المياه تدخل قناة السويس الجديدة

خلية نحل من شرق القاهرة حتى العريش.. لتنفيذ وتأمين المشروع

أول ممر مائي من القناة القديمة إلى القناة الجديدة واسمه نقطة الاتصال رقم 3 بمنطقة الكيلو 84 ({ الشرق الأوسط})
أول ممر مائي من القناة القديمة إلى القناة الجديدة واسمه نقطة الاتصال رقم 3 بمنطقة الكيلو 84 ({ الشرق الأوسط})
TT

المياه تدخل قناة السويس الجديدة

أول ممر مائي من القناة القديمة إلى القناة الجديدة واسمه نقطة الاتصال رقم 3 بمنطقة الكيلو 84 ({ الشرق الأوسط})
أول ممر مائي من القناة القديمة إلى القناة الجديدة واسمه نقطة الاتصال رقم 3 بمنطقة الكيلو 84 ({ الشرق الأوسط})

يقود السائق المصري حسين حفارا ضخما لرفع الرمال من قناة السويس الجديدة، في شرق القاهرة، ويقول إنه في مثل هذه الأحوال، أي حين يبدأ المطر في صفع الوجوه مع الرياح الشديدة «كنا نطفئ المحركات ونبحث عن مكان للاختباء إلى حين تحسن الطقس»، لكن هذه رفاهية لم تعد موجودة لا له ولا بالنسبة للرجال هنا.
وبينما تنتشر العشرات من النقاط الأمنية بالتعاون بين الجيش والشرطة لمطاردة فلول المتطرفين في سيناء الواقعة على الضفة الشرقية لأهم ممر ملاحي في العالم، يصل ألوف العمال الليل بالنهار من أجل حفر 72 كيلومترا للقناة الجديدة الموازية للمجرى القديم. ويضيف حسين على هدير الحفار: «لم أر أولادي منذ أمر الرئيس عبد الفتاح السيسي بحفر القناة.. 4 أشهر وأنا هنا».

ومنذ إطلاقه في أغسطس (آب) الماضي، انخرط في العمل بالمشروع الجديد أكثر من 84 شركة، ونحو 23 ألفا من المهندسين والعمال وسائقي الشاحنات والحفارات في عملية أصبحت تحظى باهتمام رجال الاقتصاد والسياسة في العالم. ومع ذلك فإن الأمر يبدو أنه لا يتعلق بمجرد شق قناة جديدة فقط، بل بخطة تظهر معالمها أمامك، وأنت تعبر على طول الطريق من شرق القاهرة إلى قناة السويس وحتى سيناء.. خطة متكاملة ذات أبعاد أكبر مما تبدو عليه للوهلة الأولى. ويأتي هذا قبل نحو شهرين من المؤتمر الاقتصادي الذي سبق ودعا إليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، لمساعدة القاهرة والمتوقع أن يعقد في مارس (آذار) المقبل في مصر.
ويراقب النائب البرلماني السابق عن محافظة السويس، عبد الحميد كمال، مشهد الحفر هنا، ويقول إن تنفيذ مشروع القناة الجديدة يسير بمعدلات كبيرة.. هم يسابقون الزمن ويعملون على مدار 24 ساعة عبر 3 ورديات يوميا، مشيرا إلى أن «الجدوى الاقتصادية الضخمة لهذا المشروع العالمي الذي ستستفيد منه مصر وحركة الملاحة والتجارة في العالم.. معدلات العمل مرتفعة لإنجاز أكبر قدر من المشروع قبل المؤتمر الاقتصادي المنتظر».
وخسرت مصر مليارات الدولارات منذ «ثورة 25 يناير 2011»، بسبب الاضطرابات السياسية التي ظهرت معها التنظيمات المتطرفة، وقيام أكثر من 10 آلاف من المتشددين بالتحصن في سيناء خلال فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي التي استمرت لمدة سنة.
وتسلم السيسي رئاسة الدولة المصرية وهي تعاني من نقص حاد في الطاقة وفي المخزون الاستراتيجي من الغذاء مع تراجع كبير في احتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي. أضف إلى ذلك الضغوط التي تعرض لها السيسي نفسه من جانب الكثير من الدول الغربية عقب انحيازه وهو وزير للدفاع لرغبة الشعب المصري في التخلص من حكم جماعة الإخوان ومرسي.
