ضحايا «الربيع العربي» يهيمون في مصر بحثا عن مستقبل

بينهم ليبيون وسوريون ويمنيون.. وبعضهم ساند «ثوار» بنغازي وصنعاء واللاذقية

إحدى جلسات اللاجئين في مصر تضم ليبيين وسوريين (تصوير: الشرق الأوسط»)
إحدى جلسات اللاجئين في مصر تضم ليبيين وسوريين (تصوير: الشرق الأوسط»)
TT

ضحايا «الربيع العربي» يهيمون في مصر بحثا عن مستقبل

إحدى جلسات اللاجئين في مصر تضم ليبيين وسوريين (تصوير: الشرق الأوسط»)
إحدى جلسات اللاجئين في مصر تضم ليبيين وسوريين (تصوير: الشرق الأوسط»)

حتى أواخر العام الماضي كان رجل الأعمال الليبي، محمود علي، ابن مدينة درنة، الذي شارك في تمويل الانتفاضة المسلحة ضد حكم معمر القذافي، يقيم مع ولديه وزوجته في فندق فخم يقع في قلب القاهرة الصاخبة، لكن استمرار الفوضى والاقتتال في بلاده وطول بقائه بمصر هربا من المتطرفين، اضطره، في الأشهر الأخيرة، للإقامة في فندق آخر أقل تكلفة يقع في ضاحية المهندسين غرب العاصمة. وهو اليوم، مثل آخرين، يعض بنان الندم.
وبعد مرور نحو 4 سنوات، أصبح عدة آلاف من العرب غالبيتهم ممن تزعموا وشاركوا في إطلاق ما يعرف باسم «ثورات الربيع العربي» في مطلع 2011، يشعرون بالمرارة وهم يتابعون الأخبار الفاجعة عن بلدانهم من مقار إقاماتهم الجديدة بعيدا عن أوطانهم. ويتركز أكثر هؤلاء في مصر التي تحولت إلى الهدوء والاستقرار سريعا بعد إسقاط الرئيسين السابقين حسني مبارك ومحمد مرسي.
كما لجأ آلاف آخرون لدول مثل تونس والأردن وتركيا. ويقول عمرو فركاش، المدير التنفيذي في شركة «أويا» للاستثمارات الليبية، الذي يقيم في الوقت الحالي بمصر، بعد أن شارك في ثورة «17 فبراير (شباط)» لإسقاط القذافي، إن كثيرا من الليبيين ممن لديهم قدرة مالية، بدأوا في تقليل الإنفاق المالي، بعد أن اكتشفوا أنهم ربما لن يعودوا قريبا إلى وطنهم.
ويضيف فركاش لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة لرجل من مثل هذه الشريحة من المواطنين، أي ذلك الذي اعتمد على مدخراته حين جاء لمصر، فإن لديه أموالا.. نعم، لكنه اضطر أخيرا لتغيير أولوياته في الإنفاق، لأنه لا يعرف متى سيعود، إن كان بعد سنة أو غيره، وبدلا من أن يقيم في فيلا ذات طابقين، أصبح يبحث عن شقة متواضعة».
أما بالنسبة لرجل الأعمال، محمود، الذي يطلق عليه أصدقاؤه العرب بمصر، «الدرناوي» نسبة لمدينته، فقد كان يدير فرعا لشركة استيراد في تلك المدينة الصغيرة التي سيطر عليها تنظيم داعش في شرق ليبيا، وحاول نقل نشاطه إلى مدينة بنغازي لكنها هي الأخرى لم تسلم من الاقتتال، إلى أن حط الرحال في القاهرة. وهو ينتظر منذ شهرين أن يبعث له والده بمساعدة مالية، لكنه يقول إن تحويل الأموال من ليبيا أصبح صعب المنال. ثم يتابع، على الشاشة التلفزيونية في بهو الفندق، تطورات الاقتتال في بلاده بذهن شارد.
