2021... عام حافل باستكشاف الفضاء والكون

مهمات تصل إلى المرّيخ وعربات جوالة على القمر

رسم تخيَلي لعربة «برزيفيرانس» عند انفصالها عن السفينة قبل دخولها الغلاف الجوي لكوكب المريخ
رسم تخيَلي لعربة «برزيفيرانس» عند انفصالها عن السفينة قبل دخولها الغلاف الجوي لكوكب المريخ
TT

2021... عام حافل باستكشاف الفضاء والكون

رسم تخيَلي لعربة «برزيفيرانس» عند انفصالها عن السفينة قبل دخولها الغلاف الجوي لكوكب المريخ
رسم تخيَلي لعربة «برزيفيرانس» عند انفصالها عن السفينة قبل دخولها الغلاف الجوي لكوكب المريخ

بعد انتهاء الشهر الأوّل من العام الجديد على الأرض، تصل ثلاث سفنٍ فضائية إلى كوكب المرّيخ وجواره. وتبشّر هذه البعثات الاستكشافية التي انطلقت في يوليو (تموز) الفائت، بعامٍ جديد حافل بالاستكشاف الفضائي والإطلاقات والأحداث الفلكية.
فيما يلي، سنقدّم لكم موجزاً حول أهمّ الأحداث الفضائية التي سيشهدها عام 2021، ولكنّ الأمر لن يقف عند هذا الحدّ لأنّ الشركات الخاصّة ووكالات الفضاء حول العالم تخبئ المزيد.
لقاء مع المرّيخ
أطلقت كلّ من الإمارات العربية المتحدة والصين والولايات المتحدة بعثاتها الآلية الفضائية الخاصّة إلى المرّيخ الصيف الفائت تمهيدا للقيام برحلات قصيرة خلال الفترة التي تكون فيها الأرض أقرب إلى الكوكب الأحمر. ومن المزمع أن تنضمّ السفن الثلاث إلى مجموعة من البعثات الاستكشافية الموجودة إمّا في مدار الكوكب وإما على سطحه.
- مسبار الأمل. أوّل البعثات الواصلة سيكون مسبار الأمل الإماراتي والذي يعدّ أوّل مستكشف ترسله دولة عربية إلى الفضاء العميق في إطار برنامجٍ فضائي صغير ولكنه طموح. تخطّط هذه البعثة لدراسة الغلاف الجوي المريخي وحمل بيانات قيّمة للعلماء الموجودين على الأرض. ومن المتوقّع أن يصل المسبار إلى وجهته في السادس من فبراير (شباط) المقبل.
- مغامرة صينية. أمّا البعثة الصينية «تيانوين - 1»، فمن المزمع أن تصل إلى الكوكب الأحمر في العاشر من فبراير. وبعد إتمام دورة واحدة حوله، سترسل سفينة هبوط تضمّ عربة جوّالة إلى سطحه في مايو (أيار). ينطوي الهبوط السليم على سطح رابع كواكب المجموعة الشمسية على مخاطر كبيرة، حتّى أنّ وكالة نّاسا هي الوحيدة التي استطاعت النجاح بهذه المهمّة أكثر من مرّة. لهذا السبب، سيساهم نجاح هذه المهمّة في توسيع سجلّ إنجازات الصين الفضائية ولا سيّما بعد مرور عام على وصول بعثة «تشينج - 5» إلى سطح القمر وعودتها إلى الأرض حاملة حفنة من الصخور القمرية.
- عربة «ناسا». بعدها ببضعة أيّام فقط، وتحديداً في الثامن عشر من فبراير، تصل عربة «برزيفرانس» الجوّالة التابعة للوكالة وتهبط على سطح المرّيخ. وفي حال نجاحها، ستسعى هذه العربة للبحث عن حياة منقرضة في هوّة بحيرة ومجرى نهر جافين، ولكن ليس قبل إطلاق طوّافة «إنجنويتي» الصغيرة في مهمّة خاصّة كأوّل رحلة جوية في أجواء كوكب آخر.
التجوّل على القمر
هبطت الصين بسفنها الفضائية ثلاث مرّات على سطح القمر في السنوات السبع الماضية، في حين أنّ «ناسا» لم تزر الكوكب منذ عام 1972 أي عام هبوط بعثة أبولو. ولكنّ هذا الأمر قد يتغيّر في 2021، الأمر الذي سيزيد من جدية التحوّل التجاري في الجهود الأميركيّة الفضائية.
اعتمدت ناسا في العقد الأخير على الشركات الخاصّة لبناء وتشغيل السفن الفضائية التي قد تنقل الحمولات والبشر إلى المحطّة الفضائية الدولية، وها هي اليوم تحاول تطبيق المقاربة نفسها عبر برنامج الخدمات التجارية للحمولة القمرية الذي تعاقد مع عدد من الشركات الخاصّة لبناء سفن هبوط قمرية آلية مهمّتها نقل حمولات من ناسا وزبائن آخرين إلى سطح القمر.
ومن المقرّر أن تطلق الشركة الأولى «أستروبوتيك» ومقرها بيتسبرغ عربة هبوطها «بيريغرين» Peregrine إلى القمر في يونيو (حزيران) المقبل، والتي قد تتبعها عربة «نوفا - سي» Nova - C من تطوير شركة «إنتويتيف ماشينز أوف هيوستن».
