«مفكّرة عابِر حُدود»... شهادة شخصية حول أوضاع المهاجرين

الكاتب الألباني گازْميند كابْلاني يصدر ترجمة عربية لكتابه بعد ترجمتين إنجليزية وفرنسية

لاجئون تحت رحمة البحر
لاجئون تحت رحمة البحر
TT

«مفكّرة عابِر حُدود»... شهادة شخصية حول أوضاع المهاجرين

لاجئون تحت رحمة البحر
لاجئون تحت رحمة البحر

ضمن «ضَفيرَة» تجْمَعُ بين المحْكِي السّردي والمقال التأمّلي، يُقدِّم الكاتب الألباني گازْميند كابْلاني، في «مفكّرة عابِر حُدود... سجلّ وقائِع العُبور»، وقائعَ حَيّة من تجربتِه الشّخْصية وتجربة مُواطِنيه الألبان، الذين وجدوا أنفسَهم مضطرّين في لحظة ما من التاريخ المعاصر، إلى خوض هجرة جماعيّة خارج الحدود.
في ترجمته العربية للكتاب، التي تصدر قريباً عن دار «أثر» للنشر والتوزيع، يوسع المترجم المغربي أحمد الويزي من التجربة التي يتناولها مضمون كتاب كابْلاني لتشمل الضفة الجنوبية من البحر الأبيض المتوسط، بإهداء عمله «إلى جَميعِ مُهاجِري هذهِ الأمّة ومُهَجّريها، الّذين تحامتهمْ دوائرُ الأَوْطانِ القاسِيَّة، وأبعدتهم قسْراً خارجَ الحُدود؛ أُهْدي هذه الترْجَمَة».
فضلاً عن إهداء المترجم وتوطئة الكتاب وخاتمته، نكون مع 28 نصاً، تتوزع الكتاب بعناوين «لماذا تروي كلّ هذا؟»، و«أن تغادر الوطن معناه أن تقطع للصّلة مع ذاتك»، و«المهاجر والأمر المفروض تحت شعار: (يجب)»، و«بطل مثيرٌ للضّحك، تقريباً!»، و«لو كنتَ سائحاً!»، و«اجتياز الحدود سرّاً، مرّة وثانية وأخريات!»، و«سنتان على الحدود!»، و«أيام هادئة من شهر أغسطس»، و«جنس الحدود»، و«لا أحد طلب منك المجيء»، و«عاداتُ المهاجرِ السرّي الغريبة»، و«بوابة السّوق الممتازة»، و«الشغل والشغل ثمّ الشغل»، وغيرها.
ولأنّ الكتابَ يمثل «شهادة حيّة وصَكّ اتّهامٍ لأنْظِمَة كثيرة في الغرب والشّرق معاً»، فقد تلقّتْهُ، كما نقرأ على ظهر غلافه، الصحافة الأدبيّة بكثير من الإشادَة والتنويه، وقال عنه العديدُ من المُتتبّعين، منذ أنْ صدرت طبعته الفرنسيّة والإنجليزيّة، إنه «كتاب فريد من نوعه، يجمع بين مشاعر حسّاسة، ومواقف نقدية لاذعة أيضاً، لكنّه ينفصل عنها ليغوص في سرد سائغ» (لوموند)، يقودنا كاتبه في اتجاه حدودنا الخاصّة فيما «يرجّ الأفكار التي كوّناها عن أوروبا القرن الـ21 وعن الثمن الذي يضطر البعض منّا لتأديته، لأجل أن يعيش فيها» (الغارديان)، مازجاً بين عبث جورج مايكس في