حصاد العام الثقافي (1 - 3): الثقافة السعودية 2020: الإبداع يقهر الوباء

الجائحة لم تنجح في إدخالها «دائرة الحجْر»

انطلاق نشاط مبادرة المسرح الوطني في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض
انطلاق نشاط مبادرة المسرح الوطني في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض
TT

حصاد العام الثقافي (1 - 3): الثقافة السعودية 2020: الإبداع يقهر الوباء

انطلاق نشاط مبادرة المسرح الوطني في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض
انطلاق نشاط مبادرة المسرح الوطني في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض

للمرة الأولى في التاريخ، يتشابه العالم كله. فيروس لئيم فرض عليه بؤساً وعزلة وحجراَ في البيوت، تجنباً لتسلله المميت في أي غفلة. حياة مضطربة لاهثة، تصارع من أجل البقاء، حتى تتجنب تسلله المميت في أي غفلة. ومع تصاعد وتيرته وسقوط آلاف الضحايا، وفرض الدول الحظر والغلق وتقنين التجول، انحسر كل شيء معاً وفي كل أرجاء المعمورة الرحبة. وإذا كانت بعض القطاعات الاقتصادية الصناعية والتجارية والخدمية قادرة على احتساب خسائرها المادية، فإن الخسارة الثقافية لا يمكن سبرها بالنسبة للقارئ، ومنتجي القيم المعنوية والروحية، على حد سواء. ومع ذلك، تحايلت المؤسسات، الفردية والحكومية، والجمعيات والنوادي المختصة، على هذا الفيروس الرهيب بابتكار وسائل متعددة نجحت نسبياً في التقليل من حجم الخسارة، وتعويض بعض الضرر، كما في معظم بلدان العالم، ومنها البلدان العربية.
أصابت جائحة «كورونا» المستجد النشاط الثقافي في عام 2020، لكنها لم تنجح في شل حركته أو إدخاله دائرة «الحجر»، مثلما دخل ملايين البشر، وبينهم المثقفون.
في عام 2020، تمّ إيقاف وتأجيل العديد من الفعاليات المهمة، مثل معرض الرياض الدولي للكتاب، وهو من أهم المعارض عربياً، وكان من المقرر أن يقام في واجهة الرياض خلال الفترة من 2 إلى 11 أبريل (نيسان) 2020.
كما تمّ تأجيل المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) إلى الربع الأول من عام 2021، وقد كان مقرراً إقامته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2020. وكذلك تأجيل مهرجان «الأعشى»، الذي يحتفي بالشاعر العربي في مسقط رأسه، وكان من المقرر إقامته في منفوحة بالرياض خلال الفترة من 21 مارس (آذار) إلى 20 أبريل (أبريل) 2020.
وأعلنت هيئة الأدب والنشر والترجمة في وزارة الثقافة السعودية تأجيل «ملتقى الترجمة» بسبب الاحترازات الصحية المرافقة لوباء «كورونا»، وكان من المقرر إقامته في مركز المؤتمرات بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض خلال الفترة من 19 إلى 21 مارس (آذار) 2020.
الثقافة في العزلة
منذ أبريل (نيسان) 2020، أطلقت وزارة الثقافة السعودية، مجموعة مبادرات لتحويل فترة الحجر الصحي إلى موسم إنتاج ثقافي، حيث أطلقت خلال فترة العزل مجموعة من المبادرات والأنشطة الثقافية المتنوعة التي تمنح أفراد المجتمع متنفساً ثقافياً إبداعياً من داخل منازلهم، وفي أجواء تفاعلية وتنافسية.
وشملت المبادرات التي حملت شعار «الثقافة في العزلة» مجالات ثقافية متنوعة، من بينها المسرح والأدب والترجمة والقراءة والأفلام وغيرها من المجالات، وجاءت مبادرة «أدب العزلة» كإحدى هذه المبادرات، وهدفت إلى تحفيز المواهب الأدبية للكتابة خلال فترة العزل الوقائي والتعبير عن المشاعر الداخلية بقوالب مختلفة من قصص وروايات ويوميات ونصوص.
وحظي المسرح بمساحة مهمة من مبادرات «الثقافة في العزلة» حيث أعلن المسرح الوطني التابع للوزارة عن تنظيم مسابقة التأليف المسرحي، فيما نظمت الوزارة مبادرة «ماراثون القراءة»، وذلك لتحفيز جميع أفراد المجتمع على القراءة وتشجيعهم على مشاركة ما يقرأونه عبر منصة إلكترونية مخصصة، ووفق مسارين رئيسيين هما مسار «القارئ الصغير» ومسار «القارئ الكبير».
«مهرجان أفلام السعودية»
ومن الفعاليات المهمة التي شهدتها السعودية خلال فترة الحجر الصحي، تنظيم «مهرجان أفلام السعودية» في الظهران، في الأول من سبتمبر (أيلول) 2020، حيث تحوّل المهرجان الذي نظمته «جمعية الثقافة والفنون» بالدمام، بالشراكة مع «مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي» بالظهران (إثراء)، وبدعم من هيئة الأفلام التابعة لوزارة الثقافة، في دورته السادسة إلى العالم الافتراضي، وتمّ نقل فعالياته جميعاً من خلال المنصات الإلكترونية عبر الإنترنت، وقناة «يوتيوب»، عرض المهرجان 54 فيلماً، بينها 32 فيلماً روائياً، و13 فيلماً وثائقياً، و17 فيلماً من أفلام الطلبة. وتضمن ورشتين، و5 ندوات، و90 فعالية مختلفة.
«جمعية الثقافة والفنون» بالدمام، نجحت في ظل الإغلاق الصحي، في 20 أغسطس (آب) 2020، بتنظيم معرض «الفيديو آرت» الذي شاركت فيه 17 دولة، وتضمن 10 جلسات حوار لمشاركين من 6 دول عربية قدّموا تجارب في «الفيديو آرت»، وثلاث ورش تفاعلية. كما نظمت الجمعية «ملتقى الدمام الثالث للنص المسرحي»، شارك فيه 21 كاتباً مسرحياً من 9 دول (الأول من يوليو «تموز» 2020)، ونظمت «ملتقى الدمام الموسيقي»، وملتقى «الحكواتي» في رمضان، مع استمرار برامج «بيت السرد» و«قراءة الكتب»، وقامت بتنظيم ملتقى «السرد النقدي»، عبر «أون لاين».
نادي الباحة الأدبي الثقافي (جنوب السعودية) نظم فعاليات متنوعة، بينها «ملتقى المسرح»، في دورته الأولى، وتمّ فيه تكريم 17 رائداً من رواد المسرح السعودي، واشتمل على تقديم ثلاثة عروض مسرحية، و11 جلسة نقدية.
وأقام النادي خمسة ملتقيات: للرواية العربية، ومهرجان الشعر العربي، ومهرجان شعر عبر الفضاء الإلكتروني، وملتقى القصة.
إنشاء 11 هيئة ثقافية
من ناحية أخرى، استفتحت الثقافة السعودية عام 2020 بقرار مجلس الوزراء (في 4 فبراير «شباط» 2020) 11 هيئة ثقافية جديدة وتفويض وزير الثقافة، بممارسة اختصاصات رئاسة مجالس إداراتها.
الهيئات تمثل نقلة في هيكلة القطاع الثقافي، حيث ستتولى مسؤولية إدارة القطاع الثقافي السعودي بمختلف تخصصاته واتجاهاته، وتكون كل هيئة مسؤولة عن تطوير قطاع محدد، وهي تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة والاستقلال المالي والإداري، وترتبط تنظيمياً بوزير الثقافة.
والهيئات الجديدة هي: هيئة الأدب والنشر والترجمة، وهيئة الأزياء، وهيئة الأفلام، وهيئة التراث، وهيئة فنون العمارة والتصميم، وهيئة الفنون البصرية، وهيئة المتاحف، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، وهيئة المكتبات، وهيئة الموسيقى، وهيئة فنون الطهي.
انطلاق المسرح الوطني
في حفل كبير، انطلق في 28 يناير (كانون الثاني) 2020، نشاط مبادرة المسرح الوطني في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، بحضور مجموعة من الفنانين والمثقفين والمهتمين بالفنون المسرحية من المملكة والعالم العربي، إلى جانب جمهور من مختلف شرائح المجتمع، في حفل شهد عرضاً لاستراتيجية المسرح الوطني وكشفاً لرؤيته وأهدافه.
«سمبوزيوم طويق الدولي للنحت»
في 30 يناير (كانون الثاني) 2020، اختتمت النسخة الثانية من فعاليات «سمبوزيوم طويق الدولي للنحت» بحفلٍ أقيم في حي السفارات بالرياض، وتمّ فيه تكريم الفنان السعودي علي الطخيس تقديراً لجهوده الكبيرة في خدمة فن النحت السعودي طيلة أربعين عاماً.
وشهد «سمبوزيوم طويق الدولي» للنحت مشاركة 20 فناناً من مختلف دول العالم صنعوا منحوتاتهم.
أول مكتبة بصرية للنشاط الثقافي
في 25 فبراير 2020، أطلقت وزارة الثقافة مشروع «13 - 16»، وهو مشروع يؤسس لمكتبة بصرية للنشاط الثقافي السعودي، ويهدف إلى توثيق جميع مظاهر الثقافة في مناطق المملكة عبر التسجيل الميداني للحراك الثقافي والفني في المدن والمحافظات السعودية باختلاف أنواعه وتوثيقه بالصور الفوتوغرافية والفيديو، في بادرة تُعدّ الأولى من نوعها في المملكة بهذا الشمول والتنوع.
«دار القلم» تحمل اسم ولي العهد