تضع ناسا نصب عينيها هدفاً آخر هو إرسال روّاد فضاء إلى القمر مجدّداً خلال العقد الحالي وتخطّط لبدءِ مشروعها بإطلاق رحلة تجريبية غير مأهولة لنظام الإقلاع الفضائي (إس إل إس) الذي صممته للإطلاقات الأميركية الفضائية إلى الفضاء العميق. وقد واجه هذا الصاروخ حالات تأجيل عدّة وتكاليف متزايدة ولكنّ الوكالة لا تزال تخطّط لإطلاقه في رحلة «أرتميس - 1» هذا العام. كما أنّها سترسل كبسولة «أوريون» المخصّصة لروّاد الفضاء لتدور حول القمر وتعود، على أن يتمّ تنفيذ هذه الرحلة التجريبية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
استكشاف الكون
ولكنّ البعثة الأهمّ التي ستشهدها الدوائر العلمية هذا العام والتي طال انتظارها هي إطلاق مرصد جايمس ويب الفضائي» James Webb Space Telescope الذي سيخلف مرصد «هابل». تأجّلت هذه البعثة لسنوات عديدة بسبب المشاكل التقنية والتكاليف المتزايدة ولكنّ ناسا وروّاد الفضاء وعلماء الكواكب حول العالم يتوقون لرؤيتها تنطلق في نهاية أكتوبر (تشرين الأول). حدّدت الوكالة هذا الإطار الزمني البعيد للإطلاق بسبب فيروس «كورونا» وغيره من المشاكل التي سببت المزيد من التأجيل في البرنامج المقرّر.
وتجدر الإشارة إلى أنّ سفينتين استكشافيتين أخريين تابعتين لـ«ناسا» ستتوجهان إلى المجموعة الشمسية في 2021.
تهدف سفينة «دوبل أستيرويد ريدايركشن تست» The Double Asteroid Redirection Test spacecraft والتي ستنطلق في يوليو المقبل، إلى اختبار ما إذا كانت السفن الفضائية قادرة على تغيير وجهة كويكب يتجه نحو سطح الأرض. لإتمام مهمّتها، ستزور هذه السفينة كويكبي «ديديموس» القريبين من الأرض واللذين يدوران حول الشمس سويا، على أن تحاول الاصطدام بالكويكب الأصغر بينهما لحرف مساره. وتعتزم السفينة الثانية «لوسي» Lucy والتي ستنطلق في أكتوبر لتسافر مسافة أبعد بكثير، الدوران حول المسار المداري لكوكب المشتري حيث ستعمل على دراسة كويكبات طروادة التي تسير في مدار المشتري نفسه ولكن على مسافة مئات ملايين الأميال وهي عالقة في مكانها بسبب جاذبيته القويّة. ويعتقد العلماء أن هذه الصخور الفضائية قد تساعد في كشف أسرار تكوين الكواكب الخارجية في المجموعة الشمسية.
مغامرات في المدار
شهد السفر البشري إلى الفضاء تحوّلاً كبيراً عام 2020 مع إرسال شركة «سبيس إكس» لطاقمين بشريين إلى المحطّة الفضائية. ومن المرجّح أن ترسل الشركة مزيداً من روّاد الفضاء إلى المدار هذا العام، على ألّا يكون جميعهم من العاملين في ناسا أو وكالات فضائية أخرى. تتعاون «سبيس إكس» مع عدد من الشركات الأخرى لإطلاق زبائن حجزوا لأنفسهم رحلة مدفوعة إلى الفضاء على متن كبسولة «كرو دراغون» وتخطّط «أكسيوم سبيس»، إحدى هذه الشركات، لإرسال أوّل الرحلات السياحية الخاصّة إلى المحطّة الفضائية في أواخر هذا العام.
عندما اختارت ناسا «سبيس إكس» لبناء مركبات تنقل روّادها، تعاونت أيضا مع شركة بوينغ للغاية نفسها. خلال رحلة تجريبية غير مأهولة إلى المدار في ديسمبر (كانون الأول) 2019 كادت سلسلة من الأخطاء أن تؤدّي إلى خسارة كارثية لكبسولة «ستارلاينر» من بوينغ. وكتعويض عن هذا الإطلاق الفاشل، أعلنت الشركة أنّها ستطلق رحلة تجريبية أخرى في شهر مارس (آذار) المقبل.
سيشهد هذا العام رحلات بشرية أخرى إلى الفضاء أيضاً أبرزها رحلتان تنظمهما شركتا «فيرجن غالاكتيك» و«بلو أوريغن» لإرسال زبائن تجاريين في رحلات قصيرة إلى مدخل الفضاء والعودة إلى الأرض. بدورها. وقد تبدأ الصين إطلاق قطع من محطّتها الفضائية المستقبلية خلال العام الجاري تمهيداً لوجودها البشري الدائم في مدار الأرض المنخفض والذي تخطّط له في السنوات المقبلة.
*خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بعوضة غازية تُهدد مدن أفريقيا بالملاريا

بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
TT

بعوضة غازية تُهدد مدن أفريقيا بالملاريا

بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»
بعوضة «أنوفيلس ستيفنسي»

انتشرت بعوضة ناقلة للملاريا شديدة الغزو، ومقاومة للمبيدات الحشرية، تزدهر في المدن، حيث لم تكن الملاريا تُشكل تهديداً كبيراً، في جميع أنحاء أفريقيا على نطاق أوسع وبسرعة أكبر مما كان يخشاه حتى أكثر العلماء تشاؤماً، كما كتبت: ستيفاني نولين(*).

مقاومة جينية للمبيدات الكيميائية

ويعتقد كثير من خبراء الصحة العامة أنه قد فات الأوان للقضاء عليها، أو حتى احتواء انتشارها. وأظهر تحليل جينومي جديد للبعوضة، المسماة «أنوفيلس ستيفنسي» Anopheles stephensi، باستخدام عينات جُمعت من 10 دول، أن تلك الموجودة في أفريقيا لديها مقاومة جينية لجميع المواد الكيميائية المستخدمة حالياً في حملات الرش وغيرها من جهود مكافحة البعوض، ما يعني أن هذه المبيدات الحشرية لن تقضي عليها.

من جيبوتي إلى غانا وكينيا

ينتشر هذا النوع من البعوض بكفاءة وسرعة مرعبتين عبر الأراضي المنبسطة والمفتوحة والعاصفة، متجهاً غرباً نحو غانا وجنوباً عبر كينيا، منذ وصوله الأول إلى القارة الأفريقية في جيبوتي بمنطقة القرن الأفريقي قبل أكثر من عقد من الزمان. يقول تريستان دينيس، الباحث في علم جينوم النواقل بجامعة كوينزلاند في أستراليا، الذي قاد التحليل الجديد المنشور في مجلة «ساينس»: «في العامين الماضيين، قلّ الحديث عن ضرورة احتواء هذا الغزو، لأن كل من لديه دراية بالأمر يدرك أن هذا المرض قد خرج عن السيطرة تماماً».

طفيل يزدهر في المناطق الحضرية والريفية

ويثير هذا البعوض قلق خبراء الصحة لأنه، على عكس الأنواع التي كانت تنشر الملاريا في أفريقيا تاريخياً، يزدهر في المناطق الحضرية والريفية على حد سواء، ولا يتأثر بفصول الجفاف. وهذا يعني أن الملاريا، التي تُعدّ بالفعل من أكثر الأمراض فتكاً في أفريقيا، قد تصبح مشكلة خطيرة في المدن الكبرى مثل لاغوس في نيجيريا، وكينشاسا في الكونغو، حيث يبلغ عدد سكان كل منهما حوالي 20 مليون نسمة.

إريك أوشومو رئيس قسم علم الحشرات في معهد كينيا للأبحاث الطبية

ملاريا على مدار العام

وقال الدكتور إريك أوشومو، رئيس قسم علم الحشرات في معهد كينيا للأبحاث الطبية: «لم نكن مضطرين للقلق بشأن الملاريا في المناطق الحضرية». وأضاف أن معظم سكان المدن لا يتمتعون بمناعة ضد الملاريا، وأن الطفيل يُسبب مرضاً خطيراً. وعندما يستقر طفيل ستيفنسي، فإنه ينقل الملاريا على مدار العام، وليس فقط خلال موسم الأمطار الذي تُركز عليه معظم برامج مكافحة الملاريا الحالية. وأضاف أوشومو: «سيؤدي ذلك إلى تعقيد قدرتنا على إدارة الملاريا بشكل كبير».

في معظم البلدان، لم يستوطن طفيل ستيفنسي بعد في تجمعات سكانية كبيرة بما يكفي لرصد تأثيره على معدلات الإصابة بالملاريا. ولكن في جيبوتي وإثيوبيا، وهما أول دولتين غزاهما، يُمكن ملاحظة الخطر الذي يُمثله. إذ وقبل وصول ستيفنسي في عام 2013، كانت جيبوتي على وشك إعلان القضاء على الملاريا في عام 2012، سُجلت 27 حالة إصابة.

