معرض «التقدم السريع».. محطات وأسماء لمعت في سماء الفن السعودي

فعالية «21.39» الفنية تعود لجدة في دورتها الثانية

عمل للفنان مهدي الجريبي في معرض «التقدم السريع» بجدة (تصوير منية زقزوق)
عمل للفنان مهدي الجريبي في معرض «التقدم السريع» بجدة (تصوير منية زقزوق)
TT

معرض «التقدم السريع».. محطات وأسماء لمعت في سماء الفن السعودي

عمل للفنان مهدي الجريبي في معرض «التقدم السريع» بجدة (تصوير منية زقزوق)
عمل للفنان مهدي الجريبي في معرض «التقدم السريع» بجدة (تصوير منية زقزوق)

انطلقت في جدة الدورة الثانية من معرض «21.39» الذي يقيمه المجلس الفني السعودي الأسبوع الماضي وسط زحام شديد وحضور كثيف من مختلف أطياف المجتمع. المعرض اختار هذا العام أن يقدم نظرة شاملة لتطور الفن السعودي منذ بدايات البعثات الدراسية التي شهدت سفر فنانين شباب للخارج لدراسة الفن في الستينات من القرن الماضي وحتى الوقت الحالي الذي يشهد فيه المشهد الفني حركة دائبة نشطة.
الجولة داخل المعرض مختلفة عن المعتاد في المعارض السابقة، التركيز هنا على التوثيق وعلى وجود الصور الفوتوغرافية التي تؤرخ لمواقف وشخصيات مؤثرة في المشهد الفني السعودي. وعبر القاعات الممتدة يمكننا رؤية أعمال لفنانين من جيل الستينات والسبعينات، تلتها أعمال لفنانين معاصرين. بشار الشروقي، منسق المعرض، يشير إلى أن المعرض يعد بمثابة «مشروع بحثي»، ويضيف: «أستطيع القول إنه يعد بداية للبحث في تاريخ الفنون في السعودية، منذ التأسيس مرورا بالبنية التحتية». المعرض يحمل عنوان «التقدم السريع» وهو ما يبدو إشارة إلى الانطباع الموجود حاليا حول الفن السعودي المعاصر الذي بدا وكأنه منبعث من فراغ، يقول الشروقي: «لماذا التقدم السريع؟ عندما نتحدث عن قصة الفن في السعودية يعتقد المتلقي أننا نقصد الحركة الفنية ما بعد عام 2008، ولكن ما نحاول أن نحققه هنا هو القول بأن هناك الكثير من الأحداث قبل ذلك التاريخ ومثلت الأساسات للحركة المعاصرة».
قد تثير فكرة التأريخ للحركة الفنية المخاوف بأن يكون المعرض جافا وأكاديميا وهو ما ينفيه الشروقي بقوله: «لا نكتب تاريخا هنا وإنما نكتب قصة من شأنها إثارة التساؤلات وبداية حوار. المشكلة أمامنا هنا أن هناك فراغات في قصة الفن السعودي، فعلى سبيل المثال الكثيرون يتحدثون عن قرية المفتاحة في أبها وتأثيرها على جيل كامل من الفنانين المعاصرين، ولكن مهما بحثت لن تجدي معلومات مكتوبة أو على الإنترنت حول تلك القرية. كل ما نعرفه عنها يتمثل في جملة التقى الفنان البريطاني ستيفن ستابلتون مع الفنان أحمد ماطر والفنان عبد الناصر الغارم في قرية المفتاحة وشكلوا سويا مبادرة (إدج أوف آرابيا) للفن السعودي المعاصر التي قدمت عددا من المعارض العالمية في لندن وبرلين وفينيسيا.