كتابه «كيف لا أكون إنجليزياً» وقوّة التأمل الفلسفي في كتابات ميلان كوينديرا (الإندبنْدنْت)، مقترحاً «مذكّرات شيّقة وذكيّة وباعثة على الضّحك، لكونها كُتِبَت حول الوضع الذي يعيشه المهاجر في كل مكان وزمان» (الناقدة ليزا أبينيانيزي)، يقوم فيه كاتبه بـ«تشريح وضعية المهاجر»، فيقدّم لنا من خلال ذلك، «صورتنا التي تعكسها المِرآة: وهي صورة ليست جميلة، بالكل!» (صحيفة لو ماتريكيل دي أونج).
يخبرنا الكاتب بأن علاقته «الإشكاليّة» مع الحدود، «بدأت منذُ وقتٍ جدّ مبكّر، منذُ فترة الشّباب»؛ ذلك لأنّ «الإصابة بمتلازمة الحدود من عدم الإصابة بها، إنّما تؤول في جزءٍ كبيرٍ منها إلى مسألة الحظِّ وحسب، ما دام أنَّ كلَّ شيءٍ يتوقّف على البلد الذي يولد فيه المرء وحسب، والحال أنّي وُلدتُ في ألبانيا!».
ثم تنتهي الحكاية «على نحو مباغت»، إذ بينما «أغلبُ حكاياتِ الحدود لا تجد لها في العادة نهاية، سواء منها تلك الحدود المرئيّة الفظيعة التي تُفرَض بسلطة الأنظمة الشموليّة، أو المخاتلة وغير المرئيّة التي نستبْطنُها، حين يُفرضُ علينا العيش ببلاد المهجر». فيما يخبرنا الكاتب بأنه يحلم بـ«عالم لا يصبح فيه أي غريب ولا نازح»، قبل أن يستدرك، مخاطباً قارئه، بالقول: «لكن، لا ينبغي أن تسيءَ الظنّ بما أقوله؛ فأنا أحبّ السّفر بكثرة، مثل أغلب الذين يعانون من متلازمة الحدود. إلا أنّك إذا لم تخرج قطّ من جلدتك، من جسدك ويأسك، فلن تُمكّن نفسَك أبداً من هذه المتلازمة. غير أنّي أريد من هؤلاء الذين يسافرون، أن يكونوا زوّاراً حقيقيين، أن يكونوا مسكونين بحبّ المعرفة، وبوهيميين نوعاً ما، سواء أكانوا سيّاحاً أو طلبةً أو مجرد ناس عاديين. أريدهم أن يضربوا في الأرض على شاكلة مَن ضلّ السّبيل، بحثاً عن فردوس ما، أو للعثور بالصّدفة عن إيطاكاه (إيطاكا جزيرة يونانية صغيرة اعتمدها هوميروس في «الأوديسا»). أودّ لو أنّ لا أحد يُجبَر كُرْهاً على السّفر، مثلما اضطرّ إليه من قبل الألمانُ والآيرلنديون والإيطاليون واليونانيون، ومثلما يضطرّ إليه اليومَ الألبان والأفغان والإيرانيون والصّوماليون والمكسيكيّون والعرب، وكثيرون غيرهم؛ لأنّ المرء حين يكون مهاجراً نازحاً عن وطنه، يعني أنّه يعيش تحديداً، وضعَ الهشاشة والضعف الكبيريْن. وهذا العالم لا يُكنّ للضّعفاء أي احترام. إنّهم يصبحون موضوعَ شكاوى وسباب، وليس موضوعَ تقدير واحترام أبداً».