ارتفاع الإصابات في جيبوتي وإثيوبيا

ولكن وبعد عام من اكتشاف طفيل ستيفنسي، ارتفعت الحالات إلى ما يقارب 1700 حالة. وفي كل عام لاحق، ازداد العدد تدريجياً، وفي عام 2020، شهدنا انفجاراً هائلاً: أكثر من 70 ألف حالة. في دير داوا، ثاني أكبر مدن إثيوبيا، تسبب طفيل ستيفنسي في ارتفاع حاد في حالات الملاريا عام 2022، وهو ما أثار حيرة العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين لم يعتادوا تشخيص المرض أو علاجه.

ويُعدّ انتشار ستيفنسي انتكاسة أخرى في معركة مكافحة البعوض المتعثرة أصلاً في أفريقيا، ففي عام 2024، سُجّلت 9 ملايين حالة ملاريا إضافية مقارنةً بعام 2023. ورغم أن البيانات الكاملة لعام 2025 لم تُنشر بعد، وستكون أقل شمولاً بسبب تخفيضات تمويل البرامج الصحية، فإن هناك دلائل واضحة على عودة الملاريا للظهور.

رصد انتشار البعوض الجديد

تعمل فرق من العلماء معاً، غالباً في ظلّ النزاعات المسلحة والنزوح الناجم عن تغير المناخ، لتوحيد جهودها المحدودة في مجال الرصد ورسم خريطة لأبعاد هذا التهديد الجديد. في عام 2024، قام ماهامان لامين، عالم الطفيليات في مدينة زيندر بدولة النيجر الواقعة غرب أفريقيا، بنصب كمّ هائل من البعوض حول البرك مع اثنين من طلابه. في مختبره الجامعي، طلب من الطلاب تحديد أنواع البعوض لإجراء مسح للتنوع البيولوجي، وكأنه تذكر فجأةً، ذكّرهم بنوع ستيفنسي، وهو نوع غازي تم رصده في مناطق أخرى من أفريقيا. وبعد فترة وجيزة، ذكر طلابه أنهم عثروا على بعضٍ منه في عيناتهم. «قلتُ: لا، لا، لا!» استيقظ لامين.

لم يُعثر على ستيفنسي في النيجر قط. لكن لامين أعاد فحص البعوض باستخدام مفتاح تصنيفي، ثم مفتاح آخر. تطابقت النتائج. سرعان ما أرسل طالباً على متن حافلة إلى مدينة كانو، عبر الحدود في نيجيريا، حاملاً عينات للبعوض عبر منطقة تشهد تمرداً مسلحاً، للوصول إلى مختبر قادر على إجراء تأكيد جزيئي. كان الطلاب على حق: فقد وصل بعوض الأنوفيلس ستيفنسي إلى النيجر.

اتجاهات نحو اليمن والسودان

أظهر التحليل الجينومي المنشور حديثاً أنه بعد وصوله إلى جيبوتي، انقسمت مجموعة ستيفنسي الأفريقية الجديدة إلى ثلاث مجموعات. اتجهت إحداها إلى إثيوبيا، ثم جنوباً إلى كينيا؛ وقفزت أخرى من جيبوتي عبر قناة ضيقة في البحر الأحمر إلى اليمن؛ واتجهت الثالثة إلى السودان، ومن هناك شرقاً عبر منطقة الساحل إلى غرب أفريقيا.

باحث علمي يعرض بعوضة من نهر بوتوجي في إثيوبيا

«لم نرَ من قبل هذا النوع من الانتشار»

وقد تكهّن علماء آخرون بأنّ بعوضة ستيفنسي قد دخلت من جنوب آسيا عبر موانئ غرب أفريقيا في حوادث منفصلة، ​​لكنّ التحليل الجينومي قدّم دليلاً قاطعاً على مدى كفاءة انتقال هذه البعوضة عبر منطقة الساحل المنبسطة والعاصفة، موسعةً نطاق انتشارها بما يصل إلى 300 ميل سنوياً. وقال أوشومو، الذي أسهم بعينات من البعوض في الدراسة: «لم نرَ شيئاً مثل هذا من قبل، هذا النوع من الانتشار. لم نتخيّل أبداً أن تنتشر بعوضة بهذه السرعة».

قبل بضع سنوات، كان يتوقع أن تشكّل بعوضة ستيفنسي تهديداً فقط في شمال كينيا الجافّ جداً. وقد وُجدت بالفعل وهي تنتشر بثبات جنوباً وتنتشر عبر أنواع مختلفة من الموائل.