وبهذه الخلفية نحمل معنا فكرا وتطلعا لمعرفة مراحل أولية من تاريخ الفن السعودي نبدأها مع الشروقي في عام 1960 حيث انطلقت بدايات البعثات الدراسية لمصر وإيطاليا وحملت شبابا سعوديا يحلم بدراسة الفنون». يشير الشروقي إلى أن الهدف من إرسال هؤلاء الشباب للدراسة هو الاستفادة منهم في تعليم الفنون للأجيال القادمة بعد عودتهم. في الصالة الأولى نرى أعمال عدد من أوائل خريجي البعثات منهم الفنان ضياء عزيز ضياء الذي درس في أكاديمية الفنون بروما في عام 1969، تعرض بعض أعمال الفنان ضياء في دواليب عرض مخصصة للوثائق، نرى فيها شهادات دراسية وصورا فوتوغرافية للفنان وأيضا بعضا من اللوحات (البورتريه) التي رسم فيها زوجته وشهادة الجائزة التي حصل عليها وصورة له مع زوجته وهو يحمل الجائزة. نعرف من الشروقي أن الوثائق المعروضة هنا كلها نسخ أصلية من أرشيف الفنان الذي حرص على الاحتفاظ بكل أوراقه ورسوماته في أرشيف منظم ودقيق.
الفنانون العائدون اتخذوا مواقعهم لدى عودتهم في معهد المعلمين (أسس عام 1965) لتدريب جيل آخر من المعلمين، وحسب الشروقي فقد نتج عن تلك الخطوة المهمة تخريج 10 دفعات من المعهد قبل أن يغلق أبوابه. من مقتنيات خريجي المعهد نرى الدبلوم الذي حصل عليه الفنان محمد الرصيص، هناك أيضا قائمة الدرجات التي نرى من خلالها التخصصات التي درسها الطلاب في المعهد وتضم التصوير الفوتوغرافي والنجارة والنحت والتخطيط المعماري وغيرها. مع تخريج أول دفعة من المعهد في عام 1969 تم إرسال أول مجموعة من مدرسي الفنون للتدريس في دبي.
مع عودة الفنانين من بعثاتهم بدأت نتائج الدراسة الفنية وأثر الاحتكاك بثقافة مختلفة يظهر، وبدأت المعارض الفنية في مدينة جدة، ففي عام 1965 أقام الفنان عبد الحليم رضوي معرضه الأول في نادي البحر الأحمر بجدة، لم يشهد المعرض إقبالا من الجمهور، فحسب روايات الكثيرين لم يحضر سوى 10 أشخاص، ولكن مع انتقال المعرض للعرض في شركة «أرامكو» بالمنطقة الشرقية حقق المعرض نجاحه المنتظر وأصبح مثلا يحتذى لكل الفنانين.
في عام 1968 حدثت قفزة أخرى في عالم الفن إذ أقامت الفنانتان صفية بن زقر ومنيرة موصلي معرضهما الفني الأول، حيث قدما دليلا للمعرض باللغتين العربية والإنجليزية وحظي المعرض برعاية ملكية من الأمير مشعل بن عبد العزيز الذي حضر الافتتاح، ونرى أمامنا دليل المعرض وصورا فوتوغرافية للافتتاح ونماذج من الأعمال الفنية التي عرضت فيه. هناك أيضا دفتر الزوار وقصاصة من صحيفة «المدينة» تحمل مقالا للكاتب علي حافظ حول المعرض.
ولئلا ننسى الغرض الرئيسي من المعرض يشدد الشروقي على رؤيته «هذا ليس معرضا للفنانين وأعمالهم بل هو يقدم أحداثا وتاريخا وما ترينه حولك من أعمال فنية تعرض ليست بصفتها كإبداع فني وإنما هي أمثلة على تلك الأحداث والمحطات».
تتوالى المحطات بعد ذلك فنرى صور للفنان رضوي وهو يرسم في أحد شوارع مدريد، يشير الشروقي إلى أن رضوي عاد إلى مدريد في عام 1974 بعد أن أغلق المعهد الذي أقامه وتخرج فيه الفنانون ضياء عزيز ضياء وطه صبان، وأثناء إقامته في مدريد للدراسة العليا حصل رضوي على جائزة في بينالي إسبانيا.