في 27 أبريل (نيسان) 2020، تمت الموافقة على إطلاق اسم الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، على مركز «دار القلم» في المدينة المنورة، ليكون باسم «مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي»، بناءً على طلبٍ تقدم به وزير الثقافة.
مؤسسة لتنظيم بينالي عالمي
في 31 مايو (أيار) 2020، تم الإعلان عن إنشاء مؤسسة «ثنائيات الدرعية» المعنية بالفنون المعاصرة، التي تم تصميمها لتكون المسؤولة عن تنظيم بينالي سنوي في المملكة يتم التناوب فيه بين معرضٍ للفنون المعاصرة ومعرضٍ للفنون الإسلامية.
«الحالة الثقافية في المملكة»
في 10 يونيو (حزيران) 2020، أصدرت وزارة الثقافة النسخة الأولى من تقرير «الحالة الثقافية في المملكة»، وهو عبارة عن نتائج دراسة بحثية أجرتها لمعرفة واقع القطاع الثقافي السعودي تحت عنوان «تقرير الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية 2019م: ملامح وإحصائيات». وتضمن سرداً شاملاً للمعلومات والأرقام والوقائع المرتبطة بالقطاعات الثقافية الـستة عشر التي اعتمدتها وزارة الثقافة في وثيقة رؤيتها وتوجهاتها، والتي تتحرك فيها بوصلة الإبداع السعودي.
وفي 17 من الشهر ذاته، تم نشر النسخة الكاملة من تقرير «الحالة الثقافية في المملكة».
80 مهنة ثقافية
في 17 يونيو (حزيران) 2020 وافق مجلس الوزراء السعودي على إدراج أكثر من 80 مهنة ثقافية ضمن التصنيف السعودي الموحّد للمهن الجديد، في خطوة تُعدّ الأولى في تاريخ المملكة، ستمنح الناشطين والناشطات في الصناعة الثقافية صفة اعتبارية لدى المجتمع والمؤسسات الحكومية والأهلية.
تطوير المكتبات بمفهوم ثقافي شامل
في 18 يونيو (حزيران) 2020، أطلق وزير الثقافة مبادرة تطوير المكتبات العامة، بمفهوم ثقافي شامل، التي ستتولى إدارتها هيئة المكتبات، وستعمل من خلالها على تحويل المكتبات العامة إلى منصاتٍ ثقافية بمفهوم اجتماعي شامل وحديث، تلتقي فيه جميع أنماط الإبداع الثقافي، ويجد فيه الأفراد من مختلف شرائح المجتمع ما يمنحهم المعرفة والمشاركة والتفاعل في تجربة ثقافية متكاملة.
الجوائز الثقافية الوطنية
في 30 يونيو (حزيران) 2020، أطلقت وزارة الثقافة مبادرة «الجوائز الثقافية الوطنية» وتقدمها وزارة الثقافة لتكريم المبدعين في المجال الثقافي السعودي، وفي مختلف الأفرع الثقافية، متضمنة 14 جائزة ثقافية سيتم منحها بشكل سنوي لأهم الإنجازات الثقافية التي يحققها الأفراد السعوديون أو المؤسسات الناشطة في المملكة. وتتوزع الجوائز إلى جائزة شخصية العام الثقافية، جائزة الثقافة للشباب، جائزة المؤسسات الثقافية، بالإضافة إلى جائزة الأفلام، جائزة الأزياء، جائزة الموسيقى، جائزة التراث الوطني، جائزة الأدب، جائزة المسرح والفنون الأدائية، جائزة الفنون البصرية، جائزة فنون العمارة والتصميم، جائزة فنون الطهي، جائزة النشر، جائزة الترجمة.
برنامج الابتعاث الثقافي
في 20 يوليو 2020 أعلن أن عدد المرشحين والمرشحات للانضمام لبرنامج الابتعاث الثقافي بمساراته الثلاثة بلغ 1157 مرشحاً ومرشحة، وذلك من مجمل الطلبات المقدمة على مسارات البرنامج الثلاثة.
متحف «طارق عبد الحكيم»
في 17 أغسطس 2020، تم الإعلان عن إنشاء متحف موسيقي خاص بالفنان الراحل طارق عبد الحكيم في مدينة جدة البلد، وبمحتويات تُعبّر عن ثراء التاريخ الموسيقي المحلي وإسهامات الفنان الراحل في مسيرة الفن في المملكة.
وسيفتتح المتحف في أواخر عام 2022، وسيقام بشكل دائم في بيت المنوفي بمنطقة البلد التاريخية المسجلة في قائمة اليونيسكو للتراث العالمي في عام 2014.
ويتضمن المتحف مجموعة من أرشيف ومتعلقات طارق عبد الحكيم الشخصية، من آلات موسيقية وبكرات لتسجيلاته، وألبومات صور، وبعض المقطوعات الموسيقية لكبار المطربين العرب، مثل أم كلثوم وعبد الوهاب، إلى جانب وثائق مرئية وصوتية لطارق عبد الحكيم، وهو يؤدي مؤلفاته مع آخرين، ومؤلفاته الموسيقية من الأناشيد الوطنية وغيرها.
«قاعدة البيانات الثقافية»
في 2 سبتمبر (أيلول) 2020، أعلنت وزارة الثقافة عن استبيان لمنسوبي القطاع الثقافي السعودي تحت عنوان «قاعدة البيانات الثقافية» لتسجيل جميع القوى والكوادر الفاعلة في القطاع، وتسجيل بياناتها المهنية والشخصية، ولتحقيق أعلى مستوى من التواصل مع جميع الفنانين والمثقفين في مختلف التخصصات الإبداعية التي تشمل الأفلام، واللغة والترجمة، والكتب والنشر، والموسيقى، والمسرح والفنون الأدائية، والأدب، والفنون البصرية، والأزياء، والمكتبات، والتراث، والمتاحف، وفنون العمارة والتصميم، وفنون الطهي.
مجمع الملك سلمان العالمي
للغة العربية
في 2 سبتمبر (أيلول) 2020، وافق مجلس الوزراء السعودي على تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، لإبراز مكانة اللغة العربية وتفعيل دورها إقليمياً وعالمياً، وتعزيز قيمتها المعبرة عن العمق اللغوي للثقافة العربية والإسلامية.
وسيعمل المجمع على إحياء روح الاعتزاز بالهوية الثقافية العربية، وتشمل أنشطته دعم تطبيقات ومنتجات وأبحاث اللغة العربية في المملكة والعالمين العربي والإسلامي.
أول متحف إبداعي عن النفط
في 9 سبتمبر (أيلول) 2020، أعلنت وزارتا الثقافة والطاقة عن إطلاق أول متحف دائم عن النفط بالشراكة مع مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية تحت عنوان «متحف الذهب الأسود»، وسيقام في يوليو (تموز) عام 2022، في مقر المركز بالرياض، بمشاركة فنانين من مختلف دول العالم.
السعودية في عضوية
لجنة التراث الثقافي باليونيسكو
في 10 سبتمبر (أيلول) 2020، انتخبت السعودية من قبل الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، لعضوية لجنة التراث الثقافي غير المادي، وذلك أثناء انعقاد الجمعية العامة الثامنة للدول الأطراف في اتفاقية صوْن التراث الثقافي غير المادي التي أقيمت في مقر «اليونيسكو» بالعاصمة الفرنسية (باريس) بحضور ممثلي 178 دولة.
اكتشافات أثرية تعود لأكثر
من 120 ألف سنة
في 16 سبتمبر (أيلول) 2020، تم الإعلان عن اكتشاف فريق سعودي دولي مشترك لآثار أقدام لبشر وفيلة وحيوانات مفترسة حول بحيرة قديمة جافة على أطراف منطقة تبوك يعود تاريخها إلى أكثر من 120 ألف سنة من الآن.
وأكد الرئيس التنفيذي لهيئة التراث الدكتور جاسر بن سليمان الحربش أن هذا الاكتشاف الأثري الجديد والمهم يمثل الدليل العلمي الأول على أقدم وجود للإنسان على أرض الجزيرة العربية، كما أنه يقدم لمحة نادرة عن بيئة الأحياء أثناء انتقال الإنسان لهذه البقعة من العالم.
متحف «البحر الأحمر»
في 20 سبتمبر (أيلول) 2020، أعلن عن إنشاء متحف البحر الأحمر في مبنى «باب البنط» بجدة التاريخية، الذي سيُفتتح في أواخر عام 2022، متضمناً مقتنيات ومخطوطات وصوراً وكتباً نادرة، تحكي في مجموعها قصة «مبنى البنط» التراثي بوصفه نقطة اتصال تاريخية بين سكان ساحل البحر الأحمر والعالم، ومدخلاً رئيسياً للحجاج والتجار والسياح إلى مدينة جدة.
اجتماع وزراء الثقافة
في مجموعة «العشرين»
في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، بتنظيم من وزارة الثقافة السعودية، عقد وزراء الثقافة في دول مجموعة العشرين اجتماعاً افتراضياً، أكدوا خلاله دعم الاقتصاد الثقافي العالمي، وتعزيز دوره، عبر اجتماعات سنوية تقام أثناء انعقاد قمم دول مجموعة «العشرين»، وأكدوا التزامهم بدعم الجهود الساعية للمحافظة على التراث الطبيعي في العالم، ومن ضمنه التراث المغمور تحت المياه.
وحمل الاجتماع شعار «نهوض الاقتصاد الثقافي: نموذجٌ جديد»، وناقش فيه وزراء الثقافة ومسؤولون من منظماتٍ دولية المحافظة على التراث والتنمية المستدامة والثقافة بصفتها محفزاً على النمو الاقتصادي، وركز الحوار على توظيف التكنولوجيا الحديثة وتطوير المنصات الرقمية من أجل التعبير الفني وتسهيل الوصول إلى المصادر الثقافية.
«حاضنة الأزياء»
في 3 ديسمبر (كانون الأول) 2020، أطلقت وزارة الثقافة «برنامج حاضنة الأزياء» الذي يُعدّ الأول من نوعه في المملكة لدعم روّاد الأعمال والمواهب في قطاع الأزياء والقطاعات ذات العلاقة وتطوير منتجاتهم.