وصلت بعوضة ستيفنسي إلى أفريقيا حوالي عام 2013، على الأرجح على متن سفينة مقبلة من باكستان أو الهند. وحدّدها باحثون في جيبوتي بينما كانوا يسعون جاهدين إلى تفسير الارتفاع الهائل في حالات الملاريا ببلد كان على وشك القضاء على المرض.

ويخشى العلماء أن يكون حشرة ستيفنسي قد وصلت أيضاً إلى دولٍ أخرى، بما في ذلك تشاد والصومال وإريتريا وجنوب السودان، وهي دولٌ لا تملك الموارد اللازمة للمراقبة الوطنية للنواقل.

تعاون علماء من السعودية وأفغانستان وباكستان واليمن والسودان وإثيوبيا وكينيا وإيران وأميركا

وقد تعاون علماءٌ من أفغانستان وباكستان واليمن والسودان وإثيوبيا وكينيا وإيران والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية لإجراء الدراسة الجينومية، لتحديد منشأ سلالة ستيفنسي الأفريقية. وشهدت جميع هذه الدول تقريباً صراعاتٍ عنيفةً عند بدء البحث، أو انزلقت إلى حربٍ خلال السنوات الأربع التي استغرقها العمل.

وفي السودان أسهم حمودة توتو كافي، عالم الحشرات الطبية في وزارة الصحة السودانية، بعيناتٍ من بلاده، حيث جمع آخرها قبل أسابيعٍ قليلةٍ من اندلاع الحرب الأهلية. كان كافي على أهبة الاستعداد لبدء بحث حول ما إذا كان بعوض ستيفنسي يُسهم في نقل الملاريا في البلاد، وكيفية حدوث ذلك. وقال: «لكن هذا ليس بالأمر الهين في ظل الحرب».

وفي اليمن، أشرف الدكتور طارق سلطان بن حوايل، أخصائي الصحة العامة، على فريق جمع عينات للدراسة، وشارك نتائج مُقلقة مع باحثين في أفريقيا. وجد فريقه بعوض ستيفنسي في المخيمات الضخمة المُحيطة بالعاصمة اليمنية عدن، التي تأوي نازحين بسبب الحرب الأهلية. وقد عثر على يرقات البعوض في خزانات المياه داخل منازل الناس وخيامهم، تعيش جنباً إلى جنب مع نوع آخر من البعوض، الزاعجة المصرية، الذي ينقل حمى الضنك وفيروسات أخرى.

نتائج قاتمة

تُعد أفريقيا موطناً لما يقرب من نصف إجمالي عدد النازحين في العالم؛ فهناك 15 مليون نازح بسبب الحرب في السودان وحده.

بعد أن أسهمت الشبكة العالمية من العلماء بعينات، أجرى دينيس التحليل الجينومي. وكانت النتائج التي توصل إليها قاتمة. قال دينيس: «جميع جينات المقاومة في السلالة الغازية تكتسب مقاومة لجميع المبيدات الحشرية التي نستخدمها تقريباً في مكافحة نواقل الأمراض، لذا فإن هذا في الواقع أسوأ مما كنا نتصور».

على الرغم من ازدياد الأدلة حول كيفية انتشار فيروس ستيفنسي ومكانه، فإن هناك مؤشرات قليلة على تحويل الموارد لمواجهته. قال دينيس: «يمكنك الحصول على هذه البيانات التي تخبرك بشيء معين، ولكن إذا لم تكن هناك بنية تحتية لتطبيق استجابة عملية، فلن تُجدي نفعاً كبيراً».

* خدمة «نيويورك تايمز»


«الأمن السيبراني في ممارسات الرعاية الصحية» برنامج سعودي لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي

نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض
نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض
TT

«الأمن السيبراني في ممارسات الرعاية الصحية» برنامج سعودي لمواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي

نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض
نقرة واحدة قد تنقل الخطر الرقمي من الشاشة إلى سلامة المريض

في مستشفى متصل بالشبكة الإلكترونية، قد يبدأ الخطر بفعل يبدو بسيطاً: طبيب يفتح ملفاً يحمل اسم المختبر، أو ممرضة تستجيب لطلب إعادة تعيين كلمة المرور، أو طبيب أسنان يرفع صورة أشعة إلى أداة ذكاء اصطناعي عامة طلباً لرأي سريع... والمهاجم لا يحتاج دائماً إلى كسر أبواب المستشفى الإلكترونية؛ وقد تكفي نقرة واحدة لفتحها له.

