المفوض السامي للاجئين: ليس لدينا حل إنساني للأزمة السورية.. وحان وقت الحل السياسي

غوتيريس قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يخشى من نسيان العالم للاجئين العراقيين

أنتونيو غوتيريس
أنتونيو غوتيريس
TT

المفوض السامي للاجئين: ليس لدينا حل إنساني للأزمة السورية.. وحان وقت الحل السياسي

أنتونيو غوتيريس
أنتونيو غوتيريس

في زيارة قصيرة إلى دافوس السويسرية، شارك مفوض الأمم المتحدة السامي للاجئين أنتونيو غوتيريس في أعمال «منتدى الاقتصاد العالمي»، حيث التقى مسؤولين سياسيين وشخصيات مشاركة في المنتدى، بهدف حصد الدعم للمفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة، وضمن مساعيه لجمع التمويل للاجئين خاصة السوريين منهم. وفي ما يلي أبرز ما جاء في حوار خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش أعمال المؤتمر:

* لقد طالبتم العالم مرات عدة بدعم اللاجئين في العالم، وبشكل أخص اللاجئون السوريون.. هل حصلتم على ما تحتاجونه من مساعدات المالية لحماية اللاجئين السوريين؟
- بالنسبة للمساعدات المالية، نحو 54 في المائة من الذي طلبناه في عام 2014 لمساعدة اللاجئين السوريين إقليميا. وماذا يعني ذلك؟ أن الاحتياجات تزداد بسرعة، والميزانيات لدعم العمل الإنساني تزداد بوتيرة أبطأ بكثير. وكما بات معروفا، لدينا الآن للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية أكثر من 50 مليون نازح بسبب النزاعات حول العالم. ولكن ما يقلقنا تصعيد الأعوام القليلة الماضية. في عام 2011 هناك 14 ألف نازح أجبروا على الفرار بسبب النزاع، وفي عام 2012 زاد العدد إلى 23 ألفا، في عام 2013، نحو 32 ألفا.. وهكذا نرى التداعيات المتفاقمة لتضاعف الأزمات الجديدة والأزمة الهائلة في سوريا.. والأزمات التي لا تنتهي مثل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، وأفغانستان والصومال، تخلق حجما كبيرا من الحاجة لمعالجة الحماية البسيطة جدا والمساعدات لإنقاذ الأرواح للمحتاجين في العالم. ومع الأسف قابلية المجتمع الدولي في تمويل تلك المساعدات من الواضح أنها تتأخر، والفجوات في التمويل باتت مزرية. على سبيل المثال، برنامج الغذاء العالمي اضطر لقطع تزويد المساعدات في العديد من المناطق حول العالم بسبب شح التمويل. وكل الفاعلين في المجال الإنساني عليهم ضغوط هائلة ليستطيعوا الرد على احتياجات الضعفاء.
* هل هذا الشح في التمويل بسبب انعدام العزيمة السياسية للتحرك؟
- أعتقد أن المجتمع الدولي لم يفهم بعد مدى الحاجة الملحة للمساعدات الإنسانية. هناك تداعيات من التغير المناخي ونمو التعداد السكاني والكوارث الإنسانية التي تزداد في مناطق متعددة حول العالم. الحقيقية هي أنه إذا كنتم تنظرون إلى ما يصرف للمساعدات الإنسانية حول العالم من خلال القنوات المعروفة، فإنه يبلغ نحو 20 مليار دولار. لا أعلم أي مصرف متوسط الحجم تم إنقاذه من الإفلاس بمبلغ أقل من ذلك. فأعتقد أن العالم عليه