هذا النوع من الوافدين، أي الأثرياء الذين لم يستثمروا أموالهم هنا انتظارا للعودة لبلادهم، يشكون، من دون صوت، من اقتراب نفاذ مدخراتهم بمرور الأيام. وبعد أن كانوا يقيمون في فنادق وفيلات فخمة، أصبح من السهل أن تتعثر في بعضٍ منهم وهم يهيمون على وجوههم بين منتديات الطبقات الدنيا، وفنادق الدرجة الثالثة، وبعض الضواحي الشعبية، في انتظار المجهول.
وتكشف مصادر أمنية مصرية لـ«الشرق الأوسط» عن أن جماعة الإخوان المسلمين حين وصلت للحكم في كل من القاهرة وطرابلس عامي 2012 و2013، شجعت على فتح باب اللجوء لمصر أمام أعداد كبيرة من ذوي المقاتلين المتطرفين من السوريين والليبيين، مشيرة إلى أن «التنظيم الدولي للجماعة» بالتعاون مع «إخوان مصر» وأطراف كانت تعمل في السفارة الليبية في القاهرة خصصت، خلال تلك الفترة، ملايين الدولارات لمساعدة ذوي المقاتلين المتشددين الفارين لمصر وتجاهلت باقي اللاجئين الذين لا ينتمون للإخوان أو التيار المتطرف.
الفارون العراقيون من نيران الحرب كانوا يشكلون الأغلبية في الضواحي المحيطة بالقاهرة، حتى 5 سنوات خلت، لكن التنافس على استئجار الشقق هنا أصبح ينحصر غالبا في الليبيين والسوريين، ولحق بهم اليمنيون أيضا بعد اجتياح الحوثيين صنعاء.
ويضيف مسؤول حكومي مختص بشؤون الوافدين بالقاهرة، أن غالبية اللاجئين العرب تتشكل من 3 طبقات، الأكثرية منهم أصبحوا يزاحمون حاليا الفلسطينيين والأفارقة على أبواب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. والطبقة المتوسطة، وهي خليط من موظفين سابقين فارين من الاقتتال في بلدانهم. وطبقة الأثرياء ومعظمها من الليبيين.
لكن بالنسبة لمن يعيش على مدخراته فقط، مثل «الدرناوي»، فقد أصبح يواجه شبح الإفلاس والسقوط في هاوية العوز والحاجة. ويقول السيد «فركاش»، وهو في العقد الثالث من العمر: «هؤلاء.. لم يكن أي منهم يتخيل أن أمد الأزمة في بلاده سيطول». ويضيف: «لكن يوجد ليبيون تمكنوا، بعد قدومهم لمصر، من وضع أموالهم في مشاريع مختلفة»، مشيرا إلى أن «السوريين يمكن أن يكونوا منافسا قويا لليبيين».
لم يتمكن «الدرناوي» من الاستثمار في أي مجال، لأنه، مثل آخرين، ترك الأيام تمر على «أمل لم يتحقق». وتعرَّف في مقر إقامته الجديد بالفندق في شارع شهاب بضاحية المهندسين على نحو 10 من اللاجئين العرب، من بينهم يمني اسمه «خالد» هرب من صنعاء حين دخلها الحوثيون قبل شهرين، وسوري يدعى «سليمان» فر من تهديدات نظام بشار الأسد.
وأصبح بين «الدرناوي» و«خالد» و«سليمان» وآخرين من المقيمين هنا، مواعيد للقاء في البهو الواسع الموجود في الطابق الأرضي، حيث يمكن شرب العصائر وتناول الوجبات ومشاهدة نشرات الأخبار حينا، ومشاهدة قنوات كرة القدم الأوروبية لتغيير المزاج حينا آخر. وحين يضربهم الضجر يخرجون للتمشية على أرصفة القاهرة المزدحمة، حيث يقابلون زملاء لهم في مقاهي شارع جامعة الدول العربية.