تعيينات ثقافية
> في 9 فبراير (شباط) 2020، عين وزير الثقافة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، الروائي محمد حسن علوان رئيساً تنفيذياً لهيئة الأدب والنشر والترجمة.
كما عيّن في 12 فبراير (شباط) 2020، ميادة بدر رئيساً تنفيذياً لهيئة فنون الطهي، وهي خريجة المدرسة الدولية «كوردون بلو» في باريس، كما تدربت تحت إشراف طهاة معروفين دولياً.
في 19 فبراير (شباط) 2020، تم تعيين الدكتور ستيفانو كاربوني رئيساً تنفيذياً لهيئة المتاحف، ويُعد كاربوني من المتخصصين في مجال المتاحف، وسبق له أن تولى إدارة العديد من المتاحف والمعارض الفنية في العالم، وعمل في متحف متروبوليتان في نيويورك لمدة 16 سنة، خلال الفترة من 1992 إلى 2008، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في اللغة العربية والفن الإسلامي من مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن عام 1992.
وفي 16 فبراير (شباط) 2020، عيّن وزير الثقافة سلطان البازعي رئيساً تنفيذياً لهيئة المسرح والفنون الأدائية.
وفي 23 فبراير (شباط) 2020، تمّ تعيين جهاد الخالدي رئيسة تنفيذية لهيئة الموسيقى، وتتمتع الخالدي بخبرات في المجال الموسيقي تمتد لأكثر من 33 سنة، حيث كانت تعمل عازفة كمان ضمن الأوركسترا المصرية لمدة 8 سنوات، كما حصلت على درجة البكالوريوس في عزف الكمان وفي نظرية الموسيقى من المعهد العالي للموسيقى في القاهرة، إلى جانب خبرتها ومعرفتها الإدارية.
في 26 فبراير (شباط) 2020، تم تعيين عبد الرحمن العاصم رئيساً تنفيذياً لهيئة المكتبات.
وفي 8 أبريل (نيسان) 2020، كلّف وزير الثقافة الدكتور جاسر الحربش رئيساً تنفيذياً لهيئة التراث.
وفي 30 أبريل (نيسان) 2020، عين وزير الثقافة الدكتورة سمية السليمان رئيسة تنفيذية لهيئة فنون العمارة والتصميم.
وفي 7 يونيو (حزيران) 2020، عيّن وزير الثقافة المهندس عبد الله آل عياف القحطاني رئيساً تنفيذياً لهيئة الأفلام.
في 7 يوليو (تموز) 2020، تمّ تعيين دينا أمين رئيسة تنفيذية لهيئة الفنون البصرية
وهي من الخبرات السعودية المتخصصة في الفنون البصرية أكاديمياً ومهنياً، وحاصلة على درجة البكالوريوس في تاريخ الفنون والهندسة المعمارية من كلية ولزلي بولاية ماساتشوستس في الولايات المتحدة.