لكن مصر تمكنت بمساعدة عدد من الدول العربية وعلى رأسها السعودية من فرض إرادتها في المجتمع الدولي خلال بضعة أشهر فقط، كما تمكنت بمساندة من الأشقاء العرب من سد الاحتياجات الأساسية للشعب خاصة من الوقود والكهرباء. ويقول مصدر في الرئاسة المصرية إن السيسي، وحتى قبل أن يخوض الانتخابات الرئاسية، كان يرى أن البلاد مقبلة على مرحلة مصيرية، وأنه كان يقول: «إما أن نكون أو لا نكون.. وأن مصر إذا لم تتجاوز الكبوة التي وقعت فيها، فإنها لن تقوم لها قائمة لسنوات طويلة».
ويوضح النائب كمال وهو يتابع حفارا ضخما يرفع الرمال من مجرى القناة الجديدة إن «مشروع القناة أوجد منذ الآن فرص عمل كبيرة جدا كانت مصر في حاجة ملحة إليها للتغلب على المشكلة الاقتصادية المزمنة التي تعاني منها.. اليوم أصبحت توجد فرص للآلاف من العمالة الفنية والعمالة العادية وسائقي الشاحنات والحفارات واللوادر والمهندسين. هذه فرص عمل لم تكن متاحة هنا. وحركة تنشيط بالمنطقة لم تكن موجودة، وأصبح الآن يمكن أن ترى أفقا للاستثمار. وبالأمس بدأت مجموعات جديدة تتدرب على تشغيل آليات حفر مستوردة من الخارج.. هذا تحضير لأفق اقتصادي واجتماعي كبيرين».
ورغم أن السيسي كان مترددا في خوض انتخابات الرئاسة حتى لا يقال: إن انحيازه وهو وزير للدفاع لثورة الشعب ضد الإخوان في صيف 2013 هدفها تولي السلطة.. ورغم أنه لم يتقدم للشعب ببرنامج انتخابي محدد، فإن الغالبية العظمى من المصريين كانت تضغط عليه من أجل أن يترشح للرئاسة وأن يقود مصر للمستقبل.
ويقول أحد المقربين من السيسي: «حين اتخذ قرار خوض الانتخابات وخلع البدلة العسكرية وارتداء البدلة المدنية، اغرورقت عيناه بالدموع، لسببين.. الأول أنه لم يكن يرغب في ترك المؤسسة العسكرية التي أمضى فيها معظم حياته الوظيفية. والثانية أنه كان يدرك حجم التحديات التي أمامه، وحاجة مصر إلى نهضة شاملة في وقت وجيز. الرئيس قال حين تولى المسؤولية سنعبر عنق الزجاجة خلال سنتين، وهذا ما يجري بالفعل على أرض الواقع».
ومن خلال حديث مطول مع عدد من القادة العسكريين على ضفة قناة السويس، يبدو أن السيسي أخذ على نفسه عهدا بعدم إطلاق الوعود البراقة للشعب، وأن يقدم بدلا منها عملا حقيقيا على الأرض. فعلى الجانب الشرقي من القاهرة، سواء كنت تسلك الطريق الواصل من العاصمة إلى السويس أو إلى الإسماعيلية أو إلى بورسعيد وسيناء، يمكنك بكل سهولة أن ترى عملية بناء جديدة تشمل توسيع الطرق ونصب الجسور والكباري وحفر الأنفاق.. حتى تصل إلى قناة السويس نفسها التي تعبر منها عشرات الألوف من سفن العالم سنويا.
تتوقف الحافلة في الطريق المجاور للقناة. هنا مدينة الإسماعيلية التي تتوسط جانب المجرى من ناحية الغرب. أنت الآن على مرمى حجر من سيناء التي تقترن الأخبار عنها بالعمليات الإرهابية اليومية، لكن كل هؤلاء العمال الذين يشقون قناة جديدة يبدو أن لديهم ثقة في أن مستقبل المتطرفين إلى زوال. ويقول حسين وهو يقود الحفار: «القتل والتفجير لا يبني مستقبلا لأولادنا. المستقبل في العمل».