ومن هنا تبرز أهمية البرنامج الذي أعلنت عنه الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، في أغسطس (آب) 2026، بعنوان «الأمن السيبراني في ممارسات الرعاية الصحية». والهيئة هي الجهة السعودية التي تنظم المهن الصحية، وتصنف الممارسين وتسجلهم، وتطور قدراتهم المهنية. ويمنح البرنامج، الموجّه إلى جميع الممارسين عن بُعد، 3 ساعات للتطوير المهني المستمر، ويجمع بين أساسيات الذكاء الاصطناعي وفرص استخدامه ومخاطره السيبرانية، لكنه يطرح سؤالاً يتجاوز محتواه التدريبي: لماذا يحتاج الطبيب أو الممرض أو طبيب الأسنان إلى هذه المعرفة؟ أليست حماية الأنظمة مهمة أقسام تقنية المعلومات؟

عندما يخرج الهجوم من الشاشة

عندما يخرج الهجوم من الشاشة

الجواب أن المستشفى ليس مخزناً للبيانات فحسب، بل شبكة تمر عبرها وصفة الدواء، ونتيجة المختبر، وصورة الأشعة، وموعد الجراحة، ومسار سيارة الإسعاف. فإذا توقفت الشبكة، انتقل الضرر من الشاشة إلى سرير المريض.

وقدمت دراسة نشرتها دورية «شبكة جاما المفتوحة» (JAMA Network Open) في مايو (أيار) 2023 دليلاً واضحاً. فخلال هجوم استمر شهراً على مؤسسة صحية ببرمجيات الفدية، وهي برامج تشفّر الأنظمة، وتحجب الوصول إليها، ارتفع المتوسط اليومي لمراجعي الطوارئ في مستشفيين مجاورين لم يتعرضا للهجوم بنسبة 15.1 في المائة، وزاد متوسط الانتظار من 21 إلى 31 دقيقة. وخلص الباحثون إلى أن إصابة مستشفى واحد قد تُحدث اضطراباً إقليمياً يمتد إلى منشآت لم تُستهدف.

حين يتعلم المهاجم أيضاً

لم يخترع الذكاء الاصطناعي الاحتيال الرقمي، لكنه جعله أكثر إقناعاً وأدق استهدافاً. ففي مايو (أيار) 2025، خلص تقييم لـ«المركز الوطني البريطاني للأمن السيبراني» إلى أنه يسرّع جمع المعلومات، ويزيد فاعلية رسائل التصيد والهندسة الاجتماعية. والتصيد مراسلات تنتحل جهة معروفة لاستدراج المتلقي إلى فتح رابط أو كشف بيانات الدخول؛ لذلك لم تعد الرسالة المزيفة تفضح نفسها بلغة ركيكة؛ إذ يمكن توليدها بأسلوب يشبه مخاطبات المستشفى، وربطها باسم مؤتمر أو زميل أو حالة حقيقية.

وهنا يصبح الممارس هدفاً مختاراً، لا مستخدماً عابراً؛ لأنه يعرف مسار العمل، ويصل إلى المعلومات السريرية، ويتخذ قراراته تحت ضغط الوقت. ويستغل المهاجم ذلك بعبارات «نتيجة حرجة»، أو «تحويل عاجل»، أو «تحديث إلزامي للنظام»، لدفعه إلى التصرف قبل التحقق من هوية المرسل.

الخوارزمية نفسها قد تصبح هدفاً

في الهجمات التقليدية يظهر الضرر عادةً في ملف مسروق أو نظام متوقف. أما مع الذكاء الاصطناعي، فقد يستهدف المهاجم بيانات التدريب أو المدخلات المقدمة عند الاستخدام، فتصبح المخرجات التي يستند إليها القرار الطبي نفسها موضع التلاعب وفي مسودة إرشادية أصدرتها إدارة الغذاء والدواء الأميركية في يناير (كانون الثاني) 2025 بشأن الأجهزة الطبية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وحددت الإدارة أخطاراً منها:

*«تسميم البيانات»، أي دس بيانات مزيفة أو معدلة لتغيير ما تتعلمه الخوارزمية

*«مراوغة النموذج»، أي إجراء تعديلات خفية على صورة أو بيانات جديدة لدفعه إلى تصنيف خاطئ، إضافة إلى تسريب البيانات أو سرقة النموذج.

وتكمن الخطورة في أن النظام قد يظل ظاهرياً في حالة تشغيل طبيعية، بينما يصدر توصية غير سليمة. فإذا تغيرت قراءة صورة طبية أو نتيجة مختبر بلا سبب سريري مقنع، لا يكفي أن يكون الخادم محمياً. وعلى الممارس مقارنة المخرجات بحالة المريض، والانتباه إلى الأنماط غير المعتادة، وإيقاف الأداة والإبلاغ عن الخلل عند الاشتباه بالتلاعب.

تدريب الممارسين

الممارس بوصفه جهاز إنذار مبكر

لا يقتضي هذا أن يتحول الطبيب إلى مهندس شبكات؛ فدوره يشبه جهاز الإنذار المبكر: يرصد الإشارة المريبة ويتصرف قبل اتساع الضرر. ويبدأ ذلك بعدم إدخال بيانات تعريفية لمريض في أداة غير معتمدة، ورفض طلبات الدخول أو تغيير كلمات المرور المشبوهة، والتحقق من الطلبات العاجلة عبر قناة مستقلة، وعدم مشاركة الحساب، والإبلاغ السريع عن الحادث.

