حصاد العام الثقافي (1 - 3): الثقافة السعودية 2020: الإبداع يقهر الوباء

الجائحة لم تنجح في إدخالها «دائرة الحجْر»

انطلاق نشاط مبادرة المسرح الوطني في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض
انطلاق نشاط مبادرة المسرح الوطني في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض
TT

حصاد العام الثقافي (1 - 3): الثقافة السعودية 2020: الإبداع يقهر الوباء

انطلاق نشاط مبادرة المسرح الوطني في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض
انطلاق نشاط مبادرة المسرح الوطني في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض

للمرة الأولى في التاريخ، يتشابه العالم كله. فيروس لئيم فرض عليه بؤساً وعزلة وحجراَ في البيوت، تجنباً لتسلله المميت في أي غفلة. حياة مضطربة لاهثة، تصارع من أجل البقاء، حتى تتجنب تسلله المميت في أي غفلة. ومع تصاعد وتيرته وسقوط آلاف الضحايا، وفرض الدول الحظر والغلق وتقنين التجول، انحسر كل شيء معاً وفي كل أرجاء المعمورة الرحبة. وإذا كانت بعض القطاعات الاقتصادية الصناعية والتجارية والخدمية قادرة على احتساب خسائرها المادية، فإن الخسارة الثقافية لا يمكن سبرها بالنسبة للقارئ، ومنتجي القيم المعنوية والروحية، على حد سواء. ومع ذلك، تحايلت المؤسسات، الفردية والحكومية، والجمعيات والنوادي المختصة، على هذا الفيروس الرهيب بابتكار وسائل متعددة نجحت نسبياً في التقليل من حجم الخسارة، وتعويض بعض الضرر، كما في معظم بلدان العالم، ومنها البلدان العربية.
أصابت جائحة «كورونا» المستجد النشاط الثقافي في عام 2020، لكنها لم تنجح في شل حركته أو إدخاله دائرة «الحجر»، مثلما دخل ملايين البشر، وبينهم المثقفون.
في عام 2020، تمّ إيقاف وتأجيل العديد من الفعاليات المهمة، مثل معرض الرياض الدولي للكتاب، وهو من أهم المعارض عربياً، وكان من المقرر أن يقام في واجهة الرياض خلال الفترة من 2 إلى 11 أبريل (نيسان) 2020.
كما تمّ تأجيل المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) إلى الربع الأول من عام 2021، وقد كان مقرراً إقامته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. وكذلك تأجيل مهرجان «الأعشى»، الذي يحتفي بالشاعر العربي في مسقط رأسه، وكان من المقرر إقامته في منفوحة بالرياض خلال الفترة من 21 مارس (آذار) إلى 20 أبريل (أبريل) 2020.
وأعلنت هيئة الأدب والنشر والترجمة في وزارة الثقافة السعودية تأجيل «ملتقى الترجمة» بسبب الاحترازات الصحية المرافقة لوباء «كورونا»، وكان من المقرر إقامته في مركز المؤتمرات بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض خلال الفترة من 19 إلى 21 مارس (آذار) 2020.
الثقافة في العزلة
منذ أبريل (نيسان) 2020، أطلقت وزارة الثقافة السعودية، مجموعة مبادرات لتحويل فترة الحجر الصحي إلى موسم إنتاج ثقافي، حيث أطلقت خلال فترة العزل مجموعة من المبادرات والأنشطة الثقافية المتنوعة التي تمنح أفراد المجتمع متنفساً ثقافياً إبداعياً من داخل منازلهم، وفي أجواء تفاعلية وتنافسية.
وشملت المبادرات التي حملت شعار «الثقافة في العزلة» مجالات ثقافية متنوعة، من بينها المسرح والأدب والترجمة والقراءة والأفلام وغيرها من المجالات، وجاءت مبادرة «أدب العزلة» كإحدى هذه المبادرات، وهدفت إلى تحفيز المواهب الأدبية للكتابة خلال فترة العزل الوقائي والتعبير عن المشاعر الداخلية بقوالب مختلفة من قصص وروايات ويوميات ونصوص.
وحظي المسرح بمساحة مهمة من مبادرات «الثقافة في العزلة» حيث أعلن المسرح الوطني التابع للوزارة عن تنظيم مسابقة التأليف المسرحي، فيما نظمت الوزارة مبادرة «ماراثون القراءة»، وذلك لتحفيز جميع أفراد المجتمع على القراءة وتشجيعهم على مشاركة ما يقرأونه عبر منصة إلكترونية مخصصة، ووفق مسارين رئيسيين هما مسار «القارئ الصغير» ومسار «القارئ الكبير».
«مهرجان أفلام السعودية»