ومن داخل بستان من البرتقال الذي تشتهر به مدن قناة السويس، يلقي النائب كمال نظرة على إحدى السفن العملاقة وهي تعبر القناة في طريقها إلى البحر الأحمر قائلا إن «من خلال مشروع الممر الملاحي الجديد ومن خلال الحرب على الإرهاب في سيناء، تستطيع أن تقول إن مصر تبني بيد وتحمل السلاح باليد الأخرى لحماية الشعب من خطر المتطرفين.. وفي النهاية هذا أمر عظيم، خاصة أن القوات المسلحة والشرطة تبذلان مجهودا كبيرا جدا من أجل مقاومة الإرهاب. وبعد أحداث فرنسا وبعد العمليات الإرهابية في عدة بلدان وبعد ظهور داعش، بدأ العالم كله يشعر بمخاطر الإرهاب، وهذا ما سبق وحذر منه الرئيس السيسي».
ويطارد كل من الجيش والشرطة، منذ نحو سنتين من يسميهم بـ«التكفيريين» خاصة في المنطقة المحاذية لحدود سيناء مع قطاع غزة. وتمكنت القوات الأمنية من محاصرة أوكار المتطرفين بعد أن أزالت عشرات المباني السكنية التي تحولت في الماضي لمراكز للتهريب عبر الأنفاق بين غزة وسيناء. وأجرى الجيش مداهمات جديدة في المناطق الحدودية في الشيخ زويد ورفح. وشدد الفريق أول صدقي صبحي وزير الدفاع على أنه «لا تهاون مع من يحاول العبث باستقرار الوطن».
وتنتشر على جانبي الطريق الواصل من القاهرة إلى الإسماعيلية مئات المزارع الكبيرة ويمكن أن ترى الثمار الملونة وهي تتدلى من الأشجار الخضراء. وعلى غير المعتاد في الطرق المصرية، أصبح هناك «دوريات أمنية متحركة» بكثافة، بحيث إنه لا يمكن أن يساورك القلق من حوادث الخطف والإرهاب، كما يقول سائق السيارة الأجرة الذي ظل يعدد طوال الطريق محاسن الرئيس السيسي وما يقوم به من مشروعات. ومن هنا تستطيع أن تعبر القناة إلى داخل مدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء، وهي منطقة أصبحت مدرجة ضمن المستفيدين من فتح مجالات العمل في السويس.
ويقول رئيس الوزراء المصري إبراهيم محلب: «مصر أصبحت تسير على طريق واضح من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية»، في إشارة إلى قرب عقد المؤتمر الاقتصادي والبدء في إجراءات انتخاب أول برلمان في عهد السيسي. وتجري عملية حفر القناة الجديدة على مرحلتين باستخدام ما يزيد عن 4500 من الآليات المتنوعة.. المرحلة الأولى: الحفر على الناشف لرفع 258 مليون متر مكعب من الرمال. والمرحلة الثانية حفر الرمال المختلطة بالمياه (التكريك) وتبلغ كميتها 242 مليون متر مكعب.
وكان هذا أول يوم لفتح المياه من القناة القديمة إلى القناة الجديدة. وكان يمكن لمركب صغيرة (لنش) أن تعبر مسافة 600 متر للانتقال لأول مرة من القناة القديمة والإبحار فوق مياه القناة الجديدة وبطول نحو كيلومتر، بينما كان العمال يديرون الآلات العملاقة لضخ الرمال المغمورة بالمياه بعيدا عن مجرى القناة الجديدة من الجانبين الشمالي والجنوبي.
وتربط قناة السويس، التي افتتحت للملاحة لأول مرة قبل 150 سنة بحضور قادة العالم في ذلك الزمان، بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط، وتستخدم طريقا بحريا مختصرا بين شرق العالم وغربه، بدلا من طريق رأس الرجاء الصالح البعيد، والواقع في جنوب القارة الأفريقية، والذي يكلف دوران السفن من حوله الكثير من الوقت والمال.
وتعبر من قناة السويس الحالية أكثر من 18 ألف سفينة سنويا، وتحقق أرباحا لمصر قدرها 4.86 مليار دولار سنويا. لكن مشروع القناة الجديدة سيتيح إمكانية عبور نحو 27 ألف سفينة سنويا. والأهم مضاعفة الدخل القومي لمصر من العملات الأجنبية بنسبة تقدر بنحو 260 في المائة.
ويعد هذا من أكبر المشروعات القومية في مصر منذ عقود. وكانت المدة المقررة للانتهاء منه 5 سنوات ليكون جاهزا أمام حركة الملاحة الدولية، لكن الرئيس السيسي، الذي يسعى لإخراج بلاده من دائرة الفقر والعوز، رد على منفذي المشروع بقوله إنه لا بد أن ينتهي خلال سنة واحدة. ويوضح رئيس هيئة قناة السويس، الفريق مهاب مميش: أجبتُ الرئيس وقلت له، كرجل عسكري، إن الأمر قد جرى تنفيذه بالفعل؛ أي أن المشروع سينتهي في أغسطس المقبل.