التين والزيتون في رؤية توماس مان

توماس مان
توماس مان
TT

التين والزيتون في رؤية توماس مان

توماس مان
توماس مان

نقع في المجلد الحادي عشر من الأعمال الكاملة للروائي الألماني الكبير توماس مان على نصٍّ بالغ الأهميَّة ظلّ خارج اهتمام الدارسين العرب والمسلمين، بعنوان: (أشجار الحديقة: خطابٌ من أجل أوروبا الجامعة). ويتخذ النصُّ رمزية شجرتي التين والزيتون مدخلاً إلى نقد تحولات موقع ألمانيا في الفضاء الأوروبي، وما يعتريه من توتر بين خصوصيتها الثقافيَّة العميقة وانخراطها في المشروع الأوروبي الحديث.

ألقى توماس مان هذا النص عام 1930 في برلين أمام جمعية (خطة أوروبا)، قبل أن يعيد توظيف بنيته الرمزية لاحقاً في روايته الكبرى «يوسف وإخوته»، التي صدرت بالعربية سنة 2024 في أربعة مجلدات. ومن أجل التحضير لهذه الرواية، انكبَّ على دراسة التاريخ المصري القديم والأساطير الشرقية حتى غدا مختصّاً فريداً بتلك الموضوعات، إلى درجة أن Jan Assmann خصَّص كتاباً للحديث عن معارف توماس مان ومعالجاته، عنوانه: Thomas Mann und Ägypten: Mythos und Monotheismus in den Josephsromanen ويعني بالعربية: توماس مان ومصر: الأسطورة والتوحيد في روايات يوسف.

وعلى الرغم من مرور قرابة قرن على نشر هذا النصِّ/الخطاب، فإنَّه ما زال بكراً في حقل الدراسات المقارنيَّة؛ إذ لم يُستثمر حتى الآن في ضوء النصِّ القرآني وتأويلاته التراثية الإسلامية.

يبدأ توماس مان خطابه بالقول: «تتكلم الأساطير الشرقيَّة عن شجرتين في حديقة العالم تُنسب إليهما دلالة كونيَّة أساسيَّة ومتعارضة جذرياً. الأولى شجرة الزيتون، التي يُدهن بزيتها الملوك ليحيَوا. فهي شجرة الحياة، المقدسة للشمس؛ فمبدأ الشمس، بما فيه من عقل ورجولة ووضوح، متصل بجوهرها. وما يصدر عنها هو القداسة والعزم والثقة. إنِّها عزاء للشعوب وباعث طمأنينة لها من الألم والمخاوف.

أما الثانية فشجرة التين، المملوءة ثمارها حلاوة، ومن يأكل منها يموت. فهي شجرة الموت، غير أن معناها يمتدُّ أيضاً إلى المعرفة والتمييز والنشاط الجنسي. إنَّها شجرة القمر، المتصلة بعالم قمري ساحر من الليل والخصب والعمق الحسي، وتهب العالم والروح أشياء كثيرة مما لا تدركه بركة شجرة الزيتون الملكية المشرقة.

في ظلِّ التضاد الكوني كما يتجلى في أسطورة هاتين الشجرتين في حديقة العالم، بقي طموح البشريَّة نحو الحقيقة وسعيها إلى غاياتها محكوماً عبر جميع العصور بهذا الانقسام الثنائي، إلى حدٍّ يمكن معه القول: إن التاريخ الفكري نفسه لا يعدو أن يكون سلسلة من الجدل والصراع بين هذين المبدأين المتقابلين»، (انظر: توماس مان، (Gesammelte Werke)، المجلد الحادي عشر، ص 861).