ومن الفعاليات المهمة التي شهدتها السعودية خلال فترة الحجر الصحي، تنظيم «مهرجان أفلام السعودية» في الظهران، في الأول من سبتمبر (أيلول) 2020، حيث تحوّل المهرجان الذي نظمته «جمعية الثقافة والفنون» بالدمام، بالشراكة مع «مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي» بالظهران (إثراء)، وبدعم من هيئة الأفلام التابعة لوزارة الثقافة، في دورته السادسة إلى العالم الافتراضي، وتمّ نقل فعالياته جميعاً من خلال المنصات الإلكترونية عبر الإنترنت، وقناة «يوتيوب»، عرض المهرجان 54 فيلماً، بينها 32 فيلماً روائياً، و13 فيلماً وثائقياً، و17 فيلماً من أفلام الطلبة. وتضمن ورشتين، و5 ندوات، و90 فعالية مختلفة.
«جمعية الثقافة والفنون» بالدمام، نجحت في ظل الإغلاق الصحي، في 20 أغسطس (آب) 2020، بتنظيم معرض «الفيديو آرت» الذي شاركت فيه 17 دولة، وتضمن 10 جلسات حوار لمشاركين من 6 دول عربية قدّموا تجارب في «الفيديو آرت»، وثلاث ورش تفاعلية. كما نظمت الجمعية «ملتقى الدمام الثالث للنص المسرحي»، شارك فيه 21 كاتباً مسرحياً من 9 دول (الأول من يوليو «تموز» 2020)، ونظمت «ملتقى الدمام الموسيقي»، وملتقى «الحكواتي» في رمضان، مع استمرار برامج «بيت السرد» و«قراءة الكتب»، وقامت بتنظيم ملتقى «السرد النقدي»، عبر «أون لاين».
نادي الباحة الأدبي الثقافي (جنوب السعودية) نظم فعاليات متنوعة، بينها «ملتقى المسرح»، في دورته الأولى، وتمّ فيه تكريم 17 رائداً من رواد المسرح السعودي، واشتمل على تقديم ثلاثة عروض مسرحية، و11 جلسة نقدية.
وأقام النادي خمسة ملتقيات: للرواية العربية، ومهرجان الشعر العربي، ومهرجان شعر عبر الفضاء الإلكتروني، وملتقى القصة.
إنشاء 11 هيئة ثقافية
من ناحية أخرى، استفتحت الثقافة السعودية عام 2020 بقرار مجلس الوزراء (في 4 فبراير «شباط» 2020) 11 هيئة ثقافية جديدة وتفويض وزير الثقافة، بممارسة اختصاصات رئاسة مجالس إداراتها.
الهيئات تمثل نقلة في هيكلة القطاع الثقافي، حيث ستتولى مسؤولية إدارة القطاع الثقافي السعودي بمختلف تخصصاته واتجاهاته، وتكون كل هيئة مسؤولة عن تطوير قطاع محدد، وهي تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة والاستقلال المالي والإداري، وترتبط تنظيمياً بوزير الثقافة.
والهيئات الجديدة هي: هيئة الأدب والنشر والترجمة، وهيئة الأزياء، وهيئة الأفلام، وهيئة التراث، وهيئة فنون العمارة والتصميم، وهيئة الفنون البصرية، وهيئة المتاحف، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، وهيئة المكتبات، وهيئة الموسيقى، وهيئة فنون الطهي.
انطلاق المسرح الوطني
في حفل كبير، انطلق في 28 يناير (كانون الثاني) 2020، نشاط مبادرة المسرح الوطني في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، بحضور مجموعة من الفنانين والمثقفين والمهتمين بالفنون المسرحية من المملكة والعالم العربي، إلى جانب جمهور من مختلف شرائح المجتمع، في حفل شهد عرضاً لاستراتيجية المسرح الوطني وكشفاً لرؤيته وأهدافه.
«سمبوزيوم طويق الدولي للنحت»
في 30 يناير (كانون الثاني) 2020، اختتمت النسخة الثانية من فعاليات «سمبوزيوم طويق الدولي للنحت» بحفلٍ أقيم في حي السفارات بالرياض، وتمّ فيه تكريم الفنان السعودي علي الطخيس تقديراً لجهوده الكبيرة في خدمة فن النحت السعودي طيلة أربعين عاماً.
وشهد «سمبوزيوم طويق الدولي» للنحت مشاركة 20 فناناً من مختلف دول العالم صنعوا منحوتاتهم.
أول مكتبة بصرية للنشاط الثقافي
في 25 فبراير 2020، أطلقت وزارة الثقافة مشروع «13 - 16»، وهو مشروع يؤسس لمكتبة بصرية للنشاط الثقافي السعودي، ويهدف إلى توثيق جميع مظاهر الثقافة في مناطق المملكة عبر التسجيل الميداني للحراك الثقافي والفني في المدن والمحافظات السعودية باختلاف أنواعه وتوثيقه بالصور الفوتوغرافية والفيديو، في بادرة تُعدّ الأولى من نوعها في المملكة بهذا الشمول والتنوع.
«دار القلم» تحمل اسم ولي العهد