وتحرك «اللنش» من أمام مرسى نادي الزهور، على مجرى القناة القديم، بينما كان الجنود والموظفون يلوحون بالأعلام الوطنية من بعيد احتفاء بعدد من المستثمرين المصريين والعرب والأجانب الذين كانوا قد انطلقوا في «لنش» آخر لتفقد عمل الشركات التابعة لهم في حفر المجرى الجديد للقناة، بصحبة اللواء كامل الوزير، رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، المشرفة على المشروع.
وفي الخلفية، على رصيف الميناء، كانت فرقة الموسيقى العسكرية بملابسها الحمراء، تعزف الأناشيد الوطنية، ومن بينها نشيد «خلي السلاح صاحي». ومن وسط القناة حلقت طيور البحر حول ناقلة بضائع عملاقة قادمة من آسيا وفي طريقها إلى البحر المتوسط. وخرج أحد البحارة فوق السطح، وأخذ يشير بعلامة النصر بأصابعه.
وهبت الرياح الباردة مجددا وبدأ رذاذ المطر يختلط برذاذ مياه القناة المالحة.. وأمسك أحد مسؤولي بنك الإمارات دبي الوطني، وهو ألماني الجنسية، بالحاجز حيث كان يجلس فوق اللنش البحري الصغير متجها إلى نقطة الاتصال رقم 3 بمنطقة الكيلو 84 جنوب القناة، وهذا المكان هو الذي جرى فتحه من أجل دخول المياه من القناة القديمة إلى القناة الجديدة. وسينتهي حفر 3 قنوات اتصال أخرى بين القناتين خلال أسابيع. ويتراوح عرض اليابسة الذي تفصل بين القناتين بين 500 متر وحتى 4 كيلومترات. وستقام على هذه الأراضي التي تشبه الجزر منتجعات سياحية ومراكز خدمية وغيرها.
وهنا تمكن العمال تحت روافع الحفارات العملاقة من إزالة ملايين الأمتار المربعة من الرمال، وفي كل يوم يزيحون من أمامهم كثبانا رملية جديدة لفتح مسافة يصل طولها إلى 72 كيلومترا. وفي يوم الجمعة كان يمكن التجول بواسطة مركب، لأول مرة، فوق القناة الجديدة.
ورغم سوء أحوال الطقس في مثل هذا الوقت من السنة، يستمر العمال في شق المجرى الملاحي الجديد في تحد لكل الظروف. ويقول محمود بشير، وهو سائق شاحنة من مدينة أسيوط بجنوب البلاد، إن العمل في مشروع القناة الجديدة أنقذه من البطالة بعد أن كان يستخدم شاحنته في نقل البضائع إلى ليبيا التي تعاني في الوقت الحالي من الاضطرابات السياسية والأمنية. ويضيف أنه كان يعمل سائق شاحنة في العراق أيضا حتى أواخر الـتسعينات من القرن الماضي، وعاد إلى مصر بسبب الحرب في العراق وقتذاك.
ومن المعروف أن معاناة مصر مع البطالة ارتفعت بشكل كبير بعد التداعيات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، سواء في العراق أو فيما بعد في ليبيا التي كان يعمل فيها نحو مليوني مصري. ويضيف أحمد عبد المجيد، من محافظة بورسعيد المجاورة، وهو مهندس متخصص في إصلاح مضخات «التكريك»، أي طرد الرمال المشبعة بالمياه في مجرى القناة الجديد، وهو نوع من المضخات العملاقة، إن عملية «التكريك» بدأت تأتي بنتائج طيبة بالفعل منذ عدة أسابيع، وحولت أرضية القناة الجديدة من رمال جافة إلى مستنقعات.
