توم هانكس لـ«الشرق الأوسط»: أعمل في مهنة رائعة لكنها ليست أهم ما في حياتي اليوم

تحدّث عن الإعلام و«كورونا» وفيلمه الأخير

لقطة مع الفتاة هيلينا زنغل من الفيلم
لقطة مع الفتاة هيلينا زنغل من الفيلم
TT

توم هانكس لـ«الشرق الأوسط»: أعمل في مهنة رائعة لكنها ليست أهم ما في حياتي اليوم

لقطة مع الفتاة هيلينا زنغل من الفيلم
لقطة مع الفتاة هيلينا زنغل من الفيلم

عمل توم هانكس (64 سنة) على كسب ثقة قطاع كبير من المشاهدين ونجح في ذلك. مثل كل ما يمنحه لدى الجمهور الإعجاب الواسع باختياراته الموفقة في غالبية ما قام بتمثيله.
هناك بساطة أداء في شخصيته السينمائية بصرف النظر عن وضعها داخل الفيلم. لكنها ليست بساطة ناتجة عن عدم تواصل مع داخل تلك الشخصية أو الإخفاق في سبر معانيها تبعاً لدورها المنوط بها على الشاشة.
ظاهرياً هو الشخص الساذج في «فورست غمب» (إخراج روبرت زميكِس، 1994) والمتفائل المنقلب حكيماً في «عزلة» (Cast Away) (زميكس، 2000) والفتى الضاحك والمُضحك في «كبير» (بَني مارسال، 1988) ثم البريء في كنه من الغموض في «جو ضد البركان» (جون باتريك ستانلي، 1990). وإذا أضفت إلى هذه الأفلام أعماله المحض عاطفية مثل «في كل مرّة نقول وداعاً» (موشي مزراحي، 1986) و«بلا نوم في سياتل» (نورا إفرون، 1993) اكتملت تشكيلة من الأدوار التي تسرّبت بنجاح لتدعم نجاحاته السريعة الأولى التي كانت بدأت بفيلم «رذاذ(Splash، رون هوارد، 1984).
مع «فيلادلفيا» لجوناثان دَمي، واجه توم هانكس امتحانه الحقيقي الأول مع الدراما بمعناها الأعمق. تلك التي لا قصّة حب رومانسية بين شاب وفتاة ولا مواقف ضحك في كوميديا من المواقف الجاهزة. في هذا الفيلم الذي استقبِل جيداً (بحسناته وسيئاته) لعب دور المحامي المطرود من عمله في المؤسسة بعدما تم اكتشاف أنه مثلي الهوى. يرفع دعوى على المؤسسة ويسندها إلى محامٍ آخر (دنزل واشنطن) معروف باستقامته (مهنياً وجنسياً).
في عام 1998 لعب بطولة «إنقاذ المجنّد رايان» وكان ذلك بداية تعاون مع المخرج ستيفن سبيلبرغ تلته عدة أعمال تلفزيونية مشتركة. سينمائياً مثل تحت إدارة سبيلبرغ في «اقبض علي إذا استطعت» (2002) و«ذا ترمينال» (2004) ثم التقيا مرّة رابعة في «جسر الجواسيس» (2015). وفي سنة 2017 التقيا مجدداً عندما أخرج سبيلبرغ «ذا بوست».
ما زال عديدون يفضلونه في «اقبض علي إذا استطعت» علاوة على كل الأعمال التي أخرجها سبيلبرغ من بطولة هانكس، لكن الثاني عرف أفلاماً جيدة وفّر فيها آداءات مشهودة في «ذا غرين مايلر» (فرانك دارابونت، 1999) و«الطريق إلى الهلاك» (من إنتاج سبيلبرغ لكن سام مندِس هو من قام، سنة 2002 بإخراجه).
يكمن فيلم هانكس الجديد «أخبار العالم» (News of the World) كثاني عمل له مع المخرج بول غرينغراس. الأول ورد سنة 2013 تحت عنوان «كابتن فيليبس». لكن هناك عامل مشترك ثانٍ لجانب أنهما من تحقيق غرينغراس وهو أنهما فرضا على هانكس موقعين متناقضين: «كابتن فيليبس» هو - لغالب الفيلم - سجين يخت سريع يقوده قراصنة صوماليون وفي «أخبار العالم» هو في مساحات لا محدودة في الغرب الأميركي. لكن كل من الفيلمين وضعه في أسر شخصية جديدة عليه. هو البطل بلا سمات بطولة تقليدية في كلا الفيلمين. سجين بدني في الأول وسجين مهمّة إنسانية في الثاني.
حول هذا الفيلم الجديد، دار معظم هذا الحوار الذي تم - طبعاً وبمثل هذه الظروف - عبر الـ«زوم»