وعلى أحد المنتديات المجاورة يمضي محمد الورفلي، الذي يرأس اللجنة القانونية بالمجلس الأعلى للقبائل العربية في ليبيا، أمسياته القاهرية، وهو يتابع أحوال اللاجئين من بلاده ومن بلاد عربية أخرى. ويقول «الورفلي» الذي يرفض الاعتراف بـ«ثورة فبراير»، متحدثا لـ«الشرق الأوسط» إن الجالية الليبية هنا تنقسم إلى قسمين من ناحية القدرة المادية.. قسم لديه أموال وحالته ميسورة، ويقوم بالاستثمار في مجالات استهلاكية وعقارية.
البعض من هؤلاء اشترى فنادق في «شرم الشيخ» و«الغردقة» و«العين السخنة»، إضافة لامتلاك مزارع على طريق السويس وطريق القاهرة - الإسكندرية الصحراوي، وكذا في محافظتي الفيوم والبحيرة. معظم أبناء هذا القسم يعيشون في مساكن مملوكة لهم في أماكن راقية بالعاصمة وبالقرب منها مثل «الرحاب» و«مدينة نصر» و«الشيخ زايد» و«أكتوبر».
أما القسم الثاني من الجالية الليبية فيضم شريحة الطبقة الوسطى «التي تعتمد غالبيتها، خلال إقامتها التي طالت في مصر، على تحويلات مالية تأتيها من أسرها وأقاربها في ليبيا. وهذه الطبقة تشكو من الضائقة المالية في الوقت الحالي». ويقول «الورفلي»، وهو في العقد الخامس من العمر، إن هؤلاء أصبحوا يواجهون حياة صعبة بالفعل، بعد أن توقفت التحويلات المالية من ليبيا منذ سقوط العاصمة طرابلس في أيدي المجموعات المسلحة الصيف الماضي.
كان يجري تحويل الأموال للاجئين الليبيين بمصر من ذويهم في ليبيا عن طريق مكاتب «ويسترن يونيون» أو من خلال البنوك. لكن «الورفلي» يقول إن «كل هذا توقف.. كما توقفت الرحلات الجوية أيضا، بعد أن كان البعض من أقارب المقيمين بمصر يأتي لهم من ليبيا بالأموال نقدا، كل شهرين أو 4 أشهر، لمساعدتهم في المعيشة هنا».
ويجري «الدرناوي» اتصالا بأسرته في طبرق لكي تحول له أموالا جديدة، لكن هذا لم يعد ميسورا. ويجيبه والده من الطرف الآخر عبر الهاتف: «الله غالب». ولم يكن «الدرناوي»، البالغ من العمر 43 عاما، يتخيل هذا السيناريو لحياته. فقد تخرج قبل 15 سنة في قسم الآداب بجامعة بنغازي، لكنه يمتلك عقلية اقتصادية فطرية، وينتمي لقبيلة العشيبات المشهورة بحب التجارة.
كان يكره حكم القذافي بسبب نظام تأسيس الشركات الليبية الخاصة الذي كان متبعا في ذلك العهد. ولهذا عمل لبعض الوقت في «تشاركية تجارية» تشرف عليها الدولة، إلى أن أسس شركته الخاصة بعد مقتل القذافي، رغم أنه لم يكن قد جرى بعد تعديل القوانين الاقتصادية القديمة. وأخيرا، كما يقول، «استولى متطرفو درنة على شركتي بكل ما فيها». ويضيف: «نصحني أبي، منذ البداية، أن أترك درنة وأن أنقل الشركة إلى طبرق، لكنني كنت أقول إن الأحوال ستتحسن، وإن الفوضى لا يمكن أن تستمر. لم أكن أدرك أن الأمور تتغير سريعا، وأن من كانوا رفاقا بالأمس سيستحلون حرمة مالي ويتحولون اليوم إلى أعداء».