يتابع توماس مان تقريره بأنَّ العالم الغربي بنى جزءاً كبيراً من حضارته على قيم العقل والتنظيم والفعل السياسي وإرادة التقدم. أما ألمانيا فهي، في هذا السياق، تميل إلى تعميق الجانب الداخلي للحياة: التأمل والغموض واللاوعي الإبداعي والانغماس في التجربة الروحيَّة. وهذه الخصوصية ليست سلبية في ذاتها، بل هي مصدر غنى ثقافي وروحي، لكنَّها تصبح مؤذية عندما تنزلق نحو سياسية تغذّي الفاشيَّة واللاعقلانيَّة الجماعيَّة، فتعزل نفسها عن الفضاء الأوروبي المشترك.

بهذا المعنى، يصبح النصُّ دعوةً إلى مصالحة داخليَّة بين ما هو داخلي وما هو خارجي في الإنسان، بين التجربة الفردية العميقة والمسؤوليَّة العامة، بين الفن والسياسة، وبين الحياة كما تُعاش والحياة كما تُنظَّم.

فالتين والزيتون مبدآن متكاملان ومتعارضان في الوقت نفسه. والحضارة الإنسانيَّة تقوم على جدل دائم بين الروح والعقل من جهة، والنفس والليل والرغبة من جهة أخرى. والإنسان يحتاج إلى عالم الزيتون، لكنَّه لا يستطيع أن يعيش من دون عالم التين أيضاً. ومن هنا تأتي الطبيعة التراجيديَّة لرؤية مان، حيث يصبح التوتر بين الليل والنهار جزءاً من بنية الوجود نفسه.

ويبدو جليّاً أن توماس مان يضع هذا البناء الأسطوري منذ البداية ضمن أفقٍ قابلٍ للمقارنة الثقافيَّة والدينيَّة، ولذلك كان من الطبيعي أن يقفز ذهن المسلم إلى إجراء مقارنة بين ثنائيته الرمزيَّة (التين/الزيتون) والسورة القرآنيَّة (التين) وما تراكم حولها من شروح تراثيَّة، في إطار رؤية أوسع لتاريخ الرموز بوصفه حقلاً مشتركاً بين الحضارات، لا ملكيَّة حصريَّة لأيِّ تقليدٍ بعينه.

«وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ > وَطُورِ سِينِينَ > وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ > لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ > ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ > إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ > فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدِّينِ > أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ».

للوهلة الأولى يتبادر إلى الذهن أن التين والزيتون هما الثمرتان المعروفتان، وهذا ما يرجّحه إمام المفسرين الطبري، ولكن كثيراً من المفسرين، ومنهم ابن تيمية، يذهبون إلى أنَّ التين والزيتون يشيران إلى جغرافيا الوحي والتاريخ المقدَّس. يقول ابن تيمية: «والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين: إقسامٌ منه بالأمكنة الشريفة المعظَّمة الثلاثة التي ظهر فيها نوره وهداه، وأنزل فيها الكتب الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن». وبهذا تصبح شجرتا التين والزيتون، أو ثمرتاهما، خريطة رمزية لمسار النبوُّة الإبراهيميَّة، حيث تتصل الطبيعة بالوحي، والأرض بالتاريخ الروحي للإنسان، في إطار رؤية توحيديَّة تجعل الكون كله علامات على الهداية الإلهيَّة ووحدة الرسالات السماويَّة.

ونحن هنا أمام تناول رمزي أيضاً لشجرتي التين والزيتون، لكنه لا يظهرهما قوتين متصارعتين علينا أن نجمع ونوفّق بينهما؛ ففي التأويل القرآني يدخلان في قَسَم إلهي واحد يسبق إعلان الحقيقة الوجوديَّة عن الإنسان: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات». فالحقيقة الوجوديَّة حول صراع القوى الكونيَّة لدى توماس مان هي، في القرآن الكريم، حقيقةٌ أخلاقيَّة وروحيَّة تتعلق بمصير الإنسان، وداخل الذات الإنسانيَّة نفسها.

وهكذا يتبدّى الفرق بين مشروعين تأويليين: أحدهما يجعل من الرموز ساحة لصراع حضاري مأساوي بين التين والزيتون، والشمس والقمر، والعقل والليل، والآخر يدمجها في أفق الهداية ووحدة المعنى الكوني.

لقد كان توماس مان النذير العريان الذي نفخ بالبوق في أجواء ألمانيا، منبِّهاً إياها إلى ضرورة التوازن وعدم الانزلاق من عالم الشمس إلى عالم القمر، أو من رمزيَّة الزيتون إلى رمزيَّة التين، حتى لا تهوي في درك النازيَّة المنغمسة في رومانسيتها المظلمة. وهذا ما جعل خطابه يتجاوز التنظير إلى التنبُّؤ التحذيري، لكنّه، في أثناء ذلك، لم يقف عند حدود التأويل الميتافيزيقي؛ إذ سرعان ما تحوّلت الرموز لديه إلى أداة تصنيف للحضارات على الطريقة الاستشراقيَّة الفجّة والتبسيطيَّة المشوِّهة، فنراه يقول في هذا الخطاب:

«ولا شكَّ في أنَّ قارتنا، وكلَّ ما يحمل بصمتها، أي العالم الغربي، منذ أيام الإغريق الذين عبدوا زيوس، ومنذ ظهور المسيحية، قد التزمت في جوهرها، بإيمانها وحياتها الدينيَّة، بالمبدأ الشمسي، عالم قدسية الإرادة والحرية والحكمة والعمل. نعم، إذا كنّا نتحدث هنا عن الوحدة الثقافيَّة لأوروبا والتجربة الأوروبيَّة الحاسمة، التي هي يونانيَّة، فمن الطبيعي أن نستند إلى هذين العنصرين المشتركين، وأن نعتبر الإيمان الروحي الرابط الأوروبي الحقيقي، بينما نُحيل تأليه المبدأ القمري، الأمومي والروحاني السلبي، إلى الشرق، إلى آسيا وطبيعتها الباهتة والهمجيَّة»، (انظر: توماس مان، الأعمال الكاملة (Gesammelte Werke)، المجلد الحادي عشر، ص 486).

وهكذا تتحول هذه الثنائيات إلى نموذج لتفسير التوتُّر الحضاري في أوروبا الحديثة، ثم يقترح حلّها بإقامة نوع من التركيب أو المصالحة بين الأضداد داخل وحدة ثقافيَّة أعلى، أما النصُّ القرآني فلا يقدّم هذه الثنائية بوصفها بنية أنطولوجية للعالم أو معادلة رمزية داخل الطبيعة، بل يدرجها ضمن سياق قَسَمي يُحيل إلى معنى توحيدي شامل يتعلق بالإنسان، الكائن المكرّم ابتداءً، ثم الممتحن باختبارٍ أخلاقيٍّ حرٍّ، فيه إمكان السقوط ابتداءً، وإمكان الارتقاء استمراراً وانتهاءً.