- فيلم نادر
> بعد «ذا بوست»، هذا دورك الثاني كإعلامي (نضحك) ليس بالمعنى الحديث والمعاصر في «أخبار العالم» لكن كنت، كما نراك في الفيلم، تنتقل من بلدة في الغرب الأميركي القديم إلى بلدة أخرى، لتقرأ الأخبار. لم أكن أعلم بأن هذه المهنة كانت موجودة. لم يأت فيلم وسترن من قبل على ذكر هذه المهنة وأنا شاهدت منها كل ما هو متوفر.
- كثير مما يرد في الفيلم وضعته المؤلفة بوليت جايلز وكان هناك بالفعل رجال انتقلوا ما بين البلدات والمدن يقرأون الأخبار المنشورة في الصحف لقاء «سنتات». هؤلاء كانوا أساساً النسخة المعاصرة للإنترنت والسوشيال ميديا. ترحالهم عرّضهم للمخاطر بالفعل. في هذه الناحية الفيلم عكس حقيقة واقعة لم يوفّرها فيلم آخر، كما تقول، من قبل.
> هناك مسألة الفتاة التي خطفت طفلة وترعرعت لدى قبيلة من المواطنين الأصليين. كم صلة الفيلم بالواقع في هذا الإطار؟
- صلة فعلية. ما هو تاريخ حقيقي حقيقة أن العديد من الأطفال الذي قام المواطنون الأصليون بخطفهم وترعرعوا بينهم فضّلوا العودة إلى خاطفيهم على العيش في كنف المجتمع الأبيض. كان مفاجئاً كيف كان معظمهم اختاروا العودة إلى تلك القبائل عوض البقاء في المجتمع الغربي الحديث. كان الوضع عبارة عن ثقافة ضد ثقافة وطبيعة ضد طبيعة.
> تقع الأحداث في شمالي ولاية تكساس بعد خمس سنوات من الحرب الأهلية الأميركية، لكن آثار تلك الحرب تبدو مثل شروخ في المجتمع. هل هذا تصوّري الخاص أو ما هدف الفيلم إليه؟
- هو ما كان الوضع عليه فعلاً. نعم الحرب انتهت قبل خمس سنوات لكن ذكراها لم تنته. الحروب لا تُنسى بعد خمس سنوات ليس لمن عاشها. على ذلك، ورغم ما قلته لك حتى الآن، لا أعتقد أن هذا الفيلم هو تسجيل للتاريخ. لم يكن مقصوداً به أن يكون لكن كان عليه أن يستنتج من الواقع.
> هناك أمور أخرى تختلف في هذا الفيلم عن أي فيلم وسترن آخر. من بينها إنه فيلمك الوسترن الأول…
- بالتأكيد. ليس هناك أفلام وسترن كثيرة هذه الأيام. إلى حد ما هو فيلم نادر تم إحالة النوع إلى الرفوف. هناك الكثير من الخيال العلمي في المقابل. بات من الأسهل تحقيق فيلم من هذا النوع أو من أنواع أخرى تقع في التاريخ الحديث من العودة إلى أفلام الخيول والمسدسات.
> أتاح لك هذا الفيلم ركوب الحصان والمبارزة بالمسدسات. هل اختلافه عن أفلامك الأخرى سبب في اختيارك له؟
- من حيث اختلافه عن أعمالي السابقة نعم. دخل ذلك في اعتباري لكن الأساس هو اختلاف الفيلم عن أمثاله من أفلام الوسترن. واقعي أكثر والمنازلة بالمسدسات لا تقع في النهاية. هناك طبعاً قتال يحدث في منتصف الفيلم. ليست المبارزة الكبيرة المعتادة.
> هذا هو اللقاء الثاني بينك وبين بول غرينغراس بعد «كابتن فيليبس» من توجه بالسيناريو إلى الآخر؟ هل اختارك المخرج للفيلم بناء على رغبته العمل معك من جديد؟
- على العكس. أنا الذي اخترته. الطريقة التي ولد هذا المشروع عبرها كان بسيطاً. قرأنا السيناريو وقرأنا الكتاب وقلنا إن الفكرة ممتازة وإنها تستطيع أن تنجز فيلماً رائعاً. البعض سألني مؤخراً إذا ما كنت فكّرت بالتواصل مع ستيفن (سبيلبرغ) لأجل تحقيق هذا الفيلم. لكن الجواب هو لا. لأن أول ما فكّرت به هو بول غرينغراس لجانب أن سبيلبرغ مشغول جداً ومشروع كهذا قد يأخذ عنده وقتاً طويلاً قبل أن يتم إنتاجه.
> ما الفارق بين بول غرينغراس وستيفن سبيلبرغ؟ كيف ترى الفيلم لو أن سبيلبرغ هو الذي أخرجه؟
- سؤالك جيد. لو أخرج سبيلبرغ الفيلم لجاء مختلفاً. ونقطة الاختلاف الأولى هي أن بول يعالج أفلامه من منظور موضوعي (Objective) وستيفن من منظور ذاتي (Subjective). الفارق كبير كما تعلم. بالتالي هذا الفيلم سيختلف كلياً فيما لو قام سبيلبرغ بتحقيقه. لا أقول أفضل أو أسوأ، بل مختلف.
علي أن أضيف إلى أن الفيلم لم يكن جاهزاً للتصوير لولا أننا وجدنا الفتاة هيلينا زنغل… ربما لم يكن هذا الفيلم حاضراً بيننا لولاها.
> كيف؟
- هيلينا ابنة 11 سنة وكان علينا الانتظار سنتين لكي تبلغ الثالثة عشرة. وهي موهوبة بالفطرة. حين كان المخرج يطلب منها شيئاً لم تكن تتردد في تلبية المطلوب سريعاً وبشكل عفوي. عاشت الدور كما لو كانت بالفعل انتمت إلى سنة 1870.

