حدود سوريا وبواباتها في قبضة حلفاء دمشق... وأعدائها

الحكومة تسيطر على 15 % من الخطوط مع الجوار... والبوابات مع لبنان تحت سيطرة «حزب الله»

مركبات عسكرية تركية في شمال سوريا قرب الحدود التركية (أرشيف - أ.ف.ب)
مركبات عسكرية تركية في شمال سوريا قرب الحدود التركية (أرشيف - أ.ف.ب)
TT

حدود سوريا وبواباتها في قبضة حلفاء دمشق... وأعدائها

مركبات عسكرية تركية في شمال سوريا قرب الحدود التركية (أرشيف - أ.ف.ب)
مركبات عسكرية تركية في شمال سوريا قرب الحدود التركية (أرشيف - أ.ف.ب)

مع تقلب السيطرة في سوريا وعلى حدودها خلال العقد الأخير، لا تسيطر الحكومة المقيمة في ثلثي البلاد ومعظم مدنها الكبرى سوى على 15 في المائة من الحدود مع الدول المجاورة ونصف معابرها الـ19 (يقع معظمها مع لبنان).
وللمرة الأولى منذ 2011، استقرت في السنة الأخيرة خطوط التماس بين ثلاث «مناطق نفوذ»، ولم يطرأ عليها تغير جوهري، حيث تسيطر الحكومة بدعم روسي إيراني على نحو 65 في المائة من البلاد (المساحة الإجمالية 185 ألف كلم مربع)، وست مدن رئيسية: دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية وطرطوس، ودرعا ودير الزور، تضم 12 مليون شخص. في المقابل، تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية - العربية، بدعم من التحالف الدولي ضد «داعش» بقيادة أميركا، على نحو 25 في المائة من الأراضي، تضم نحو 3 ملايين شخص، ومعظم ثروات النفط والغاز والمياه والزراعة، ومدينتي الحسكة والرقة. كما تقع محافظة إدلب ومدن جرابلس وعفرين وتل أبيض ورأس العين التي تضم أكثر من 3 ملايين، معظمهم من النازحين، تحت سيطرة فصائل تدعمها تركيا، ما يشكل نحو 10 في المائة من سوريا، وضعفي مساحة لبنان.
- سيطرة وهمية
وجاء في دراسة نشرها الباحث الفرنسي فابريس بالانش في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، أول من أمس، أن «الحدود رمز السيادة بلا منازع، ولا يزال سجل أداء النظام خالياً تقريباً على هذا الصعيد. ويسيطر الجيش السوري على 15 في المائة فقط من الحدود البرية الدولية للبلاد، في حين تتقاسم جهات فاعلة أجنبية الحدود المتبقية».
وفي جنوب البلاد وغربها، تسيطر الحكومة السورية وتنظيمات مدعومة من إيران و«حزب الله» على 20 في المائة من حدود البلاد. يقول بالانش: «على الرغم من أن سلطات الجمارك السورية هي المسؤولة رسمياً عن إدارة المعابر مع العراق (البوكمال) والأردن (نصيب) ولبنان (العريضة وجديدة يابوس وجوسية والدبوسية)، فإن السيطرة الحقيقية تكمن في الواقع في أماكن أخرى، إذ يحتل (حزب الله) الحدود اللبنانية، وقد أقام قواعده على الجانب السوري (الزبداني والقصير) التي يسيطر منها على منطقة القلمون الجبلية. وبالمثل، تدير ميليشيات عراقية كلا جانبي الحدود من البوكمال إلى التنف. وتمتد قبضة القوات الموالية لإيران أيضاً إلى كثير من المطارات العسكرية السورية التي غالباً ما تكون بمثابة وسيلة لنقل الأسلحة الإيرانية الموجهة إلى (حزب الله) وخط المواجهة مع إسرائيل في مرتفعات الجولان. ويكشف هذا الوضع عن اندماج سوريا الكامل في المحور الإيراني».