إنَّ هذه المقارنات الثقافيَّة قد تُغني أفق القراءة، وتكشف عن تشابكات رمزيَّة إنسانيَّة واسعة، لكنَّها تظلُّ أدواتٍ للفهم لا مصادرَ للمعنى النهائي.

أمَّا سؤال: إلى أي مدى يسمح النصُّ القرآني بأن يُقرأ عبر خرائط رمزيَّة عابرة للثقافات؟ فجوابه يظلُّ مفتوحاً بين حذر مناهج التفسير الكلاسيكيَّة، وخصوبة الدراسة المقارنيَّة.

* باحث سوري

على الرغم من مرور قرابة قرن على نشر نص/ خطاب توماس مان، فإنَّه ما زال بكراً في حقل الدراسات المقارنيَّة


التناقض محرك العالم

هيغل
هيغل
TT

التناقض محرك العالم

هيغل
هيغل

حين كتب هيغل أن «التناقض هو المبدأ المحرّك للعالم نفسه»، لم يكن يقصد مجرد لفظ قانوني في لعبة ذهنية داخل كتب المنطق، بل كان يرى أن التاريخ، كما نعرفه، يتحرك عبر صراعات لا تبقى ساكنة، وأن الأمم التي تتعامل مع التناقض بوصفه قدراً نهائياً تسقط في العجز، في حين الأمم التي تحوّله إلى لحظة عبور تخرج من الأزمة أكثر وعياً بقوتها وموقعها. لأنها أدركت أن الأزمة ليست سجناً مغلقاً، بل انكشاف لإمكانات كانت كامنة فيها، وفرصة لاختيار صورة جديدة لذاتها ومستقبلها. ولهذا يُضيف هيغل أن التناقض «ليس نهاية الأمر، بل إنه يلغي نفسه». فالفكر الحقيقي لا يقف عند الصدام، بل يبحث عمّا يتجاوز الصدام.

ولذلك كان هيغل يرفض النظر إلى التناقض بوصفه خطأً في التفكير أو عيباً ينبغي التخلص منه. فالتناقض عنده هو العلامة التي تكشف أن فكرة ما أو نظاماً ما قد بلغ حدوده الداخلية، وأنه لم يعد قادراً على الاستمرار بالصورة نفسها. ولهذا فإن كل مرحلة تاريخية تحمل في داخلها عناصر نفيها الخاص. فالدول، والمؤسسات، والأفكار، لا تواجه أزماتها بسبب ضغوط خارجية فقط، بل لأن تناقضاتها الداخلية تدفعها إلى مراجعة نفسها، والبحث عن صورة جديدة لوجودها.

ومن هنا تأتي أهمية ما يُسميه هيغل «الرفع»، أي الحركة التي لا تكتفي بإلغاء أحد الطرفين لصالح الآخر، بل تتجاوزهما معاً في مستوى أعلى. فالتاريخ لا يتقدم عبر الانتصار البسيط لأحد الأضداد، وإنما عبر نشوء وضع جديد يستوعب ما كان صحيحاً في الطرفين، ويتجاوز ما كان محدوداً فيهما. ولهذا لم يكن هيغل مفتوناً بالصراع لذاته، بل بما ينتجه الصراع من وعي جديد. فالأمم التي تنجح في تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة تعريف موقعها في العالم تخرج من التناقض أقوى مما دخلته، أما الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل فإنها تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف. ومن هنا كان التناقض ليس علامة انهيار بالضرورة، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر نضجاً واتساعاً.

الحرب الأميركية الإيرانية، بما حملته من تهديد للممرات البحرية، واضطراب في مصير الطاقة، وتوتر في الخليج، وضعت المنطقة كلها داخل تناقض تاريخي حاد. فمن جهة، هناك مشروع إيراني يقوم على توسيع النفوذ عبر الأذرع المسلحة، وتحويل المنطقة إلى ساحات استنزاف مفتوحة. ومن جهة أخرى، هناك تدخل أميركي لا ينظر إلى المنطقة إلا من زاوية التوازنات الاستراتيجية والمصالح الكبرى. وبين هذين القطبين كان يمكن للمنطقة أن تتحول إلى مجرد مسرح لصراع الآخرين، وأن تُختزل دولها إلى ردود أفعال متوترة تعيش داخل التناقض دون القدرة على تجاوزه.

لكن الحكماء في السعودية تحركوا بطريقة مختلفة. لم تتعامل السعودية مع الحرب باعتبارها فرصة للانفعال الخطابي، ولا باعتبارها لحظة للاندفاع غير المحسوب، بل بوصفها اختباراً تاريخياً لوعي الدولة بنفسها. فالدول الصغيرة في التاريخ تذوب عادة داخل التناقضات الكبرى، أما الدول التي تمتلك رؤية فتبحث عن موقع يجعلها قادرة على عبور الصراع، لا الارتهان له.

هنا يظهر المعنى العميق لفكرة هيغل. التناقض ليس محطة أخيرة. والخطر الحقيقي ليس وجود الصراع، بل التحول إلى أسير له. المنطقة عاشت عقوداً طويلة داخل ثنائية مرهقة، إما الانخراط الكامل في المحاور، وإما الانهيار تحت ضغطها. أما السعودية الجديدة فبدأت تبحث عن شيء آخر، عن بناء مركز ثقل سياسي واقتصادي يجعلها قادرة على حماية مصالحها دون أن تتحول إلى تابع لهذا الطرف أو ذاك.

ولهذا لم يكن التركيز السعودي منصباً فقط على إدارة الأزمة الأمنية، بل على منع الحرب من ابتلاع المستقبل كله. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تتجه إلى لغة الصواريخ والردود المتبادلة، كانت السعودية تدفع باتجاه تثبيت الاقتصاد، وحماية أسواق الطاقة، واستمرار مشروعات التحول الكبرى، لأن الدولة التي تعيش داخل التناقض وحده تفقد قدرتها على رؤية ما بعده.

إن أخطر ما في الحروب ليس الدمار المباشر فقط، بل إنها تدفع المجتمعات إلى التفكير اللحظي، وتجعلها سجينة الخوف والانفعال. وهنا يمكن فهم جانب من التحول السعودي خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة لم تعد تريد أن تُعرّف نفسها فقط عبر موقعها داخل الأزمات، بل عبر مشروعها الخاص. ولهذا أصبح الحديث عن المدن الجديدة، والاستثمار، والتقنية، والسياحة، والثقافة، جزءاً من الأمن القومي نفسه، لا مجرد ملفات منفصلة عنه.