أن يغير كيف يضع أولوياته، لأننا نرى معاناة هائلة أولا، وثانيا لأن الأزمات الإنسانية هي عبارة عن عارض ودليل على فشل كبير في العالم. إذا نظرنا إلى الأزمة السورية فإنها ليست فقط كارثة إنسانية، بل باتت تهديدا كبيرا للاستقرار العالمي، والعراق انغمس فيها، ولبنان في وضع حرج جدا، كما أنها باتت تهديدا للسلم والاستقرار العالمي. هناك مقاتلون من كل العالم هناك، وهم مقاتلون قد يعودون إلى دولهم ويقومون بأعمال نراها، أو يطلقون أعمالا عنيفة في أي مكان في العالم. لذا، فإن الرد على المساعدات الإنسانية ليس فقط تضامنا، بل يجب أن يكون جزءا من المصلحة الذاتية المتنورة.
* وماذا عن برامج إعادة توطين سوريين؟
- لدينا تقديرات حول اللاجئين السوريين، فهناك نحو 3.8 مليون لاجئ سوري مسجلين في دول الجوار، وهناك الكثير غير مسجلين ويطلبون المساعدة. ونقدر بأن نحو عُشر هؤلاء يجب إعادة توطينهم في دول ثالثة كالحل الأمثل في الظروف الحالية، بالطبع الحل الأمثل هو العودة إلى الوطن بسلام وكرامة عندما تسمح الأمور بذلك، لكن دائما لدينا أناس عانوا الكثير وقتل أفراد من عائلتهم أو تعرضوا للتعذيب أو كانت لديهم أزمة تصعب من عودتهم إلى بلدهم أو لديهم حالة طبية حرجة. ومن الواضح أن دور الجوار ستعاني في معالجة احتياجاتهم. لذلك، نحو عشر السوريين اللاجئين بحالة إلى إعادة توطين في بلد ثالث. مع الأسف، طلبنا المساعدة، وطالبنا بمنح 130 ألف فرصة لإعادة التوطين لأننا كنا واقعيين وعلى علم بأنه من غير المتوقع أن نحصل على الـ10 في المائة (أي 380 اأفا). حتى الآن وصلنا إلى 100 ألف فرصة مقدمة حتى نهاية عام 2016، ولكن نقوم بجهود كبيرة لتقدم دول أخرى مساعدات إنسانية وفرصا لإعادة التوطين للاجئين في الأردن ولبنان وتركيا لتمنح لهم فرصة مستقبل أفضل. لكننا أيضا نطلب من الدول تحسين برامج لم الشمل، فعل سبيل المثال سويسرا لديها برنامج مهم، أو أن تكون هناك سياسة تأشيرة دخول أكثر مرونة مثل فرنسا والبرازيل. ولكن مع الأسف عندما ننظر إلى أوروبا نجد فقط دولتين، وهما السويد وألمانيا، استجابتا لدعوتنا لتقديم المساعدة الضرورية للشعب السوري.
* لكن هناك مشكلة أساسية حتى لمن يمنح اللجوء، وهي أنه على اللاجئ أن يصل إلى البلد الثالث قبل منحه حق اللجوء، وفي الكثير من الأحيان يحدث ذلك عن طريق المهربين. وهذا الأمر ليس فقط مقصورا على السوريين والعراقيين، ولكن هناك لاجئين من كل العالم، وهم يضطرون للمخاطرة بكل شيء بهدف الحصول على اللجوء. كيف يمكن تعديل القوانين والإجراءات كي لا يكون المهربون هم المستفيدين الوحيدين من هذا الخلل في نظام منح اللجوء؟