وكانت قوات الحكومة قد سيطرت على معبر نصيب مع الأردن في منتصف 2018، بموجب اتفاق روسي - أميركي - أردني قضى بتخلي واشنطن عن معارضين، مقابل عودة قوات الحكومة وإبعاد إيران. لكن فصائل تدعمها قاعدة حميميم الروسية تسيطر على مساحات واسعة من الحدود الأردنية. وأفاد التقرير بأنه رغم السيطرة على نصيب، فإن «حركة المرور لا تزال محدودة جداً حالياً، ووجود الجيش في محافظة درعا سطحي. ولإخماد المقاومة المتنامية في المنطقة بسرعة، اضطر النظام إلى توقيع اتفاقيات مصالحة، بوساطة روسية، تاركاً الفصائل المتمردة المحلية تتمتع باستقلالية مؤقتة وحق الاحتفاظ بأسلحة خفيفة. وحافظ المتمردون السابقون أيضاً على روابط قوية عبر الحدود عن طريق الحدود الأردنية، مما يمنحهم مصدراً محتملاً للدعم اللوجيستي في حالة نشوب صراع جديد». ورعت «حميميم» قبل أيام اتفاق تسوية جديداً قضى بدخول الجيش السوري إلى طفس (غرب درعا).
وتسيطر الحكومة على المعابر غير الشرعية مع لبنان، وتلك الخمسة الرسمية، وهي: جديدة يابوس - المصنع، والدبوسية - العبودية، وجوسية - القاع، وتلكلخ - البقيعة، وطرطوس - العريضة. وتوجد على طول الحدود معابر كثيرة غير شرعية، معظمها في مناطق جبلية وعرة، بحسب تقرير سابق لوكالة الصحافة الفرنسية.
وليست هناك معابر رسمية بين البلدين، لكن «خط فك الاشتباك» بين سوريا والجولان المحتل. وبعد 2011، كانت تسيطر فصائل على المنطقة، غير أن قوات الحكومة عادت إليها بدعم روسي في بداية 2018. كما أعيد في يوليو (تموز) فتح معبر نصيب - جابر مع الأردن الذي كانت قد سيطرت عليه فصائل معارضة في أبريل (نيسان) 2015. أما معبر الرمثا - درعا، فاستعادته دمشق بعدما فقدت السيطرة عليه منذ عام 2013.
- وكلاء وحدود
في عام 2013، بدأت تركيا في بناء جدار حدودي في القامشلي، معقل الأكراد شرق الفرات. ومنذ ذلك الحين، وسعت هذا الحاجز على طول الحدود الشمالية بأكملها. وكان أحد الأهداف منع التسلل من «حزب العمال الكردستاني» و«داعش»، ومنع تدفق مزيد من اللاجئين السوريين إلى تركيا التي تستضيف بالفعل 3.6 مليون لاجئ. وقال التقرير: «لا يزال العبور الفردي ممكناً عبر السلالم والأنفاق، لكن الشرطة التركية توقف معظم هؤلاء المهاجرين وتعيدهم بعنف إلى سوريا».
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2019، شنت تركيا عملية عسكرية، بالتعاون مع فصائل موالية، وسيطرت على شريط بين تل أبيض ورأس العين في شرق الفرات الذي يخضع لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية». ودفع هذا الأخيرة لعقد تفاهم مع دمشق سمح بدخول الجيش الروسي والسوري إلى شرق الفرات، وتقليص مناطق سيطرة حلفاء أميركا وتركيزهم على القسم الشرقي من شرق الفرات على حدود العراق. وحلت الدوريات الروسية - التركية محل الدوريات الأميركية - التركية على خطوط التماس هذه لضمان انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» من منطقة الحدود التركية.
