «أون ذا روكس» مذكّرة بوميضها السابق عندما قدّمت «مفقود في الترجمة» الذي منحها «أوسكار أفضل سيناريو»، وترشيحها الوحيد حتى الآن لـ«أوسكار أفضل مخرج».
واستقبل المجتمع السينمائي جيداً فيلم كيلي رايشارد «بقرة أولى»، وفيلم إليزا هيتمان «أبداً نادراً أحياناً دائماً». لكن مَن فاز بترشيحات «غولدن غلوبز» في مجال الإخراج غالباً ما سيجد نفسه مرشّحاً لخوض منافسة أخرى مع رفاقه حين إعلان ترشيحات الأوسكار في السباق ذاته.
أما بالنسبة لأفضل الممثلات، فإن المرجح أكثر من سواه انتقال اللائحة التي أعلنتها «جمعية مراسلي هوليوود الأجانب» بكاملها إلى لائحة «أكاديمية العلوم والفنون السينمائية». إن لم يكن بكاملها فبغالبيتها على الأقل.
الممثلات اللواتي نتحدث عنهن هنا هن فيولا ديفيز عن «مؤخرة ما ريني السوداء»، وأندرا داي عن «الولايات المتحدة ضد بيلي هوليداي»، وفرنسيس مكدورمند عن «نومادلاند»، وكاري موليغن عن «امرأة شابة واعدة» وفنيسا كيربي عن «أشلاء امرأة».
إذا ما أسدلت الأكاديمية ستارتها على أي منهن، فإن البديل النسائي جاهز: هناك كيت ونسلت عن «أمونايت»، وميشيل فايفر عن «مَخرج فرنسي»، وزندايا عن «مالكولم وماري»، وحتى صوفيا لورِن عن «الحياة قُدُماً».
لا ننسى أن جائزة أفضل ممثلة أولى مزدوجة الشأن بالنسبة لـ«غولدن غلوبز»، فهناك مسابقة أخرى للممثلات في الأفلام الكوميدية والموسيقية. وبطلات هذه المسابقة هن آنا تيالور - جوي عن «إيما»، وروزمند بايك عن «أهتم كثيراً»، وميشيل فايفر عن «مَخرج فرنسي»، وكيت هدسون عن «موسيقى»، وماريا باكالوفا عن «فيلم بورات اللاحق».
عادة لا تنتقل الممثلات الكوميديات بصورة غالبة إلى ترشيحات «الأوسكار»، لكن كل من هدسون وفايفر تتبوآن الاحتمالات الأعلى، إذا ما بحث أعضاء الأكاديمية عن بديلات للممثلات المذكورات آنفاً.

- ‫احتمالات رجالية‬
المقارنة تختلف أكثر بالنسبة للممثلين الرجال. في لائحة «غولدن غلوبز» لأفضل ممثل رجالي كوميدي هناك اسم واحد قد يتكرر في لائحة «الأوسكار»، وهو للهندي دف باتل، عن دوره في «التاريخ الشخصي لديفيد كوبرفيلد». الباقون إما لا حظ ملموساً لهم، أو أنه محدوداً جداً. هؤلاء هم ساشا كووَن عن «فيلم بورات اللاحق»، وآندي سامبرغ عن «بالم سبرينغز» (فيلمان من المستبعد أن نراهما في قائمة ترشيحات «الأوسكار» النهائية) ولين - مانويل ميراندا عن «هاميلتون»، ثم جيمس كوردون عن «حفل التخرّج».
وكما هو الحال بالنسبة للقائمة النسائية في سباق الأفلام الدرامية، نجد أن الممثلين الرجال الخمسة المرشحين لـ«غولدن غلوبز» مرشّحون أيضاً للأوسكار. إن لم يكن الطاقم بأكمله، فأربعة منهم على الأقل. هؤلاء الخمسة أساساً هم طاهر رحيمي عن «الموريتاني»، وريز أحمد عن «صوت المعدن»، (مسلمان لأول مرّة في القائمة ذاتها في ترشيحات «غولدن غلوبز») وأنطوني هوبكنز عن «الأب» (الأكبر سناً في تاريخ هذه الترشيحات بالنسبة لـ«غولدن غلوبز») وغاري أولدمن عن «مانك»، وشادويك بوزمَن عن «مؤخرة ما ريني السوداء».
