المفوض السامي للاجئين: ليس لدينا حل إنساني للأزمة السورية.. وحان وقت الحل السياسي

غوتيريس قال لـ«الشرق الأوسط» إنه يخشى من نسيان العالم للاجئين العراقيين

أنتونيو غوتيريس
أنتونيو غوتيريس
TT

المفوض السامي للاجئين: ليس لدينا حل إنساني للأزمة السورية.. وحان وقت الحل السياسي

أنتونيو غوتيريس
أنتونيو غوتيريس

في زيارة قصيرة إلى دافوس السويسرية، شارك مفوض الأمم المتحدة السامي للاجئين أنتونيو غوتيريس في أعمال «منتدى الاقتصاد العالمي»، حيث التقى مسؤولين سياسيين وشخصيات مشاركة في المنتدى، بهدف حصد الدعم للمفوضية السامية للاجئين التابعة للأمم المتحدة، وضمن مساعيه لجمع التمويل للاجئين خاصة السوريين منهم. وفي ما يلي أبرز ما جاء في حوار خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش أعمال المؤتمر:

* لقد طالبتم العالم مرات عدة بدعم اللاجئين في العالم، وبشكل أخص اللاجئون السوريون.. هل حصلتم على ما تحتاجونه من مساعدات المالية لحماية اللاجئين السوريين؟
- بالنسبة للمساعدات المالية، نحو 54 في المائة من الذي طلبناه في عام 2014 لمساعدة اللاجئين السوريين إقليميا. وماذا يعني ذلك؟ أن الاحتياجات تزداد بسرعة، والميزانيات لدعم العمل الإنساني تزداد بوتيرة أبطأ بكثير. وكما بات معروفا، لدينا الآن للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية أكثر من 50 مليون نازح بسبب النزاعات حول العالم. ولكن ما يقلقنا تصعيد الأعوام القليلة الماضية. في عام 2011 هناك 14 ألف نازح أجبروا على الفرار بسبب النزاع، وفي عام 2012 زاد العدد إلى 23 ألفا، في عام 2013، نحو 32 ألفا.. وهكذا نرى التداعيات المتفاقمة لتضاعف الأزمات الجديدة والأزمة الهائلة في سوريا.. والأزمات التي لا تنتهي مثل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، وأفغانستان والصومال، تخلق حجما كبيرا من الحاجة لمعالجة الحماية البسيطة جدا والمساعدات لإنقاذ الأرواح للمحتاجين في العالم. ومع الأسف قابلية المجتمع الدولي في تمويل تلك المساعدات من الواضح أنها تتأخر، والفجوات في التمويل باتت مزرية. على سبيل المثال، برنامج الغذاء العالمي اضطر لقطع تزويد المساعدات في العديد من المناطق حول العالم بسبب شح التمويل. وكل الفاعلين في المجال الإنساني عليهم ضغوط هائلة ليستطيعوا الرد على احتياجات الضعفاء.
* هل هذا الشح في التمويل بسبب انعدام العزيمة السياسية للتحرك؟
- أعتقد أن المجتمع الدولي لم يفهم بعد مدى الحاجة الملحة للمساعدات الإنسانية. هناك تداعيات من التغير المناخي ونمو التعداد السكاني والكوارث الإنسانية التي تزداد في مناطق متعددة حول العالم. الحقيقية هي أنه إذا كنتم تنظرون إلى ما يصرف للمساعدات الإنسانية حول العالم من خلال القنوات المعروفة، فإنه يبلغ نحو 20 مليار دولار. لا أعلم أي مصرف متوسط الحجم تم إنقاذه من الإفلاس بمبلغ أقل من ذلك. فأعتقد أن العالم عليه أن يغير كيف يضع أولوياته، لأننا نرى معاناة هائلة أولا، وثانيا لأن الأزمات الإنسانية هي عبارة عن عارض ودليل على فشل كبير في العالم. إذا نظرنا إلى الأزمة السورية فإنها ليست فقط كارثة إنسانية، بل باتت تهديدا كبيرا للاستقرار العالمي، والعراق انغمس فيها، ولبنان في وضع حرج جدا، كما أنها باتت تهديدا للسلم والاستقرار العالمي. هناك مقاتلون من كل العالم هناك، وهم مقاتلون قد يعودون إلى دولهم ويقومون بأعمال نراها، أو يطلقون أعمالا عنيفة في أي مكان في العالم. لذا، فإن الرد على المساعدات الإنسانية ليس فقط تضامنا، بل يجب أن يكون جزءا من المصلحة الذاتية المتنورة.