- هذه مشكلة عامة، من الواضح أنه لا توجد طريقة لمكافحة التهريب والتحرك غير النظامي، ولا أحب أن أقول غير القانوني، من دون تزويد فرص للتحرك النظامي والقانوني لتحرك الناس. لذلك نحن نصر على أن يتم فتح جميع الحدود لتحرك السوريين في كل مكان، من المنطقة إلى دول أوروبا وغيرها من دول، بالإضافة إلى تحسين برامج إعادة التوطين للسوريين والمساعدات الإنسانية، وأن يحسن برنامج لم شمل العائلة لأن هناك جاليات سورية كبيرة حول العالم ومن خلال برنامج لم الشمل يمكننا أن نقدم الحماية. لذلك من الضروري بالنسبة للاجئين ولتنظيم الهجرة أن نفهم أن الطريقة الوحيدة لمواجهة المنظمات غير القانونية هي من خلال منح الفرص القانونية للناس. وهذا ليس أمرا جديدا. إذا كانت هناك تجارة حرة فإن التهريب يختفي، وهذا أمر طبيعي.
* مع الأزمات المتتالية في العراق، هناك أزمة نزوح ولجوء عراقية، خاصة عندما اقتحم «داعش» عددا من المدن العراقية حيث شهدنا المزيد من النزوح الجماعي.. وهناك مخاوف من مد هذه الأزمة لعقود..
- في الوقت الراهن، مثلما قلت، المشكلة العراقية الأكبر هي للنزوح الداخلي وفي ظروف صعبة جدا جدا، خاصة في وسط وجنوب العراق. في إقليم كردستان كان من الممكن أن نؤمن مواقع أكثر أمنا، وأسهل لنا أن نوزع المساعدات هنا. ولدينا أكثر من 100 ألف لاجئ عراقي جديد، وتركيا استقبلت غالبيتهم. ونحن نعاني لنجعل المجتمع الدولي يفهم أن العراقيين بحاجة إلى حماية مثل السوريين ويمرون بظروف مماثلة. ولدينا نقاشات معمقة مع الدول المضيفة ومع المجتمع الدولي لنصل إلى آلية لحماية العراقيين بطريقة أفضل، لأننا نشعر بخطر أن اللاجئين العراقيين قد يصبحون منسيين.
* هناك مخاوف من تصاعد مشاعر الخوف من الأجانب وفرضهم في دول أوروبية وغربية استقبلت تقليديا اللاجئين. هل تخشون من تأثير ذلك على استقبال اللاجئين من الشرق الأوسط المضطرب؟
- أولا الخوف من الأجانب مع الأسف مشكلة لنا في كل مكان، والأمر يقلقنا بالذات عندما يؤثر على الذين يبحثون عن الأمان ويهربون من دولهم، لأنهم لا خيار آخر لهم. لذلك أن يصبح ضحايا الخوف من الأجانب ضحايا مرتين، أولاهما من العنف والاضطهاد وبلدهم، ثم مجددا في المجتمع الذي يبحثون فيه عن المأوى. نحن قلقون جدا من التطورات، ووجود مسيرات تظهر الخوف من الأجانب، ومعاداة المسلمين خاصة في أوروبا، ونحن نواصل العمل بشكل مستمر لتدشين حملة ضد تلك المشاعر. إذا كان على أوروبا أن تفخر بأمر ما، فيجب أن تفخر بقيم التنوير، وربما هذه أفضل ما قدمته أوروبا للحضارة الدولية، قيم التسامح وتقبل الآخر. وما نراه في بعض الدول الأوروبية الآن هو نسيان للتسامح، ونرى تصرفات غير عقلانية، لأن الحقيقة هي أن أوروبا تحتاج المهاجرين مع مستويات تراجع الخصوبة في الكثير من الدول الأوروبية. الهجرة جزء من الحل وليست جزءا من المشكلة. والدتي عمرها 91 عاما، والعديد من الأشخاص يساعدونها، بالإضافة إلى العائلة، وعندما أزورها في لشبونة لا أرى برتغاليا واحدا يساعدها. والبرتغال ليست دولة غنية ولديها بطالة، لكن المهاجرين مهمون جدا لمراعاة الكبار في السن، والأمر نفسه ينطبق في كل الأرجاء. لذلك، من الضروري أن نقنع الأحزاب الرئيسية والقيادات السياسية في أوروبا بأن عليهم ألا يقلقوا من المجموعات المتطرفة الشعبوية والرافضة للأجانب، وأن