‫إذا فاز بوزمن، فإنه سيكون أول ممثل أسود يفوز بتاريخ «غولدن غلوبز». أما إذا فاز الفرنسي طاهر رحيمي أو ريز أحمد بـ«غولدن غلوبز»، فسيكون ثاني ممثل مسلم يفوز بها بعد عمر الشريف الممثل العربي الراحل؛ فاز مرّتين الأولى سنة 1964 عن دوره المساند في «لورنس العرب» (إنتاج 1963)، والثانية سنة 1966 عن دوره الرئيس في «دكتور زيفاغو» (إنتاج 1965)، وكلا الفيلمين من إخراج ديفيد لين.‬
إذ قد نجد هذه الحقيبة تنتقل بالكامل تقريباً إلى سباق أوسكار أفضل ممثل، تطالعنا حقيقة أن الممثل الأفرو - أميركي دلروي ليندو (الذي أغفلته ترشيحات «غولدن غلوبز») لديه فرصة أفضل مع لائحة «الأوسكار». بالتأكيد سيغفل الأوسكار عن ضم واحد (على الأقل) من قائمة «غولدن غلوبز»، ما قد يتيح للممثل دلروي دخول السباق الأوسكاري.
هو الممثل الأبرز في فيلم سبايك لي «Da 5 Bloods» الذي غاب عن ترشيحات «غولدن غلوبز» كأفضل فيلم وكأفضل مخرج، لكنّ لديه احتمالاً كبيراً في دخول قائمة أوسكار أفضل فيلم. إذا ما فعل سيكون هناك ثلاثة أفلام على الأقل من بطولة وإخراج أفرو – أميركيين، هي «دا فايف بلودز» و«ليلة في ميامي» و«يهوذا والمسيح الأسود»، وإن لم يكن هذا الأخير، فإن البديل متوفر عبر «الولايات المتحدة ضد بيلي هوليداي» و«مؤخرة ما ريني السوداء». في هذا المجال (الذي سيتسع كالعادة لتسعة أو عشرة أفلام) هناك أفلام أخرى تقود الاحتمالات حالياً مثل «نومادلاند» لكلوي زاو، و«ميناري» للي أيزاك تشانغ، و«صوت المعدن» لداريوش ماردر، و«الأب» لفلوريان زَلر، و«مانك» لديفيد فينشر.

- عنقود العنب
هذا ما ينقلنا إلى مسابقة أفضل فيلم أجنبي- عالمي.
المقارنة بين القائمتين، تلك المعلنة لجوائز «غولدن غلوبز» والمُحتملة لـ«الأوسكار» تختلف في أكثر من وجه:
«غولدن غلوبز» رشّح الفيلم الفرنسي «كلانا» (عن علاقة عاطفية بين امرأتين بالغتين) والإيطالي «الحياة قُدما» (عن امرأة يهودية وفتى مسلم يتعايشان) والغواتيمالي «للورونا» Llorona (عن جنرال ديكتاتوري لاتيني سابق مشبع بالعنصرية)، والدنماركي «دورة أُخرى» (عن لقاء بين رجال يكشف كل منهم عن أسراره تحت وابل من الشُرب)، ثم «ميناري» وهو فيلم أميركي (حول عائلة كورية)، لكن حواره كوري في الغالب.
