مارتنديل من عالم الجريمة إلى قيادة ليفينغستون الاسكوتلندي

المدير الفني يتحدث عن «الجشع» الذي أدخله السجن وشعوره بالغضب والندم وآماله في المستقبل

مارتنديل يأمل في تعويض فشله باستغلال مهارته كلاعب  من خلال مشواره التدريبي مع ليفينغستون
مارتنديل يأمل في تعويض فشله باستغلال مهارته كلاعب من خلال مشواره التدريبي مع ليفينغستون
TT

مارتنديل من عالم الجريمة إلى قيادة ليفينغستون الاسكوتلندي

مارتنديل يأمل في تعويض فشله باستغلال مهارته كلاعب  من خلال مشواره التدريبي مع ليفينغستون
مارتنديل يأمل في تعويض فشله باستغلال مهارته كلاعب من خلال مشواره التدريبي مع ليفينغستون

في عطلة أعياد الميلاد عام 2004، ألقى القبض على اللاعب الإنجليزي السابق ديفيد مارتنديل، وبقى بمفرده في زنزانة خاوية بعض الأيام، نظراً لأن الشرطة ألقت القبض عليه يوم إجازة، وبالتالي كان من المفترض أن يظل محبوساً حتى يوم المحاكمة، يوم الثلاثاء التالي. يقول مارتنديل: «الحبس لمدة أربعة أيام في زنزانة بمفردك هو أمر مرعب. لقد مرت وكأنها أربعة أشهر. كنت أعرف أنني يجب أن أغير طريقة حياتي».
وتُعد رحلة مارتنديل اللاحقة من بين أكثر القصص التي لا تُصدق في كرة القدم الاسكوتلندية على مدار تاريخها الطويل. ويعود السبب في ذلك، بصورة جزئية، إلى أنه يشعر بالندم على الأعمال التي قام بها، والتي أدت إلى اعتقاله في مركز للشرطة على بُعد ياردات قليلة من ملعب «سلتيك بارك». وأكد مجلس إدارة نادي ليفينغستون يوم الجمعة الماضي أنه «يشعر بالراحة» لاستمرار مارتنديل على رأس القيادة الفنية للنادي بشكل مؤقت. وهناك العديد من الأسباب التي تجعلنا نتفهم اتخاذ النادي لمثل هذه الخطوة، خاصة بعدما أصبح مارتنديل شخصية ذات أهمية متزايدة في النادي، وعلى وشك الحصول على رخصة التدريب من الدرجة الأولى من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.
ورغم ذلك، هناك مَن يشكك في قدرة مارتنديل على قيادة النادي الذي يلعب في الدوري الاسكوتلندي الممتاز. يقول مارتنديل عن ذلك: «أعلم أن الناس سيقرأون هذا وسيكون لديهم بعض التحفظات، وأنا أتقبل هذا الأمر تماماً. كل ما أطلبه هو أن يحكمون عليّ بناءً على شخصيتي اليوم، وليس ديفيد مارتنديل في عام 2004».
وكان تورط مارتنديل في الجريمة المنظمة خطيراً بالشكل الذي جعل المحكمة تصدر حكمها عليه بالسجن لمدة ستة أعوام ونصف العام؛ فعندما بدأت أعماله التجارية في مجال الحانات والمطاعم تخسر الكثير من الأموال، تحول مارتنديل، الذي لم يكن لديه خلفية عن كرة القدم الاحترافية، إلى عالم الجريمة. يعترف مارتنديل بذلك قائلاً: «اسمع. كنت أعرف ما كنت أفعله. أنا لا أحاول التخفيف من مشاركتي في تلك الأعمال. لقد كان دافعي في ذلك مالياً من الدرجة الأولى، إنه الجشع الذي ألقى بي في هذا المصير».
ويضيف: «لقد نشأتُ في منطقة فقيرة، وكنت أطمح لأن يكون لدي سيارات من طراز (بي إم دبليو) أو (رينج روفر)؛ لم أكن أريد أن أكون ذلك الشخص الذي يذهب إلى عمله ويأتي منه فقط ويعاني لسداد إيجار المنزل في نهاية كل شهر».