وعليه، فإن الجزء الوحيد من الحدود الشمالية مع تركيا الخاضع لسيطرة دمشق هو معبر كسب (شمال اللاذقية)، وحتى هذا المعبر تم إغلاقه من الجانب التركي منذ عام 2012. وباتت السيطرة على الجانب السوري من الحدود تباعاً على النحو التالي: أولاً المناطق حتى خربة الجوز من قبل التركمان الموالين لتركيا؛ ثانياً المناطق بين جسر الشغور وباب الهوى من «هيئة تحرير الشام»؛ ثالثاً حتى نهر الفرات من قبل الموالين لتركيا المعروفين بـ«الجيش الوطني السوري»؛ رابعاً حول عين العرب من قبل الجيش الروسي و«قوات سوريا الديمقراطية»؛ خامساً المناطق بين تل أبيض ورأس العين من قبل «الجيش الوطني السوري» المدعوم من أنقرة؛ سادساً من رأس العين حتى نهر دجلة من قبل الجيش الروسي و«قوات سوريا الديمقراطية».
ماذا عن المعابر؟ تتقاسم جهات عدة، وبدرجات مختلفة، السيطرة على الحدود مع تركيا، إذ إن معبر كسب تحت سيطرة دمشق من طرف اللاذقية، لكنه مقفل من الجانب التركي. ويخضع «باب الهوى» لسيطرة إدارة مدنية تابعة لـ«هيئة تحرير الشام» التي تسيطر على معظم إدلب، في حين يتبع «باب السلامة» لمنطقة أعزاز في محافظة حلب، ويقع تحت سيطرة فصائل «درع الفرات» التي تدعمها أنقرة، كما هو الحال مع معبر «جرابلس».
وكانت تل أبيض تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي طردت «داعش» في 2015. وفي أكتوبر 2019، أصبح تحت سيطرة فصائل سورية مدعومة من الجيش التركي، كما هو الحال مع مدينة رأس العين.
وعين العرب (كوباني) التي تقع شمال حلب كانت تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، ولكن دخلته في نهاية 2019 قوات الحكومة رمزياً، وانتشرت دوريات روسية قرب المدينة، وهو مغلق رسمياً. أما القامشلي - نصيبين، فهو مقفل، ولا يزال رمزياً تحت سيطرة قوات الحكومة التي تملك «مربعاً أمنياً» ومطاراً في المدينة.
- من طهران إلى دمشق
تضمن اتفاق «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) ودمشق نشر بضع مئات من الجنود السوريين على طول تلك الحدود، لكن «وجود هذه القوات كان رمزياً فقط. ومنذ ذلك الحين، انطلقت الدوريات الروسية باتجاه الشرق، في محاولة لإقامة موقع في مدينة المالكية (ديريك)، والسيطرة على المعبر مع العراق في سيمالكا - فيشخابور، وهو طريق الإمداد البري الوحيد المتاح للقوات الأميركية في شمال شرقي سوريا». كما هددت ميليشيات عراقية مراراً وتكراراً بالاستيلاء على فيشخابور.
ولا تزال المعابر الشمالية إلى تركيا كافة مغلقة، كما يمنع الجدار الحدودي أنشطة التهريب، ما جعل معبر سيمالكا - فيشخابور النافذة الدولية الوحيدة أمام «الإدارة الذاتية». وعلى الجانب العراقي من الحدود الشرقية لسوريا، كانت ميليشيات عراقية مسؤولة عن معظم المناطق منذ خريف 2017، عندما فقدت «حكومة إقليم كردستان» سيطرتها على الأراضي المتنازع عليها بين كركوك وسنجار، لكن لم تشمل هذه الأراضي المفقودة فيشخابور. وتسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» على الجانب السوري من الحدود، بدعم من القوات الأميركية. وأفاد