بينما لا تمانع الأكاديمية ضم «ميناري» لمسابقتها الرئيسية؛ كونه إنتاجاً أميركياً، فإن الخمسة الأكثر احتمالاً حتى الآن (كنا نشرنا قائمة «شورت ليست» أطلقتها الأكاديمية قبل أسبوعين تضم 15 فيلماً أجنبياً) هي التالية:
«دورة أخرى» (الدنمارك)، و«للورونا» (غواتيمالا)، و«كلانا» (فرنسا)، و«أنا لم أعد هنا» (المكسيك)، و«كيوفاديس، عايدة؟» (بوسنيا). حين كتابة هذه الكلمات تسعى جهات سينمائية تونسية لدفع فيلم «الرجل الذي باع ظهره» لكوثر بن هنية إلى هذه الترشيحات ممثلاً (ولأول مرّة) تونس. وهذا ما سيرفع من شأن احتمالاته لحد مرموق. مهرجان «آسيا وورلد فيلم فستيفال» في لوس أنجيليس سيعرضه قبل أسبوع من نهاية التصويت على جوائز «الأوسكار» موزّعاً الدعوة على أعضاء الأكاديمية، ليساهم في رفع حظوظ هذا الفيلم لديها.
كل ما سبق يشبه عنقود العنب؛ كل حبّة تقود إلى الأخرى، وفي النهاية هناك الحبّة الأخيرة، واسمها هنا «أوسكار أفضل مخرج». إذ ذكرت قائمة المخرجين المتنافسين في سباق غولدن غلوبر (زاو، سوركن، كينغ، فينشر وفَنل)، ومع احتمال تكرار بعض هذه الأسماء في قائمة «الأوسكار»، فإن العامل الأساسي لقائمة «الأوسكار» لا يستمد ترشيحاته من «غولدن غلوبز»، بقدر ما يستمدها من جائزة مهمّة أخرى تمنحها «جمعية المخرجين الأميركية». هذا لكون معظم أعضاء هذه الجمعية هم أعضاء الأكاديمية ما يضمن تكرار الترشيحات وتكرار النجاحات أيضاً.
تصويت جمعية المخرجين بدأ في الثامن عشر من هذا الشهر وفي التاسع من الشهر المقبل سيتم إعلان الترشيحات الرسمية للجمعية وبدء التصويت النهائي. هذا تمهيد لإعلان النتائج في الحفل الذي سيتم في العاشر من أبريل (نيسان). وهذا قبل 15 يوماً من إعلان نتائج سباق الأوسكار... وقت كافٍ لكي يعيد المخرجون المنتمون إلى جمعيتهم وإلى الأكاديمية ما صوّتوا له.
المرجّح أوسكارياً (وبالنسبة لجمعية المخرجين أيضاً) حتى الآن ترشيح المخرجة كلوي زاو عن «نوماندلاند» ولي إيزاك تشانغ عن «ميناري»، وديفيد فينشر عن «مانك»، ورجينا كينغ عن «ليلة في ميامي». في الصف التالي من الاحتمالات قد نقرأ أسماء آرون سوركِن عن «محاكمة شيكاغو 7» (كان سوركِن فاز بـ«أوسكار أفضل سيناريو» سنة 2010 عن «ذا سوشال نتوورك» الذي أخرجه منافسه الحالي ديفيد فينشر).
بول غرينغراس ربما لديه حظ لا بأس به، ولو محدوداً، عن «أخبار العالم»، كذلك حال فلوريان زَلَر عن «الأب»، وشاكا كينغ عن «يهوذا والمسيح الأسود». هذا من دون أن ننسى أن سبايك لي لديه حظ قوي في أن يكون أحد الخمسة الأقوى ترشيحاً عن «دا فايف بلودز».
هذه لن تكون القراءة الأخيرة في هذا الموسم الساخن. حال يقترب موعد حفل «غولدن غلوبز» سنتوقف عن الأعلى حظاً في نيل الجوائز. ثم سنلقي نظرة فاحصة أخرى، حين تُعلن الترشيحات الرسمية للأوسكار في الشهر المقبل. وما بين الاثنين ستطالعنا نتائج عديدة ذات أهمية، من بينها جوائز جمعية المصوّرين الأميركيين، وجوائز «بافتا» البريطانية.


مقالات ذات صلة

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».