مقتطفات من الكتاب

لستُ مولعاً بالحدود. وحتى أكون واضحاً وصريحاً بما يكفي، أضيفُ بأنّي لا أكرهُها أيضاً. أنا أتوجّسُ خيفة من الاضْطرابِ الّذي يتملّكني بسببها وحسب، كلّما وجَدْتُني معَها وجهاً لوجْه. أمّا الحدودُ التي أتحدَّثُ عنها هنا، فهي أولاً المرْئيّة: بمعنى تلكَ الأطرافُ الجغرافيّة الفاصِلة بين البلدان والدّول. وإذا صار عبورُ هذه التخوم شأناً مُتيسّراً لي اليوم على نحْوٍ جدّ كبيرٍ، فإنّي ما زلتُ إلى الآن أشعُرُ حيالَها مع ذلك بإحساسٍ غريبٍ، كلّما وجدت نفسي أعبر منها واحدة؛ وهو الإحساسُ الذي يتَضافرُ فيه الشّعورُ بالخَلاص، بمزيجٍ من التضايُق. وقد يَؤولُ هذا ربّما إلى طبيعة الجواز الّذي بحوْزَتي، إذْ تعوّدتُ على أنْ تنظُرَ إليَّ الحدودُ منذ ذلك حين سابق، رغم ما حصَل لي بعده، نظرة شكٍّ وارتيابٍ؛ فأرتجف حين ألمحها، ثمّ أُعجّلُ بالعبور، لشعوري بأنّها ما تنفكُّ تقْدَحُني دوماً بنظرة عدائيّة مريبة. ومهما صنعتُ، ومهما بذلتُ ما بوسعي كلّه لأُطَمْئنَها، وأُقْنعَها بألاَّ تخشى منّي أي شيءٍ، إلاّ أنّها تجدُ دوْماً مبرّراً للضّغط عليّ، أو لتتجنّب على الأقلّ التعاملَ معي تعاملَ الندِّ للندّ. لذا، لم أجدْ أي صعوبة في وَسْم العلّة التي أُعاني منها منذُ فترة طويلة، باسم: مُتلازمة الحُدود. بعْد سنواتِ عُزْلة طويلَة، بقيَتْ أثناءَها ألبانيا ترْزحُ تحْتَ نَيْر نِظامٍ شّمولي قاهِر، ينْهارُ جدارُ بِرْلينَ بغتة، فيجِدُ كثيرٌ من الشّبابِ والكُهولِ أنفسَهم يخوضون رحلة اجتياحٍ غريبَة للحُدود، التي ظلّت إلى عهد قريبٍ تخوماً محظورة على الجميع تفْصِلُ الدّاخل عن العالم الخارجي، وتجعل من البلاد مجرد قلْعَة اعتقالٍ رهيبَة. ولأنّ الألبانَ لم يكونوا يعرفون أي شيءٍ عن «الغرب» القريب منهم، وإنّما ظلّ أملُهم مُنشدّاً فقط، وهم يندفعون نحو اليونان، إلى أرض هُلامِيّة تَصَوّروها فردوساً يطْفح بمظاهر النّعيمِ والرّفاه ورغَد العيش، إلى جانب ما يثير الغرائز والشّهوات، ويحفّز العديدين على خَوْض المخاطرة بجسارة؛ فإنّ الجميعَ عاشَ صدمة اللّقاء المفْجِع، لأنّ الأرض الموْعودَة لم تستقبل مَن نجا من هؤلاء، الاستقبالَ الذي شدّ ما حلمتْ به مخيلاتُهم السّاذجة. ففي الغرب، لم يجد أي ألباني نازحٍ النّساءَ بتَنّوراتٍ قصيرة ينتظِرْنَه، ليطبَعْن على خدّهِ قُبلاتِ النّصر، ويتوّجْنَه بطلاً على رأسه يوضعُ إكليلُ الغار. كما لم يجد أي ألباني نازحٍ أعْيانَ المدينة، يَشُدّون على يدِه، ويقولون في حقّه كلمة فيها تنْويهٌ وتشْريفٌ واعْتراف. لا أثر لأي شيْءٍ على الضِّفَة الغربيّة سوى جنودٍ، ورجالِ أمْن بهراوات ووجوه متجهّمة قاسية، وأغْيَار بأفواه يَرْطِنون بكلام غير مفهوم، إلى جانب بَرْد يُجمّد العِظام، وجوعٍ يفْتِكُ بالبُطون.
لكن، لا ينبغي أن تسيءَ الظنّ بما أقوله؛ فأنا أحبّ السّفر بكثرة، مثل أغلب الذين يعانون من متلازمة الحدود. إلا أنّك إذا لم تخرج قطّ من جلدتك، من جسدك ويأسك، فلن تُمكّن نفسَك أبداً من هذه المتلازمة. غير أنّي أريد من هؤلاء الذين يسافرون، أن يكونوا زوّاراً حقيقيين، أن يكونوا مسكونين بحبّ المعرفة، وبوهيميين نوعاً ما، سواء أكانوا سيّاحاً أو طلبة أو مجرد ناس عاديين. أريدهم أن يضربوا في الأرض على شاكلة مَن ضلّ السّبيل، بحثاً عن فردوس ما، أو للعثور بالصّدفة عن إيطاكاه (إيطاكا جزيرة يونانية صغيرة اعتمدها هوميروس في «الأوديسا»). أودّ لو أنّ لا أحد يُجبَر كُرْها على السّفر، مثلما اضطرّ إليه من قبل الألمانُ والآيرلنديون والإيطاليون واليونانيون، ومثلما يضطرّ إليه اليومَ الألبان والأفغان والإيرانيون والصّوماليون والمكسيكيّون والعرب، وكثيرون غيرهم؛ لأنّ المرء حين يكون مهاجراً نازحاً عن وطنه، يعني أنّه يعيش تحديداً، وضعَ الهشاشة والضعف الكبيريْن. وهذا العالم لا يُكنّ للضّعفاء أي احترام. إنّهم يصبحون موضوعَ شكاوى وسباب، وليس موضوعَ تقدير واحترام أبداً».



حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.


«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»
TT

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش. بدأ حياته عاملاً مُحتالاً صغيراً، يُهرِّب السجائر عبر الحدود، ويلهث في الكويت خلف اللذائذ العابرة، قبل أن يندمج في جماعة «الدعوة والتبليغ»، ثم تنصل منها ليصعد كأب كاريزمي لجماعة أُصولية مفتونة بالرؤى والأساطير، وصولاً إلى اللحظة الفارقة، حين قاد هجوماً على الحرم، وبايع فيه «المهدي» المزعوم، بين الركن والمقام، حيث كشف الحجاب عنه، إيذاناً بالملحمة النهائية.

ويطرح كتاب «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية» مقاربة نقدية ورؤية تفكيكية مغايرة لسيرة جهيمان، وهو صادر عن دار جداول للنشر والترجمة، ومن تأليف الدكتورة لطيفة الشعلان، أستاذة علم النفس بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، وعضوة مجلس الشورى السعودي، وهو يعالج الاختزالات التقليدية التي تقف عند حدود التحليل السياسي أو التشخيص الباثولوجي الإكلينيكي لـ«جهيمان العتيبي»، وتغوص في أعماق «سيكولوجيا الوعي المهدوي»، متتبعة مسارات القلق الوجودي وسؤال المعنى لدى شخصية هذه التراجيديا المؤلمة.

قصور الاختزال

لا تعلق الباحثة كل المسؤولية على «اليقين المهدوي» الذي أدّى بطبيعة الحال دوراً حاسماً في الحراك الذي انتهى بالاقتحام، لكنه لا يُقدِّم سوى نصف الإجابة عن السؤال التاريخي المُحيِّر، إذ يكمن النصف الآخر في بنية هذه الذات التي سمحت لهذا الإيمان أن يتشكّل، بكل ذلك الصدق والتماسك، وصولاً إلى اللحظة الفاصلة وما ترتّب عليها.

تضمنت نشأة جهيمان - في مرحلتي الطفولة والمراهقة - استدماجاً للمشاعر المُرتبطة بواقعة «السبلة» (1347 هـ / 1929 م)، وهي المشاعر التي سادت محيطه الاجتماعي، من الأُسرة والمسجد، وصولاً إلى القبيلة، ومن المُحتمل أن الحنين كان يشدّه إلى ماضي أسلافه، بحديث يُراوح بين التبجيل والأسى.

لكن الباحثة ترى أن هذه الاستحضارات الوجدانية تظل هامشية في سياق الدراما المهولة، التي بلغت ذروتها في عملية الاقتحام.«مجتمع الأوهام»

يكشف الكتاب عن كيفية تشكل «مجتمع أوهام» متكامل داخل أروقة الجماعة، حيث أصبحت مرويات الفتن وأشراط الساعة محاكاة يومية استهلكت وجدان الأفراد، لينكمش الواقع تدريجياً لصالح عالم موازٍ.

ولعبت «الأحلام والمنامات» دوراً محورياً في تغذية هذا الوهم؛ إذ وثقت الجماعة وصنفت ملفات تضم ما لا يقل عن 270 مناماً، تحولت من مجرد شطحات نفسية إلى «تأكيدات غيبية» يستند إليها الأفراد.