عليهم أن يصروا على قيم التنوير الأوروبية ويجب التشديد عليها بأنها محورية لحماية الحضارة الأوروبية والعالمية. وما يحدث في أوروبا يحدث في مناطق أخرى في العالم، حيث نرى اللاجئين يُستهدفون.. على سبيل المثال نرى اللاجئين الصوماليين أصبحوا ضحايا العنصرية في الكثير من مناطق العالم، وهذا بالنسبة لنا مصدر قلق دائم وعلينا عمل الكثير. والمجتمع المدني له ديناميكية كبيرة لمنع معاداة الأجانب ونحن ندعمهم بذلك.
* ما أهمية مؤتمر الكويت المقبل للمانحين لدعم اللاجئين السوريين، خاصة أن التعهدات الدولية لم تلب كلها في السابق؟
- أولا، المؤتمران الأولان في الكويت كانا أساسيين بالنسبة لنا، صحيح أنه لم يتم تخصيص منح لكل ما طلبنا، لكن الكثير من الدعم وجه لنا من خلال مؤتمري الكويت، ونحن ممنونون لأمير الكويت ودولة الكويت في قيادة مبادرات لدعوة المجتمع الدولي لحماية اللاجئين السوريين ودعم الدول المجاورة لسوريا. ومؤتمر الكويت الثالث في غاية الأهمية هذه المرة، لأنه لا يركز فقط على اللاجئين السوريين بل أيضا المجتمعات المضيفة لهم، على الأردنيين واللبنانيين وغيرهم من الذين يعانون في حياتهم اليومية مع التفاقم الهائل لتعداد سكان هذه الدول، حيث زادت الصعوبة في الحصول على فرص العمل، والأسعار ترتفع، والرواتب تنقص. وهناك حاجة لدعم صلابة هذه المجتمعات، بينما تزداد احتياجات اللاجئين أنفسهم. ونحن نأمل أن مؤتمر الكويت الثالث سيخلق فرصة للكثير من الدول بالتعبير عن تضامنها، والحقيقة هي أن غالبية التعهدات التي قطعت في مؤتمري الكويت الأول والثاني تم الالتزام بها. المشكلة أن كل شيء غير كاف عندما نرى الاحتياجات المطروحة. نحن نتكلم عن الاحتياجات الأساسية، ونحو نصف الاحتياجات الأساسية للاجئين لم يتم تمويلها.
* هناك شعور باليأس مع تفاقم أعداد اللاجئين.. كيف تصد هذا الشعور؟
- الأمر بسيط، لا يوجد لدينا حل إنساني لهذه المشاكل، الحل سياسي. ما يجب أن يفعله الناس هو فرض كل الضغوط الممكنة على القيادات السياسية في دولهم للتأكد من اجتماعهم وعملهم معا لخلق ظروف تسمح بحل هذه الأزمات. إذا نظرنا إلى الوضع في سوريا، فالسوريون يقاتلون صحيح، لكنهم لم يكونوا ليواصلوا القتال لولا الدعم الخارجي، من حيث التسليح والأموال للحكومة والمعارضة. وحان الوقت لمن لديه تأثير على أطراف النزاع، الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والسعودية وإيران وغيرها، أن يقر بأنه لا أحد ينتصر في هذه الحرب، وأنها باتت تشكل تهديدا لكل المجتمعات حول العالم. من الضروري الالتئام لخلق الظروف لإنهاء هذه الأزمة.
* ربما التهديد الأمني أكثر من التهديد الإنساني يجمع الدول ويدفعها للتحرك؟
- أحيانا أسهل أن تجعل الآخرين يفهمون مصلحتهم الأساسية بدلا من أن تدفع الناس لإظهار تضامنهم. في هذا الحال، الاثنان يصوبان بنفس الاتجاه. نحن بحاجة لإنهاء الأزمة السورية لوقف معاناة الشعب السوري والتهديد الأمني للسلم والأمن العالميين.



اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
TT

اليمن: سجون الضبة السرية… احتجاز وتعذيب خارج سلطة الدولة

أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)
أنشأت الإمارات العديد من السجون غير الشرعية منها في ميناء الضبة النفطي ومطار الريان الدولي (الشرق الأوسط)

على جدرانٍ حاويات حديدة داخل سجنٍ غير معلن، كُتبت حكايات لا تُروى حفرها معتقلون بأظافر الخوف وطول الانتظار: «ارحموني... يكفي ظلم»، «فرجك يا رب»، «أمي»، «أنا مظلوم والله شاهدٌ عليّ».

لم تكن هذه الكلمات زينة حائط، بل شهادات إنسانية معلّقة بين اليأس والرجاء، تركها سجناء سجن الضبة غير الشرعي، الذي أدارته القوات الإماراتية سنوات، لتكشف وجهاً خفياً لمعاناة ظلت طويلاً خلف الأسوار.

أكد الإرياني أن الدولة لم تفوّض أي طرف خارجياً كان أو محلياً بإنشاء مراكز احتجاز (الشرق الأوسط)

«الشرق الأوسط» زارت السجن الواقع في ميناء الضبة النفطي بمدينة المكلا (شرق البلاد)، ضمن وفدٍ صحافي وحقوقي، واطّلعت ميدانياً على وجود عدة سجون غير قانونية أنشأتها الإمارات على مدى سنوات، من دون أي تنسيق مع السلطات اليمنية، في مشهدٍ يكشف اتساع شبكة احتجاز خارج إطار القانون، وما رافقها من انتهاكات ظلت طيّ الكتمان.

وبحسب معمر الإرياني وزير الإعلام والسياحة والثقافة اليمني، فإن هذه السجون «لا تندرج ضمن أي منظومة قانونية أو أمنية تابعة للدولة»، موضحاً أنها «معتقلات خارج إطار سلطة الدولة والقانون والدستور اليمني».

وزير الإعلام والثقافة والسياحي اليمني معمر الإرياني من موقع الضبة بالمكلا (الشرق الأوسط)

وأشار الإرياني، في حديثه أمام 12 معتقلاً سرياً في موقع الضبة، إلى أن «هذا المكان يجسّد ممارسات جرت خارج مؤسسات الدولة الشرعية، ومن دون أي رقابة قانونية أو إدارية»، مؤكداً أن «الدولة لم تفوّض أي طرف، خارجياً كان أو محلياً، بإنشاء مراكز احتجاز أو تعذيب خارج إطار القانون».

ووصف الوزير هذه الممارسات بأنها «تمثّل انتهاكاً صريحاً للدستور اليمني الذي يحصر صلاحيات الاعتقال والتحقيق والاحتجاز في مؤسسات الدولة القانونية والأمنية»، مؤكداً أنها «تشكل أيضاً خرقاً للقانون الدولي والقانون الإنساني».

ووثّقت عدسة «الشرق الأوسط» مشاهد صادمة داخل الموقع، حيث تبيّن أن عدداً من السجون عبارة عن حاويات حديدية مغلقة، متفاوتة الأحجام، في حين لا تتجاوز مساحة بعض الزنازين متراً واحداً في خمسين سنتيمتراً. وعلى جدران تلك الحاويات، ازدحمت كتابات المعتقلين التي اختزلت تفاصيل حياتهم اليومية ومعاناتهم خلف القضبان.

كتابات السجناء ركزت على إبراز كلمة (مظلوم) شعوراً منهم بأن هذه السجون غير شرعية (الشرق الأوسط)

وبدا أن بعض المحتجزين حرصوا على تدوين عدد الأيام التي قضوها في الاعتقال ضمن جداول مرتبة، كأنهم يعدّون الزمن يوماً بيوم، بينما لجأ آخرون إلى كتابة أدعية يتضرعون فيها إلى الله بالتعجيل بالفرج. وفي إحدى الزوايا، لم يجد أحدهم سوى كلمة واحدة يختصر بها ألمه وحنينه: «أمي».