في 27 أبريل (نيسان) 2020، تمت الموافقة على إطلاق اسم الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، على مركز «دار القلم» في المدينة المنورة، ليكون باسم «مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي»، بناءً على طلبٍ تقدم به وزير الثقافة.
مؤسسة لتنظيم بينالي عالمي
في 31 مايو (أيار) 2020، تم الإعلان عن إنشاء مؤسسة «ثنائيات الدرعية» المعنية بالفنون المعاصرة، التي تم تصميمها لتكون المسؤولة عن تنظيم بينالي سنوي في المملكة يتم التناوب فيه بين معرضٍ للفنون المعاصرة ومعرضٍ للفنون الإسلامية.
«الحالة الثقافية في المملكة»
في 10 يونيو (حزيران) 2020، أصدرت وزارة الثقافة النسخة الأولى من تقرير «الحالة الثقافية في المملكة»، وهو عبارة عن نتائج دراسة بحثية أجرتها لمعرفة واقع القطاع الثقافي السعودي تحت عنوان «تقرير الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2019م: ملامح وإحصائيات». وتضمن سرداً شاملاً للمعلومات والأرقام والوقائع المرتبطة بالقطاعات الثقافية الـستة عشر التي اعتمدتها وزارة الثقافة في وثيقة رؤيتها وتوجهاتها، والتي تتحرك فيها بوصلة الإبداع السعودي.
وفي 17 من الشهر ذاته، تم نشر النسخة الكاملة من تقرير «الحالة الثقافية في المملكة».
80 مهنة ثقافية
في 17 يونيو (حزيران) 2020 وافق مجلس الوزراء السعودي على إدراج أكثر من 80 مهنة ثقافية ضمن التصنيف السعودي الموحّد للمهن الجديد، في خطوة تُعدّ الأولى في تاريخ المملكة، ستمنح الناشطين والناشطات في الصناعة الثقافية صفة اعتبارية لدى المجتمع والمؤسسات الحكومية والأهلية.
تطوير المكتبات بمفهوم ثقافي شامل
في 18 يونيو (حزيران) 2020، أطلق وزير الثقافة مبادرة تطوير المكتبات العامة، بمفهوم ثقافي شامل، التي ستتولى إدارتها هيئة المكتبات، وستعمل من خلالها على تحويل المكتبات العامة إلى منصاتٍ ثقافية بمفهوم اجتماعي شامل وحديث، تلتقي فيه جميع أنماط الإبداع الثقافي، ويجد فيه الأفراد من مختلف شرائح المجتمع ما يمنحهم المعرفة والمشاركة والتفاعل في تجربة ثقافية متكاملة.
الجوائز الثقافية الوطنية
في 30 يونيو (حزيران) 2020، أطلقت وزارة الثقافة مبادرة «الجوائز الثقافية الوطنية» وتقدمها وزارة الثقافة لتكريم المبدعين في المجال الثقافي السعودي، وفي مختلف الأفرع الثقافية، متضمنة 14 جائزة ثقافية سيتم منحها بشكل سنوي لأهم الإنجازات الثقافية التي يحققها الأفراد السعوديون أو المؤسسات الناشطة في المملكة. وتتوزع الجوائز إلى جائزة شخصية العام الثقافية، جائزة الثقافة للشباب، جائزة المؤسسات الثقافية، بالإضافة إلى جائزة الأفلام، جائزة الأزياء، جائزة الموسيقى، جائزة التراث الوطني، جائزة الأدب، جائزة المسرح والفنون الأدائية، جائزة الفنون البصرية، جائزة فنون العمارة والتصميم، جائزة فنون الطهي، جائزة النشر، جائزة الترجمة.
برنامج الابتعاث الثقافي
في 20 يوليو 2020 أعلن أن عدد المرشحين والمرشحات للانضمام لبرنامج الابتعاث الثقافي بمساراته الثلاثة بلغ 1157 مرشحاً ومرشحة، وذلك من مجمل الطلبات المقدمة على مسارات البرنامج الثلاثة.
متحف «طارق عبد الحكيم»
في 17 أغسطس 2020، تم الإعلان عن إنشاء متحف موسيقي خاص بالفنان الراحل طارق عبد الحكيم في مدينة جدة البلد، وبمحتويات تُعبّر عن ثراء التاريخ الموسيقي المحلي وإسهامات الفنان الراحل في مسيرة الفن في المملكة.
وسيفتتح المتحف في أواخر عام 2022، وسيقام بشكل دائم في بيت المنوفي بمنطقة البلد التاريخية المسجلة في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي في عام 2014.
ويتضمن المتحف مجموعة من أرشيف ومتعلقات طارق عبد الحكيم الشخصية، من آلات موسيقية وبكرات لتسجيلاته، وألبومات صور، وبعض المقطوعات الموسيقية لكبار المطربين العرب، مثل أم كلثوم وعبد الوهاب، إلى جانب وثائق مرئية وصوتية لطارق عبد الحكيم، وهو يؤدي مؤلفاته مع آخرين، ومؤلفاته الموسيقية من الأناشيد الوطنية وغيرها.
«قاعدة البيانات الثقافية»