- مسائل مهمّة
> هل كان من شروط العمل أن تكون الفتاة الصغيرة من غير المحترفات؟
- هذا ما بحثناه قبل البدء بالتصوير بأشهر. رأينا، بول غرينغراس وأنا، أن علينا البحث عن فتاة بلا خبرة تمثيل سابقة. وكان قرارنا أيضاً أنه ليس لدينا فيلم ننفذه قبل أن نجد الفتاة ضمن هذا الشرط. بعد أن وجدها المخرج والتقينا معها من جديد بدا لي أنها تملك شيئاً يناسب الشخصية التي تؤديها. هي ألمانية المنشأ وستقوم بدور معظمه صامت. لم ألتق بها قبل التصوير بفترة طويلة، الشيء اللافت هو أنها كانت تعرف ما يكفي عن تصوير الأفلام. لم تشعر بالغرابة. لم تكن تفكر بقدر ما كانت تتعرّف على شخصيتها عفوياً. هذا ما زاد من إعجابي بتمثيلها.
> إحدى حفيداتك هي في مثل هذا العمر… هل أنت أب جيد؟
- لا أثق بمن يعلن عن نفسه أنه أب صالح أو غير صالح. يجب أن نسأل الأولاد أولاً. لكن شخصياً أستطيع أن أقول إنني أعظم جد في العالم (يضحك) أو ربما لا أعرف شيئاً عن الموضوع. لكن ما أعرفه هو أنني أمضي كل وقت متاح لي معهما. أفضل ما تستطيع فعله هو أن تجلس وتراقبهما من بعيد. حفيدتي الأكبر سناً في التاسعة من عمرها وأعتقد أن حياتها أثرى وأكثر امتلاء مما كانت حياتي عليه. رغبتي هو أن أجلس معهما عند طاولة العشاء ولو لأخطف طعاماً من صحنيهما (يضحك).
> أنت الآن في الرابعة والستين من العمر…
- شكراً لتذكيري بذلك (يضحك)
> ما الأمور الأهم في حياتك اليوم من أي شيء آخر؟
- الأمور المهمّة بالنسبة لي الآن هو التواصل مع الأشخاص الذين أحب واللحظات التي لا يمكن أن تولد من جديد. أعمل في مهنة رائعة وهي تعطيني سعادة بالغة لكنها ليست أهم ما يحدث في حياتي الآن. أشعر عندما أتوجه إلى العمل بأني أخسر الأيام التي تجمعني بمن أحب. هذا شعور لم أعرفه من قبل. أشعر بعد كل فيلم أنتهي من تمثيله براحة كبيرة. هذا رغم حبي لمهنتي وحبي للتمثيل والأماكن التي تتيحها الأفلام وللمغامرات التي أخوضها في طبيعة كل فيلم.
> شخصيّتك في «أخبار العالم» تبدو من الظاهر بسيطة، لكن هناك الكثير مما يدور في الداخل. كيف تعاملت مع أحاسيسك حيال الفتاة وحيال الشخصيات الأخرى؟
- يأتي هذا مما يدفنه الممثل من أحاسيس حيال الوضع والقصة والشخصيات التي يواجهها. وكله موجود في رواية بوليت جايلز. (المخرج) بول اشتغل على السيناريو وأضاف ذلك البعد بحيث إن الرحلة هي خضم لأحداث تمزج بين الحركة البدنية وما يوازيها في الداخل من أحاسيس لأن الحدث عادة ما يؤثر على البدن وعلى الروح. بالنسبة لي كان هناك الكثير من المفاهيم التي يحتويها الفيلم في حكايته. ليس فقط موقف كابتن كِد من الفتاة، بل أيضاً قراره التوقف عن فكرة التخلّي عنها في أقرب بلدة والدفاع عنها والعمل على إيصالها لإحدى قريباتها (شقيقة والدتها الراحلة).
> هناك أيضاً قرر أمراً آخر…
- تماماً. قرّر أنه لا يريد تركها وراءه. خالة الفتاة كانت متعاطفة لكن زوجها كان يبحث عن يد تعمل معه في الحقل لا أكثر.
> من المهم ملاحظة أن قرارك في الفيلم أن تعود إلى حيث تركت الفتاة لإنقاذها تم من قبل أن تراها مقيّدة إلى عمود في الحديقة. اتخذت قرارك قبل أن تراها على هذه الحالة.
- صحيح. عاد إلى بيته المهجور ونظر في أرجائه وقرر أن حياته كلها تغيّرت في السنوات الأخيرة. لا تنسَ أنه يقول، باكراً في الفيلم، إنه وقف مع الفريق الذي خسر في تلك الحرب الأهلية وهو خسر زوجته أيضاً، وقناعاته بعد ذلك تغيّرت. كذلك هو في عمل يحاول فيه جمع الشتات. الجمهور الذي يأتي ليستمع إلى ما يقرأه في الصحف هو لاحقاً الجمهور الذي استمع إلى الراديو ثم التف حول التلفزيون. النشرة الإخبارية إلى اليوم تجمع الناس حولها. هو أحب أن يكون فاعلاً في هذا المضمار.