* وماذا عن برامج إعادة توطين سوريين؟
- لدينا تقديرات حول اللاجئين السوريين، فهناك نحو 3.8 مليون لاجئ سوري مسجلين في دول الجوار، وهناك الكثير غير مسجلين ويطلبون المساعدة. ونقدر بأن نحو عُشر هؤلاء يجب إعادة توطينهم في دول ثالثة كالحل الأمثل في الظروف الحالية، بالطبع الحل الأمثل هو العودة إلى الوطن بسلام وكرامة عندما تسمح الأمور بذلك، لكن دائما لدينا أناس عانوا الكثير وقتل أفراد من عائلتهم أو تعرضوا للتعذيب أو كانت لديهم أزمة تصعب من عودتهم إلى بلدهم أو لديهم حالة طبية حرجة. ومن الواضح أن دور الجوار ستعاني في معالجة احتياجاتهم. لذلك، نحو عشر السوريين اللاجئين بحالة إلى إعادة توطين في بلد ثالث. مع الأسف، طلبنا المساعدة، وطالبنا بمنح 130 ألف فرصة لإعادة التوطين لأننا كنا واقعيين وعلى علم بأنه من غير المتوقع أن نحصل على الـ10 في المائة (أي 380 اأفا). حتى الآن وصلنا إلى 100 ألف فرصة مقدمة حتى نهاية عام 2016، ولكن نقوم بجهود كبيرة لتقدم دول أخرى مساعدات إنسانية وفرصا لإعادة التوطين للاجئين في الأردن ولبنان وتركيا لتمنح لهم فرصة مستقبل أفضل. لكننا أيضا نطلب من الدول تحسين برامج لم الشمل، فعل سبيل المثال سويسرا لديها برنامج مهم، أو أن تكون هناك سياسة تأشيرة دخول أكثر مرونة مثل فرنسا والبرازيل. ولكن مع الأسف عندما ننظر إلى أوروبا نجد فقط دولتين، وهما السويد وألمانيا، استجابتا لدعوتنا لتقديم المساعدة الضرورية للشعب السوري.
* لكن هناك مشكلة أساسية حتى لمن يمنح اللجوء، وهي أنه على اللاجئ أن يصل إلى البلد الثالث قبل منحه حق اللجوء، وفي الكثير من الأحيان يحدث ذلك عن طريق المهربين. وهذا الأمر ليس فقط مقصورا على السوريين والعراقيين، ولكن هناك لاجئين من كل العالم، وهم يضطرون للمخاطرة بكل شيء بهدف الحصول على اللجوء. كيف يمكن تعديل القوانين والإجراءات كي لا يكون المهربون هم المستفيدين الوحيدين من هذا الخلل في نظام منح اللجوء؟
- هذه مشكلة عامة، من الواضح أنه لا توجد طريقة لمكافحة التهريب والتحرك غير النظامي، ولا أحب أن أقول غير القانوني، من دون تزويد فرص للتحرك النظامي والقانوني لتحرك الناس. لذلك نحن نصر على أن يتم فتح جميع الحدود لتحرك السوريين في كل مكان، من المنطقة إلى دول أوروبا وغيرها من دول، بالإضافة إلى تحسين برامج إعادة التوطين للسوريين والمساعدات الإنسانية، وأن يحسن برنامج لم شمل العائلة لأن هناك جاليات سورية كبيرة حول العالم ومن خلال برنامج لم الشمل يمكننا أن نقدم الحماية. لذلك من الضروري بالنسبة للاجئين ولتنظيم الهجرة أن نفهم أن الطريقة الوحيدة لمواجهة المنظمات غير القانونية هي من خلال منح الفرص القانونية للناس. وهذا ليس أمرا جديدا. إذا كانت هناك تجارة حرة فإن التهريب يختفي، وهذا أمر طبيعي.