في 2 سبتمبر (أيلول) 2020، أعلنت وزارة الثقافة عن استبيان لمنسوبي القطاع الثقافي السعودي تحت عنوان «قاعدة البيانات الثقافية» لتسجيل جميع القوى والكوادر الفاعلة في القطاع، وتسجيل بياناتها المهنية والشخصية، ولتحقيق أعلى مستوى من التواصل مع جميع الفنانين والمثقفين في مختلف التخصصات الإبداعية التي تشمل الأفلام، واللغة والترجمة، والكتب والنشر، والموسيقى، والمسرح والفنون الأدائية، والأدب، والفنون البصرية، والأزياء، والمكتبات، والتراث، والمتاحف، وفنون العمارة والتصميم، وفنون الطهي.
مجمع الملك سلمان العالمي
للغة العربية
في 2 سبتمبر (أيلول) 2020، وافق مجلس الوزراء السعودي على تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، لإبراز مكانة اللغة العربية وتفعيل دورها إقليمياً وعالمياً، وتعزيز قيمتها المعبرة عن العمق اللغوي للثقافة العربية والإسلامية.
وسيعمل المجمع على إحياء روح الاعتزاز بالهوية الثقافية العربية، وتشمل أنشطته دعم تطبيقات ومنتجات وأبحاث اللغة العربية في المملكة والعالمين العربي والإسلامي.
أول متحف إبداعي عن النفط
في 9 سبتمبر (أيلول) 2020، أعلنت وزارتا الثقافة والطاقة عن إطلاق أول متحف دائم عن النفط بالشراكة مع مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية تحت عنوان «متحف الذهب الأسود»، وسيقام في يوليو (تموز) عام 2022، في مقر المركز بالرياض، بمشاركة فنانين من مختلف دول العالم.
السعودية في عضوية
لجنة التراث الثقافي باليونيسكو
في 10 سبتمبر (أيلول) 2020، انتخبت السعودية من قبل الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، لعضوية لجنة التراث الثقافي غير المادي، وذلك أثناء انعقاد الجمعية العامة الثامنة للدول الأطراف في اتفاقية صوْن التراث الثقافي غير المادي التي أقيمت في مقر «اليونيسكو» بالعاصمة الفرنسية (باريس) بحضور ممثلي 178 دولة.
اكتشافات أثرية تعود لأكثر
من 120 ألف سنة
في 16 سبتمبر (أيلول) 2020، تم الإعلان عن اكتشاف فريق سعودي دولي مشترك لآثار أقدام لبشر وفيلة وحيوانات مفترسة حول بحيرة قديمة جافة على أطراف منطقة تبوك يعود تاريخها إلى أكثر من 120 ألف سنة من الآن.
وأكد الرئيس التنفيذي لهيئة التراث الدكتور جاسر بن سليمان الحربش أن هذا الاكتشاف الأثري الجديد والمهم يمثل الدليل العلمي الأول على أقدم وجود للإنسان على أرض الجزيرة العربية، كما أنه يقدم لمحة نادرة عن بيئة الأحياء أثناء انتقال الإنسان لهذه البقعة من العالم.
متحف «البحر الأحمر»
في 20 سبتمبر (أيلول) 2020، أعلن عن إنشاء متحف البحر الأحمر في مبنى «باب البنط» بجدة التاريخية، الذي سيُفتتح في أواخر عام 2022، متضمناً مقتنيات ومخطوطات وصوراً وكتباً نادرة، تحكي في مجموعها قصة «مبنى البنط» التراثي بوصفه نقطة اتصال تاريخية بين سكان ساحل البحر الأحمر والعالم، ومدخلاً رئيسياً للحجاج والتجار والسياح إلى مدينة جدة.
اجتماع وزراء الثقافة
في مجموعة «العشرين»
في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، بتنظيم من وزارة الثقافة السعودية، عقد وزراء الثقافة في دول مجموعة العشرين اجتماعاً افتراضياً، أكدوا خلاله دعم الاقتصاد الثقافي العالمي، وتعزيز دوره، عبر اجتماعات سنوية تقام أثناء انعقاد قمم دول مجموعة «العشرين»، وأكدوا التزامهم بدعم الجهود الساعية للمحافظة على التراث الطبيعي في العالم، ومن ضمنه التراث المغمور تحت المياه.
وحمل الاجتماع شعار «نهوض الاقتصاد الثقافي: نموذجٌ جديد»، وناقش فيه وزراء الثقافة ومسؤولون من منظماتٍ دولية المحافظة على التراث والتنمية المستدامة والثقافة بصفتها محفزاً على النمو الاقتصادي، وركز الحوار على توظيف التكنولوجيا الحديثة وتطوير المنصات الرقمية من أجل التعبير الفني وتسهيل الوصول إلى المصادر الثقافية.
«حاضنة الأزياء»
في 3 ديسمبر (كانون الأول) 2020، أطلقت وزارة الثقافة «برنامج حاضنة الأزياء» الذي يُعدّ الأول من نوعه في المملكة لدعم روّاد الأعمال والمواهب في قطاع الأزياء والقطاعات ذات العلاقة وتطوير منتجاتهم.