ومثل كثيرين تحمسوا لثورات الربيع العربي، ساعد هذا الشاب المعارضين المتشددين بعد عودتهم من القتال في أفغانستان وباكستان والشيشان والعراق، إلى درنة، ومن أشهر هؤلاء عبد الحكيم الحصادي الذي أمضى 7 سنوات مع الأفغان في «كابل» و«جلال آباد» و«خوست».
ويقول: «ما يحزنني أنني كنت أعتقد أنهم قادرون على إصلاح حال ليبيا إذا تخلصنا من القذافي. حين بدأت الثورة لم أبخل عليهم.. خصصت للثوار، مع عائلتي، 5 سيارات دفع رباعي، وخصصنا لهم، عبر شهور على الجبهة الشرقية لبنغازي، أطنانا من المؤن الغذائية ومياه الشرب».
في ذلك الوقت اتهم القذافي تنظيم القاعدة والمتطرفين بتأجيج العمليات المسلحة ضد حكمه. ويتذكر «الدرناوي» قائلا إن هذا الأمر كان يتردد كثيرا حينها، وأن القادة الذين حولوا درنة اليوم إلى إمارة برايات سوداء، كانوا يقولون لنا أثناء الثورة، إنهم يقفون مع مطالب الشعب في الديمقراطية والحرية والعدالة.. «كل هذا تبخر، وقالوا الديمقراطية كفر!».
وفر من ليبيا إلى دول أخرى، مئات الآلاف، وفقا لتقديرات غير رسمية. ويتعرض كثير من دول منطقة الشرق الأوسط لما يشبه الخلخلة في بنيتها الأساسية بعد أن عززت تنظيمات متشددة تضم عناصر أجنبية، قدراتها القتالية في العراق وسوريا واليمن وليبيا، ومن بينها تنظيمات «داعش»، و«أنصار الشريعة»، و«أنصار الحق» وغيرها من المجموعات الموالية لتنظيم القاعدة والمتطرفين والحوثيين أيضا.
وبعد ساعات من الملل داخل الفندق، اقتنع «الدرناوي» بالخروج لاستنشاق الهواء في شارع «جامعة الدول العربية» الواسع. ويتذكر، وسط صخب السيارات، أنه منذ جاء إلى هنا أخذ ينفق من مدخراته، على نفسه وعلى المحتاجين من اللاجئين، وهو يظن أن شوكة المتشددين في «درنة» ستنكسر، وأن الحرب بين الميليشيات والجيش ستضع أوزارها، وسيعود خلال أشهر قليلة، أو في بداية عام 2014 على أكثر تقدير، لكن الاقتتال أدى لإطالة غربته.
وتآكلت مدخرات «الدرناوي»، وقال إنه ترك الفندق الفخم المطل على النيل بسبب نفقاته، حيث تبلغ الليلة الواحدة له وأسرته نحو 350 دولارا في اليوم، وانتقل إلى فندق آخر مقابل نحو 90 دولارا في اليوم.
وتعرفت زوجته على زوجات عرب آخرين، وأصبحن يتجولن معا، لقتل الوقت، أمام واجهات المحال الزجاجية المضيئة، حيث ينتشر اللاجئون الفقراء. من السهل أن تسمع في الأرجاء أصواتا لعجائز وصِبية يتسولون بلهجات عربية مختلفة.
وتتوقع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن يزيد عدد اللاجئين لمصر في 2015 أيضا. وعلى سبيل المثال، كان عدد السوريين المسجلين بالمفوضية في القاهرة حتى نهاية 2014 يبلغ نحو 140 ألف سوري، وقالت إن العدد بنهاية 2015 قد يصل إلى 160 ألفا، وإن إجمالي اللاجئين لمصر من دول عربية وأفريقية مرشح للارتفاع من نحو 217 ألفا في آخر 2014 إلى 229 ألفا في آخر العام الحالي.