ويبلغ إجمالي كميات الرمال المبللة من خلال أعمال «التكريك» نحو 242 مليون متر مكعب. وتبلغ كلفة طرد هذه الرمال من المجرى الجديد نحو ملياري دولار وتقوم بها 22 كراكة تابعة لشركات عالمية وأخرى لهيئة قناة السويس. وبالإضافة للشركات المحلية توجد أيضا شركات تعمل في المشروع من الولايات المتحدة والإمارات وهولندا وبلجيكا وغيرها. وجاء خبر جديد عبر الهاتف عن وصول كراكتين جديدتين للمشاركة في الحفر، من أجل سرعة إنجاز المشروع هما الكراكة «بلس1» و«بلس2». ويقول مسؤولو القناة إنه بنهاية الشهر الجاري سيصل إجمالي الكراكات إلى 36 كراكة.
ويضيف المهندس عبد المجيد أن «هذه المستنقعات ستتحول سريعا بفعل التكريك إلى مجرى مائي بعمق مترين على الأقل خلال الأسابيع المقبلة، وبعد ذلك تبدأ أعمال تعميق القناة لتكون متاحة لعبور السفن بحلول الصيف المقبل». وتسلم عبد المجيد مثل الآلاف من زملائه هنا أطقم جديدة من الملابس الشتوية التي وفرتها القوات المسلحة مع بطاطين ولوازم معيشة إضافية.
وعلى التلال الرملية وفي الحدائق القريبة من مكان العمل، جرى نصب عشرات الخيام والشقق المتنقلة (كرافانات)، بعضها مخصص للسكن وبعضها الآخر للخدمات الأمنية والعيادات الطبية والاتصالات الهاتفية. وشهد مركز الاتصالات زحاما من جانب العمال أثناء احتفالات المصريين بالمولد النبوي وبليلة رأس السنة. ويقول عبد المجيد: لم يكن هناك وقت للإجازة، وأسرتي تتفهم هذا. قلت لزوجتي عبر الهاتف أن تشتري هدايا المولد للأولاد ولم تتذمر كما كانت تفعل في السابق. هي تعرف أن العمل لن يتوقف هنا حتى يتم وينتهي في وقته المحدد إن شاء الله.
وفي الجانب الآخر من الكثبان الرملية كان أحد العمال يصيح وهو يرشد سائق الشاحنة التي كانت ترجع إلى الخلف لنقل مزيد من الرمال بعيدا عن الشاطئ الجديد للقناة. وستقام على طول الشاطئ الشرقي للمجرى الجديد، مزارع سمكية ومشاريع للصيد البحري وغيرها. وعلى تل رملي يشرف على القناة كان يقف نحو 7 من رجال الجيش يحرسون الموقع. وعلى جانب القناة تمر الدوريات لتأمين السفن العابرة للقناة.
ويقول مسؤولو الأمن هنا إن «الإرهابيين الذين جرى تضييق الخناق عليهم في سيناء حاولوا ضرب المشروع، وفشلوا». وفي اليوم التالي تمكنت قوات الأمن من ضبط 4 قال مدير أمن بورسعيد، اللواء إسماعيل عز الدين، إنهم «من عناصر جماعة الإخوان الإرهابية»، وكانوا يستقلون سيارة ويقومون بتصوير المجرى الملاحي للقناة ونقاط التفتيش على طريق «بورسعيد - الإسماعيلية» في محاولة لاستهدافها. كما عثر بالسيارة على «منشورات تحريضية ضد أجهزة الدولة».
وتتلخص فكرة المشروع في إنشاء قناة موازية يبلغ طولها 72 كيلومترا، منها 35 كيلومترا بالحفر الجاف وتوسيع وتعميق 37 كيلومترا من القناة الأصلية التي يبلغ طولها، من البحر الأحمر حتى البحر المتوسط، 190 كيلومترا.
ويتضمن مخطط المشروع تنمية 42 قطاعا آخر من بينها تطوير الطرق التي تربط القاهرة بالمدن الواقعة في الشرق، وهي مدن القناة وسيناء. واستحداث أنفاق للربط بين ضفتي القناة، وكذلك إقامة مطارين، و3 موانئ لخدمة السفن، ومحطات لتموين السفن العملاقة وغيرها. كما يشمل المشروع إقامة وادي السيليكون للصناعات التكنولوجية المتقدمة، وإنشاء منتجعات سياحية ومدن جديدة على طول القناة، مما سيسهم في توفير أكثر من مليون فرصة عمل.