كما بدت على جدران الزنازين آثار دماء وعلامات سياط، في مشاهد تعكس ما تعرّض له المحتجزون داخل تلك الغرف الضيقة. وبين الخوف والأمل، كتب أحدهم بيدٍ مرتجفة: «شهر و10 أيام... وبعدها الفرج»، بينما ترك آخر صرخته محفورة على الجدار: «أنا مظلوم والله شاهد عليَّ... ارحموني يكفي ظلم».

بالعودة للوزير معمر الإرياني أكد أن «ما تقوم به الدولة اليوم هو استعادة سيادة القانون، وليس تصفية حسابات سياسية»، موضحاً أن «فتح هذه المواقع أمام الإعلام المحلي والدولي يأتي في إطار الشفافية، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تخشى الحقيقة، بل تسعى إلى توثيقها ومعالجتها قانونياً».

أحدهم كتب كلمة «أمي» في تعبير عاطفي عن شوقه لعائلته في أثناء وجوده في السجن (الشرق الأوسط)

وأضاف الإرياني: «نحن لا نطلب تغطية سياسية، بل دعماً لمسار دولة القانون. لا نقدّم رؤية سياسية، وإنما نعرض مواقع ووقائع ومسؤوليات قانونية».

وفي سياق متصل، كشف مصدر عسكري يمني لـ«الشرق الأوسط» أن معسكر الضبة الواقع في أعلى الجبل، المعروف سابقاً بمعسكر الدفاع الجوي، جرى تسليمه بالكامل إلى قوات الدعم الأمني بقيادة أبو علي الحضرمي.

وأوضح المصدر، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته، أن «مجرد توجيه اتهام إلى أي شخص، من دون الاستناد إلى أدلة، كان كفيلاً بزجّه في السجن»، لافتاً إلى أن «من يخرج من تلك المعتقلات لا يعود إلى حالته الطبيعية، بل يكون شخصاً مختلفاً تماماً عمّا كان عليه».

وأضاف المصدر أن «الأمر الأكثر خطورة تمثّل في إطلاق سراح بعض السجناء الذين ثبت تورطهم في عدة جرائم، حيث فوجئنا بتحول بعضهم إلى عملاء مزدوجين بعد الإفراج عنهم من الجانب الإماراتي»، مشيراً إلى أن من بين هؤلاء «عناصر ينتمون إلى تنظيم (القاعدة)».


دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

دبلوماسي سوري: سيادة البلاد ووحدتها لا تقبلان المساومة

محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)
محسن مهباش رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض (الشرق الأوسط)

أكد دبلوماسي سوري أن تعامل بلاده مع ملف الشمال والشرق جاء انطلاقاً من مبدأ راسخ لا يقبل المساومة يتمثل في وحدة أراضيها وسيادتها، واحتكارها الشرعي لاستخدام السلاح، ومسؤوليتها الكاملة عن حماية المواطنين ومكافحة الإرهاب، بالتوازي مع التزامها الدائم بالحلول السياسية والحوار الوطني خياراً أول لمعالجة جميع القضايا الداخلية.

وقال محسن مهباش، رئيس مكتب وزير الخارجية السوري والمشرف على عمل البعثة بالرياض، إن الحكومة اختارت منذ البداية مسار التهدئة والتفاهم مع «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، ووقّعت عدة اتفاقيات واضحة نصّت على وقف إطلاق النار، وعودة مؤسسات الدولة، وتسليم الموارد والمعابر، ودمج المقاتلين ضمن الجيش. وأردف أن هذه الاتفاقيات قوبلت بالمماطلة والنقض المتكرر من قِبل قيادة «قسد»، رغم التزام الدولة الكامل ببنودها، الأمر الذي فاقم حالة عدم الاستقرار وهدَّد أمن المدنيين.