- «كورونا» والفاكسين
> عندما أُصبت بالـ«كوفيد» لم تتأخر في الإعلان عن ذلك. كان التعاطف معك كاسحاً حول العالم. لماذا فضلت الإعلان عن حالتك وزوجتك ريتا ولسون عوض إبقاء الإصابة سرّاً عائلياً؟
- لا أعتقد أن التعاطف هو القوّة المعنوية التي أردنا (زوجتي وأنا) إثارتها. أعتقد أن التعاطف كان تلقائياً وفي الوقت ذاته مسؤولية كبيرة على عاتقنا. في الأساس لا نعيش منزوين عن العالم أو على نحو خاص جداً. أحياناً ترتدي قبعة غريبة فتجد نفسك محط اهتمام الناس. لكن الإصابة بـ«كورونا» كان حدثاً مهماً وقررنا الإفصاح عنه. الرغبة كانت أن نوسع دائرة المعرفة عبر الانفتاح على الناس بإخلاص وصدق.
> ما المخاوف التي انتابتك وزوجتك حينها؟
- الوباء بحد ذاته كان مثيراً للمخاوف، لكن مخاوفنا كانت مُضاعفة لأن لدي السكّري وزوجتي تعافت من السرطان وكان أول مصدر قلق لنا هو إذا ما كان ذلك سيعرّضنا لخطر أكبر أو أنه سيزيد وضع السكري أو يؤثر على شفاء زوجتي؟ كل هذا كان نصف المهمّة. النصف الثاني هو الحرص على عدم التسبب في إصابة الآخرين بالمرض، وهذه أيضاً مسؤولية كبيرة. الوباء كان امتحاناً لنا جميعاً لكن لا أشك في أن البعض منا لم يتعلم الدرس. من المهم إن هناك الآن «فاكسين» وأن الوباء قد ينقضي خلال الصيف.
> هناك انقسام في الرأي حول اللقاح. ما رأيك؟
- سأعود من حيث لا أرغب إلى الماضي. في عام 1961 أو 1962 كنت ما زلت صغيراً عندما انتشر وباء شلل الأطفال في كاليفورنيا. كل أفراد العائلة ركبت السيارة كذلك كل العائلات الأخرى في البلدة (بلزنت هِل). كنا عشرة أشخاص في السيارة وتوقفنا قبل وصولنا إلى مركز التطعيم في لوس أنجليس وراء صف طويل من السيارات المتوجهة إلى المركز ذاته. حين وصل الدور إلينا نظر الأطباء إلينا وأعطونا عشرة مكّعبات من السكر وأكواب كرتون من الماء. تناولنا الدواء من دون ريب بنتائجه.
الآن الوضع يختلف. الناس ترتاب ولا تجتمع على قرار واحد في أي شيء. لدينا 400 ألف ضحية حتى الآن ولا أدري لماذا لا يُثير ذلك الواقع المخاوف ويتصدّر الصحف. أنا مع اللقاح وآمل أن يتناوله الجميع. بالنسبة لي لم أتناوله بعد لأني أُصبت سابقاً بـ«كورونا» ولا أعلم بالمضاعفات إذا تناولت هذا اللقاح. سأقرأ أكثر وأقرر ولن أتأخر عن تناول اللقاح إذا وجدت أن هذا لا يشكل خطراً عليّ.
> لكن انقسام الرأي العام موجود دائماً حتى في سنة 1870. هو السبب الذي أشعل فتيل الحرب الأهلية في أميركا وغيرها من الحروب حول العالم.
- هو أمر لافت ومحزن جداً لكنه حقيقي. الرأي العام ينقسم دوماً إلى أقسام حسب الآراء المختلفة ودائماً هناك قسم كبير يواجهه قسم كبير آخر. في الفيلم نلمس ذلك في الطريقة التي واجه فيها البيض تلك الفتاة الآتية من رعاية القبائل.