وتجلت المأساة في كون الفكرة المهدوية نشأت في فضاء هامشي عبر المزاح والمداعبات، قبل أن تتلقفها بيئة الإشارات والرموز، وتشكّلت دائرة ارتدادية خادعة، تبشير «محمد بن عبد الله» بنفسه بناءً على نبوءات ورؤى، ليصادق جهيمان عليها ويمررها للأتباع، الذين يعودون بدورهم للمهدي المزعوم كبراهين تصديق، لتستحيل كل ذات إلى مرآة تعكس ضلال الأخرى وتمنحها الشرعية.

هذه البدايات التي اتسمت بالخِفة العابرة، سُرعان ما وجدت في بيئة الإشارات والرموز والأحلام تربة خصبة للتشابك والنمو الملحمي، ليتكفل جهيمان بنقلها من سياق الهمس الخجول إلى صعيد «الحقيقة الكونية»، التي شكّلت في نهاية المطاف تلك التراجيديا التاريخية.

تقول الباحثة: «بفعل ذلك الاستغراق، كان الواقع ينكمش ويضيق تدريجياً لينغلق على عالم موازٍ، يحكمه مناخ غرائبي مشدود إلى الغيب، استهلك وجدان هؤلاء الرجال، وأخرجهم من سياق الواقع إلى حيِّز الانتظار الملحمي. ومع ذلك، لم يكن اليقين بظهور «المهدي» على درجة واحدة من الاستقرار في النفوس، إذ ظل بعضهم متوجساً حيال هذه الدعوى، وإن استمروا في فلك الجماعة، مدفوعين إما بالارتهان للآيديولوجية الرامية إلى التغيير الديني والأخلاقي، وإما انشداداً إلى سطوة القائد وشخصيته الكاريزمية».

القطيعة والإنكار

يرصد الكتاب محطات مفصلية شكلت الوعي الحركي لجهيمان، أبرزها حادثة تكسير «ألمانيكانات» والصور بالمدينة المنورة عام 1965، التي لم تكن مجرد اعتراض باليد، بل أعلنت قطيعة نهائية مع عالمه الراهن وموت براءته السياسية، لتتأسس بعدها بعام واحد (1966) الجماعة السلفية المحتسبة، التي انشق عنها هو الآخر، منفرداً بخط أكثر صرامة وتشدداً.

ومع حلول عام 1978، استقرت فكرة المهدوية في ذهنه، ليبدأ التحرك نحو السلاح عبر المهربين، ترتيباً لإطلالة القرن الهجري الجديد.

ورغم الحصار والتطورات الميدانية أثناء المواجهة داخل الحرم المكي، انقاد جهيمان لسيطرة يقينه اللامعقول؛ حيث مارس حالة نموذجية من «الانفصال عن الواقع»، وحين تسرب الشك بين صفوف أتباعه عقب مقتل «المهدي المزعوم»، واجه ذلك بغضب حاد، معتبراً إياه إرجافاً، مصرّاً على أن المهدي لا يُقتل، بل ينتظر «الخسف بالجيش».

تقول الباحثة: «تُوفِّر الرؤى الأُخروية للمؤمنين بها على المدى القصير شعوراً بالراحة والسكينة، وأملاً باكتمال المعنى، لكن هذا الاستقرار سرعان ما يضطرب حين تمرّ الأيام دون تحقق وعد الخلاص، وحينذاك يزداد الإحباط وتتراكم مشاعر الخواء والاغتراب، ما يُحيل هذه الرؤى الغيبية ذاتها إلى قوة ديناميكية تدفع أصحابها دفعاً نحو الكارثة».

غربة الروح وسؤال المعنى

تجلت لدى جهيمان رمزية بالغة، في اهتمامه المُفرط بالترتيب الزماني والمكاني للعلامات المرتبطة بخروج «المهدي»، ومحاولة مطابقتها قسرياً مع واقع السعودية المُعاش خلال سبعينات القرن العشرين.