وأضاف الدبلوماسي السوري، في تصريحات صحافية، أنه «في ظل التصعيد الميداني الذي أقدمت عليه (قسد)، بما في ذلك حشدها العسكري شرق حلب، واستهدافها المدن بالمسيّرات، ورفضها الاستجابة للإنذارات الرسمية؛ اضطرت الدولة، وبعد استنفاد جميع السبل السياسية لممارسة حقها السيادي في الدفاع عن أراضيها وأمن شعبها، عبر عملية عسكرية محدودة هدفت حصراً إلى حماية الاستقرار، ومنع تمدد الفوضى والإرهاب، مع الالتزام الكامل بحماية المدنيين، وعدم تهجير أي مكوّن سوري».

وشدَّد على أن ملف سجناء تنظيم «داعش» جرى توظيفه بشكل خطير من قِبل «قسد» بصفته ورقة ابتزاز سياسي وأمني، وصل إلى حد إطلاق سراح عناصر إرهابية، في انتهاك صارخ لمسؤوليات مكافحة الإرهاب، مؤكداً جاهزية الدولة السورية الكاملة لتسلّم هذا الملف، وتأمين مراكز الاحتجاز وفق المعايير الدولية، مُحمّلة «قسد» المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني أو تهديد ناتج عن هذه الممارسات.

وجدّد مهباش تأكيد أن الدولة السورية كانت ولا تزال في مواجهة مباشرة مع «داعش» منذ أكثر من عقد، وخبرتها في مكافحة الإرهاب ميدانية وحقيقية، وليست إدارة أزمات أو تفاهمات ظرفية، مشدداً على أن الجيش العربي السوري هو الضامن الوحيد لوحدة البلاد وأمنها، وسوريا ستواصل بسط سيادتها على كامل أراضيها، وحماية جميع مواطنيها دون تمييز، بما يرسخ الأمن الوطني والإقليمي والدولي على حد سواء.

وأشار إلى أنه جرى الاتفاق بين الرئيس السوري أحمد الشرع و«قسد» على مهلة أربعة أيام أمام الأخيرة لوضع آلية دمج عملية، وعدم دخول القوات الحكومية مراكز الحسكة والقامشلي أو القرى الكردية، مع اعتماد أمن محلي، ودمج قوات «قسد» عسكرياً وأمنياً ومدنياً ضمن مؤسسات الدولة، وترشيح ممثلين عنها لمناصب رسمية، بالإضافة لتنفيذ المرسوم رقم 13 لضمان حقوق الكرد، وبدء تنفيذ التفاهم في الساعة الثامنة مساءً، منوهاً بأن ذلك جاء «انطلاقاً من حرص الدولة على وحدة البلاد، وكانت استجابة الحكومة لا مثيل لها».


السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يلتقي ⁠ترمب في «دافوس» بعد إشارات ودية متبادلة

لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)
لقاء «دافوس» المنتظر بين السيسي وترمب هو الثاني في غضون ثلاثة أشهر (الرئاسة المصرية)

يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في مدينة دافوس السويسرية، بعد «إشارات ودية» متبادلة بين الجانبين بالفترة الأخيرة.

وأعلنت الرئاسة المصرية، الثلاثاء، أن السيسي وترمب سيعقدان جلسة محادثات على هامش أعمال «منتدى دافوس»، للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب «بحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلدين، ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي».

وتوجه الرئيس المصري، الثلاثاء، إلى مدينة دافوس، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يُعقد في الفترة من 19 حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وسيتضمن جدول مشاركة الرئيس المصري، بـ«منتدى دافوس»، لقاءً مع نظيره الأميركي، للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وفق الرئاسة المصرية.

ويعد هذا اللقاء الثاني لمحادثات مباشرة تجمع السيسي وترمب، منذ عودة الرئيس الأميركي للبيت الأبيض قبل عام، وذلك بعد المحادثات التي جمعتهما في مدينة شرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على هامش «قمة السلام» بشأن وقف الحرب في غزة.