مقالات ذات صلة

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الممثل معتز ملحيس وأمامه صورة الطفلة هند رجب في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

«صوت هند رجب» يتصدر المشاهدة رقمياً في السعودية

بعد أصداء دولية واسعة رافقت عروضه في المهرجانات السينمائية الكبرى، يصل فيلم «صوت هند رجب» إلى منصة «شاهد» التابعة لشبكة «MBC»، في عرض رقمي حصري انطلق يوم…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

فيلم «يوم الغضب» يوثّق انتفاضات طرابلس اللبنانية

لا يُعدّ الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» فيلماً وثائقياً تقليدياً يتوقف عند لحظة احتجاج عابرة، ولا محاولة لتأريخ مدينة عبر سرد زمني خطي.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق عمال يركّبون دبّ مهرجان برلين السينمائي الدولي على واجهة قصر برلين المقر الرئيسي للمهرجان استعداداً لانطلاق فعالياته (أ.ف.ب)

9 أفلام نسائية في مسابقة برلين

تتوالى الأيام سريعاً صوب بدء الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الذي ينطلق في الثاني عشر من هذا الشهر.

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا) )
يوميات الشرق يوثق الفيلم رحلة صديقين من الوطن إلى المنفى (الشركة المنتجة)

«حلفاء في المنفى»... صداقة وسينما في مواجهة الحرب السورية واللجوء

المنفى ليس مكاناً فحسب، بل حالة نفسية مستمرة تتطلّب أدوات جديدة للتكيّف، وكانت السينما إحدى هذه الأدوات.

أحمد عدلي (القاهرة )

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».