التقرير: «لكن الوكلاء الإيرانيين منعوها، ومنعوا غيرها من الجهات الفاعلة، من استخدام أي معابر أخرى، وذلك جزئياً بمساعدة التعاون الدبلوماسي الروسي، إذ تم إغلاق معبر اليعربية الحدودي الرسمي أمام المساعدات الإنسانية للأمم المتحدة منذ أن استخدمت روسيا حق النقض ضد تجديدها في مجلس الأمن الدولي في ديسمبر (كانون الأول) 2019. ومن بين التداعيات الأخرى لهذا القرار أنه يجب أولاً إرسال جميع مساعدات الأمم المتحدة إلى (الإدارة الذاتية) بالكامل إلى دمشق، قبل أن يتم نقلها إلى الشمال الشرقي من البلاد».
وعليه، فإن الباحث الفرنسي يرى أن معبر سيمالكا - فيشخابور «يعد أمراً حيوياً للبقاء السياسي والاقتصادي للمنطقة التي تتمتع بالحكم الذاتي، حيث يمثل نقطة الدخول الوحيدة للمنظمات غير الحكومية الكثيرة التي تعمل فيها وتوفر دعماً أساسياً للسكان المحليين». ومع ذلك، لا تزال الحكومة السورية تعد الدخول عبر هذا المعبر جريمة يُعاقب عليها بالسجن لفترة تصل إلى 5 سنوات، و«من المحتمل أن يكون تعنت النظام بشأن القضايا الإنسانية هو طريقته لمحاولة إعادة تأكيد سيطرته على جانب واحد على الأقل من السيادة الحدودية».
ويقع عين ديوار تحت سيطرة «قسد»، ومعبر زاخو يستعمل للعبور إلى كردستان العراق، فيما يخضع اليعربية - الربيعة لـ«قسد»، في وقت يقع فيه معبر البوكمال - القائم تحت سيطرة قوات الحكومة وميليشيات إيرانية، وقد جرى تدشينه بعمل بين سوريا والعراق في خريف 2019. وتسيطر قوات التحالف الدولي بقيادة أميركا على معبر التنف - الوليد منذ طرد تنظيم داعش. ويقول دبلوماسيون غربيون إن أميركا سيطرت على التنف لقطع طريق طهران - بغداد - دمشق - بيروت، وإن إيران ردت على ذلك بفتح طريق مواز عبر البوكمال.
- أجواء مفتوحة
وفي مقابل محدودية السيطرة على الحدود ومعابرها، فإن الحكومة تملك النفوذ على الموانئ البحرية والمطارات، بما فيها مطار القامشلي في مناطق الأكراد شرق نهر الفرات، علماً بأن التحالف الدولي أقام شرق الفرات عدداً من القواعد العسكرية التي تسمح له باستخدامها لهبوط وإقلاع وإقامة طائرات مروحية وشاحنة شرق نهر الفرات. كما حولت روسيا مطار القامشلي إلى قاعدة عسكرية لها.
ورغم وجود منظومات صواريخ «إس-300» و«إس-300 متطور» و«إس-400» تابعة للجيش الروسي الذي يملك قاعدتين في طرطوس واللاذقية، لا تزال الأجواء السورية «مفتوحة» أمام التحالف الدولي والطائرات الإسرائيلية التي شنت مئات الغارات على «مواقع إيرانية» في سوريا.
وإذ يعلن مسؤولون سوريون، واللاعبون الدوليون والإقليميون، بشكل دائم «التمسك بالسيادة» ووحدة البلاد، وأن مناطق النفوذ «مؤقتة، وليست دائمة»، فإن «التوازنات» بين خمسة جيوش، روسيا وأميركا وتركيا وإيران وإسرائيل، والتفاهمات بين أميركا وروسيا شرق الفرات، وبين روسيا وإيران وتركيا في «صيغة آستانة» في شمالها، تجعل الرغبات الرسمية السورية خاضعة للعبة دولية - إقليمية تحد -إلى الآن- من تحقيق «السيادة الكاملة»، وترجمة التصريحات إلى واقع ملموس.