* مع الأزمات المتتالية في العراق، هناك أزمة نزوح ولجوء عراقية، خاصة عندما اقتحم «داعش» عددا من المدن العراقية حيث شهدنا المزيد من النزوح الجماعي.. وهناك مخاوف من مد هذه الأزمة لعقود..
- في الوقت الراهن، مثلما قلت، المشكلة العراقية الأكبر هي للنزوح الداخلي وفي ظروف صعبة جدا جدا، خاصة في وسط وجنوب العراق. في إقليم كردستان كان من الممكن أن نؤمن مواقع أكثر أمنا، وأسهل لنا أن نوزع المساعدات هنا. ولدينا أكثر من 100 ألف لاجئ عراقي جديد، وتركيا استقبلت غالبيتهم. ونحن نعاني لنجعل المجتمع الدولي يفهم أن العراقيين بحاجة إلى حماية مثل السوريين ويمرون بظروف مماثلة. ولدينا نقاشات معمقة مع الدول المضيفة ومع المجتمع الدولي لنصل إلى آلية لحماية العراقيين بطريقة أفضل، لأننا نشعر بخطر أن اللاجئين العراقيين قد يصبحون منسيين.
* هناك مخاوف من تصاعد مشاعر الخوف من الأجانب وفرضهم في دول أوروبية وغربية استقبلت تقليديا اللاجئين. هل تخشون من تأثير ذلك على استقبال اللاجئين من الشرق الأوسط المضطرب؟
- أولا الخوف من الأجانب مع الأسف مشكلة لنا في كل مكان، والأمر يقلقنا بالذات عندما يؤثر على الذين يبحثون عن الأمان ويهربون من دولهم، لأنهم لا خيار آخر لهم. لذلك أن يصبح ضحايا الخوف من الأجانب ضحايا مرتين، أولاهما من العنف والاضطهاد وبلدهم، ثم مجددا في المجتمع الذي يبحثون فيه عن المأوى. نحن قلقون جدا من التطورات، ووجود مسيرات تظهر الخوف من الأجانب، ومعاداة المسلمين خاصة في أوروبا، ونحن نواصل العمل بشكل مستمر لتدشين حملة ضد تلك المشاعر. إذا كان على أوروبا أن تفخر بأمر ما، فيجب أن تفخر بقيم التنوير، وربما هذه أفضل ما قدمته أوروبا للحضارة الدولية، قيم التسامح وتقبل الآخر. وما نراه في بعض الدول الأوروبية الآن هو نسيان للتسامح، ونرى تصرفات غير عقلانية، لأن الحقيقة هي أن أوروبا تحتاج المهاجرين مع مستويات تراجع الخصوبة في الكثير من الدول الأوروبية. الهجرة جزء من الحل وليست جزءا من المشكلة. والدتي عمرها 91 عاما، والعديد من الأشخاص يساعدونها، بالإضافة إلى العائلة، وعندما أزورها في لشبونة لا أرى برتغاليا واحدا يساعدها. والبرتغال ليست دولة غنية ولديها بطالة، لكن المهاجرين مهمون جدا لمراعاة الكبار في السن، والأمر نفسه ينطبق في كل الأرجاء. لذلك، من الضروري أن نقنع الأحزاب الرئيسية والقيادات السياسية في أوروبا بأن عليهم ألا يقلقوا من المجموعات المتطرفة الشعبوية والرافضة للأجانب، وأن عليهم أن يصروا على قيم التنوير الأوروبية ويجب التشديد عليها بأنها محورية لحماية الحضارة الأوروبية والعالمية. وما يحدث في أوروبا يحدث في مناطق أخرى في العالم، حيث نرى اللاجئين يُستهدفون.. على سبيل المثال نرى اللاجئين الصوماليين أصبحوا ضحايا العنصرية في الكثير من مناطق العالم، وهذا بالنسبة لنا مصدر قلق دائم وعلينا عمل الكثير. والمجتمع المدني له ديناميكية كبيرة لمنع معاداة الأجانب ونحن ندعمهم بذلك.