تعيينات ثقافية
> في 9 فبراير (شباط) 2020، عين وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الروائي محمد حسن علوان رئيساً تنفيذياً لهيئة الأدب والنشر والترجمة.
كما عيّن في 12 فبراير (شباط) 2020، ميادة بدر رئيساً تنفيذياً لهيئة فنون الطهي، وهي خريجة المدرسة الدولية «كوردون بلو» في باريس، كما تدربت تحت إشراف طهاة معروفين دولياً.
في 19 فبراير (شباط) 2020، تم تعيين الدكتور ستيفانو كاربوني رئيساً تنفيذياً لهيئة المتاحف، ويُعد كاربوني من المتخصصين في مجال المتاحف، وسبق له أن تولى إدارة العديد من المتاحف والمعارض الفنية في العالم، وعمل في متحف متروبوليتان في نيويورك لمدة 16 سنة، خلال الفترة من 1992 إلى 2008، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في اللغة العربية والفن الإسلامي من مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن عام 1992.
وفي 16 فبراير (شباط) 2020، عيّن وزير الثقافة سلطان البازعي رئيساً تنفيذياً لهيئة المسرح والفنون الأدائية.
وفي 23 فبراير (شباط) 2020، تمّ تعيين جهاد الخالدي رئيسة تنفيذية لهيئة الموسيقى، وتتمتع الخالدي بخبرات في المجال الموسيقي تمتد لأكثر من 33 سنة، حيث كانت تعمل عازفة كمان ضمن الأوركسترا المصرية لمدة 8 سنوات، كما حصلت على درجة البكالوريوس في عزف الكمان وفي نظرية الموسيقى من المعهد العالي للموسيقى في القاهرة، إلى جانب خبرتها ومعرفتها الإدارية.
في 26 فبراير (شباط) 2020، تم تعيين عبد الرحمن العاصم رئيساً تنفيذياً لهيئة المكتبات.
وفي 8 أبريل (نيسان) 2020، كلّف وزير الثقافة الدكتور جاسر الحربش رئيساً تنفيذياً لهيئة التراث.
وفي 30 أبريل (نيسان) 2020، عين وزير الثقافة الدكتورة سمية السليمان رئيسة تنفيذية لهيئة فنون العمارة والتصميم.
وفي 7 يونيو (حزيران) 2020، عيّن وزير الثقافة المهندس عبد الله آل عياف القحطاني رئيساً تنفيذياً لهيئة الأفلام.
في 7 يوليو (تموز) 2020، تمّ تعيين دينا أمين رئيسة تنفيذية لهيئة الفنون البصرية
وهي من الخبرات السعودية المتخصصة في الفنون البصرية أكاديمياً ومهنياً، وحاصلة على درجة البكالوريوس في تاريخ الفنون والهندسة المعمارية من كلية ولزلي بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة.