لكن دوره لا ينتهي عند الوقاية، فعليه أن يعرف كيف تستمر الرعاية إذا تعطل النظام: كيف يراجع أدوية المريض وحساسياته؟ كيف يوثق قراره مؤقتاً؟ وكيف يضمن، بعد عودته، نقل المعلومات الورقية إلى السجل الصحيح؟ لذلك ينقص التدريب إن اقتصر على تجنب الاختراق، ولم يشمل العمل الآمن أثناء الانقطاع واستعادة المعلومات بعده.

ماذا تستطيع 3 ساعات أن تغيّر؟

لن تصنع 3 ساعات متخصصاً سيبرانياً، وليس ذلك هدف البرنامج؛ إذ إن أهميتها أنها تحوّل معرفة تقنية إلى مهارة يومية، وتمنح الفريق لغة مشتركة: متى يتوقف أو يتحقق أو يبلّغ. كما يتضاعف أثر التدريب بإضافة المحاكاة إلى الشرح: رسالة تصيد تجريبية، أو مكالمة تنتحل صفة مسؤول، أو تعطل مفاجئ للسجل الإلكتروني، أو نتيجة غير مألوفة تصدرها أداة ذكية.

وكانت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، الدكتورة حنان بلخي قالت في 23 يوليو (تموز) 2026، إن الهجمات السيبرانية لم تعد قضية تقنية معلومات فحسب، بل قضية سلامة مريض وأمن صحي. وهنا تتضح قيمة برنامج الهيئة: فالاستعداد الرقمي لا يبدأ في غرفة الخوادم وحدها، بل من الممارس الذي يمسك الجهاز عند سرير المريض.

مكافحة العدوى في البيئة الرقمية

مكافحة العدوى في البيئة الرقمية

كما أن مكافحة العدوى ليست مهمة فريق التعقيم وحده، فالأمن السيبراني ليس مهمة قسم التقنية وحده. وفي البيئة الرقمية تؤدي كلمة المرور الآمنة، والتحقق من الرسائل، والاستخدام المنضبط لأدوات الذكاء الاصطناعي دور غسل اليدين نفسه: قطع سلسلة الضرر قبل وصولها إلى المريض.

لهذا لا تبتعد هيئة التخصصات الصحية عن مهمتها بتدريب الممارسين على الأمن السيبراني، بل تجعل الكفاءة المهنية ملائمةً لمستشفى تغيرت أدواته ومخاطره. ففي عصر الذكاء الاصطناعي، قد تبدأ سلامة المريض بسؤال يسبق نقرة واحدة: هل هذا الرابط حقيقي؟


أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات
TT

أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

أدمغة بشرية حية تكشف كيف يغيّر التحفيز الكهربائي نشاط الخلايا والجينات

في تجربة غير مسبوقة، تمكن علماء من مراقبة ما يحدث داخل أنسجة دماغ بشرية حية عند تعريضها لتحفيز كهربائي مشابه لذلك المستخدم في تقنية التحفيز العميق للدماغ؛ ليكشفوا عن تغيرات في طريقة تواصل الخلايا العصبية ونشاط جينات مرتبطة بوظائف الدماغ.

أنسجة أدمغة بشرية

واللافت، أن الأنسجة المستخدمة في الدراسة لم تكن أنسجة مختبرية أو مستخلصة من حيوانات، بل عينات حقيقية من أدمغة بشرية تبرع بها مرضى خضعوا لجراحات في الدماغ، وتمكن الباحثون من إبقائها حية في المختبر لأيام عدة. وقد أتاحت هذه الخطوة فرصة نادرة لرؤية استجابة الخلايا البشرية للتحفيز الكهربائي على المستويين الجيني والجزيئي.

ونُشرت الدراسة في دورية Nature في 5 أغسطس (آب) 2026. وأجراها باحثون من نظام الرعاية الصحية العامة التابع لجامعة كاليفورنيا UCLA Health، ومركز جامعة تكساس ساوث ويسترن الطبي في الولايات المتحدة؛ في محاولة لفهم الكيفية التي يمكن بها للتحفيز الكهربائي أن يغيّر نشاط الدماغ، وربما يعزز الذاكرة أو يساعد في الحد من التدهور المعرفي.

عندما يصبح الدماغ أكثر تزامناً

يعتمد التحفيز العميق للدماغ على إرسال نبضات كهربائية إلى مناطق محددة من الدماغ بواسطة أقطاب مزروعة. وقد أثبت فاعليته في علاج بعض الاضطرابات العصبية والنفسية من بينها مرض باركنسون واضطراب الوسواس القهري.