لكن أحد مسؤولي المفوضية يقول لـ«الشرق الأوسط» إن العدد قد يزيد على ذلك بكثير بسبب عدم تسجيل كثير من هؤلاء في سجلاتها، لافتا إلى أنه، وبشكل عام «يحصل قطاع كبير من اللاجئين العرب على الخدمات والرعاية في المؤسسات العامة المصرية، سواء الصحية أو التعليمية أو غيرها، مع ملاحظة أن مصر نفسها تعاني من مصاعب اقتصادية وما زالت في طور التحول للاستقرار السياسي».
ويخرج «الدرناوي» عن صمته، ثم يقول وكأنه كان يحلم: «لو رجعت لليبيا سأستأنف نشاطي على الفور.. سأعوض ما فات». لكن الكل يعلم أن هذا أمل ما زال بعيدا له ولغيره. وعلى سبيل المثال، ورغم الحنين، فإنه «فركاش» لا يستطيع أن يعود إلى ليبيا في الوقت الحالي، رغم أنه كان مشاركا، مثل «الدرناوي»، في ثورة «فبراير».
يقول «فركاش» وهو يخبط بكف يده على المنضدة: «سبب عدم رجوعي لليبيا ليس سياسيا، بل لأنه لا يوجد استقرار هناك، ولا يوجد عمل.. إذا أقمت هناك سأكون من دون مصدر رزق، خصوصا أنني أقيم في مصر منذ زمن».
ويضيف: «للأسف يوجد هنا ليبيون ممن يطلق عليهم في ليبيا لقب (أزلام)، وهو لقب يشبه كلمة (الفلول) بمصر، أي أنصار النظام السابق.. مثل هؤلاء كيف يعودون لليبيا. الأمر صعب في الوقت الحالي. وهناك من لا يستطيع الرجوع رغم أنه كان من المشاركين في الإطاحة بالقذافي، لأنهم منخرطون سياسيا، وأصبحوا مستهدفين (من الميليشيات المسلحة)».
ولا يخلو الحديث من التطرق، بشكل شبه يومي، لمشكلات إلحاق التلاميذ بالمدارس، ومشكلات المناهج الدراسية وما فيها من موضوعات عن نظم الحكم، سواء في المدارس الليبية أو السورية.. أو غيرها، التي تشرف عليها سفارات بلادهم، أو المدارس التي افتتحها رجال أعمال لهم توجهات سياسية مختلفة. هناك أيضا شكوى دائمة من صعوبة حركة المواصلات في العاصمة المزدحمة دائما.. هذا بالإضافة لقضايا يومية أخرى، منها تردد بعض سفارات هؤلاء في تجديد جوازات السفر الخاصة بهم خوفا من انتماءاتهم السياسية.
يقول فركاش: «طبعا مشكلات إلحاق الأولاد بالمدارس لها الأولية.. أما بالنسبة للانخراط في المجتمع القاهري، فهو أمر سهل على الأقل بالنسبة لليبيين الذين اعتادوا على هذه الأجواء حين كانوا يزورونها في السابق، لكن بطبيعة الحال حين تطول الإقامة، كما يحدث الآن، تظهر المشكلات. مثلا مصروفات المدارس في ليبيا لا تذكر، وليست بكل هذه التكلفة الموجودة في مدارس القاهرة».
أما «خالد» الهارب من جحيم الاقتتال في اليمن، فيبلغ من العمر 41 عاما وكانت لديه شركة سياحية في مبنى قريب من مقر إدارة الشؤون المعنوية للجيش اليمني الذي هجم عليه الحوثيون أثناء اجتياحهم للعاصمة أخيرا. يقول إنه شارك في الثورة ضد الرئيس علي عبد الله صالح، وكانت شركته المتخصصة في تأجير السيارات للسياح، تنقل الثوار والمؤن. ويوضح مبتسما: «ركبنا قطار الربيع العربي»، لكنه يضيف أنه عقب خروج صالح من السلطة لم تهدأ الأمور واستمرت الخسائر، وفقد الأمل في عودة الانتعاش لقطاع السياحة «بعد دخول الحوثيين على الخط».