لقد فهمت السعودية أن العالم لا يحترم الدول التي تعيش داخل رد الفعل الدائم، فالقوة الحقيقية ليست في رفع مستوى التوتر، بل في القدرة على منع التوتر من تدمير الداخل. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الموقف السعودي كان محاولة لتحويل التناقض إلى لحظة إعادة تموضع تاريخي، لا إلى هاوية مفتوحة.

لقد كان بإمكان المنطقة كلها أن تنزلق إلى ما يُشبه ما وصفه هيغل بـ«الليلة السلبية»، أي ذلك الظلام الذي يبتلع المعنى ولا يترك سوى التدمير المتبادل. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما يُقال في لحظات الغضب، بل بما يُبنى أثناء هدير العاصفة. ولهذا بدت السعودية أكثر ميلاً إلى تثبيت التوازنات، ومنع الانهيار الشامل، والعمل على إبقاء الخليج فضاءً قابلاً للحياة الاقتصادية والسياسية، لا مجرد جبهة حرب مفتوحة.

إن التفكير في التناقض، وفق المعنى الهيغلي، ليس تمجيداً للصراع، بل رفضٌ لتحويله إلى قدر أبدي. والتاريخ لا يتقدم لأن الحروب تقع فقط، بل لأن بعض الدول تنجح في الخروج من الحروب وهي أكثر قدرة على فهم نفسها والعالم. وربما كانت هذه هي اللحظة التي سعت السعودية إلى أن تصنعها اليوم؛ أن تتحول من دولة تستهلكها تناقضات المنطقة إلى دولة تُعيد تشكيل معنى المنطقة نفسها.

* كاتب سعودي

الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف


حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك
TT

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان، الشهر الماضي، اعترفت خلاله أنها استخدمت الذكاء الاصطناعي، لإتمام بعض المهمات في كتابة روايتها الأخيرة. وصل السخط في البعض إلى حدّ المطالبة بسحب الجائزة العالمية من الأديبة. قالت توكارتشوك إنها اشتركت في نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي، وانبهرت من النتائج التي حصلت عليها، ووصفته بأنه «يوسّع الآفاق ويعمق التفكير الإبداعي».

ومن بين ما قالته إنها بينما كانت تكتب روايتها التي تصدر الخريف المقبل، وتدور أحداثها في القرن التاسع عشر، لجأت إلى برنامجها الأثير وسألته عن الأغاني التي رقصت عليها شخصياتها في تلك الفترة من الزمن لإتمام مشهد تكتبه عن حفل راقص. وحسب الأديبة، فإن أسماء إحدى الأغنيات لم تكن صحيحة، لذلك تحذر من الهلوسة.

اعترافات مثيرة

زادت تورتشوك الطين بلة حين شرحت أنها أحياناً تعود إلى برنامج الدردشة، وتسأله: «كيف يمكنني يا عزيزي أن أطور هذه الفكرة بشكل جميل؟»، وهو ما يعني أنها تطلب المساعدة حتى في بناء الرواية. واعتبرت الأديبة أن هذه التقنية حسب ما اكتشفت «لها نتائج وأبعاد لا تصدق».

انتشر الخبر، وتسبب بنقاشات واسعة، خصوصاً حول أحقية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الروايات، وفي العمليات الإبداعية بشكل عام. اضطرت الأديبة النوبيلية لإصدار بيان توضح فيه أنها لا تلجا للذكاء الاصطناعي في الكتابة، إنما في البحث عن المعلومات والأرشفة. وأوضحت أن كتابها الجديد، لم تكتبه باستخدام الذكاء الاصطناعي ولا بمساعدة أي شخص آخر. «لقد كتبتُ بمفردي لعقود عديدة»، وهي تتعامل مع هذه التقنية الحديثة كأداة تسمح لها بتوثيق الحقائق والتحقق منها بشكل أسرع، مستعيضة عما كانت تفعله حين تبحث في الكتب والمراجع.

الذكاء الاصطناعي قدر محتوم

بصرف النظر عن مدى استفادة النوبيلية الشهيرة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، وهي أديبة لها رواياتها وتاريخها ونتاجها المتميز، وهو ما يحمي نسبياً سمعتها الإبداعية. إلا أن الخطورة الفعلية هي في صعوبة مقاومة الأدباء لمهارات التطبيقات التوليدية. والسؤال المطروح، هل بقي للكاتب من وظيفة؟ وهل الإبداع عملية بشرية متجددة، أم قضية تقنية يمكن استنساخها وتقليدها؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل الذكاء الآلي سيكون سبباً في موت الإبداع والتجدد الإنسانيين؟

للأسف أياً تكن الإجابة ثمة من يعتقد أن فرملة هذا التطور التقني هو أمر شبه مستحيل، بسبب التنافس التجاري المتوحش بين الشركات الكبرى التي بلغت اسثماراتها مئات مليارات الدولارات، وهي تتنافس كي تتمكن من تعويض ما استثمرته في أسرع ما يمكن، قبل أن تحل بها خسارة فادحة. بالتالي يصعب التمييز في كلام مسؤولي هذه الشركات الكبرى بين الوعود الترويجية المزيفة والواقع الفعلي. لكن علماء كثيرين، بعضهم حاصلون على «نوبل» وجوائز علمية، يعتبرون أن العقل البشري بتمايزه لا يزال إلى الآن العامل الأساسي في الابتكار والتحليل والتفسير العلمي.

جوائز للبشر أم للآلة

لكن في خضم هذه الفوضى، فازت الكاتبة اليابانية ري كودان بجائزة «أكوتاغاوا» المرموقة عام 2024 رغم اعترافها بأن نحو 5 في المائة من روايتها «برج التعاطف في طوكيو» أنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأثارت جدلاً واسعاً. وبين من يريد أن يبيع الكتب ويربح المال بأي ثمن، ومن يود أن يستفيد من الأدوات المتوفرة ليدفع بإبداعه إلى الأمام، تختلف نوايا الكتاب وأهدافهم من استخدام التقنيات المتاحة. فقد خاض الكاتب الكندي المعروف ستيفن مارش مغامرته عام 2023 تحت اسم مستعار هو «أيدان مارشين»، وقام بإصدار رواية سماها «موت المؤلف». وقال إن 95 في المائة من النص تم توليده عبر الذكاء الاصطناعي. الرواية لم تكن بديعة، لكنها محاولة ووصفتها «نيويورك تايمز» بأنها «أول رواية ذكاء اصطناعي قابلة للقراءة إلى حدّ ما».