الحوثيون يُصعِّدون عسكرياً في تعز والساحل الغربي

القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يُصعِّدون عسكرياً في تعز والساحل الغربي

القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)

صعّد الحوثيون عملياتهم العسكرية على عدة جبهات غرب محافظة تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع قصف صاروخي طال مناطق ريفية في تعز والحديدة، بينما اندلعت مواجهات عنيفة مع القوات الحكومية والمقاومة الوطنية في مقبنة والكدحة والطوير وغباري.

وأفادت مصادر عسكرية بأن المواجهات بدأت منذ فجر أمس (الخميس)، بهجوم واسع استهدف مواقع القوات الحكومية والمقاومة في عدة قطاعات قتالية، قبل أن تتطور إلى اشتباكات مباشرة وقصف مدفعي استمر لساعات.

وتابعت المصادر أن القصف الصاروخي الحوثي تركز على محيط منشآت حيوية وخطوط الإمداد المدني والعسكري، مما أدى لخلق حالة من الهلع بين المدنيين، مشيرةً إلى سقوط قتلى وجرحى من دون تحديد أعداد الضحايا من الجانبين.

وترافقت الهجمات مع محاولة تسلل وهجوم بري نفّذته عناصر تابعة لجماعة الحوثي باتجاه مواقع القوات الحكومية في منطقة الكدحة ضمن محور البرح غرب تعز.

بدورها، أعلنت القوات الحكومية إسقاط ثلاث «مسيّرات» حوثية خلال تحليقها في أجواء عُزل بمديرية جبل حبشي، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جبهات غرب تعز.


تصعيد حوثي واسع على جبهات تعز والساحل الغربي

القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
TT

تصعيد حوثي واسع على جبهات تعز والساحل الغربي

القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)
القصف الصاروخي الحوثي يستهدف المنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران عملياتها العسكرية، الخميس، على عدة جبهات غرب محافظة تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع قصف بأكثر من 12 صاروخاً باليستياً طال مناطق ريفية في محافظتي تعز والحديدة، فيما اندلعت مواجهات عنيفة مع القوات الحكومية والمقاومة الوطنية في مقبنة والكدحة والطوير وغباري.

وأفادت مصادر عسكرية بأن المواجهات بدأت منذ الساعات الأولى لفجر الخميس، بهجوم حوثي واسع استهدف مواقع القوات الحكومية والمقاومة في عدد من القطاعات القتالية، قبل أن تتطور إلى اشتباكات مباشرة وقصف مدفعي استمر لساعات.

وقالت المصادر إن الجماعة استخدمت خلال الهجوم مئات القذائف المدفعية وقذائف الهاون، بالتزامن مع تحليق الطائرات المسيّرة واستخدامها في العمليات القتالية، فيما امتدت المواجهات إلى تلال مطلة على منطقة العقمة في مديرية موزع، حيث تتمركز ألوية المغاوير التابعة للمقاومة الوطنية.

وحسب مصادر عسكرية، تمكن الحوثيون خلال الساعات الأولى من الهجوم من السيطرة على عدد من المواقع، قبل أن تشن القوات الحكومية ومحور تعز والمقاومة الوطنية هجوماً معاكساً استعادت خلاله عدداً من المواقع التي فقدتها.

ونفت المصادر، أن تكون الصواريخ الباليستية أحدثت أثراً على مسرح العمليات القتالي للقوات الحكومية، منوهة بأن غالبية القصف الصاروخي الحوثي تركزت على محيط منشآت حيوية وخطوط الإمداد المدني والعسكري، ما أدى إلى خلق حالة من الهلع بين المدنيين.

وأشارت المصادر إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الحكومية، في حين تكبد الحوثيون خسائر بين عناصرهم، دون تحديد أعداد الضحايا من الجانبين، في حين تشير المعلومات إلى وقوع 4 من العناصر الحوثية في الأسر.