في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
TT

في العدد الجديد من «القافلة» السعودية: تاريخ «السّلم» و«العدالة الثقافية»

غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)
غلاف مجلة «القافلة» عدد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)

تتبع مجلة «القافلة» السعودية، التي تصدرها شركة أرامكو، في عددها الجديد (مايو/ أيار - يونيو/ حزيران)، مسيرة الفكر الإنساني وتطوره من تاريخ «السُّلم»، العنصر المعماري ذي الدلالات والرموز الثقافية، وصولاً إلى تساؤلات العصر الحديث عن التنوع الثقافي وضمان عدالتها.

العدالة الثقافية

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مفهوم «العدالة الثقافية» بوصفها أساساً لتطور المجتمع ولضمان وصول الثقافة إلى الجميع، بتتبع نشأة هذا المفهوم وتوسّعه عالميّاً مشمولاً بالتنوع والتمثيل الرقمي، وحقوق الثقافات المختلفة.

يرى الدكتور محمود الضبع أن القوة الناعمة ترتبط بالعدالة الثقافية، مؤكداً أن الثقافة موردٌ إنتاجي واستراتيجي يستلزم سياسات داعمة، في حين يتناول الدكتور عبد الواحد الحميد التحديات المرتبطة بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي في المملكة، مبرزاً الحاجة إلى دعم موجّه يضمن شمول الثقافة للجميع.