وفي أغسطس (آب) 2004، عندما تم الإفراج عنه بكفالة، التحق مارتنديل بجامعة «هيريوت وات» للحصول على درجة علمية في مجال إدارة مشروعات البناء. وبعد ثماني سنوات، حصل مارتنديل على الشهادة الجامعية بامتياز مع مرتبة الشرف. لقد التزمت جامعة «هيريوت وات» بإعادة تأهيل مارتنديل ووافقت على ضمه بدوام كامل عندما خرج السجن في عام 2010. وإذا كان ذلك قد منحه إحساساً بالقيمة الذاتية والمصداقية، فإنه لا يزال يشعر بالألم بسبب ما حدث في أكتوبر (تشرين الأول) 2006، عندما قدم إقراراً بالذنب. يقول عن ذلك: «الوقوف في المحكمة العليا وأن تعلم أنك تحت رحمة القاضي، وأن مستقبلك بين يديه كان تجربة لن أكررها أبداً».
ويضيف: «اعتقدنا جميعاً أنه سيتم تأجيل القضية إلى تاريخ لاحق، لذلك أخرجت محفظتي من جيبي وخلعت ساعتي من معصمي وأعطيتها لشريكتي، التي انهارت بالبكاء. لقد شعرت بغضب شديد لأن ما قمت به قد تسبب في هذا الألم لأشخاص أحبهم».
ويتابع: «أخبرني المحامي الخاص بي أنني إذا لم أوقع على إقرار بالذنب فإنني قد أتعرض للحبس لمدة عشر سنوات. لقد كنتُ أستحق أي شيء يحدث لي، وكنتُ مصمماً على تجاوز العقوبة المفروضة علي. لقد كنت أعرف منذ اليوم الأول أنني مذنب. لقد كنت مذنباً، وكانت الطريقة الوحيدة لتصحيح الأمر - إذا كانت هذه هي الكلمة الصحيحة - هي أن يحل عليّ العقاب الذي أستحقه».
وبعد حصوله على الشهادة الجامعية، بدأ مارتنديل العمل في مشروعات البناء، لكنه لم ينسَ كرة القدم. لقد كان لاعباً واعداً وهو صغير في السن، وتولى القيادة الفنية لنادي بروكسبرن يونايتد بعد إطلاق سراحه من السجن. يقول مارتنديل، البالغ من العمر 46 عاماً: «لم أحقق قط الطموحات التي تتناسب مع إمكانياتي. لقد كنت لاعب كرة قدم جيداً، لكنني تُركت إلى الشارع أثناء نشأتي. دائماً ما كانت كرة القدم سهلة نسبياً بالنسبة لي بكل صدق، رغم أنني لم ألعب أو أدرب على المستوى الاحترافي. إنني أعلم تماماً أنني أهدرت الفرص التي جاءت في طريقي عندما كنت أصغر سناً».
وقد سمحت الظروف والترشحيات من قبل بعض الأصدقاء مارتنديل على العمل في نادي ليفينغستون، تحت قيادة المدير الفني جون ماكغلين، في عام 2014. يقول مارتنديل: «كنت أقوم فقط بجمع الكرات وأشاهد جون وهو يعمل. كنت أتطوع للعمل هناك صباح الثلاثاء وصباح الخميس، ثم أعود بعد ذلك إلى مواقع البناء».
وكان المدير الفني الذي تولى قيادة الفريق خلفاً لماكغلين، مارك بورشيل، يعرف مارتنديل جيداً، ومن هنا بدأ مارتدينديل يلعب دوراً أكبر مع النادي. وبحلول عام 2015. كان مارتنديل يحمل ابنته الصغيرة على كتفيه ويحتفل في ملعب «ماكديرميد بارك» عندما فاز ليفينغستون بكأس بتروفاك. يقول مارتنديل: «من هنا بدأت أتجه للعمل في كرة القدم على المستوى الاحترافي».
ومع ذلك، كان عمل مارتنديل في تلك الفترة لا يزال يقتصر على تنظيم المقاعد في الجزء المخصص للصحافيين بملعب المباراة، أو ترتيب حجرة الاجتماعات لأعضاء مجلس الإدارة، خلال عمله الذي كان يستمر لمدة 70 ساعة في الأسبوع.