* ما أهمية مؤتمر الكويت المقبل للمانحين لدعم اللاجئين السوريين، خاصة أن التعهدات الدولية لم تلب كلها في السابق؟
- أولا، المؤتمران الأولان في الكويت كانا أساسيين بالنسبة لنا، صحيح أنه لم يتم تخصيص منح لكل ما طلبنا، لكن الكثير من الدعم وجه لنا من خلال مؤتمري الكويت، ونحن ممنونون لأمير الكويت ودولة الكويت في قيادة مبادرات لدعوة المجتمع الدولي لحماية اللاجئين السوريين ودعم الدول المجاورة لسوريا. ومؤتمر الكويت الثالث في غاية الأهمية هذه المرة، لأنه لا يركز فقط على اللاجئين السوريين بل أيضا المجتمعات المضيفة لهم، على الأردنيين واللبنانيين وغيرهم من الذين يعانون في حياتهم اليومية مع التفاقم الهائل لتعداد سكان هذه الدول، حيث زادت الصعوبة في الحصول على فرص العمل، والأسعار ترتفع، والرواتب تنقص. وهناك حاجة لدعم صلابة هذه المجتمعات، بينما تزداد احتياجات اللاجئين أنفسهم. ونحن نأمل أن مؤتمر الكويت الثالث سيخلق فرصة للكثير من الدول بالتعبير عن تضامنها، والحقيقة هي أن غالبية التعهدات التي قطعت في مؤتمري الكويت الأول والثاني تم الالتزام بها. المشكلة أن كل شيء غير كاف عندما نرى الاحتياجات المطروحة. نحن نتكلم عن الاحتياجات الأساسية، ونحو نصف الاحتياجات الأساسية للاجئين لم يتم تمويلها.
* هناك شعور باليأس مع تفاقم أعداد اللاجئين.. كيف تصد هذا الشعور؟
- الأمر بسيط، لا يوجد لدينا حل إنساني لهذه المشاكل، الحل سياسي. ما يجب أن يفعله الناس هو فرض كل الضغوط الممكنة على القيادات السياسية في دولهم للتأكد من اجتماعهم وعملهم معا لخلق ظروف تسمح بحل هذه الأزمات. إذا نظرنا إلى الوضع في سوريا، فالسوريون يقاتلون صحيح، لكنهم لم يكونوا ليواصلوا القتال لولا الدعم الخارجي، من حيث التسليح والأموال للحكومة والمعارضة. وحان الوقت لمن لديه تأثير على أطراف النزاع، الولايات المتحدة وروسيا وتركيا والسعودية وإيران وغيرها، أن يقر بأنه لا أحد ينتصر في هذه الحرب، وأنها باتت تشكل تهديدا لكل المجتمعات حول العالم. من الضروري الالتئام لخلق الظروف لإنهاء هذه الأزمة.
* ربما التهديد الأمني أكثر من التهديد الإنساني يجمع الدول ويدفعها للتحرك؟
- أحيانا أسهل أن تجعل الآخرين يفهمون مصلحتهم الأساسية بدلا من أن تدفع الناس لإظهار تضامنهم. في هذا الحال، الاثنان يصوبان بنفس الاتجاه. نحن بحاجة لإنهاء الأزمة السورية لوقف معاناة الشعب السوري والتهديد الأمني للسلم والأمن العالميين.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.