وتركز القصف الصاروخي الحوثي على محيط منشآت حيوية وخطوط الإمداد المدني والعسكري، ما أدى إلى خلق حالة من الهلع بين المدنيين، في حين تزامنت تلك الهجمات الحوثية مع تحركات برية هجومية تصدت القوات الحكومية والمشتركة لها، وتمكنت من إفشالها بالكامل وإخماد مصادر النيران، وفقاً لبيانات الجيش اليمني.

وذكرت تقارير غرفة العمليات المشتركة أن منظومات الدفاع الجوي والتشكيلات العسكرية في الساحل الغربي «تتعامل بيقظة عالية مع هذه التهديدات الصاروخية المتكررة، التي باتت تمثل النمط الأبرز لمحاولات الجماعة تعويض خسائرها الميدانية المتلاحقة على الأرض»، وتوجيه رسائل تصعيدية مرتبطة بالتطورات الإقليمية في ممر البحر الأحمر وباب المندب الاستراتيجي.

أسيران من عناصر الجماعة الحوثية في قبضة الجيش اليمني (الجيش اليمني)

وترافقت هذه الهجمات مع محاولة تسلل وهجوم بري نفذته العناصر التابعة للجماعة الحوثية باتجاه مواقع القوات الحكومية في منطقة الكدحة ضمن محور «البرح» غرب محافظة تعز.

ثلاث مسيّرات

وفي سياق التصعيد الجوي، أعلنت القوات الحكومية إسقاط ثلاث طائرات مسيّرة حوثية أثناء تحليقها في أجواء عُزل بمديرية جبل حبشي، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جبهات غرب تعز.

وقالت مصادر عسكرية إن التعامل مع المسيّرات جاء في وقت واصلت فيه الجماعة استخدام الطائرات من دون طيار في الهجوم على مواقع القوات الحكومية والمقاومة، بينما ظلت الاشتباكات مستمرة في عدد من القطاعات، وسط تعزيزات وانتشار للقوات في مواقع القتال.

وتزامن التصعيد البري مع موجة جديدة من القصف الصاروخي الحوثي على مناطق الساحل الغربي، حيث أطلقت الجماعة أكثر من 12 صاروخاً باليستياً باتجاه مناطق متفرقة شرق وشمال مدينة المخا، وأخرى تابعة لمديرية الخوخة في محافظة الحديدة.

وحسب مصادر محلية، أطلقت الصواريخ من مواقع للجماعة في محافظة إب ومنطقتي الحوبان وشرعب شرق وشمال تعز، فيما أدى أحد الصواريخ إلى اندلاع حريق في الأطراف الشمالية لمدينة المخا.

وقالت المصادر إن اشتباكات عنيفة بين عناصر الجماعة الحوثية ولواء النصر التابع للجيش اليمني في جبهة مقبنة غرب تعز، بعد قصف عنيف نفذته أن الحوثيين استبقوا المواجهات بقصف مدفعي على امتداد الجبهة.

وأفاد الإعلام العسكري للمقاومة الوطنية بأن الحوثيين أطلقوا ثمانية صواريخ باليستية باتجاه ريف المخا، بينما سقط صاروخ تاسع جنوب مديرية الخوخة. وأكدت مصادر محلية إطلاق ثلاثة صواريخ إضافية بعد وقت قصير، ليصل العدد إلى أكثر من 12 صاروخاً خلال فترة زمنية قصيرة.

استهداف الساحل

وجاء القصف الصاروخي بالتزامن مع المعارك الدائرة في جبهتي مقبنة والكدحة غرب تعز، فيما تعاملت الدفاعات الجوية التابعة لمحور تعز مع الطائرات المسيّرة التي أطلقتها الجماعة خلال الهجوم.