أما الهدف من إقامة المجرى الملاحي الجديد فيتلخص في عدة نقاط استراتيجية واقتصادية وأمنية.. ويقول أحد كبار الضباط من المشرفين على تنفيذ المشروع إن تطوير قناة السويس سواء بإقامة المجرى الجديد أو بتعميق المجرى القديم: «قضية استراتيجية» لأنه يقضي تماما على المشروع المنافس الذي كانت تريد أن تقوم به إسرائيل، والمعروف باسم «إيلات – أشدود» لربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط سواء عن طريق قناة مائية أو خط سكة حديد.
أما اقتصاديا فإن المشروع سيعزز الدخل القومي المصري من العملات الأجنبية، ويقلل في الوقت نفسه من تكلفة الرحلة البحرية لملاك السفن ويزيد الطلب على استخدام القناة كممر ملاحي رئيسي عالمي، ويرفع من درجة تصنيف القناة، مع توقع ارتفاع النمو في حجم التجارة العالمية مستقبلا.
وفيما يتعلق بالشق الأمني يأمل القائمون على المشروع أن يعمل على امتصاص البطالة في البلاد خاصة في سيناء والمحافظات المجاورة للقناة، وزيادة الدخل لملايين العمال وتنشيط عجلة الاقتصاد وبالتالي الاهتمام بالخدمات الأساسية للمواطنين، خاصة في المناطق المحرومة.
ويقول مميش إن الحروب التي مرت بها مصر في التاريخ الحديث بدأت من قناة السويس، ولهذا فإن المعركة المقبلة ستكون «معركة تنمية» تنطلق من خلال مشروعي تنمية منطقة قناة السويس وحفر القناة الجديدة.
وحين يدرك سكان مدينة الإسماعيلية، على سبيل المثال، أنك ممن يعملون في القناة الجديدة أو أنك قادم لزيارة المشروع يستقبلونك بالأعلام، ويرفع لك تلاميذ المدارس شارات النصر. ويوجد بين المصريين وقناة السويس تاريخ خاص.. فقد شارك أكثر من ربع مليون فلاح مصري في حفر القناة منذ عام 1859 ولمدة 10 سنوات. وهنا دعا الخديو إسماعيل زعماء العالم لحضور الحفل الأسطوري لافتتاح المشروع الذي غير مسار التجارة في العالم.
ومنذ تأميمها من الشركات الأجنبية في عام 1956 لصالح الدولة المصرية، تعرضت القناة للغلق 5 مرات، بسبب الحروب بين مصر وإسرائيل، إلى أن عادت للعمل من جديد عام 1975. ويستلهم المشروع الحالي مجموعة أفكار جرى طرحها في الماضي على الرؤساء المصريين، منذ عهد السادات، لكنها كانت تقتصر وقتذاك على تحويل الممر المائي التقليدي إلى مركز اقتصادي عالمي، إلى أن تولى الرئيس السيسي المسؤولية، ليفاجأ المصريون في الخامس من أغسطس الماضي بالبدء فعليا في تنفيذ مجرى جديد للقناة وتنمية المنطقة وما حولها بالكامل.
ونجح السيسي في إقناع الشعب بجدوى المشروع وأهميته، وظهر ذلك حين طلب من المصريين شراء شهادات استثمار في القناة الجديدة بفائدة تصرف كل 3 أشهر قدرها 12 في المائة. وتمكن بالفعل، في 15 أغسطس، من جمع 61 مليار جنيه مصري (نحو 8 مليارات دولار).
ويقول الفريق مميش وهو يتحدث بحماسة وعزم عن المشروع إن المصريين حين اشتروا شهادات الاستثمار في القناة الجديدة الصيف الماضي لم يقصدوا تحقيق أرباح لأنفسهم، ولكنهم كانوا يريدون أن يبرهنوا للجميع في الداخل والخارج على ثقتهم في الرئيس وفي الخطوات التي يتخذها من أجل البناء، والدليل على ذلك أن البنوك شهدت ازدحاما على شراء الشهادات، لكنها لم تشهد الازدحام نفسه على تحصيل الفوائد عند حلول موعد استحقاقها.
ومن فوق اللنش البحري يمكن أن ترى على جانبي المجرى القديم الحركة الدائبة، على مدار الساعة، والتي تشبه خلايا النحل بما فيها قوات تأمين القناة من رجال الجيش وقوات الشرطة وأمن القناة. ويقول الفريق مميش، وهو يراقب تدفق المياه في المجرى الجديد: هذا أبلغ رد على كل من شكك في خروج المشروع للنور مؤكدا أن الفضل يرجع لإدارة هيئة قناة السويس والقوات المسلحة والشعب المصري.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.