ولجأ لمصر بصعوبة بالغة بسبب تشديد المطار إجراءات دخول اليمنيين بعد عدة حوادث إرهابية حول العالم كان مصدرها عرب وأجانب قادمون من صنعاء. ويضيف، وهو يدخن النارجيلة، على رأس شارع وادي النيل، إنه حاول أن ينقل نشاطه إلى جنوب اليمن، لكن الوضع هناك غير مستقر أيضا بسبب قلاقل يثيرها كل من تنظيم القاعدة من جانب، والحراك الداعي إلى انفصال الجنوب من جانب آخر.
ومثل أحوال شريحة العرب المقتدرين ممن لم يبادروا بالانخراط في مشروعات اقتصادية فور وصولهم لمصر، أقام «خالد» لفترة في شقة راقية في ضاحية الزمالك كان إيجارها في الشهر يبلغ نحو 1500 دولار، وكان أيضا يستقبل كل أسبوع أو أسبوعين يمنيين فارين من الاقتتال الأهلي.. «يقيمون عندي حتى يتمكنوا من تدبير أمورهم».
وحين أدرك أن أزمة بلاده مرشحة للتفاقم، بدأ يشعر بالخوف من الإفلاس، وانتقل إلى فندق صغير يقع في «المهندسين» أيضا. ويقول إنه، في البداية، كان ينفق على اليمنيين الهاربين من الدمار الذي تتعرض له صنعاء من دون حساب.. «حتى أصبحت مثل الجمعية الخيرية. طبعا هذا الحال كان مؤقتا. كنت أساعد بقدر ما أستطيع على أمل أن أعود قريبا، لكن في الوقت الحالي بالكاد يمكن أن أساعد أسرتي، بل أريد من يساعدني».
السوريون الفارون من جحيم «الربيع العربي» تمكنوا سريعا من التكيف في المجتمع المصري. لا تخلو منطقة في قلب القاهرة والإسكندرية من مطاعم الشاورما والمأكولات الشامية. يوجد بطبيعة الحال من كانت طموحاته أكبر من الواقع، مثل «سليمان» البالغ من العمر نحو 55 عاما، الذي فر من اللاذقية العام قبل الماضي. لحظِّه العاثر أن الشبان التابعين للثورة الذين كان يقدم لهم العون المالي، لم يصمدوا تحت آلة التعذيب حين أمسكهم جنود النظام السوري. واعترفوا عليه.
يقول إنه علم بأن جنود بشار يبحثون عنه، فأخذ أسرته وأمواله وهرب إلى الأردن، ثم تمكن من دخول مصر بينما ظلت زوجته وولده وابنته في عمَّان. وبعد أن عاش في ضاحية «جاردن سيتي» الراقية بإيجار باهظ، اضطر أخيرا لاستئجار شقة متواضعة في منطقة نائية قرب مدينة السادس من أكتوبر، على طريق الواحات، في جنوب غربي العاصمة.
ويتحدث سليمان، الذي كان يدير في بلده محلا للفطائر والحلويات، عن عروض كثيرة كانت أمامه لاستثمار ما معه من أموال بافتتاح محل مأكولات، لكنه كان يرفض على أمل حل أزمة بلاده والعودة لجمع شمل أسرته وفتح دكانه في اللاذقية من جديد. ويقول إن مدخراته شارفت على النفاد وإن الحرب لا تريد أن تنتهي.
معظم السوريين اللاجئين لمصر من المعادين لنظام الأسد، وغالبيتهم من ذوي التوجهات الراديكالية.. وهؤلاء تدفقوا بشكل كبير إلى هنا أثناء حكم جماعة «الإخوان» لمصر، حيث عاشوا على مساعدات الجمعيات الخيرية الإخوانية، التي كانت تقدم لهم السكن والمعيشة والمساعدات. كان مقر هذه الجمعيات يقع في مسجد الحصري بمدينة السادس من أكتوبر، ومسجد رابعة العدوية، ومسجد النور في شرق القاهرة.. وغيرها. كما أن «إخوان مصر» هم مَن ابتدعوا تزويج اللاجئات السورىات لمصريين. ووفقا للمعلومات الأمنية، كان الزواج في الأغلب من عناصر جماعة الإخوان نفسها.