ويأتي هذا التصعيد بعد ساعات من استهداف الحوثيين مناطق سكنية ومحيط مخيمات للنازحين وجبهات القتال في تعز، في وقت تشهد فيه المحافظة والساحل الغربي تصعيداً ميدانياً متواصلاً منذ أغسطس (آب) الماضي.

بقايا طائرة مسيّرة حوثية أسقطتها القوات الحكومية اليمنية في تعز (الجيش اليمني)

وتواصل القوات الحكومية والمقاومة الوطنية التصدي للهجمات الحوثية على امتداد جبهات غرب تعز والساحل الغربي، وسط استمرار الجماعة في استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والمدفعية في هجماتها.

ويعكس تزامن الهجوم البري الواسع مع القصف الصاروخي على الساحل الغربي اتساع نطاق التصعيد الحوثي في هذه المناطق، التي شهدت خلال الفترة الماضية هجمات متكررة شملت مواقع عسكرية ومناطق قريبة من تجمعات سكنية ومنشآت مدنية.

وكانت القوات الحكومية في محافظتي مأرب والضالع وجهت، الأربعاء، ضربات عسكرية استهدفت بها مواقع وتجمعات وآليات تابعة للجماعة الحوثية، ونشرت مشاهد مصورة لذلك.

وأعلن المركز الإعلامي للقوات المسلحة أن وحدات المدفعية التابعة للمنطقة العسكرية السابعة نفذت قصفاً مركزاً استهدف مواقع وثكنات وتجمعات للحوثيين في جبهات مأرب الغربية، ملحقة بها خسائر في الأرواح والعتاد، مرفقاً ذلك بنشر مشاهد توثق جانباً من عمليات الطيران المسيّر التابع للمنطقة العسكرية الثالثة.

وفي محافظة الضالع، أظهرت مشاهد أخرى استهداف مقر عسكري حوثي ومبنى سكني حولته الجماعة إلى ثكنة عسكرية.

وأدت الضربات إلى خسائر بشرية ومادية في صفوف الحوثيين.

ولا تزال المواجهات مستمرة في عدد من القطاعات القتالية، وسط انتشار وتعزيزات للقوات الحكومية والمقاومة الوطنية، في حين تتعامل القوات مع الهجمات الصاروخية والجوية الحوثية التي شملت مناطق متفرقة في تعز والساحل الغربي.


تغييرات حوثية تطول قيادات عسكرية وسط تصاعد الضربات الحكومية

عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)
عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)
TT

تغييرات حوثية تطول قيادات عسكرية وسط تصاعد الضربات الحكومية

عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)
عنصر حوثي في صنعاء يضع رسماً لزعيم الجماعة على ملابسه (أ.ب)

أجرت الجماعة الحوثية تغييرات مفاجئة في قيادة منطقتين عسكريتين، بالتزامن مع تكثيف القوات المسلحة اليمنية ضرباتها ضد أهداف نوعية للجماعة، وفق ما كشف عنه مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط».

وحسب المصدر، الذي طلب حجب هويته نظراً إلى حساسية المعلومات، شملت التغييرات قائدي المنطقتين العسكريتين الثالثة والسابعة، في خطوة قال إنها تعكس تنامي الشكوك داخل الجماعة حيال ولاء بعض قياداتها وكفاءتها، على وقع تصاعد الضربات الحكومية، خصوصاً باستخدام الطائرات المسيّرة.

وقال المصدر: «خلال الأيام القليلة الماضية، استبدلت الجماعة بقائدي المنطقتين العسكريتين الثالثة والسابعة قياديَين قديمَين يُعدّان من أقرب الموالين لها في صعدة».

إعادة تشكيل ميدانية

أوضح المصدر، القريب من الميدان، أن التعزيزات التي دفعت بها الجماعة إلى الجبهات خلال العشرين يوماً الماضية رافقتها إعادة تشكيل واسعة للقيادات الميدانية، مشيراً إلى أن نحو 90 في المائة من قادة الوحدات الفرعية، على مستوى السرايا والكتائب، جرى اختيارهم من قيادات عقائدية تنتمي غالبيتها إلى محافظة صعدة.