ويأتي لقاء القمة المرتقب بين الرئيسين المصري والأميركي، بعد إشارات ودية متبادلة في الفترة الأخيرة، حيث بعث ترمب برسالة تقدير إلى السيسي أخيراً، على جهوده الناجحة في الوساطة بين حركة «حماس» وإسرائيل، للوصول لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتضمنت الرسالة رغبة من جانب ترمب لإطلاق وساطة أميركية بين مصر وإثيوبيا «من أجل التوصل إلى حل لأزمة السد الإثيوبي، بما يحقق تسوية عادلة ونهائية لمسألة تقسيم مياه النيل».

وفي المقابل، أشاد الرئيس المصري، برسالة نظيره الأميركي، وقال في تدوينة عبر حسابه الرسمي السبت: «أثمن رسالة الرئيس دونالد ترمب، وجهوده المقدرة في ترسيخ دعائم السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي، وما تضمنته من تقدير لدور مصر المحوري في دعم الأمن والاستقرار بالمنطقة»، كما ثمّن السيسي «اهتمام ترمب بمحورية قضية نهر النيل لمصر».

محادثات السيسي وترمب في شرم الشيخ بشهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير حسين هريدي، أن لقاء السيسي وترمب في «دافوس»، «يأتي في توقيت مهم وضروري، ويعكس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين»، وقال إن «المحادثات تتزامن مع بدء تنفيذ المرحلة الثانية من (اتفاق غزة)»، مشيراً إلى أن «هذه المرحلة تعوّل عليها القاهرة، على أساس أن نجاحها، سيفتح الباب للتعامل الإيجابي مع القضية الفلسطينية، وإيجاد حلول عادلة لها».

وهناك تقدير أميركي متواصل للدور الذي تقوم به مصر للتهدئة في الإقليم، وفق تقدير هريدي، مشيراً إلى أن «واشنطن خلال العامين الماضيين، سواء وقت إدارة جو بايدن، أو مع إدارة ترمب الحالية، تدرك مركزية الدور المصري في التعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وفي تسوية الأزمات الإقليمية».

وفي عدة مناسبات، أطلق ترمب تصريحات ودية تجاه السيسي ومصر التي وصفها بأنها «دولة تسيطر على أمورها جيداً»، واستثناها من زيادة الجمارك التي فرضها على دول أخرى، كما تحدثت تقارير كثيرة موثوقة عن ضغطه على إسرائيل لتمرير صفقة الغاز الأخيرة معها.

وتجاوب ترمب مع رفض مصر تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، دون أن يتخذ موقفاً عدائياً ضد القاهرة، حيث لبى دعوة السيسي للمشاركة في قمة «شرم الشيخ للسلام»، للتوقيع على اتفاق لإنهاء الحرب في غزة.

ويرى السفير حسين هريدي، أن «الولايات المتحدة تعول على السياسة المصرية للتسوية في المنطقة»، مشيراً إلى أن «مصر لا تدعم أي ميليشيا مسلحة تعمل في دول بالمنطقة»، كما أن التحركات المصرية للتهدئة «تمتد إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضاً».

وفي أكثر من مناسبة، تؤكد مصر على استراتيجية علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتحصل القاهرة على مساعدات عسكرية أميركية بقيمة 1.3 مليار دولار، منذ توقيع اتفاق السلام بينها وبين إسرائيل، وأعلنت الخارجية الأميركية، في سبتمبر (أيلول) 2024، عن «موافقة واشنطن على تقديم قيمة المساعدات كاملة» إلى القاهرة.

وهذا هو اللقاء الثاني الذي يجمع السيسي وترمب خلال ثلاثة أشهر، وفق أستاذ السياسات الدولية، أشرف سنجر، الذي قال إن «لقاء (دافوس)، سيكون مهماً للتأكيد على أهمية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة السلام في غزة».

ويرى سنجر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الترتيبات الأمنية والإقليمية التي تقوم بها واشنطن، من الصعب أن تديرها بمفردها، بسبب تعقد المشاكل الإقليمية وتعدد أطرافها»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع تلك المشكلات يتطلب تنسيقاً مع أطراف فاعلة في المنطقة مثل مصر».