هناك من يعترف من الأدباء ومن لا يعترف بأن البرامج التوليدية باتت لا غنى عنها أثناء الكتابة، سواء في البحث أو الأرشفة. ومنهم من يبلغ به الحال حدّ المساعدة في تطوير الشخصيات والحبكات، أو البحث عن الاحتمالات الممكنة للأحداث، والاستخدامات تتوسع.

الأديبة أولغا توكارتشوك التي أثارت نقاشاً حساساً حول حدود إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي، هي واحدة من أبرز أدباء جيلها، إضافة إلى «نوبل» حاصلة على جائزة «بوكر مان». وهي ناشطة حقوقية وكتاباتها تعكس اهتمامها بالإنسان والهوية وسؤال الحرية والبيئة، وتحليل النفس البشرية. «عرفت بخصب خيالها السردي الذي يتميز بشغف موسوعي يجسّد عبور الحدود كوسيلة للحياة»، حسب لجنة «نوبل».

لذلك فإن رأيها في التحديات التي يتعرض لها الأدب، بسبب التطورات التقنية يجب أن يؤخذ على محمل الجد. وهو رأي انتشر كالنار في الهشيم لأنه تم تناقله بكثافة على وسائل التواصل عبر تسجيل مصور.

أصالة أم تزييف؟

تابعت توكارتشوك قائلةً: «على عكس ما يتردد، أعتقد أننا نحن الكُتّاب، بحكم خصوصية حرفتنا، سنكون الأكثر انسجاماً مع أدوات مثل الذكاء الاصطناعي». بالطبع لم يعتبر محبو توكارتشوك ما تقوله خبراً ساراً أو مطمئناً. وعلقت صحافية بولندية بالقول: «يجدر التذكير بأن هذه الجائزة تُؤكد على فردية الكتابة وأصالتها. ومن الصعب الحديث عن هذه الأصالة عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بإنشاء الحبكات والجمل نيابةً عنا. كما أن نماذج اللغة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تتعلم من أعمال الكُتّاب، بمن فيهم كُتّاب من بولندا، غالباً دون موافقتهم أو حتى علمهم».

لا روايات بعد اليوم

الأهم من اعتراف الأديبة باللجوء إلى النماذج التوليدية هو قولها إن روايتها التي تستعد لإصدارها ستكون الأخيرة من هذا الصنف الطويل الذي يحتاج جهد سنوات. «لأن العالم، يبدو وكأنه دخل في حالة جمود مدمر، ولم يعد يستحق روايات طويلة وشيقة. كما يتناقص عدد الراغبين في قراءة هذا النوع من الكتب باستمرار»، وتضيف أنه في الماضي، كانت هذه الكتب تحظى بشعبية كبيرة. «أما الآن، فبالنسبة للكثيرين، تُعد قراءة رواية تحدياً شاقاً». وهي تأسف لأن غالبية القراء يسعون لمعرفة نهاية روايتها التي قضت سبع سنوات في تأليفها «كتب يعقوب» وتقع في ألف صفحة باللجوء إلى ملخصات صغيرة، وهو ما يحرم العمل حقه والكاتب أن يرى مردوداً لجهده وصبره.

الخطير في الأمر أن نرى أديبة عالمية الصيت، بلغت 64 من عمرها، قضت عمرها كله في كتابة الروايات، نالت أعظم الجوائز، وتوجت متفوقة على كل أقرانها، تقول إن هذا الصنف من الكتابة لم يعد له من قراء، وتعبر عن يأسها ومرارتها وكأنما كل ما كتبته يفقد قيمته بسرعة. «أتألم حين أفكر في أن أعمالاً أدبية كلاسيكية، كرّس لها أفرادٌ ذوو وعي كامل حياتهم، تتلاشى. أشعر بأسف بالغ على بلزاك، وسيوران، ونابوكوف الفريد، لأنه على الرغم من حماسي، لا أعتقد أن أي غرفة دردشة حديثة قادرة على نقل مثل هذا المعنى الرائع».

الذكاء الاصطناعي في نظر توكارتشوك قد يكون وسيلةً لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق

ووسط يأس بلغ غايته تخبرنا توكارتشوك، وهي الأديبة التي اشتهرت بموسوعيتها، بأنها لن تكتب رواية طويلة بعد اليوم، وذلك «لأسباب مالية»، وتفضل أن تتفرغ لكتابة القصص القصيرة. «لا يستطيع أي ناشر في السوق الحالية تحمل عبء عمل ضخم بسعر معقول، ودفع أجر عادل. من جهة أخرى، بعد كل هذه السنوات، أرهقتني عملية الكتابة والطباعة جسدياً ونفسياً. لذلك، سأركز على القصص القصيرة».

الأدب لا يستحق التضحية

تقول: «إذا قارنا عدد الساعات التي قضيتها في تأليف (كتب يعقوب) بأجر عامل، فلن يشتريها أي ناشر». الذكاء الاصطناعي، في نظرها، قد يكون وسيلة لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق، مما يجعل إنتاج الروايات الطويلة مجدياً اقتصادياً. لكن هل حقاً بات الهدف الوحيد للكتّاب هو الربح المالي، ومن دون ذلك يتوقفون عن الكتابة. وإن كان الأمر كذلك فالأديبة البولندية حصدت من الأدب ما لم يحلم به غيرها. فإضافة إلى ما نالته من الجوائز، ترجمت إلى أكثر من 25 لغة وباعت ملايين النسخ. فهل حقاً لا يزال بمقدورها اعتبار نفسها مظلومة كأديبة وعليها أن تتوقف؟ ثم أليس هناك من عودة وحنين إلى كبار الكتاب الكلاسيكيين؟ وهناك طلب مستجد حتى على الكتب الورقية القديمة؟ فلماذا تستعجل أديبة بمستوى توكارتشوك وبحكمتها لاستخلاص النتائج؟

كتبت صحافية بولندية مرموقة رداً على الأديبة النوبلية تقول لها إن أي مجتمع يسعى باستمرار إلى إيجاد قدوة. وبالنسبة لكثيرين، كانت الحائزة البولندية على جائزة «نوبل» إحدى هذه القدوات. فهل ستظل كذلك بعد تصريحاتها الجريئة والمثيرة التي تستدعي إعادة التفكير في أمور عديدة حساسة ومفصلية؟

كلام توكارتشوك يكشف عن أزمة وجودية عميقة تواجه الأديب مهما بلغت مكانته، ومستواه الإبداعي وهو يعيش مزاحمة الآلة له، وتهميش دوره، ولجوء القراء لقرصنته، وتلخيص أعماله، والاكتفاء منها بما يختصره الذكاء الاصطناعي في جمل قليلة وسريعة.