الخوف من الكتب

في قسم «أدب وفنون»، تتتبّع ندى حطيط تاريخ الخوف من الكتب من حيث إنها «سمٌّ وترياق»، مُسلّطةً الضوء على قدرتها على تغيير الوعي، انطلاقاً من الفلسفة القديمة إلى الرقابة الحديثة. ويقرأ الدكتور سعيد يقطين تحولات مفهوم «الالتزام الأدبي» منتقداً استنساخ المفاهيم الغربية. كما يبرز الدكتور مسفر القحطاني أهمية تأسيس المعهد الملكي للإنثروبولوجيا الذي سيشكل نقلةً معرفية لدراسة الإنسان السعودي وفهم الهوية الثقافية بعمق، في حين يرصد الكاتب عبد الرحمن السليمان سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي، ويقدم الدكتور سعيد بنكراد رؤيته للثقافة، التي هي ترويض للطبيعة وبناء رمزي للإنسان؛ مُشكِّلةً بذلك الهوية والسلوك والمعنى.

يتناول العدد الجديد من «القافلة» سيرة الفنان محمد السليم ودوره الريادي في تأسيس الفن التشكيلي السعودي

الثقوب السوداء

في قسم «علوم»، يتناول الدكتور نضال قسوم تطوّر فهمنا للثقوب السوداء ابتداءً من مجرد طرحها فرضيةً فيزيائية إلى تصويرها المباشر منذ عام 2019م. ويناقش الدكتور عبد الهادي الهباد اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه، الحالة الناتجة عن تفاعل عوامل بيولوجية وبيئية متعددة، مؤكداً تأثير أنماط الحياة الرقمية الحديثة في تشكيل الانتباه. وفي زاوية «مجهر»، تتناول الدكتورة ندى الأحمدي ظاهرة انخفاض سن البلوغ لدى الفتيات عالميّاً.

أسرار الحدس

في قسم «آفاق»، تناقش الدكتورة سماهر الضامن «الحدس» بوصفه معرفةً لاواعية متجسدة، وتستعرض تحوّله في عصر التقنيات العصبية وما بعد الإنسانية. وتشرح آلاء الحاجي دور الفن في العلاج لتنظيم المشاعر حين تعجز اللغة عن التعبير عن الصدمات. كما يتناول ناصر الرباط الحديقة الإسلامية التي شكّلت استجابة بيئية للندرة، بينما يأخذنا أشرف فقيه في زاوية «عين وعدسة» إلى آيسلندا، الجزيرة البركانية التي تجمع بين الجليد والنار.

السُّلم... ارتقاء معماري

يختتم العدد بملف خاص عن «السُّلم»، يستعرض تاريخه بوصفه عنصراً معماريّاً تطور من أشكال طبيعية بدائية إلى رموز دينية واجتماعية وجمالية عبر العصور. كما يناقش دلالاته الثقافية والرمزية في اللغة، والفنون، والسينما، حيث تمثل الصعود والهبوط والتحولات النفسية والوجودية، مبرزاً دوره الحضري بوصفه فضاءً للتفاعل الاجتماعي والثقافي.

وفي قراءةٍ للمشهد الثقافي، يسلّط العدد 716 الضوء على إشكالية التلقي الفني وتحوّل العمل الفني إلى صناعةٍ خاضعة لذائقة الجمهور وفق تحليل الدكتور علي زعلة. كما يحتفي العدد بجماليات اللحظات العابرة، من خلال استعراض تجربة الفنان كميل حوّا في زاوية «ضوء»، ويتطرق كذلك لبرنامج «العلم + أدب» الرامي لإعادة صياغة المفاهيم العلمية ضمن قوالب إنسانية مؤثرة، ليضع بين يدي القارئ مزيجاً فريداً يوازن بين التأمل الفكري العميق ومتعة استكشاف الحياة وتنوعها.


نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.