يمر المعرض على مراحل مهمة في تاريخ الفن السعودي ومع عام 1972 نرى دور محمد سعيد فارسي أمين مدينة جدة الذي أولى اهتماما خاصا بالفنون ما زلنا نرى أثره في شوارع جدة وميادينها، دور د. فارسي كان مهما لإثبات دور الرعاية الفنية، يقول الشروقي ويشير إلى صورة للفنان العالمي سيزار مع د. فارسي، مضيفا أن خطة فارسي في وضع منحوتات لفنانين عالميين إلى جانب أعمال لفنانين سعوديين في كورنيش وميادين جدة كان لها أثر عميق في دعم الفن السعودي.
يشير الشروقي أيضا إلى إنشاء أول مبنى مخصص للمعارض في السعودية وهو مبنى الحارثي (جدة دوم) حيث أقام الفنان عبد الحليم رضوي معرضا لأعماله.
قصة الرعاية الفنية تدخل فصلا جديدا مع قيام الخطوط العربية السعودية بإقامة مسابقة «ملون» في عام 1992 التي تطورت فيما بعد لتصبح بينالي جدة الذي قدم في عمره القصير برامج مهمة ومحاضرات وفعاليات. ولكن بعد توقف البينالي في عام 2003 أصبح هناك تساؤل عن الفراغ الذي تركه والذي يجب ملؤه.
نرى حولنا أعمالا مبكرة للفنان أيمن يسري والفنانة شادية عالم ضمن معرض أقامه بيت التشكيليين في عام 1993. اللوحات المعروضة أعارتها مؤسسة المنصورية للأميرة جواهر بنت ماجد للمعرض.
من أهم المنشآت المؤثرة في الفن السعودي، دارة صفية بن زقر، والتي تعد من أهم المتاحف في المملكة ومحطة يتوقف عندها زوار البلاد. وتمثل دارة صفية بن زقر ومؤسسة المنصورية أمثلة على المجهودات الفردية التي يحتاجها العالم الفني. تقدم المنصورية الدعم والرعاية للفنانين وتقوم بطباعة الكتب وهو أمر مهم في عملية التأريخ كما يؤكد الشروقي. وكمثال على المجهود الذي تقوم به المؤسسة يشير إلى صفحات مكبرة من كتاب «جنيات لار» للأختين شادية ورجاء عالم.
في رحلة الفن السعودي يجب التوقف أيضا عند الدور الذي لعبته قرية المفتاحة في أبها والتي أنشأها الأمير خالد الفيصل عندما كان أميرا لمنطقة عسير. من تلك القرية ظهرت عدة أسماء لمعت في سماء الفن السعودي المعاصر ومنهم أحمد ماطر وعبد الناصر الغارم وإبراهيم أبو مسمار وأروى النعيمي. نرى صورا فوتوغرافية وأعمالا فنية نفذت في أستوديوهات الفنانين في المفتاحة. يشير الشروقي إلى أن القرية كانت مركز فنيا شهدت إلى جانب المعارض الفنية والعروض المسرحية أيضا محاضرات لكبار الفنانين منهم محمد السليم والرضوي وأحمد باقر من البحرين.
ومن المعارض التي أقامتها «إدج أوف آرابيا» نرى أعمالا لأحمد ماطر «مغناطيسية» والختم الضخم لعبد الناصر الغارم والفنانة منال الضويان «إذا نسيتك لا تنساني»، بعد ذلك تتوالى المحطات من إنشاء «أثر غاليري» في عام 2009 وتمثيله للفن السعودي في عدد من أسواق الفن العالمي إلى الجناح السعودي في أكسبو شنغهاي حيث أقيم معرض «نبط» وصولا للعمل العملاق «الفلك الأسود» للأختين عالم الذي مثل السعودية في بينالي البندقية في عام 2011.
المعرض ضخم ومليء بالمعلومات والأعمال، يخرج منه الزائر بصورة شاملة وعميقة وواضحة لتاريخ الفن السعودي وأهم الوجوه في فضائه، المجهود خلف المعرض ضخم جدا ولكنه مجهود لقي ترحيبا وتقديرا من الزوار في يومه الأول وسيلقى المزيد.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».