وعزا المصدر هذه التحركات إلى «حالة من التخبط والشكوك» داخل الجماعة، قال إنها لم تعد تقتصر على القيادات القبلية أو العناصر المستقطبة حديثاً، بل امتدت إلى مستويات قيادية عليا، بما في ذلك شخصيات تنتمي إلى الدائرة الاجتماعية والمذهبية الأقرب إليها.

وأضاف أن ثقة الجماعة بالقيادات القبلية «تراجعت إلى أدنى مستوياتها»؛ ما دفعها إلى إحلال عناصر أكثر ارتباطاً بقيادتها المركزية محل عدد من القادة الميدانيين.

صراعات الأجنحة

ربط المصدر جانباً من التوترات الداخلية بتنامي نفوذ علي حسين الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، قائلاً إن صعوده أحدث انقسامات ملحوظة بين قيادات الصف الأول.

علي حسين الحوثي نجل مؤسس الجماعة الحوثية (إكس)

وأشار إلى الخلافات التي عصفت بالعلاقة بين علي حسين الحوثي وعدد من الشخصيات البارزة، من بينها عبد الحكيم الخيواني، رئيس جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، والقيادي العسكري «أبو علي الحاكم»، إلى جانب عضو ما يسمى «المجلس السياسي الأعلى» محمد علي الحوثي.

وتشير مصادر يمنية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» إلى أن ممثلي «الحرس الثوري» الإيراني يسعون إلى احتواء الانقسامات المتصاعدة بين أجنحة الجماعة، والحيلولة دون انعكاسها على تماسكها العسكري والأمني، لا سيما في وقت تواجه فيه ضغوطاً متزايدة على المستويين العسكري والمجتمعي.

وكانت «الشرق الأوسط» نشرت تقريراً في أغسطس (آب) 2025 عن تعاظم الدور المخابراتي لنجل مؤسس الجماعة؛ حيث بات يشرف على معظم الأجهزة والمؤسسات، بما في ذلك وزارة الخارجية في الحكومة الانقلابية، مستنداً إلى الدعم الكبير الذي يمنحه له عمه عبد الملك الحوثي زعيم الجماعة الحالي.

وذكرت مصادر أمنية وسياسية في مناطق سيطرة الحوثيين حينها أن الدور المخابراتي والقمعي لعلي حسين الحوثي الذي مُنح رتبة لواء في الأمن، وتم إنشاء جهاز مخابرات خاص به تحت اسم «جهاز مخابرات الشرطة»، تعاظم خلال الأشهر الأولى من العام 2025 بشكل كبير.

الحوثيون تكبَّدوا خسائر ميدانية خلال المواجهات الأخيرة في جنوب الحديدة (إعلام حكومي)

استياء من اعتقالات ذمار

في السياق ذاته، أفاد المصدر العسكري بأن جهازاً أمنياً جديداً مرتبطاً بعلي حسين الحوثي نفّذ أخيراً حملة اعتقالات طالت نحو 70 شخصية من محافظة ذمار دفعة واحدة؛ الأمر الذي أثار استياءً واسعاً في الأوساط المحلية.

وقال المصدر: «تؤكد المعلومات المتوافرة أن جانباً كبيراً من الاعتقالات والتحركات المرتبطة بالخلافات الداخلية لم يعد ينفذه جهاز الأمن والمخابرات الحوثي، بل جهة أمنية جديدة»، في إشارة إلى الجهاز الذي قال إن علي حسين الحوثي يتولى إدارته.

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطاً عسكرية متصاعدة على عدد من الجبهات، وسط مؤشرات على اتجاهها إلى تشديد قبضتها الأمنية وإعادة ترتيب هيكلها القيادي؛ تحسباً لأي اختراقات أو تحولات محتملة في مسار المواجهات.