«الورفلي» الذي يحتفظ بعلاقات كثيرة مع لاجئين عرب في القاهرة، منهم سوريون، يذكر أيضا أنه منذ عام 2012 وحتى مطلع 2014 (وقت حكم «الإخوان» في طرابلس)، تعهدت سفارة ليبيا في القاهرة بتعليم أبناء اللاجئين السوريين على نفقتها، في المدارس الليبية الأربع الموجودة بمصر، لمجرد أنهم تابعون لـ«الإخوان» والجماعات الأخرى، بينما حرمت أبناء الليبيين في ذلك الوقت من هذا الحق، وهم الأوْلى، حتى لو لم يكونوا من الموالين للتيارات المتشددة.
من جانبه، لا ينتمي «سليمان» لهذه الشريحة من اللاجئين بطبيعة الحال، بل يعد نفسه من السوريين الميسورين «لولا ظروف البلد». لكنه يقول إن «إخوان مصر كانوا بالفعل يقدمون مساعدات كبيرة للعائلات، لكن بتوصية من إخوان سوريا.. أما أنا فلا علاقة لي بهم لا في سوريا ولا هنا. ولم أتلق منهم أي قرش أبيض أو أسود.. (الإخوان) خربوا الثورة والبلد.. أنا سيد نفسي».
يقول أحد مسؤولي السفارة الليبية إن الوضع تغير بعد انتخاب البرلمان الذي يعقد جلساته في طبرق، وإن مكتب شؤون النازحين بالسفارة شكل أخيرا لجنة ميدانية للوقوف على احتياجات الليبيين من دون تفرقة، بداية من تقديم مساعدات مالية لمن لا يملكون دخلا، وحتى إلحاق الطلاب الليبيين في الجامعات المصرية.
والمشكلة أن الليبيين، بخلاف اللاجئين من الدول الأخرى، لا يحصلون على المساعدات المتوقعة من الأمم المتحدة، بسبب وجود خطاب موجه من السلطات المصرية، إلى مفوضية اللاجئين، يقول إنه تجري معاملة الليبيين بمصر معاملة المواطنين المصريين، في التملك والإقامة والعمل، بناء على اتفاقية سابقة موقعة بين البلدين. ولهذا، كما يشير «الورفلي»، لم يتمكن الليبيون الذين جاءوا لمصر هربا من الاقتتال، من تسجيل أنفسهم بصفتهم لاجئين بمقر المفوضية السامية للاجئين الموجود في مدينة السادس من أكتوبر.
وبصفته رئيس اللجنة القانونية للمجلس الأعلى للقبائل العربية في ليبيا، وجهت الأمم المتحدة لـ«الورفلي» دعوة للمشاركة في الحوار في جنيف، إلا أنه رفضها، وهو ينظر لنفسه على أنه من الشريحة المتوسطة التي تعتمد على انتظار التحويلات المالية من ذويه في ليبيا، وهو أمر بات شديد الصعوبة. ولهذا شارك مع زملاء له في إنشاء جمعية بمصر للمهجرين الليبيين بمجهود ذاتي، يقع مقرها في مدينة الرحاب بجوار القاهرة.
ويقول إن رجال أعمال ليبراليين من ليبيا ومصر، ساعدوا ما يسمى بـ«ثورة فبراير»، لكن منذ سيطرة «الإخوان» على حكم ليبيا لم يتمكنوا من الاستثمار فيها أو الدخول إليها. وهذا الأمر تواجهه أيضا جمعيات حقوقية ونقابات وشخصيات سياسية من العلمانيين والليبراليين.. «كل هؤلاء أصبحوا يعضون بنان الندم على ما جرى. كل من لا ينتمي إلى توجهات الجماعة يجري استهدافه بالعزل والاغتيالات والتفجيرات».



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.