لقد اندفع جهيمان تحت وطأة الاغتراب وانسداد الأفق في قفزة نحو اللامعقول، مسكوناً بقلق وجودي جارف سعى من خلاله إلى إعادة هيكلة الوجود، عبر تسريع المسير العنيف من الحاضر المأزوم إلى الغيب المنتظر؛ لتنتهي تلك المأساة باستسلامه الإجهادي، وصمته الواجم أثناء رحلته الأخيرة نحو القصاص، مخلفاً وراءه واحدة من أقسى السرديات المسيانية في التاريخ الحديث.

ورصدت الباحثة من خلال مصادرها، ومن بينهم مسؤول أمني مطلع على تفاصيل القضية، أن جهيمان لم يُبد أي مقاومة لحظة اعتقاله، إذ كان الإجهاد قد نال منه، وخلال مجريات التحقيق ظهر متماسكاً، مختزلاً العملية بأكملها في صورة اجتهاد تبيَّن أنه في غير محله.

وفي رحلته الأخيرة نحو تنفيذ حُكم القتل، برفقة سعيد بن عبد اللّه - شقيق «المهدي» - وأربعة محكومين آخرين، كان جهيمان واجماً طوال الطريق، شأنه في ذلك شأن رفاقه الخمسة الآخرين، فلم ينبس بكلمة واحدة.

وترى الباحثة أن «جهيمان يبقى حالة استثنائية مُتفرِّدة في يقينه المُطلق بأنه يُعاصر أواخر الزمان، وهو يقين استبدّ بمداركه وهيمن عليها، وصاغ خياراته الوجودية، ورسم مصيره الشخصي ومصائر الآخرين من حوله. فقد تجاوز هذا الاعتقاد كل حد مُتصور ليستحيل قوة تاريخية كبرى، أحدثت تأثيرات عميقة ومتعددة الأبعاد».


امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»
TT

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان والحب المنقطع، وتعيش صراعاً متواصلاً مع ذاكرتها وهويتها... تكبر المرأة وهي تحمل اسماً لا يشبهها، ووجوهاً كثيرة تخفي وراءها الخوف والذنب والوحدة.

في هذه الرواية (256 صفحة) يتسع السرد ليكشف لا عن تاريخ عائلة فحسب بل عن مجتمع، وسط التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر من أواخر الثمانينات إلى سنوات العنف المسلح.

إنها رواية عن آثار العنف المتوارث، وتبعات الفقد، والخوف من الأمومة، وتضحية النساء بذواتهن داخل الأسرة والزواج، إلى جانب محاولات استعادة الصوت والحلم من خلال التعليم والرسم والحب.

جاء في كلمة الناشر:

«لا جدار أبيض في منزل كاملة. هناك، تعيش وحيدة، محاطة بوجوه لا تعرفها. وجوه نساء من دون ملامح أو مشوّهة الملامح تكتظّ بها الجدران كيفما التفتت. لكنَّ وجهاً غريباً يبدأ، خارج حدود ذلك المنزل المتخم بالرسومات، بالظهور أمام كاملة في كلّ انعكاس: على واجهات المحالّ، ونوافذ الحافلات، والزجاج البارد للثلاجات. وجه امرأة لا تعرفها... لكن، مع ذلك، يبدو مألوفاً بشكل مقلق.

تخبر المحيطين بها أنَّ امرأة تلاحقها، وتترصدها. لكن لا أحد يصدقها، فلا تجد أمامها سوى العودة إلى الماضي، ومخالفة أهمّ قاعدة وضعتها لنفسها: ثلاث أيادٍ لن تسمح بأن تمسك بها يوماً: يد غريب، ويد عدوّ، ويد الذكريات.

في رحلةٍ تعود بها إلى ما حاولت طويلاً دفنه في غياهب ذاكرتها، تجد كاملة نفسها أمام سؤالٍ لم يخطر لها يوماً أن تطرحه:

هل يمكن للإنسان أن يفقد وجهه فعلاً، أم أنّ الحياة هي من تغيّره بصمت حتى يعجز عن التعرف إليه؟

من تكون المرأة التي تظهر في المرايا؟ ولماذا يبدو وجهها مألوفاً إلى هذا الحدّ؟». وكانت وئام شرماطي قد أصدرت روايتين: «قبر مكشوف على السماء» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة القلم الذهبي و«المرأة التي لا تشبه اسمها».