لكن العلماء لا يزالون يجهلون بصورة كاملة ما يحدث للخلايا البشرية عندما تتعرض لهذه النبضات، خصوصاً على مستوى الجينات.

وفي الدراسة الجديدة طبّق الباحثون أنماطاً من التحفيز الكهربائي تحاكي تلك المستخدمة في التحفيز العميق للدماغ على أنسجة بشرية حية في المختبر.

*الخلايا العصبية تتواصل بدرجة أكبر من التزامن بعد التحفيز*

وأظهرت النتائج أن الخلايا العصبية بدأت تتواصل بدرجة أكبر من التزامن بعد التحفيز وهو نمط من النشاط يُعتقد أنه يرتبط بقدرة الدماغ على تكوين الذكريات ومعالجة المعلومات. لكن التغير لم يقتصر على الخلايا العصبية وحدها.

الجينات تستجيب أيضاً

واستخدم الباحثون تقنيات متقدمة لتحليل النشاط الجيني داخل الخلايا بصورة منفردة بعدما فصلوا أنوية أنواع مختلفة من خلايا الدماغ. وبذلك تمكنوا من تحديد الجينات التي تغير نشاطها في كل نوع من الخلايا استجابة للتحفيز الكهربائي.

وكشفت النتائج عن أن الخلايا العصبية لم تكن الوحيدة التي استجابت، فقد أظهرت الخلايا النجمية Astrocytes، وهي من الخلايا الداعمة المهمة في الدماغ استجابةً لبرامج جينية خاصة بها عند تعرضها للتحفيز.

* خلايا الدماغ تندفع لتشغيل برامج جينية محددة*

وتشير هذه النتيجة إلى أن تأثير التحفيز الكهربائي قد يكون أوسع وأكثر تعقيداً مما كان يُعتقد؛ إذ لا يعمل فقط من خلال تغيير الإشارات الكهربائية بين الخلايا العصبية وإنما قد يدفع أنواعاً مختلفة من خلايا الدماغ إلى تشغيل برامج جينية محددة.

والأكثر أهمية أن الباحثين وجدوا أن أنماطاً مشابهة ظهرت في أنسجة مأخوذة من أشخاص سبق أن خضعوا للتحفيز الدماغي قبل إزالة النسيج؛ ما يشير إلى أن التغيرات التي شوهدت في المختبر قد تعكس بالفعل ما يحدث داخل الدماغ البشري.

خطوة نحو علاج أكثر دقة

ويرى الباحثون أن تحديد أي الجينات تنشط وفي أي خلايا استجابة للتحفيز قد يساعد مستقبلاً في تصميم علاجات أكثر دقة بدل تطبيق التحفيز الكهربائي بطريقة عامة.

وقد يفتح ذلك الباب أمام الجمع بين التحفيز الكهربائي والعلاجات الدوائية التي تستهدف الجينات أو المسارات البيولوجية التي تتأثر بالتحفيز بما قد يعزز قدرة الدماغ على التكيف ويحافظ على الوظائف المعرفية.

وقالت الباحثة الرئيسية في الدراسة جينيفيف كونوبكا، رئيسة قسم البيولوجيا العصبية في قسم علم الأعصاب مركز جامعة تكساس ساوث ويسترن الطبي في دالاس، إن تحديد الجينات والخلايا المسؤولة عن مرونة الدماغ يمكن أن يوفر أهدافاً جديدة لعلاجات مستقبلية، وربما يساعد على تطوير استراتيجيات تهدف إلى إبطاء التدهور المعرفي.

أسئلة لا تزال مفتوحة

ورغم أهمية النتائج، يؤكد الباحثون أن الطريق إلى توظيف هذه النتائج علاجياً لا يزال طويلاً. فالدراسة ركزت على أنسجة من القشرة الصدغية temporal cortex، وهي منطقة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالذاكرة والعمليات المعرفية، في حين لا تزال التأثيرات الجزيئية للتحفيز طويل الأمد في حاجة إلى مزيد من الدراسة.

كما يحتاج العلماء إلى فهم كيفية تأثير الخلايا التي تعرضت للتحفيز في الخلايا المجاورة وما إذا كانت الاستجابة نفسها تحدث في مناطق أعمق من الدماغ يصعب الحصول على أنسجة بشرية حية منها.

ومع ذلك، تقدم الدراسة فرضة نادرة في علم الأعصاب لرؤية الدماغ البشري الحي، وهو يستجيب للتحفيز الكهربائي على مستوى الخلية والجين؛ وهو ما قد يساعد العلماء في الانتقال مستقبلاً من مجرد تحفيز الدماغ إلى فهم كيفية توجيه هذا التحفيز بدقة لخدمة الذاكرة والوظائف المعرفية.