وبعد رحيل بورشيل، تولى قيادة الفريق ديفيد هوبكين، الذي طلب من مارتنديل أن يعمل مساعداً له. يقول مارتنديل عن ذلك: «لقد كان هوبكين مذهلاً، وسأظل مديناً له لبقية حياتي المهنية». وأصبح مارتنديل مسؤولاً عن ملف التعاقدات مع اللاعبين الجدد؛ ونجح النادي في الصعود إلى الدوري الأعلى. يقول مارتنديل: «إنني فخور للغاية بحقيقة أن نادي ليفينغستون كان متفتح الذهن تماماً فيما يتعلق بإسناد مثل هذه المهمة لي». ومن المؤكد أن تحقيق الفريق لنتائج إيجابية قد سهّل كثيراً من اتخاذ مثل هذا القرار.
وفي موسم 2016 – 2017، كان ليفينغستون يلعب في دوري الدرجة الثالثة، وأصبح مارتنديل يلعب دوراً أكبر بشكل تدريجي: من مدرب، إلى مساعد للمدير الفني إلى رئيس لعمليات كرة القدم، ثم إلى الشخصية الأبرز في النادي بعد استقالة غاري هولت من منصبه الشهر الماضي. وخلال الموسم الماضي، تمكن النادي من احتلال المركز الخامس في جدول ترتيب الدوري الاسكوتلندي الممتاز، وهو ما يُعدّ إنجازاً مثيراً للإعجاب، بالنظر إلى الظروف المالية التي يعاني منها النادي. وكان تعاقد النادي مع ليندون دايكس من نادي «كوين أوف ذا ساوث» في عام 2019 بمثابة ضربة رائعة للغاية، خاصة أن نادي كوينز بارك رينجرز كان قد أنفق أكثر من مليون جنيه إسترليني للحصول على خدمات اللاعب بعد 18 شهراً فقط.
وعبر مارتنديل عن تقديره لكل من ساعده في الوصول إلى تلك المكانة، بدءاً من مسؤولي النادي مروراً بالرئيس التنفيذي، جون وارد، ورئيس مجلس الإدارة، روبرت ويلسون، وعشرات من اللاعبين. ومن المثير للاهتمام أن مارتنديل لم يتعرض لأي مضايقات من المنافسين، ويقول عن ذلك: «في الواقع، كان العكس هو الصحيح تماماً، فقد كان لاعبو ومدربو الفرق المنافسة يعاملونني بشكل رائع، ولم يتطرق أي منهم إلى تاريخي السيئ».
وخلال الأسبوع الماضي، قاد مارتنديل نادي ليفينغستون، الذي يتولى تدريبه بشكل مؤقت حتى الآن، للفوز على نادي «أير يونايتد» في كأس اسكوتلندا. ولو كانت الظروف أفضل من ذلك، كان من الممكن أن يفكر المدير الفني لنادي ليفينغستون في المنافسة على لقب الدوري الاسكوتلندي الممتاز، وهو الأمر الذي يقول عنه مارتنديل: «كنت أشعر بالقلق من أننا في مستوى لا يؤهلنا لتحقيق نتائج إيجابية في الدوري الاسكوتلندي الممتاز، لذلك سأكون صريحاً وأقول لك إنني لم أفكر قط بهذه الطريقة. ولست أنا وحدي من يفكر هكذا، لكن الأمر ذاته ينطبق على مسؤولي النادي والعاملين الرائعين به، لكنني أدركت بعد ذلك أننا لسنا بعيدين تماماً عن المنافسة، خاصة بعدما حققنا نتيجة إيجابية أمام نادٍ عملاق مثل سلتيك».
لكن هل سيظل الماضي عالقاً في أذهان مديري ومسؤولي الأندية الأخرى؟ يقول مارتنديل: «من المحتمل أن يؤدي هذا إلى زيادة الصعوبات التي أواجهها. ستكون هناك دائما عقبات، لكنني بصراحة لا أمانع ذلك؛ فمهمتي هي التغلب على هذه العقبات. لكن هل يتعين علي أن أعمل بجهد أكبر قليلاً من الأشخاص الذين لم يدخلوا السجن؟ ربما يكون هذا صحيحاً، وبالتالي يتعين علي أن أتشبث بأي فرصة تتاح لي».



مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (تويتر)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.